وقفة مع كتاب «فضاءات النص الإماراتي»
رؤية تطبيقية للدكتور أحمد الزعبي

 

محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة

حظيت الكتابات الإبداعية بدولة الإمارات العربية المتحدة باهتمام من قبل العديد من النقاد والكتّاب العرب الذين شدت اهتمامهم جملة من القضايا فسلطوا عليها الأضواء، وكشفوا النقاب عن خباياها، ولذا فلا بد من الاهتمام بتلك الكتابات ومتابعتها، كونها تقدم للقارئ العربي فوائد جمة، ورؤى هامة عن المسيرة الإبداعية الإماراتية، فالنقد في زمننا هذا لم يعد مجرد شرح لمضامين النص، أو عبارة عن اشتباك ذهني مع المبدع، بل إنه يزود المتلقي برؤى معمقة، وأفكار جديدة لم تخطر على باله، ولم يكن ليكتشفها لولا الرؤى المقدمة من قبل الناقد، وفي الكثير من الأحيان يبرز الناقد ملامح فنية إنسانية يتسم بها مبدع النص تثير دهشته، وتنبهه إلى قضايا لم ينتبه لها، مما يُسهم في إثراء مواقفه، وكما قال رولان بارث: «النقد تشويق، ودراما للحواس، وانفعال، وإثارة للمشاعر، بحيث يتحول الإبداع إلى فيض من الحوار والتحريض بين الناقد والقارئ والمؤلف».

ومن خلال كتاب «فضاءات النص الإماراتي ـ دراسة تطبيقية» يغوص بنا الكاتب عميقاً في فضاءات النص الإماراتي، حيث يقدم لنا دراسة تطبيقية وافية.

يشير المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن الأدباء الإماراتيين ركزوا في كتاباتهم الإبداعية على مرحلتين رئيستين في حياة المجتمع الإماراتي، وفي حياته: مرحلة ما قبل اكتشاف النفط، ومرحلة ما بعد ذلك، وقد اتسمت المرحلة الأولى بالقساوة والمرارة، ولكنها كانت أقل تعقيداً وانفلاتاً من الثانية، التي عرفت تحولات وتطورات كبرى باتجاه البناء، والعمران، وتحويل الصحراء إلى مدن عصرية من باب مواكبة ركب الحضارة، والتفاعل معها في أغلب المجالات، بيد أن هذه المرحلة حملت معها همومها، وتعقيداتها، ومشكلاتها، وهذا ما جعل الأدباء يتخوفون من جملة من الأخطار التي واكبت هذه المرحلة «ويحذّرون من خلل مرافق لها، قد يتفاقم ولا تعود السيطرة عليه ممكنة، وتركّز قلق الأدباء في كتاباتهم على تراجع القيم الأخلاقية والروحية والعلاقات الحميمة أمام سطوة الماديات، ومغريات الاستهلاك، وكذلك حالات اللاتجانس الاجتماعية والثقافية والحضارية.. إلى غير ذلك.
وركز الأدباء في المرحلة الأولى على عالم البحر والصحراء، وما عاناه ذلك الجيل من أخطار وآلام من ركوب البحر طلباً للرزق، وما عاناه من أوجاع ومرارات من جفاف الصحراء وقسوة الطبيعة، وشظف العيش. كما ركّزوا في المرحلة الثانية على عالم الانفتاح والتطور والتكنولوجيا وتداخل الأجناس وتخلخل القيم، والمبالغة في المظاهر، على الرغم من الانتقال من الفقر إلى الغنى، ومن البحر والصحراء إلى المدينة العصرية ووسائل تقنيتها الحديثة»(1).

القصة القصيرة: بنية التضاد وفضاءات الاغتراب

قسم الدكتور أحمد الزعبي الفصل الأول من الكتاب الذي خصصه لتقديم دراسات تطبيقية عن القصة الإماراتية القصيرة، إلى قسمين: بنية التضاد، وفضاءات الاغتراب.

في القسم الأول قدم عدة دراسات، حيث انطلق من صورة الصحراء كما جسدت من طرف بعض كتاب القصة في الإمارات في المرحلتين الأولى والثانية، أي أنه يميط اللثام عن صورتها قبل النفط، وصورتها بعد اكتشاف النفط، وما عرفته تلك المرحلة من تغيرات وتحولات في الصحراء، والناس، والقيم، والعلاقات. والقصص المنتقاة من قبل الدكتور أحمد الزعبي تعكس صوراً متنوعة للصحراء «تشكل ثنائية للموت والحياة، الموت حين كانت صحراء جرداء حارقة فقط، والحياة حين تدفقت بالنفط ونعمه، وتحولت إلى (جنان خضراء)، ومدن عصرية شامخة. كما تتوزع عواطف الكتّاب، وتتباين مواقفهم تجاه الصحراء على المستويين: الواقعي والرمزي، حيث توظّف الصحراء حلماً جميلاً ـ على قسوته وبدائيته ـ يثير الحنين إلى الماضي والذكريات قبل طوفان المدينة والمدنيّة وتعقيداتها و(قلاعهما الإسمنتية) ـ على حد تعبير بعض الأدباء ـ من ناحية، أو توظّف كابوساً مخيفاً كان يشقى الناس فيه، ويتعذبون في سبيل توفير لقمة العيش، فجاء الانتقال إلى المرحلة الميسورة الجديدة خلاصاً من تلك المعاناة، وذاك الشقاء، من ناحية أخرى، وشكّل هذا التباين أو التنوّع في رؤية الأدباء للصحراء قديماً وحديثاً، ثنائية للموت والحياة تقدمها الصحراء»(2). فقصة«شقاء» لعلي عبد العزيز الشرهان تعود بالقارئ إلى الماضي إلى مرحلة ما قبل النفط، وتقدم صورة عن قسوة الحياة، وظروف الصحراء التي لا ترحم، وقد قدم القاص صورة غاية في القتامة، حيث يرحل الوالد العجوز الذي ظل يعمل دون أن يتمكن من توفير لقمة العيش لأبنائه، لتليه الأم التي تغادر الحياة من شدة الآلام، والأرزاء، أما الابن فيظل يرتقب المجهول في غاية القلق والشجن، خوفاً من ملاقاة مصير والده، فقد شكلت هذه القصة الجانب المرير والمأساوي «من ثنائية الموت والحياة التي عكستها القصة القصيرة، أي جانب الموت والشقاء الذي صبغ الحياة في الصحراء في تلك المرحلة المضنية المريرة التي ستظل شاهداً على ما عاناه أهلها، وعلى المرارات التي حاصرتهم سنوات طويلة قبل أن تتبدل الظروف وتتحسن الأحوال في المراحل التالية، التي حملت معها أيضاً همومها ومشكلاتها، وإن كانت من نوع آخر»(3).

أما قصة «العويد» لناصر الظاهري فهي تروي حكاية عود شجرة السدر، الذي زرعه أحد رجال القرية في منطقة صحراوية، وبعد مدة يكبر «العويد»، ويتحول إلى شجرة كبيرة يستظل بها المارة، وذلك في منطقة «العين»، والتي تحولت فيما بعد إلى مدينة «العين»، وبعد أن وفر الدفء، والألفة للناس، وكان شاهداً على أحلامهم، وآمالهم، وتطلعاتهم يهاجر الناس إلى البيوت الجديدة، ويُترك ذلك «العويد» وحده، بينما أوراقه تتساقط وتجف عروقه، وتنكمش أغصانه، ومن خلال هذه القصة، فناصر الظاهري يعود إلى الماضي المكتنز بالدفء، وهدفه هو المحافظة على العلاقات الإنسانية النبيلة، والثقافة الروحية الأصيلة سواءً أكانت قبل اكتشاف النفط أم بعده.

وفي قصة «حقل غمران» لسعاد العريمي قُدمت صورة قاتمة، ومفجعة لحياة الإنسان في الصحراء القاحلة، وذلك قبل اكتشاف النفط وبعده، ويشير الدكتور أحمد الزعبي إلى أنها قدمت مجموعة من الصور المؤثرة بلغة قوية متوترة «لحياة قاسية مهلكة يعيشها بطل القصة في جحيم الصحراء، تدفعه هذه القسوة إلى اختيار مصير أقلّ قسوة وشقاء ـ كما يظن ـ وهو الموت، فقصة(حقل غمران) ترفع صوتاً محتجاً على معاناة تلك الفئة المسحوقة المعذبة التي يمثلها غمران، لوضع حدّ لمعاناتها، وجعل ظروف عملها مناسبة محتملة، مثل باقي البشر، ومن دون ذلك ترى الكاتبة، فإن مصير غمران المأساوي ينتظر ويهدد الكثيرين من أمثاله، الذين يضطرون من أجل لقمة العيش إلى أن يرموا بأنفسهم إلى التهلكة مهما كان الثمن. وقد تلتمس الكاتبة ضمناً في قصتها العذر لقسوة الصحراء وفواجعها، ومواجعها في الماضي، قبل النفط، ولكنها لا ترى عذراً أو مبرراً لاستمرار المأساة وزيادة الأوجاع بعد أن أكرم الله هذه المنطقة وأهلها بـ (الذهب الأسود) أو النفط، حيث بالإمكان إنقاذ غمران ومن يرمز إليه في المجتمع، إذا ما أخذت قضيته مأخذ الجد، ووفّرت له ولأبنائه الحماية والحياة الكريمة، التي تضمن له عدم التفكير بالمصير المأساوي الذي آل إليه»(4).

وقد جسدت فيها قضية وطنية وإنسانية جادة قدمتها الكاتبة «عبر حدث مأساوي لبطل القصة، وتنطوي هذه القضية على التفكير العميق بتداعيات المرحلة المزدهرة الحديثة، التي تحتاج إلى رؤية عميقة ومسؤولية كاملة لرسم آفاق المستقبل بشكل جاد وسليم ومتوازن، فغمران، ومثله كثيرون، جزء من الصحراء الجديدة الخصبة، فلا يجوز أن نعيده أو نعيدهم إلى جزء الصحراء الموت، الصحراء الخاوية القديمة، (التي تزمجر فيها شمس الظهيرة الحارقة.. وتملؤها رمال حمراء متوهجة، كما تقول الكاتبة»(5).


ركز الأدباء في المرحلة الأولى على عالم البحر والصحراء، وما عاناه ذلك الجيل من أخطار وآلام من ركوب البحر طلباً للرزق، وما عاناه من أوجاع ومرارات من جفاف الصحراء وقسوة الطبيعة، وشظف العيش. كما ركّزوا في المرحلة الثانية على عالم الانفتاح والتطور والتكنولوجيا وتداخل الأجناس وتخلخل القيم


وقد ركزت قصة «غواية» لعبد الحميد أحمد على مشهد خارجي، هو محاولة الوصول إلى البحر، وإصراره على ذلك، وهو يفقد أعضاءه عضواً عضواً، وقد رأى المؤلف أن القاص سعى إلى إيصال رسالته إلى القارئ بأسلوب رمزي مقنع «وبتحليل ما ورائيات النص القصصي اللامعقول الذي قدمه المؤلف، فإن موضوع القصة هو الحالة اليائسة المنهارة التي دفعت البطل للبحث عن الحياة، وهذا يعني أنه قد عاش غربة قاتلة في واقعه، وداهمته خيبات كثيرة في عصره، وتراكمت على كاهله أعباء كثيرة نفسية واجتماعية وعاطفية، جعلت من حياته الحاضرة مشروع موت، أو فناء، أو انهيار، وأنه لا بد وقد بدأت حياته في التفسخ والتمزق، والتآكل (ويرمز إلى هذا من خلال تساقط أعضاء جسده في رحلته في هذه الحياة) لا بد أن يصمد ويواجه ويتشبث بأمل دحر هذه الانكسارات والخيبات في حياته، ولا بد أن يمضي باتجاه الماء/البحر، أو باتجاه الحياة والفرح والنصر، حتى يستعيد ما فقده من قيم وأحلام وحنين ودفء وحب وأشياء كثيرة فقدها في رحلة حياته المؤلمة»(6).

وتعرض الدكتور أحمد الزعبي في قسم بنية التضاد لقصة «النشيد» لسلمى مطر سيف، وقصة «الدب الموسيقي» لمحمد المر، وفي الختام تعرض لقصة «شيء ما في غير مكانه» لناصر جبران، التي تقدم حكاية أسرة ميسورة مادياً، ولكنها فقيرة روحياً، وعاطفياً، حيث إن الزوج هو الآمر الناهي، ويتعامل مع أسرته «بقسوة وشراسة، على الرغم من العاهات المبتلى بها التي تركته عاجزاً جسدياً ونفسياً وذهنياً، فهو رجل مسن، أسنانه صناعية، وكذلك عيناه ورجله وذراعه.. كلها صناعية، ومع كل ذلك يظلم ويبطش ويقسو على زوجته، وعلى بقية أفراد أسرته، فالزوجة من ناحية حبيسة البيت، والوحدة، والحرمان العاطفي والجسدي، والبنت سترغم على الزواج ممن لا تريد عن طريق (صفقة)، من ناحية أخرى. وحين يطفح الكيل لدى الأسرة، وتتفاقم الأمور إلى حدّ الانفجار، تقرر الزوجة الهروب من البيت برفقة ابنها وابنتيها، للتخلص من هذا الجحيم الذي يفتك بهم، والفكاك من الموت الذي ينتظرهم.. وفي ليلة الهروب تأخذ الزوجة حقيبتها، بينما يحمل الابن والبنتان الأعضاء الصناعية التي يضعها الأب جانباً، وهو يغط في نوم عميق (طقم أسنانه وعينه الزجاجية ورجله الصناعية.. وكذلك ذراعه الملقاة جانباً..)، في حين كان شخيره لا يطاق»(7).

وقد فسر المؤلف قرار الأم والأولاد بأن له جملة من الدلالات، والإيحاءات، وهو نابع من رفض الكاتب للظلم، والقهر، والقمع، ومن رفضه للاستسلام، والإذعان للفواجع التي تطيح بكرامة الإنسان، وتهدر حقوقه، وتلغي آدميته ووجوده، كما يُستشف من هذه القصة أن هناك دعوة إلى استعادة إنسانية الإنسان الضائعة، وقيمه المتآكلة، وإعادة ترتيب الأمور، وعودتها إلى مكانها الصحيح.

وفي القسم الثاني من هذا الفصل، والذي عنونه بـ: «فضاءات الاغتراب»، تعرض في البحث الأول لقصة (جرثومة) لأسماء الزرعوني، والتي تطرح موضوع اختلاف الحضارات، والبيئات، والثقافات، وهو موضوع قديم جديد طرح في كتابات العديد من الكتاب من بينهم: الطيب صالح، وتوفيق الحكيم، وسهيل إدريس، وقد عالجت أسماء الزرعوني هذه القضية في قصتها من خلال حديثها عن العلاقة الزوجية التي جمعت بين شاب شرقي، وفتاة أمريكية يتزوجها البطل«سالم»، وينجب منها طفلتين، وبعد أن ينهي دراسته في الجامعة يُقرر العودة إلى وطنه، ولكنها ترفض ذلك رفضاً قاطعاً على اعتبار أنها تعيش في بلاد متحضرة، بينما بلاده تتسم بالتخلف، ويعود «سالم» إلى وطنه من دون طفلتيه، وذلك حسب القوانين الأمريكية، ويظل في معاناة القهر، والشوق، والشجن.
وقد تجلت فضاءات الاغتراب في تركيز الكاتبة على معاناة سالم، وعذاباته، وندمه بعد فوات الأوان، كما أشارت إلى الهوة الحضارية، والفوارق الجوهرية بين عالم الشرق والغرب، ولاسيما من حيث الأبعاد الحضارية، والروحية، والعاطفية، والنفسية.

وأما محمد حسن الحربي، فقد رصد في قصة (تحولات) انقراض مجموعة من القيم الإنسانية النبيلة في هذا العصر، وتحولها إلى ظواهر غريبة، وقد رمز من خلال شخصية «سعيد» للقيم الضائعة، وقد بدا وكأنه يعيش خارج هذا الزمن الرديء، وكأنه أتى من عالم آخر، وقد صوره محمد الحربي على أساس أنه يمثل الصورة المثالية التي ينبغي أن يكون عليها البشر، إن رغبوا في الاحتفاظ بصورتهم الإنسانية الحقيقية.

في حين جسدت قصة (من يخشى النهار) لباسمة يونس وضعاً مأساوياً، ومفجعاً للمرأة الشرقية المستسلمة لواقعها، حينما تنعدم العاطفة والاحترام بينها وبين زوجها، وقد رأى المؤلف أن الكاتبة في هذه القصة تقرع جرس الإنذار «وتحذر من خطر بدأ يطفو ويفلت في زمن الفضائيات والحريات...
وقد يصعب السيطرة عليه بعد ذلك، فالعلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل وبناء..إنها علاقة مقدسة بين الزوجين، فكيف لمثل هذه العلاقة أن تتهاوى إلى مثل هذه القسوة والإذلال الذي تعانيه بطلة قصة (من يخشى النهار)؟ هذا النهار الذي يجب ألا يخشاه أحد.. بل يجب أن نحب النهار والنور والحرية..وكل ما يجعل الإنسان أرقى وأسمى وأجمل كما توحي الكاتبة»(8).

وترصد قصة (هواجس) لشيخة الناخي، أزمة الفقر والغربة، من خلال تجسيدها لما يعانيه بطل القصة خلفان العبيد من أرزاء ومحن، بعد وفاة والده، فيضطر للعمل مدرساً براتب ضئيل حتى يعيل عائلته، أما الغربة فقد حاصرته من شتى الجهات في العمالة الوافدة، والأجناس المختلفة، وفي اللهجات واللغات المتعددة التي تنتشر في كل مكان. وتروي قصة (ليس إلا..) لفاطمة محمد، ذلك الكابوس الذي داهم البطل في ليلة من الليالي، حيث إنه كان مُطارداً من رجال الشرطة، وفي يده حقيبة يتمسك بها ـ وكأنها حياته كلها ـ وحينما تتكرر مداهمات الشرطة له في شتى الأماكن والأزمنة «ينتهي به الأمر إلى الصحراء، حيث الجفاف والرمال وآلات التنقيب عن النفط... وبعد أن يغوص في رمال الصحراء تأتي (الآلات الصفراء) العملاقة، وتحفر حفرة كبيرة وعميقة حيث يتفجر منها النفط.. على شكل دم أحمر.. ينزف (.. من قلب بشري)، حيث تنتهي هذه المطاردة (الكابوسية.. الجنونية) باستيقاظ البطل من نومه.. وهو (يلعن هذه الأحلام) الغرائبية المخيفة»(9).

الكتاب مساهمة جدية ومتميزة في سبيل تقديم رؤية تحليلية وتطبيقية عن الأدب الإماراتي، وهو يشكل إضافة

وقد رأى الدكتور أحمد الزعبي في تفسيره لدلالات الحلم في هذه القصة أن الكاتبة لجأت إلى تقنية الحلم لتجسيد الواقع بأسلوب غرائبي فانتازي «فإذا كانت الأحلام عند (فرويد) استجابة لرغبة مكبوتة، أو انعكاساً لظروف مضطربة متوترة لدى الحالم، فإن أحلام أو كوابيس بطل القصة تعكس همومه وهواجسه في الواقع، التي تشير في آخر الأمر إلى هموم الكاتبة، وإلى قضيتها المحورية التي تنطوي عليها هذه القصة» (10).

أما قصة (الأعمى والفأر) لحارب الظاهري، فقد لخص فيها قصة فأر خطير قاتل يدخل المدينة، ويُفسد الزرع، وبفعل فساده تنتشر الأوبئة، وفي ظل وجوده تصبح حياة الناس مهددة، فيزمعون التخلص منه، ومقاومته بشتى الوسائل، وقد باءت محاولاتهم بالفشل، حيث إنه يُراوغهم، ويخدعهم، إضافة إلى أنه مدعوم من قوى خارجية وداخلية «تُفسد كل محاولة للقضاء عليه، أو طرده أو التخلص من شروره وتهديداته، ويتطوّع رجل أعمى في المدينة لحلّ الأزمة، ويقترح تركه وشأنه أو التعايش معه ومهادنته، إذ لا طاقة لأهل المدينة لمقاومته أو القضاء عليه. وتتزايد أخطار الفأر، وتكثر (غزواته)، وتتفاقم شراسته ويقضم (لحم الأطفال)، ويسفك دماء كثيرة، وحين طفح الكيل انبرى له أطفال المدينة (العزل) بالحجارة، وهاجموه بضراوة، وأقضّوا عليه مضجعه ليلاً، ونهاراً، وأفقدوه الأمان والاستقرار، فلجأ الرجل الأعمى إلى الحيلة (والالتفاف) على ثورة الأطفال إنقاذاً للفأر وبحثاً عن مخرج له من مأزقه الذي يتهدد حياته. فقال الرجل الأعمى:مالنا مال الفأر، إنه أصبح صديقاً لنا.. هكذا أخبرنا أصحاب (البيت الأنيق)... ولذا يجب على الأطفال أن يكفّوا (عن اللعب)... وبعد أخذ وردّ.. قرّر الرجل الأعمى والفأر وأصحاب البيت الأنيق، ومن يؤيدهم أن من حقّ الفأر أن يعيش بسلام..ويأكل ما يشاء.. ويوسع جحوره وبيوته.. ويرسم أحلامه دون التعرّض له بشرّ أو تهديد.. ثم يختتم الكاتب قصته قائلاً: (وهكذا تناسل الأعداء..)»(11).

وقد رأى الدكتور أحمد الزعبي لدى معالجته لهذه القصة أن لغة حارب الظاهري تتميز بشاعرية مدهشة، وهذا ما يجعل النص القصصي النثري عبارة عن نسيج من اللغة الأدبية، والشعرية، والمجازية، وهو يوازن ما بين البنية الجمالية، والبنية الفكرية، وأشار إلى أنه في أغلب قصص مجموعته (مندلين) تسود ظاهرة شعرية القصة، وبالنسبة لما يرمز المؤلف من خلال قصته هذه التي أرادها المؤلف أن تكون بعيدة عن التعقيدات الرمزية الصعبة، فهو يريد أن يقول إن الغزو، والاحتلال، والخراب الذي تجلى في غزو الفأر يمثل المحتل الذي هو مدعوم من قوى كبرى، وأصحاب النفوذ، أما الرجل الأعمى فهو يرمز في القصة إلى طائفة من الناس المتعامين عن الحق، والذين يدورون في فلك المحتل، ويسعون إلى إجهاض مقاومته، والتعايش مع العدو الذي هو الفأر في القصة. وفي بحثه عن ما يسعى إليه حارب الظاهري رأى الدكتور الزعبي أن حارب الظاهري «يشدّ على أيدي أطفال الحجارة، ويبعث لهم رسالة أمينة وحريصة وبعيدة النظر، وتتفجر غضباً وحُباً ووطنية، تنطوي عليها هذه القصة، ومؤداها: أن يتشبث كل طفل بحجره.. إنه أبقى من الدبابة... لأن مع الحجر الحق، ومع الدبابة الباطل، وفي زمن كهذا الزمن الموبوء يغض العالم بصره عن دماء أطفال تسفح كل لحظة، وتنقلها الفضائيات (حيّة ومباشرة وبالألوان الفاقعة).. وفي عصر كهذا العصر الرديء تتمزق الأمة شيعاً وأحزاباً.. ويأكل الأخ أخاه، فليس لكم أيها الأطفال إلا الصبر والحجر، والنصر الأكيد. ويؤكد الكاتب أخيراً في قصته أن هؤلاء الأطفال المقهورين، هم قاهرون في الوقت ذاته»(12).

الرواية: وعي الذات وتصدعات الواقـع
في الفصل الثاني من الكتاب الذي خصصه المؤلف للحديث عن الرواية، سلط الضوء على روايتين متميزتين هما: (نافذة الجنون) لعلي أبو الريش، و(حلم كزرقة البحر) لأمنيات سالم.

في المبحث الأول المعنون بـ: «رثاء الذات الواعية والتمرد الفردي»، لخص المؤلف أسباب تميز رواية (نافذة الجنون) لعلي أبو الريش، على الصعيدين: الفني، والموضوعي في ثلاث نقاط رئيسة، أولها أن السرد الروائي كُتب بلغة شعرية وفيه غنائية، وإدهاش، وتأثير، مما جعل من الرواية «أنشودة مأساوية أو مرثية للذات الواعية التي تشق طريقها في مستنقعات الواقع المتآكل محاولة ألا تتلوث في قذاراته، وألا تختنق من روائحه الكريهة المتزايدة في كل مكان، إنها رحلة الفئة الواعية الحالمة الباحثة عن الحب والعدالة والحرية والرقي والحضارة الحقيقية في بحار الزيف والسحر والتخلف والبطش وكتم الأنفاس والعقول في العالم المعاصر. رحلة مؤلمة في عصر الصخب والجنون والانهيار على مدى نصف قرن مضى»(13).

وأما السبب الثاني فهو أن الرواية عبارة عن رحلة في ذاكرة الراوي، وحوار داخلي عما يسود في هذا الزمان، وعما سيكون، وهي تجسد انهيارات الذات الواعية بسبب انهيارات الواقع، وقد انتقى المؤلف تقنية مناسبة لتجسيد الصراع الداخلي، وهو أسلوب تيار الوعي الذي مكن الراوي من الانتقال بحرية عبر مختلف الأزمنة، والأمكنة، وأرجع المؤلف السبب الثالث إلى أن الرواية هي «تشخيص دقيق، وتشريح واع لأهم أسباب تشظي المجتمع العربي، وتدهور حال هذه الأمة في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث عصفت بهذه الأمة ويلات وأزمات وهزائم أعادتها إلى الوراء مئات السنين فكرياً وسياسياً واجتماعياً، إلى غير ذلك، وكانت الطبقة المستنيرة المثقفة الواعية هي الضحية الأولى في هذه التصدعات والويلات، وقد حاولت هذه الطبقة ممثلة بالراوي أن تصمد وتناضل وتفك كل أنواع الحصار الذي يطوقها بقوة وقهر، إلا أنها فشلت وتصدعت وسقطت في عالم الاغتراب واليأس والجنون. فالطوفان كان أقوى والتسلط كان أعتى. والشرخ كان أوسع من أن تسده هذه الفئة الواعية التي تسبح في بحر من الزيف والقهر وخنق الأنفاس، وأجواء الخرافة، والخوف والإحباط»(14).

كما درس المؤلف رواية (نافذة الجنون) لعلي أبو الريش من عدة جوانب، فتعرض لشخصياتها، وقدم لنا إحاطة شاملة عن الشخصيات الفاعلة، وتطرق للتقنيات التي وظفها علي أبو الريش في روايته، حيث سلط الضوء على حوارات الذات، وشعريات اللغة/السرد، وإيقاعات الأزمنة والأمكنة.

وفي المبحث الثاني الذي تطرق فيه الدكتور أحمد الزعبي لرواية أمنيات سالم (حلم كزرقة البحر)، والذي جاء تحت عنوان: «الصراع بين شفافية الحلم والواقع»، رأى المؤلف أن الرواية جاءت على شكل شريط من الذكريات قامت باسترجاعها بطلة الرواية بعد مرور أكثر من عشرين عاماً عليها، حيث إنها «تحمل أحلاماً شفافة جميلة، لكنها تنهار جميعاً بسبب تصدعات الواقع وانهياراته، وتحولاته المادية والروحانية والفكرية والاجتماعية، وتغترب هذه الفتاة عمراً طويلاً لتكتشف في العالم الآخر أن ذكرياتها الجميلة، وغير الجميلة في مرحلة صباها قد تبددت وضاعت بسبب قسوة الواقع وقمع الأحلام والمشاعر الطبيعية في هذه المرحلة الخطرة من العمر التي تترك آثارها النفسية والذهنية لفترة طويلة»(15).

وقد استرجعت الراوية كل ذكرياتها، بدءاً من مرحلة الطفولة والمراهقة، حتى نهاية المدرسة الثانوية، وعندما كانت على أبواب الجامعة، كما استرجعت ذكرياتها العاطفية الصاخبة، وذلك مدة ثمانية عشر عاماً، وقد اختصرت هذه الذكريات في صورة واحدة قاتمة، اتسمت بغياب الأحلام، التي كانت (كزرقة البحر) كما جاء في عنوان الرواية، وفي الأخير لخصت الرواية الصراع المرير بين الحب والحقد «بين الحلم الجميل، والواقع الشرس، بين الطفولة البريئة وأشواك الشر التي تستشري في الواقع الصاخب المزدحم المتصارع. إن نهاية الراوية/البطلة تجسد احتجاجاً قوياً على واقع متناقض متصدع، تغيب عنه القيم الجميلة شيئاً فشيئاً، وتزحف عليه طوفانات الخطر والخوف والتمزق وانعدام الأمان. فالراوية ـ وقد طفح الكيل لديها ـ تتمنى الهروب إلى عالم آخر بلا بشر... وبلا أحزان وبلا عذاب، احتجاجاً على ضياع أحلامها التي تريدها (كزرقة البحر) بعد أن تحولت إلى كوابيس مؤرقة أفقدتها طعم الحياة وحب الحياة.. ومعنى الأشياء الجميلة النبيلة التي ما تزال تبحث عنها وتنتظرها... التي ربما تتحقق في المرحلة التالية.. مرحلة الحياة الجامعية.. التي تقف في آخر الرواية على عتبتها»(16).

وفي الختام لا نملك إلا أن نقول إن كتاب الدكتور أحمد الزعبي مساهمة جدية ومتميزة في سبيل تقديم رؤية تحليلية وتطبيقية عن الأدب الإماراتي، وهو يشكل إضافة، ودفعاً إيجابياً للرؤى النقدية المقدمة عن الأدب الإماراتي في محاولته للكشف عن فضاءات النص الإماراتي وسماته، بأدوات علمية مقتدرة.

 

الهوامــش:

(1) د. أحمد الزعبي: فضاءات النص الإماراتي ـ دراسة تطبيقية ـ، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة، ط: 01 ، 2005م، ص: 05 وما بعدها.

(2) د. أحمد الزعبي: فضاءات النص الإماراتي ـ دراسة تطبيقية-، ص: 12.

(3)د. أحمد الزعبي: فضاءات النص الإماراتي، ص:16.

(4)المصدر نفسه، ص: 22 وما بعدها.

(5)المصدر نفسه، ص: 24.

(6)المصدر نفسه، ص: 33 وما بعدها.

(7)المصدر نفسه، ص: 81 وما بعدها.

(8)المصدر نفسه، ص: 107.

(9)المصدر نفسه، ص: 117.

(10)المصدر نفسه، ص: 118.

(11)المصدر نفسه، ص: 123 وما بعدها.

(12)المصدر نفسه، ص: 129.

(13)المصدر نفسه، ص: 137 وما بعدها.

(14)المصدر نفسه، ص: 138 وما بعدها.

(15)المصدر نفسه، ص: 177.

(16)المصدر نفسه، ص: 194.