مساهمة الهند فـي تطوير اللغة العربيـة

د. عبدالمجيد عبدالعزيز

بدأ التعليم الديني في شكل غير منتظم في الهند في القرن الهجري الأول، يعني منذ نشر الإسلام فيها، وكان منحصراً في المساجد والكتاتيب التقليدية، وقد بدأت الدروس في المساجد على منوال المسجد النبوي وطريقة أهل الصفة في ولاية كيرالا، والتي تعتبر من ميزات كيرالا، بدأها السلف من حين انتشار الإسلام واستمر حتى يومنا هذا.
ثم بدأ المسلمون يؤلفون في كل موضوع مثل التفسير والحديث والفقه والتصوف والفلسفة والتاريخ والسيرة والنحو وعلوم اللغة، وكذلك في موضوعات أخرى. وقد بلغ ازدهار المسلمين ذروة الكمال في زمن الإمبراطورية المغولية العظيمة، وفي الزمن المذكور دوى صيتها في الخافقين حتى اعتبرها عديد من المؤرخين والباحثين من أغنى البلدان على وجه المعمورة.

وقد بدأت تتغير الظروف عقب دخول القوة الاستعمارية إلى شبه القارة الهندية، لأن النظام الاستعماري الأوروبي قد فتح باباً جديداً في تاريخ الهند. وقد جاء الإنجليز إلى الهند في أوائل القرن الثامن عشر باسم شركة الهند الشرقية، وأحكموا السيطرة السياسية والاقتصادية والحضارية على الأرجاء المختلفة للهند.

وأخذ أعضاء هذه الشركة الهندية الشرقية البريطانية يراقبون بدقة الظروف السياسية الهندية السائدة، كما بدؤوا يدرسون أوضاعها الاجتماعية بالعمق والإمعان. فأول من انتبه لخطر القوة الاستعمارية من الحكام الهنود هو حيدر علي وابنه فتح علي خان المشهور بالسلطان تيبو. وبعد ذلك جاءت حركة السيد أحمد الشهيد الإصلاحية إلى حيز الوجود، وذلك في بداية القرن الثالث عشر للهجرة. فدعا السيد أحمد ورفاقه كافة المسلمين إلى الدين الخالص النقي، وأوقدوا في قلوبهم شعلة الإيمان والحماسة الدينية الإسلامية وحرضوهم على الجهاد.

وقد أسفرت قسوة عمال الشركة البريطانية وسوء صنيعهم مع المواطنين الهنود، عن اندلاع الثورة العظيمة في عام 1857م. وقد شارك فيها المسلمون والهندوس معاً، وامتد لهيبها إلى جميع أنحاء البلاد. ومما لا شك فيه أن ثورة 1857م قد أثرت حياة المسلمين الثقافية والعلمية إلى أقصى حد، فكان تأثيرها عميق الجذور وبعيد المدى، حيث قضى حكم الإنجليز الاستعماري على النظام الإسلامي للتعليم والتربية، ونفذ نظاماً جديداً للتعليم، ومن الطبيعي أنهم كانوا يقدمون مصلحتهم فيه أولاً. فقتل كثير من العلماء البارزين، كما نفي عدد كبير من المثقفين والنوابغ إلى جزائر أندمان، وهذا كله أدى بالمسلمين إلى التخلف في المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية في الهند. وهذه الحالة القاسية التي استمرت لمدة طويلة كانت سبباً أساسياً لتخلف المسلمين في مجالات الثقافة والعلم والاقتصاد.
وقد دخلت المسيحية في شبه القارة الهندية في القرن الأول للميلاد، فتتابعت الإرساليات التبشيرية إلا أن هذه الديانة أخذت تتمتع بالتشجيعات الحكومية وتسهيلاتها ومساعداتها منذ بداية القرن التاسع عشر في الهند، فتتابعت الإرساليات التبشيرية من قبل الجمعيات والمؤسسات المسيحية الأوروبية إلى الهند منذ 1813م، عندما أبرم الاتفاق بمحاولة ولبرفورس عضو البرلمان البريطاني على قرار ينص على أنه إن أراد المسيحيون الذهاب إلى الهند لتنصير الهنود، فلهم الحق والخيار في هذا الشأن، ومن هنا أخذت الفرق المسيحية المختلفة تنشر المبادئ المسيحية في أرجاء الهند، وتبث الدعايات ضد تعاليم الإسلام ومعتقداته، وكانت بعض الأحيان تهاجم المدارس والمساجد، وبالإيجاز كان المسيحيون يبذلون جهودهم لتحويل الهند إلى بلد مسيحي.
ففي الواقع لم يكن الغزو الإنجليزي للهند غزواً سياسياً فقط، وإنما كان غزواً ثقافياً أيضاً. ولقد استهدف هذا الغزو الإنجليزي للهند التقاليد القومية الهندية بوجه عام والتراث الثقافي الديني الإسلامي بوجه خاص، وذلك تمهيداً لغرس الثقافة المسيحية ونشرها وترويجها بين سكان هذه البلاد، فبعد قيام الحكم البريطاني أغلقت المعاهد التعليمية للمسلمين في مختلف أرجاء الهند، وذلك لأنها كانت تعتمد في بقائها ونشاطاتها على التبرعات السخية من الأمراء المسلمين والأوقاف والمؤسسات الإسلامية، وتوقفت تلك التبرعات حين سقط الأمراء والأثرياء ضحايا لهمجية الاستعمار، وصارت الأوقاف والمؤسسات الخيرية ملكاً للقوة المستعمرة التي أصبحت جاثمة على صدر الشعب الهندي، عاملة على تخلفه وتعطيل مسيرته الحضارية، والقضاء على الثقافة الدينية الإسلامية بوجه خاص، حيث لم تكن من مصلحتها أن تكون المعاهد الإسلامية دائبة على تنشئة الأجيال المسلمة وتربيتها وإعدادها، ونتيجة ذلك أصيب النظام التعليمي الإسلامي بتعطل كلي.

الحركات الثقافية والعلمية
إن العهد الذي أعقب فشل الثورة الهندية العظيمة ضد الحكومة الإنجليزية في عام 1857م كان عهداً يائساً وضيقاً للشعب الهندي بوجه عام وللمسلمين بوجه خاص، فقامت الحكومة الإنجليزية بإحراق بيوتهم وإضاعة أموالهم وإراقة دمائهم وإغلاق مدارسهم ومراكز علومهم، فقد أحاط بهم البؤس والشقاء، وبلغ الشر منتهاه والاضطهاد مبتغاه، وأخذت تنطمس شعائر الإسلام، وينخفت صوته وتنتهي حميته، ويخيم كابوس الجهالات والبدع والخرافات على أجواء الهند.

ففي هذه الظروف القائمة ظهر في الهند نوعان من القيادة للمسلمين؛ النوع الأول هو القيادة الدينية، والثاني هو قيادة السير سيد أحمد خان التعليمية، أما القيادة الدينية فركز أصحابها اهتمامهم على الاحتفاظ بالبقية الباقية من العاطفة الدينية ومظاهر الحياة الإسلامية والدعوة إلى تجنب الحضارة الغربية وتخريج الدعاة والمرشدين من معاقل المدارس العربية، فأراد بعض زعماء القيادة الدينية أن يؤسسوا المدارس العربية الإسلامية بعدد كبير في مختلف مناطق الهند، وذلك لمواجهة التحديات الحضارية والحكومة الإنجليزية الاستعمارية، ونجحوا في تأسيس أول معهد إسلامي من هذا النوع في بلدة ديوبند الصغيرة عام 1866م، وتولى مهام إدارته محمد قاسم النانوتوي (1832م ــ 1879م)، واستهدفوا به إيجاد جيل يكون بلونه وعنصره هندياً، وبقلبه وعقله إسلامياً، تموج نفسه بالعواطف الإسلامية، تتغذى روحه بالثقافة والحضارة الإسلاميتين، وكان هدف الديوبند ورسالتها هو استعادة مجد المسلمين الغابر، واسترجاع الحكم المغصوب، والمحافظة على التعاليم الإسلامية والعلوم النبوية بكل شعبها ونواحيها.

وبعد تأسيس دار العلوم بديوبند أنشئت معاهد عربية إسلامية بعدد كبير في الهند، مثل ندوة العلماء وغيرها. وفي جميع هذه المعاهد الإسلامية يدرسون القرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين أساسيين للشريعة الإسلامية واللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية والاجتماعية القديمة منها والحديثة، وينشرون العلوم الإسلامية والأدبية، ويحتفظون بالتراث الإسلامي، ويهتمون بنشر اللغة العربية في الهند، وكما يهتمون بإعداد الدعاة الصالحين، ويعتنون بناحية التأليف والطبع في مختلف اللغات المهمة العالمية وبإعداد الكتب الإسلامية، وكذلك يردون على أعداء الإسلام والدفاع عن الدين ومحاربة البدع والخرافات والعادات الجاهلية المتفشية في المجتمعات الإسلامية وغيرها.

ظهر في الهند نوعان من القيادة للمسلمين؛ النوع الأول هو القيادة الدينية، والثاني هو قيادة السير سيد أحمد خان التعليمية، أما القيادة الدينية فركز أصحابها اهتمامهم على الاحتفاظ بالبقية الباقية من العاطفة الدينية ومظاهر الحياة الإسلامية والدعوة إلى تجنب الحضارة الغربية وتخريج الدعاة والمرشدين من معاقل المدارس العربية

وعندما تأسست الجامعات والمعاهد الحكومية، تم اندماج اللغة العربية في هذه الجامعات والمعاهد الحكومية، حيث يوجد بالهند الآن أكثر من 20 من الجامعات والمعاهد للتعليم العالي، حيث تدرس اللغة العربية وآدابها، وفي كل هذه الجامعات والمعاهد العليا يوجد قسم خاص للغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية. ومن هذه الجامعات يتخرج الطلبة بالكالوريوس والماجستير والدكتوراة في الأدب العربي واللغة العربية والدراسات الإسلامية، وفي كل جامعة توجد مكتبة واسعة ضخمة ومخصصة للغة العربية والدراسات الإسلامية.

الصحافة العربية بالهند
ظهرت الصحافة العربية بالهند متأخرة، بعد أن ظهرت الصحافة الإنجليزية والفارسية والأوردية، وللتأخير أسباب ومنها أن المسلمين الهنود كانوا، وما زالوا، ينظرون إلى اللغة العربية كلغة مقدسة، لأنها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي، فاقتصر جل اهتمامهم على التفسير والحديث والفقه وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية وفنونها، ولم يكن يتقن هذه اللغة إلا عدد قليل من العلماء الذين كانوا يزعمون أن هذه اللغة إنما هي لغة القرآن والحديث وليست لغة حية تقدر على أداء واجبها كلغات راقية متطورة أخرى. وانحصرت الطباعة العربية في البداية في طباعة الكتب الدينية، ولم يهتم العلماء والأدباء بإصدار الجرائد والمجلات اهتماماً بالغاً حتى العقد الثالث من القرن العشرين، حينما ظهرت مجلة «الضياء» تحت رئاسة الأستاذ الأديب مسعود عالم الندوي. وقد سبقها بعض المجلات والجرائد العربية، إلا أنها كانت جهوداً ضئيلة لم تتطور لغتها ولم يسهل أسلوبها.
وتعتبر جريدة «النفع العظيم لأهل هذا الإقليم» أول جريدة عربية في الهند من مدينة لاهور، وقد أنشأ هذه الجريدة الأستاذ شمس الدين في 27 أكتوبر عام 1871م، وصدر العدد الأول من هذه الجريدة تحت رئاسة الشيخ مقرب علي وكان جي دبليو لايثير (G.W Laithir) يقوم بالإشراف عليها.

وظهرت الجريدة المذكورة في البداية في ثماني صفحات، ثم وصل عدد صفحاتها إلى عشر، وكانت تطبع طبعاً حجرياً، وكانت تحتوي صفحاتها على الموضوعات الدينية والأدبية والاجتماعية، وكان فيها اهتمام خاص بأفكار السير سيد أحمد خان التعليمية والإصلاحية، وظلت الجريدة تصدر بانتظام حتى عام 1885 وتوقفت عن صدورها بعد مدة قصيرة.
وبعد هذه الجريدة صدرت مجلة عربية باسم «البيان» في سنة 1902م من لكناؤ ونالت قبولاً في الأوساط الثقافية والأدبية في الدول العربية، وقد صدرت جريدة باسم «الرياض» قبل صدور «البيان» بفترة وجيزة إلا أنها توقفت بعد مدة قصيرة.

ثم صدرت جريدة «الجامعة» من كلكتا تحت إشراف مولانا أبو الكلام أزاد في عام 1932م وبعد «الجامعة» ظهرت مجلة «الضياء» في عام 1932م أنشأها الأديب مسعود عالم الندوي وظهرت مجلة «ثقافة الهند» في عام 1950م، وهي مجلة فصلية كانت ولا تزال تصدر في كل عام، وقد أنشأ هذه المجلة المجلس الهندي للعلاقات الثقافية بالهند، وتهتم المجلة بالثقافات الهندية كما يدل عليها اسمها، ثم ظهرت مجلة «البعث الإسلامي» من دار العلوم لندوة العلماء لكناؤ في عام 1955م التي أسسها الأستاذ محمد الحسني.
ومن المجلات والجرائد العربية الأخرى «الرائد» التي تصدر بانتظام منذ عام 1959م، و«دعوة الحق» التي صدرت في عام 1965م من دار العلوم بديوبند، و«صوت الأمة» التي تقوم بإصدارها الجامعة السلفية ببنارس منذ 1968م، ومجلة «الداعي» الصادرة من دار العلوم بديوبند منذ 1976م، وكذلك تصدر حالياً أعداد كبيرة من المجلات العربية في ربوع الهند.
وبفضل هذه المجلات نشأت الصحافة العربية كثيراً في الهند، ولا تزال تلعب دوراً ملموساً في تنقيح اللغة العربية وتطوير آدابها وصقلها ونشر الأفكار الإسلامية في الهند، وفي الذود عن حياض الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية.

ظهرت الصحافة العربية بالهند متأخرة، بعد أن ظهرت الصحافة الإنجليزية والفارسية والأوردية، وللتأخير أسباب ومنها أن المسلمين الهنود كانوا، وما زالوا، ينظرون إلى اللغة العربية كلغة مقدسة، لأنها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي، فاقتصر جل اهتمامهم على التفسير والحديث والفقه وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية وفنونها

وكذلك كانت مساهمة الهنود في نشر اللغة العربية عبر العصور بوجه عام، وفي خلال القرن العشرين بوجه خاص، كبيرة جداً. وإن المكتبات الهندية تزخر بالمؤلفات العربية، وأما الكتب التي تم تأليفها باللغة العربية خلال القرن العشرين فقط ،فيبلغ عددها الآلاف.
وفي الوقت الراهن، بدأت الأوضاع تتغير، لأن اللغة العربية لم تعد لغة المسلمين فقط، ولكن هناك إقبالاً كبيراً من غير المسلمين أيضاً لتعلم اللغة العربية، وذلك بسبب الفرص الموجودة في الدول الخليجية بالخصوص، وكذلك باعتبارها لغة أجنبية، وإن تعلم أي لغة أجنبية يعتبر فرصة للطلبة.

وفي القرن العشرين أنجبت الهند الأدباء والكتاب الذين نالوا شهرة واسعة، وتضاهي أعمالهم الأدبية أعمال الأدباء العرب الكبار، ومن بين هؤلاء الكتاب الهنود يأتي اسم أبو حسن علي الندوي وعبدالعزيز الميمني وحميد الدين الفراهي ومسعود عالم الندوي وأبو محفوظ الكريم معصومي، وقد تأثر هؤلاء الأدباء والكتاب بالأدب العربي الحديث وفنونه المختلفة، كما تأثروا ببعض الآداب الغربية وفنونها، ويوجد العديد من الكتاب والعلماء في هذا الوقت الذين لهم قدرة فائقة على الكتابة في موضوعات الأدب والنقد والاجتماع والسياسة، وكذلك هم قادرون على أن يكتبوا المقالات العلمية والقصص الدينية. وكذلك اشتهر بعض العلماء في الصحافة العربية، ولا تقل أهمية كتاباتهم عن الأدباء العرب، ومن بينهم أبو الحسن علي الحسني الندوي ومحمد الحسني وواضح رشيد الندوي ومسعود عالم الندوي وغيرهم.

وأما الكتّاب والعلماء الذين درسوا في الجامعات الحديثة، فهم يتعلمون اللغة الإنجليزية إلى جانب اللغة العربية، وقاموا بمطالعة الفنون الغربية الحديثة كالمسرحية والقصة والرواية واطلعوا على الاتجاهات الأدبية الحديثة، فتوسعت معلوماتهم وتجددت أساليبهم، فقد ساهم خريجو الجامعات الحديثة في مجال الترجمة، حيث ينقلون الكتب الأوردية والسنسكريتية والإنجليزية وغيرها إلى اللغة العربية، وكذلك يترجمون من القصص والمسرحيات والمقالات الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وما إلى ذلك من اللغات الهندية والإنجليزية واللغات الهندية الأخرى إلى اللغة العربية، ومعظم هؤلاء الأساتذة كان جل اهتمامهم ينصب على كتابة المقالات وأعمال الترجمة.
ولأجل ذلك ظل علماء المدارس الدينية حتى الآن يحتلون مكان الصدارة في مجال التأليف وإنتاج الكتب باللغة العربية، وعددهم مؤلفاتهم في الموضوعات الدينية الإسلامية والفنون الأدبية يزداد يوماً إثر يوم، ومن هنا لا تزال مراكز مهمة للغة العربية والأدب العربي ومعاقل الثقافة الإسلامية في الهند.