الحكاية المثلية «نوعاً أدبياً»
الرسالة والقضايا

عبد الواحد التهامي العلمي

عندما يريد الباحث في الأدب العربي القديم أن يقف على الأجناس الأدبية بشكل عام وأجناس السرد بشكل خاص، فإن ما يصطلح عليه بالحكاية المثلية يشكل أحد أهم الأجناس الأدبية السردية التي أسهمت في صياغة الأدب العربي القديم على نحو ما أسهمت في التعبير عن الرؤى الإيديولوجية التي عبر عنها مجموعة من كتّاب هذا الجنس، كما جسدت التواصل الحضاري الذي خاضت فيه الثقافة العربية مع ثقافات الشعوب المجاورة. ومن نصوص الحكاية المثلية: «النمر والثعلب» لسهل بن هارون، و«الأسد والغواص» المجهولة المؤلف، و«كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع.

1- الحكاية المثلية «جنساً أدبياً قديماً»
الحكاية المثلية مجموعة من القصص أو الحكايات ترتكز على أحداث متتابعة يكون أبطالها من الحيوانات التي تتحاور فيما بينها، وغالباً ما يكون هذا الحوار موجهاً لنقد سلوك الناس وطبائعهم وأخلاقهم أو معالجة قضايا اجتماعية وسياسية كثيرة عن طريق التلميح والترميز. وهي فن من فنون النثر العربي القديم المعروفة في التراث القصصي، «إذ لم يخل منه عصر، فضلاً عن كونه «فنًّاً كونياً عرفته كل الثقافات عبر التاريخ» (1)، واختلفت في تسميته حيث عُرِّف هذا الجنس بتسميات متعددة كـ «المثل» أو «الأمثولة» أو «الحكاية المثلية» أو «الخرافة» أو «الحكاية» أو «القصة على لسان الحيوان»، أو «رواية الحيوان».

لقد اختلف الدارسون حول نشأة هذا الفن؛ فبعضهم يرى أن أصوله يونانية، وبعضهم الآخر يكاد يجزم أن الهند كان لها السبق في ظهور هذا النوع من الحكايات، بينما يرى آخرون أن هذا الفن كان له ارتباط وثيق بالحكاية أو القص الشعبي والأسطورة، مما حقق له الشيوع والانتشار في كثير من الأمم.

إن أي فهم حقيقي لهذا الجنس الأدبي ينبغي أن بضع في اعتباره أنه جنس أدبي كلاسي يجري عليه ما يجري على الأجناس الأدبية التي أنتجت في العصر الكلاسي عربياً أو غربياً؛ أي أن الحكاية المثلية شأنها شأن الخطبة والخبر والنادرة والمقامة والقصيدة... إنما صيغت لتستجيب لحاجات جمالية وأخلاقية متداخلة. فالتصور الكلاسي للأدب لا يفصل بين الفن والأخلاق ويقوم الإنتاج الأدبي بتواشج أدبيته بنجاعته في مجال الأخلاق والسلوك والاعتقاد. وهذا يعني أن المدخل الصحيح لقراءة الحكاية المثلية ينبغي أن يقوم على مراعاة هذا الوضع الأدبي المخصوص. فالوظيفة الحجاجية أو التداولية تكيف الوظيفة الأدبية، كما أن الوظيفة الأدبية تتخلل الوظيفة الحجاجية والتداولية. وهذا يعني أننا لا نستطيع استخلاص المكونات التي صنعت أدبية هذا النوع دون مراعاة التباسها بالوظيفة الحجاجية التي منحتها صيغتها التي تشكلت بها داخل النص المعطى. إننا لا نستطيع أن نفصل مكونات البنية السردية على سبيل المثال عن المقصدية التداولية العامة التي تتحكم في بنية النوع؛ فالزمن، والمكان، والشخصيات، والتضمين، عناصر سردية وضعت على نحو يخدم المقصدية الأخلاقية والتعليمية التي تنهض عليها نصوص الحكاية المثلية في كليلة ودمنة على سبيل المثال. كما أن مقاصد الحكاية المثلية ليست عقلية خالصة، بل تداخلت مع المكون الجمالي بحيث يمكن القول إن استدعاء السرد والرمز والتمثيل والهزل والغرابة كان لأجل إضفاء الطابع الأدبي على التواصل الذي تراهن عليه نصوص هذا النوع.

ولإبراز هذا التداخل نشير على سبيل المثال إلى حكاية «القرد والغيلم» التي تقوم على حبكة سردية مثلما تقوم على رسالة عملية؛ فهذه الحكاية تحكي قصة قرد هرم كان ملك القردة، لكن قرداً شاباً قوياً تغلب عليه ونزع منه الملك. وبعد هروبه إلى الساحل صعد شجرة تين وجعلها مكاناً لإقامته ثم شرع يأكل ويرمي بعض التين في الماء، وكان الغيلم يلتقط الذي يسقط من أعلى الشجرة. هكذا نشأت صداقة متينة بين القرد والغيلم أنسته زوجته. ولما طال غيابه فكرت زوجته السلحفاة بمساعدة جارتها في حيلة للقضاء على القرد بعد أن تظاهرت بالمرض، وادعت الجارة لزوجها أن علاجها الوحيد هو قلب القرد بناء على وصفة الأطباء. وكاد الغيلم أن يغدر بصديقه لولا فطنة القرد عندما علم بنوايا الغيلم فخاطبه قائلاً: «وما منعك أصلحك الله، أن تعلمني عند منزلي حتى كنت أحمل قلبي معي؟ فإن هذه سنة فينا معاشر القردة إذا خرج أحدنا لزيارة صديق له خلَّف قلبه عند أهله أو في موضعه لننظر إذا نظرنا إلى حُرَمِ المَزُر وليس قلوبنا معنا. قال الغيلم: وأين قلبك الآن؟ قال خلفته في الشجرة. فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة حتى آتيك به»(2). وهكذا يتبين أن هذه الحكاية تحمل رسالة إلى المتلقي، وتعالج عدة قضايا إنسانية وأخلاقية: كالوفاء، والمكر، والكيد، والغباء، والفطنة، والصراع بين الخير والشر، وبين الوفاء والغدر؛ كما يظهر ذلك جلياً في حديث الغيلم مع نفسه: «كيف أغدر بخليلي لكلمة قالتها امرأة من الجاهلات؟ وما أدري لعل جارتي قد خدعتني وكذبت بما روت من الأطباء. فإن الذهب يجرب بالنار، والرجال بالأخذ والعطاء، والدواب بالحمل والجري. ولا يقدر أحد أن يجرب مكر النساء ولا يقدر على كيدهن وكثرة حيلهن»(3).

2 -الحكاية المثلية جنس مركب:
في حقيقة الأمر يمكن القول إن الحكاية المثلية هي خطاب مركب من صيغتين؛ صيغة السرد وصيغة القول، أي أنها تتكون في بنيتها الخِطابية من حكايات يرويها راوٍ أو رواة، وتجري في زمان ومكان، ويقوم بأفعالها شخصيات، وتتوالى أحداثها أو تتتابع، كما أنها تخضع للتحول. غير أن السرد ليس الصيغة الوحيدة التي تشكلت بها نصوص الحكاية المثلية؛ فقد صيغت الحكاية المثلية أقوالاً حجاجية، وهذا هو الذي كان يعنيه عبد الفتاح كيليطو عندما رأى أن المثل يتكون من عنصرين هما: السرد أي الحكاية التي تجري أحداثها بين الحيوانات والحكمة التي تشكل الغاية من الحكاية المثلية، والحكمة بدورها ما هي إلا وسيلة تؤدي إلى غاية هي: العمل(4). وبتعبير آخر، تنطوي الحكاية المثلية في نصوص كليلة ودمنة على سبيل المثال على وظيفة تخييلية سردية تتمثل في إقناع القارئ بحكايات رمزية ووصف وتشويق وحوارات، كما تنطوي على وظيفة تداولية تتمثل في توجه النص ضمناً أو صراحة إلى المتلقي يدعوه إلى العمل بالتوجيهات التي يسعى إلى ترسيخها في السلوك الفردي والاجتماعي(5).
يقول أحد الباحثين إن الحكاية المثلية ملتقى أنماط كتابة عديدة؛ فهي من جهة نص سردي يعتمد الوصف والإخبار، وهي من جهة أخرى نص حجاجي ذو مقاصد أخلاقية واجتماعية وسياسية وفكرية تحتاج إلى أساليب الوعظ(6). وينتهي الباحث إلى إبراز أهم مكون في الحكاية المثلية هو الترابط بين «أدب الفكرة (الحجاج) وأدب السرد (القص)؛ ذلك أن الحكاية المثلية تقنعنا وتمتعنا؛ تقنعنا لأنها حلقة من السلسلة الحجاجية، أي دعامة من دعائم كامل الاستدلال، وتمتعنا بما تتضمنه من الإثارة رغم اختزالها وما تفتحه للقص من أفق ومشاريع وبما تشف عنه من دلالة فكرية وثقافية»(7).


لقد اختلف الدارسون حول نشأة هذا الفن؛ فبعضهم يرى أن أصوله يونانية، وبعضهم الآخر يكاد يجزم أن الهند كان لها السبق في ظهور هذا النوع من الحكايات، بينما يرى آخرون أن هذا الفن كان له ارتباط وثيق بالحكاية أو القص الشعبي والأسطورة، مما حقق له الشيوع والانتشار في كثير من الأمم

ويبدو أن الباحث كان محقاً عندما نعت الحكاية المثلية أو صنفها في إطار ما أسماه بالأدب الحجاجي(8)؛ فالحكاية المثلية في ذاتها تعد حجة كما بيَّن سيمور شتمان قائلاً: «فحينما نجد حجاجاً... فهو في الأغلب صنيع الأمثال السائرة... ولنتذكر الأمثال والحكايات الخرافية كما بينت لنا سوزان سليمان في كتاب رائع حول رواية الأطروحة»(9). والحكاية المثلية حجة لأنها ترتبط بسياق تواصلي يتوخى فيه السارد إقناع المتلقي بالأطروحة التي يرغب في توصيلها له.

3 - بلاغة الحكاية المثلية:
تفضي القراءات الحديثة التي قامت بفحص نماذج من الحكاية المثلية قي التراث العربي (كليلة ودمنة) على سبيل المثال إلى النظر إلى هذا النص باعتبار بلاغته المخصوصة المتمثلة كما قلنا سابقاً في الجمع بين البعد التعليمي الأخلاقي والبعد الأدبي التمثيلي. فهذا النموذج من التعبير الأدبي يجمع بين خصائص الخطاب الحجاجي وخصائص الخطاب الأدبي؛ ذلك أنه لا يوجد أي تعارض بين الغرض الحكمي المعلن داخل النص وبين تعدد الدلالات والتأويلات المحتملة التي يمكن أن تنبثق عن تنظيمه الجمالي. يقول سامي سويدان إن كتاب كليلة ودمنة على الرغم من وظيفتيه الإمتاعية والتعليمية فهو لا يخلو من بعد رمزي «فمزية الرمز افتراضه التأويل، والتأويل في أساسه متعدد في وسائله كما في نتائجه. وإذا كان تكرار إعلان الحكمة المرجو بلوغها من الحكاية - المثل في البدء (الطلب) وفي النهاية (الجواب) محاولة لحصر هذا التأويل أو تلك وجهة النظر، فإنه مع ذلك لا يلغي تعددهما. بل قد يكون النص نفسه، بقدر ما يقع الإعلان المذكور في المستوى الظاهر منه، ناهيك بالقراءات المتعددة التي يتيحها بناؤه ونظمه، حاضاً على تجاوزه ودافعاً إلى استكناه دلالاته المتنوعة(10). ويختلف مع هذا الرأي عبد الوهاب الرقيق الذي يرى أن الحكاية المثلية نوع سردي حجاجي ينطوي على معنى وحيد هو المعنى المعلن الذي يترك للقارئ مجالاً للتأويل(11). ومثل هذا الرأي يركز على البعد العملي في الحكاية المثلية أي أنها نص تعليمي في المقام الأول تسعى إلى توضيح الفكرة أو توجيه السلوك. الحكاية المثلية وفق هذا الرأي قرينة الخطابة والنصوص الدينية والسياسية. غير أن النظر إلى ما تتوفر عليه الحكاية المثلية من وجوه ومقومات جمالية يؤكد أن القراءة المنايبة لطبيعة هذا النوع الأدبي ينبغي أن تتجاوز معنى الظاهر إلى معانٍ باطنية يقوم المتلقي باستخراجها واكتشافها، لكن ذلك لا ينبغي ألا يفيد أننا بإزاء نص رمزي مركب؛ فالرمزية التي اعتمدها النص هي: «رمزية بسيطة أولية تتفق مع المستوى العقلاني للحكم والأفكار التي تعبر عنها، بقدر ما تتفق مع التصور الكامن وراء هذا النمط من التعبير لأدائها. فالرؤية العقلانية التي تكمن وراء العمل تتوسل شكلاً بسيطاً لتبليغ البعيد والعميق من طروحاتها، وهو أمر يتلاءم مع الهم الإصلاحي الذي يتوخى الفعالية الأقوى في الإفهام والاتساع الأقصى في دائرة الاتصال»(12).

ومجمل القول في بلاغة الحكاية المثلية أنها قامت على جملة من المقومات والسمات التي تضفى على النص الأدبي. وسنقف فيما يأتي على أبرز مقومات أدبية الحكاية المثلية:

أ- التمثيل والترميز:
يقول ابن المقفع: «فأول ما ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له والرموز التي رُمزت فيه وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مُفصح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالاً، فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرة يجتني منها ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه إن كانت غايته منه استتمام قراءته والبلوغ إلى آخره دون تفهم ما يَقرأ منه لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه»(13).

تقوم الحكاية المثلية على تجسيد المعاني المجردة في صور محسوسة؛ فالعدالة والمحبة والحكمة والتعاون والأنانية معانٍ يتوسط بها ترغيباً وترهيباً في حكايات مخترعة أبطالها من الحيوانات. ويشير عبد الوهاب الرقيق في هذا السياق إلى أن التشخيص أبرز تقنية في الترميز في الحكاية المثلية أي تقديم الحيوان في هيئة الإنسان و«تشخيص الحيوان بالكلام والفكر ظاهرة قارة في الحكاية المثلية إلى حد أننا لا نحتاج إلى التمثيل عليها. ولكننا نحب أخيراً أن ندقق أن الحيوان الموضوع للإنسان بالتشخيص لا يرمز إلا إلى مظهر واحد من الإنسان إذ ليس في كليلة ودمنة حيوان واحد يرمز إلى الإنسان في كليته وتعدد أبعاده»(14).
تنزع الحكاية المثلية إلى التغريب، لكنه تغريب مشدود إلى الواقع بحكم أن الحيوان ليس سوى قناع يخفي وراءه الإنسان أحد أبعاده الأخلاقية؛ فهذه الحيوانات هي كائنات حقيقية موجودة في الطبيعة، وقد أسبغ عليها النص خصائص سلوكية إنسانية؛ فالغرابة تزول بمجرد ما ندرك أن الحيوان ليس إلا رمزاً للتعبير عن سلوك الإنسان. إن الغرابة في الحكاية المثلية تختلف عن غرابة الحكاية العجيبة - مثلاً- في كونها لا تخرق الواقع الطبيعي إلا في خاصية إسناد الكلام إلى الحيوانات، لكن الحكاية المثلية تحتفظ بالخصائص الطبيعية للحيوانات، في حين أن الحكاية العجيبة تقوم على شخصيات وأحداث مفارقة للطبيعة.

ب - البنية السردية أو التضمين:
إن المتأمل في نصوص الحكاية المثلية باعتبارها نوعاً كلاسياً من أنواع الجنس القصصي، يلاحظ أنها تنطوي على بعض المؤشرات الخاصة بها والدالة عليها، وعلى ما يميزها عن غيرها من النصوص. هكذا أشار عبد الوهاب الرقيق إلى أنها تشترك مع النصوص السردية الأخرى في بعض العناصر القصصية كالمكان، والزمان، والشخصية القصصية، والراوي أو الرواة، والحوار، والتوتر، والعقدة، والحل، والمغزى...
لقد تناول الباحث الراوي والتضمين باعتبارهما مكونين لأدبية الحكاية المثلية «فالراوي هو هيئة قصصية على درجة من التعقيد والتشعب لا تعرفها الأنواع السردية الكلاسية» الخبر، والمقامة، والنادرة، والتضمين هو أسلوب في الربط بين المقاطع وهو ظاهرة بنيوية مهيمنة في الحكاية المثلية،... باختصار، الراوي، والتضمين، والرمز هي العلامات الجوهرية الجديرة بأن ترفع الضباب عن أدبية الحكاية المثلية»(15).
ويرى الباحث أن «الهيئة السردية» في كليلة ودمنة هي هيئة متعددة الأصوات؛ إذ لا يتكلف فيها راوٍ واحد بمهمة السرد، وإنما يتوزع الرواة إلى مجموعة من الساردين، كالسارد الأصلي الذي ينشئ القص، وهو الراوي الأساس، «الخفي»، «المجهول»، «الغيري»، الذي يتفرع عنه رواة آخرون، وسمي «غيرياً» لأنه يقتصر على «سرد حكاية غيره دون المشاركة في أحداثها. هو إذن سارد أصلي، غيري، شمولي المعرفة، حريص على الحياد والموضوعية، مقتصر على عرض الوقائع بغير تعليق أو انحياز»(16)؛ وعن هذا الراوي الأصلي يتفرع راوٍ آخر، وهو كما يقول عبد الوهاب الرقيق: «سارد فرعي غيري بما أنه يقع على مستوى قصصي ثانٍ ويقص حكاية غيره، حكاية ليس هو شخصية من شخصياتها؛ هذا الراوي هو بيدبا الفيلسوف؛ ففي باب «البوم والغربان»، على سبيل المثال، نجد هذا الراوي الذي لا يشارك في الأحداث بل يكتفي بروايتها. «قال بيدبا: زعموا أنه كان في جبل من الجبال شجرة من شجر الدوح فيها وكر ألف غراب وعليهن والٍ منهن. فخرج ملك البوم لبعض غدواته وروحاته وفي نفسه العداوة لملك الغربان، وفي نفس الغربان وملكها مثل ذلك للبوم...»(17).
وقد يتكلف بالسرد، في «كليلة ودمنة»، راوٍ آخر، وهو في الغالب شخصية من شخصيات الحكاية، ككليلة، أو دمنة، أو الأسد، أو النمر، أو الغراب، أو البوم، أو القرد، أو الغيلم، إلى غير ذلك من الشخصيات التي تتولى رواية الأحداث.
وهناك راوٍ أو سارد آخر، سماه الباحث: «السارد الفرعي الذاتي» لأن هذا السارد هو شخصية من شخصيات الحكايات التي تقوم بسرد حكاية تكون مشاركة في أحداثها أو قامت بها. «ومثال ذلك في باب «الحمامة والثعلب الحزين» تلك الحمامة التي ابتليت بالثعلب الخبيث. فاشتكت لمالك الحزين قائلة: «إن ثعلباً دهيت به كلما كان لي فرخان، جاء يتهددني ويصيح في أصل النخلة فأفرق منهن فأطرح إليه فرخي»(18).

خلاصة:
تثبت الحكاية المثلية العربية أن التراث العربي لم يكن تراثاً شعرياً فقط، ولكنه كان أيضا تراثاً سردياً استجاب لغريزة الحكي عند الإنسان العربي، غير أن السرد الرسمي (العالِم) كان يختلف عن السرد الشعبي، في كونه يمثل جزءاً من بنية الثقافة العربية التي اشترطت في قبولها السرد بناء على الشعر أو الحكمة. وقد مثلت الحكاية المثلية نموذجاً للسرد العربي الذي امتثل لشروط النص في الثقافة العربية.

الهوامش:
1- عبد العزيز شبيل، التناص والتراث العربي بين «كليلة ودمنة» و«الأسد والغواص»، حوليات الجامعة التونسية، عدد52، 2007، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، ص 144.
2- عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، دار الجيل، الطبعة الثالثة، 2006، ص241.
3- نفسه، ص 239.
4- عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 1988، ص. 37.
5- نفسه.
6- عبد الوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع، دار صامد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2007، ص 92.
7- نفسه، ص 96.
8- نفسه، ص 96.
9- سيمون شتمان، الحجاج والسرد، ترجمة عبد الواحد التهامي العلمي، مراجعة الدكتور محمد مشبال، مجلة الصورة، العدد الخامس، 2003، ص 58.
10- سامي سويدان، ص 305.
11- عبد الوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة، مرجع مذكور، ص 72.
12- سامي سويدان، ص 304-305.
13- عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، مرجع مذكور، ص 69.
14- عبد الوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة لابن المقفع، مرجع مذكور، ص 109.
15- نفسه، ص 98.
16- عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، شرح سامي الخوري، مرجع مذكور، ص 99.
17- نفسه، ص 208.
18- عبدالوهاب الرقيق، أدبية الحكاية المثلية في كليلة ودمنة لابن المقفع، مرجع مذكور، ص 100.