عناصر الخطاب السـردي لدى الطيب صـالـح:
«موسم الهجرة إلى الشمال» و«دومة ود حامد» نموذجاً

هدى جولاني

«موسم الهجرة إلى الشمال» يتنوع خطابها، أما قصة «دومة ود حامد» غنية رغم بساطتها الواضحة، ومثال جيد على تبادل الموقع بين الراوي والمروي له، ولا يعنى الكاتب في «الدومة» بالشخصيات قدر عنايته بالراوي السارد الذي يحكي بفطرية وتلقائية، حتى ليخيل للقارئ أن هذا الشيخ الكبير الحكيم ليس شخصية من ورق، بل هو فعلاً شخصية حقيقية تعيش في تلك القرية السودانية النائية التي يسيطر عليها الذباب، ويقدس أهلها فيها ضريحاً لرجل يعتبرونه ولياً من أولياء الله الصالحين.

وهذا يقودني إلى تلك الأسئلة: كيف يحدث الخطاب السردي؟ كيف يصل إلى رسالته، وبأي الطرق اللغوية المنطقية يصل إلى الناس، فيؤثر فيهم، بل وقد يكون وقوداً لثورات اجتماعية أو سياسية، بل وقد يكون في ممارسة فعله ــ الكتابة ــ سبباً كافياً للسجن أو حتى القتل، بأي طاقة ذهنية عجيبة يكتب الروائي روايته، وما هي الأفكار المسبقة التي يصوغها في رأسه كبداية؟ ما أكثر هذه الأسئلة، وما أصعب في الحقيقة الإجابة عنها ،لأنها تتصل بالإنسان، وهو الذي ما زال لغزاً حتى لنفسه!

الــراوي

يمثل الراوي وسيلة أو أداة تقنية يستخدمها الروائي ليكشف بها عن عالم روايته، وهو كائن ورقي إلا أن ملفوظه يجسد صوت الروائي الخفي الذي يختار الأحداث والشخصيات وكذلك الراوي لكنه ــ أي الكاتب ــ لا يظهر ظهوراً مباشراً في النص القصصي(1).

وينتمي الراوي في رواية الطيب صالح: «موسم الهجرة إلى الشمال» وقصته «دومة ود حامد» إلى النوعية الأولى من الرواة حسب تقسيم الباحثة يمنى العيد، وهي نوعية الراوي الذي يحلل الأحداث من الداخل، ويكون حاضراً في الرواية.

أما حسب تقسيم الباحث أحمد العزي صغير، فإن الراوي في الرواية والقصة ينتمي إلى النوعية الثالثة، وهي نوعية الراوي الشاهد والمراقب، فضمير السرد الذي يهيمن على البنية السردية في الرواية هو ضمير المتكلم الذي ينطلق منه الراوي الأول في الرواية: «فضمير (الأنا) هو الضمير الذي تروي من خلاله الشخصية الروائية الواقعة في الزمن الحاضر الذي هو زمن السرد عن أحداث وشخصيات تقع في الزمن الماضي الذي هو زمن الحكاية، مما يوهم القارئ والحال هذه أنها ضرب من السيرة الذاتية أو المذكرات الاعترافية (التبوغرافية)»(2).
وهذا واضح في كثير من النصوص السردية، منها هذا النص الذي يرويه الراوي الأول في الرواية: «عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوروبا، تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل»(3).

وينطبق على ما تقدم أيضاً في شأن الراوي الأول شأن الراوي الثاني بطل القصة الأساسي «مصطفى سعيد» الذي يروي حياته في كثير من مقاطع الرواية ــ للراوي الأول، مستعيناً بضمير المتكلم: «المهم أنني كما ترى ولدت في الخرطوم. نشأت يتيماً، فقد مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر، لكنه ترك لنا ما يستر الحال. كان يعمل في تجارة الجمال. لم يكن لي أخوة، فلم تكن الحياة عسيرة علي وعلى أمي(4).

فالراوي هنا «مصطفى سعيد»: «ينطلق من الرؤية (مع) التي تتساوى فيها معرفة الراوي بمعرفة الشخصيات الأخرى. فضمير الأنا الأكثر التصاقاً بالشخصية الروائية يتراجع في كثير من المواقف السردية ليبرز ضمير الـ (هو) ومن ثم ضمير المخاطب في بعض المشاهد الحوارية»(5).

فالراوي الأول الذي استهلت الرواية بضمير المتكلم الذي انطلق منه يغادر (أنا) المتكلم إلى ضمير الشخص الثالث في مواضع من الرواية، منها هذا الموضع الذي تحدث فيه عن افتقاد «مصطفى سعيد» أثناء فيضان النيل، ومن الجدير بالذكر أن الراوي في هذا الموضع انطلق من ضمير المتكلم متراجعاً بعدها إلى ضمير الشخص الثالث: «حدثني أبي، فقد كنت في الخرطوم وقتها، أنهم سمعوا بعد صلاة العشاء صراخ نسوة في الحي، فهرعوا إلى مصدر الصوت فإذا الصراخ في دار مصطفى سعيد، كان من عادته أن يعود من حقله مع مغيب الشمس، ولكن زوجته انتظرت دون جدوى. وذهبت تسأل عنه هنا وهناك، فأخبروها أنهم رأوه في حقله والبعض ظن أنه عاد إلى بيته مع بقية الرجال، وانكبت البلد كلها على الشاطئ»(6).
كما يظهر ضمير المخاطب في كثير من المشاهد الحوارية التي تحتل مساحة واسعة في بنية الرواية، لعل أبرزها ذلك المشهد الذي دار فيه الحديث الاستجوابي في قاعة المحكمة الكبرى في لندن بين «مصطفى سعيد» والمدعي العمومي:
«هل تسببت في انتحار آن همند؟
لا أدري
وشيلا غرينود؟
لا أدري
وإيزابيلا سيمور؟
لا أدري
هل قتلت جين مورس؟
نعم
قتلتها عمداً؟
نعم»(7).

فضمير المخاطب هنا ضمير مسيطر على أسلوب الحوار، وهو يشكل أسلوباً مباشراً يستخدم للكشف عن الأحداث والشخصيات.

أما «دومة ود حامد» فأرى راويها أيضاً يندرج تحت نفس النوع من الرواة «الراوي الشاهد أو المراقب»، فهو راو موضوعي تحدد دوره في الشهادة، وهو هنا، شيخ كبير حكيم من أبناء قرية سودانية نائية لا يميزها سوى «الدومة» التي يقدسها أهل البلد، دومة ود حامد، لكن القصة تتكشف في نهايتها السردية عما يشبه المفاجأة عندما يظهر صوت الراوي الثاني، ضيف الشيخ، الشاب الغريب عن البلد الزائر له، الذي يبدو مخاطباً مروياً له طوال الوقت في القصة، باستثناء الفقرتين الأخيرتين منها، ليتحول فيهما إلى راو يصف ويروي ويحاور: «ولما فرغ الرجل من كلامه، فنظر إلي وعلى وجهه ابتسامة غامضة ترفرف على جانبي فمه كضوء المصباح الخافت. فقلت له: ومتى تقيمون طلمبة الماء والمشروع الزراعي ومحطة الباخرة؟ فأطرق برهة ثم أجابني: حين ينام الناس فلا يرون الدومة في أحلامهم. قلت له: ومتى يكون هذا؟ قال: ذكرت لك أن ابني في البندر يدرس في مدرسة. إنني لم ألحقه بها، ولكنه هرب. سعى إليها بنفسه. وأنا أدعو أن يبقى حيث هو فلا يعود. حين يتخرج ابن ابني من المدرسة ويكثر بيننا الفتيان الغرباء الروح، فلعلنا حينئذ نقيم مكنة الماء والمشروع الزراعي.. لعل الباخرة حينئذ تقف عندنا.. تحت دومة ود حامد»(8).

وقد تناوبت عدة ضمائر في سيرورة البنية السردية وتأطير حركتها العامة في القصة، وقد وجدت الضمائر الأكثر سيطرة في القصة تتمثل في ضمير المخاطب الذي استخدمه الراوي الأول (الشيخ) كثيراً، وقد ظهر مترافقاً مع ضمير المتكلم الذي استخدمه بصيغة الجمع غالباً، والأمثلة على الضمير الأول كثيرة، منها ما ابتدأت به القصة من حديث وجهه الراوي الأول الشيخ الحكيم إلى ضيفه الشاب: «لو جئت بلدنا سائحاً، فأغلب الظن يا ابني أنك لن تمكث فيها طويلاً، تجيئنا شتاء وقت لقاح النخل، فترى سحابة داكنة ــ ربضت ــ على البلد. ليس هذا يا بني غباراً ولا هو بالضباب الذي يثور بعد وقوع المطر. هذا سرب واحد من أسراب (النمتة) التي تربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق»(9).

ويلي ضمير المخاطب المبثوث في مساحة واسعة من القصة ضمير المتكلم الجماعي الـ«نا» الذي أشرت إليه آنفاً، أما ضمير المتكلم الفردي فقليل نادر، لا يكاد يظهر إلا في بضعة مواضع مؤكدة لما قيل، وكأنما لتؤكد إنسانية الراوي الذي انصهر في روح الجماعة كجزء منها لا كإلغاء لإنسانيته وتفرده: «أتراك يا بني تتابع ما أقول؟ هل تلمس هذا الشعور الذي أحسه في ذهني ولا أقوى على التعبير عنه؟»(10).

وكما في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» تتراجع ضمائر المتكلم والمخاطب ليظهر ضمير الغائب، أو يتراجع الراوي إلى ضمير الشخص الثالث ليتحدث على لسان رواةٍ آخرين، ومن أمثلة ذلك تلك الرؤيا التي تقصها إحدى نساء «الدومة» لصاحبتها لتفسرها لها في سردٍ يجمع بين سحر البساطة وتلقائية الجمال: «وتسمع المرأة منهن تحكي لصاحبتها: كأنني في مركب سائر في مضيق في البحر، فإذا مددت يدي مسست الشاطئ من كلا الجانبين. وكنت أرى نفسي على قمة موجة هوجاء تحملني حتى أكاد أمس السحاب، ثم تهوي بي في قاع سحيق مظلم. فخفت وأخذت أصرخ وكأن صوتي قد انحبس في حلقي.. فتملكني الذعر وصحت بأعلى صوتي: «يا ود حامد»، ونظرت فإذا رجل صبوح الوجه له لحية بيضاء غزيرة قد غطت صدره، رداؤه أبيض ناصع، وفي يده سبحة من الكهرمان. فوضع يده على جبهتي، وقال: لا تخافي. فهدأ روعي. ونظرت فإذا الشاطئ يتسع والماء يسيل هادئاً، ونظرت إلى يميني، فإذا حقول قمح ناضجة، وسواقٍ دائرة، وبقر يرعى. ورأيت على الشاطئ دومة ود حامد. ووقف القارب تحت الدومة، وخرج منه الرجل قبلي، فربط القارب ومد لي يده فأخرجني. ثم ضربني برفق بسبحته على كتفي، والتقط من الأرض دومة وضعها في يدي. والتفتّ فلم أجده. وتقول لي صاحبتها: هذا ود حامد.. تمرضين مرضاً تشرفين منه على الموت، لكنك تشفين منه. تلزمك الكرامة لود حامد تحت الدومة»(11).

ب ــ المروي له:
الطرف المنطقي الثاني في عناصر الخطاب هو المروي له، وهو، كالراوي، شخصية من ورق، وله وظائف تتضح في سياق السرد، فالمروي له في «موسم الهجرة إلى الشمال» لعب دوراً كبيراً في تأكيد بعض الموضوعات وأسهم في تطوير الحبكة، وكانت وظيفته فكرية تتمثل في التلقي والتأويل والتعليق ومعارضة وجهات النظر، إضافة إلى التمتع بالسرد، فضلاً عن أدائه وظائف بنائية تتمثل في السرد والتأطير والتنسيق، والمحافظة على استمرارية السرد وربط أجزاء الرواية، واستكمال بنية الخطاب السردي، أما في «دومة ود حامد» فقد أدى المروي له دوراً بارعاً، فوجوده كمخاطب يتوجه إليه الراوي بالكلام أغنى السرد وقوى غايته، وقد أدى في هذا الدور وظائفه البنائية أكثر من تلك الفكرية التي انحصرت ــ كما رآها ــ في التلقي والاستماع.

وقد سبق وأسلفت بيان أشكال المروي له داخل الخطاب السردي، وأول هذه الأشكال هو: «المروي له الممسرح أو الظاهري: وهو شخصية تكون مجسدة داخل الخطاب الروائي وله ملامح وصفات محددة، ويمكن أن يتجسد من خلال عدة تشكلات، لعل أبرزها عملية تبادل المواقع بين الراوي والمروي له، وهذا ما سأوضحه ــ وغيره من التشكلات ــ اعتماداً على ما ورد في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» وقصة «دومة ود حامد».

ففي رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» نجد إلى جانب الراوي الأول رواة آخرين، فكلما تسلم زمام السرد راوٍ تحول الآخرون إلى مروي لهم، والأمثلة على ذلك كثيرة في النص الروائي، فالراوي الأول في الرواية هو ابن البلد العائد بعد غيبة طويلة في طلب العلم إلى أهله، والمروي لهم الممسرحون في هذا النص السردي هم أهل قريته الذين جاؤوا يهنئونه بوصوله بالسلامة، ويستفسرون منه عن أخبار رحلته وحال أهل البلاد التي زارها: «أسئلة كثيرة رددت عليها حسب علمي. دهشوا حين قلت لهم إن الأوروبيين، إذا استثنينا فوارق ضئيلة، مثلنا تماماً، يتزوجون ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول، ولهم أخلاق حسنة، وهم عموماً قوم طيبون»(12).

ثم يتحول الراوي الأول إلى مروي له ممسرح مسلماً زمام السرد لراوٍ آخر، فوالد ــ الراوي الأول في هذا الموقف السردي يحكي قصة مصطفى سعيد الذي استقر في بلدهم، بينما يجلس الراوي الأول مستمعاً ليتحول إلى مروي له: «إن مصطفى ليس من أهل البلد، لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام، اشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج بنت محمود»(13).

أما الوسيلة الثانية التي يتجلى من خلالها المروي له الممسرح، فهي طريقة السرد الموضوعي، فالراوي عندما يسرد سرداً موضوعياً يكون قد تلقى ذلك من غيره، فالراوي الموضوعي كان في لحظة تلقيه السرد مروياً له ممسرحاً، من الأمثلة على ذلك في الرواية ذلك الراوي غير الممسرح الذي تلقى عنه «مصطفى سعيد» معلومات عن نشأته، في حين يبقى «مصطفى» مروياً له ممسرحاً: «ولدت في الخرطوم. نشأت يتيماً، فقد مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر، لكنه ترك لنا ما يستر الحال»(14).

أما الوسيلة الثالثة التي يتجلى فيها المروي له الممسرح، فتتمثل في الرسائل والوثائق التي اعتمدتها الرواية في مواضع عدة، مستعينة بها على إيضاح الكثير من الأحداث الدرامية في القصة، من الأمثلة على ذلك، تلك الوثائق التي دفعها «مصطفى سعيد» إلى الراوي الأول المتسائل عن حقيقته: «فدفع مصطفى إلي برزمة أوراق وأومأ لي أن أنظر فيها، فتحت ورقة فإذا هي وثيقة ميلاده. مصطفى سعيد، من مواليد الخرطوم، 16 أغسطس عام 1898.. الأب متوفى، الأم فاطمة عبدالصادق، فتحت بعد ذلك جواز سفره، الاسم، المولد، البلد، كما في شهادة الميلاد»(15).
فالراوي الأول هنا كان يقف موقف المروي له الممسرح، وقد عملت هذه الوسيلة هنا على تعميق الحبكة الدرامية، إضافة إلى تزويد القارئ بمعلومات تتصل ببطل القصة. أما في «دومة ود حامد» فالمروي له الممسرح هو الشاب الضيف الذي جاء الدومة زائراً، حيث يجلس مستمعاً إلى الراوي الأول (الشيخ الحكيم) يحكي له قصة الدومة وأهلها، ويظهر تبادل الأدوار بين الراوي والمروي له في آخر القصة، حيث يتحول المروي له الممسرح إلى راو ويتحول الراوي إلى مروي له مخاطب يتلقى الأسئلة من الراوي ويجيب عنها.
وهناك موقع آخر في الرواية يشير بوضوح إلى تحول الراوي الأول في القصة إلى مروي له ممسرح، يتلقى فيها المروي له الممسرح بطريقة السرد الموضوعي القصة من راوٍ ممسرح هو أبوه نقلاً عن جده في هذا النص الذي يروي فيه أبو الشيخ قصة «ود ــ حامد»: «كان ود حامد في الزمن السالف مملوكاً لرجل فاسق، وكان من أولياء الله الصالحين، ويتكتم إيمانه ولا يجرؤ على الصلاة جهاراً، حتى لا يفتك به سيده الفاسق. ولما ضاق ذرعاً بحياته مع ذلك الكافر، دعا الله أن ينقذه منه. فهتف به هاتف أن افرش مصلاتك على الماء، فإذا وقفت بك على الشاطئ فانزل. وقفت به المصلاة عند موضع الدومة الآن، وكان مكاناً خراباً»(16).
ولم تستخدم «دومة ود حامد» وسيلة الرسائل والوثائق إلا في موقع واحد، بث فيه الكاتب شيئاً من روح السخرية المرحة، فالواعظ الذي جاء إلى البلد مبعوثاً من الحكومة أرهقه لسع ذباب البقر المنتشر في البلد، وأقعده في الفراش في أسوأ حال، فكتب رسالة إلى مرسليه يقول لهم فيها: «ذباب البقر أكل رقبتي، والملاريا حرقت جلدي، والدسنتاريا غرست أسنانها في أحشائي. أقيلوا عثرتي يرحمكم الله، هؤلاء قوم لا حاجة لهم بي ولا بواعظ غيري»(17).

فالراوي الشيخ عندما سمع هذه القصة، كان مروياً له ممسرحاً، ووجود البرقية هنا أغنى روح السرد التلقائي التي تسود في القصة وأثار وعمق خيال القارئ لتصور الحبكة الرئيسية في القصة.

أما المروي له غير الممسرح، فقد ظهر في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» بصور عدة، أولاها الخطاب بضمير يدل عليه، فالخطاب السردي في الرواية كان يستحضر المروي له غير الممسرح في كثير من المواقف السردية، بل واستهلت الرواية به: «عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة»(18).
وهذا النص الذي يقول فيه: «لكن أرجو ألا يتبادر إلى أذهانكم، يا سادتي، أن مصطفى سعيد أصبح هوساً يلازمني في حلي وترحالي»(19).

فالراوي يتوجه بالخطاب إلى المروي له ليظهر المروي له غير الممسرح (الحاضر في ذهن الروائي على الدوام) في بنية الخطاب السردي.
أما الصورة الثانية للمروي له غير الممسرح، أي ظهور صوت المروي له في الخطاب السردي، فإن رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» قد خلت منها، فلم يستعمل خطابها السردي هذه الوسيلة ولم يتضمنه في بنيتها.
أما الوسائل الإشارية فقد استعملت في الرواية بشكل واسع في صورة النجمات الثلاث (???) والتي تشي بنقلة زمنية ما في سياق السرد»(20).
ومن الأمثلة على ذلك هذا النص الذي يرويه الراوي الأول: «ودعاني للعشاء في بيته بعد يومين. ولما أوصلته للباب، قال لي وهو يودعني، والطيف الساحر أكثر وضوحاً حول عينيه: جدك يعرف السر. ولم يمهلني حتى أسأله: أي سر يعرفه جدي؟ جدي ليست له أسرار، ولكنه مضى مبتعداً بخطوات نشيطة متحفزة، رأسه يميل قليلاً إلى اليسار.

ذهبت للعشاء فوجدت محجوباً، والعمدة، وسعيد التاجر، وأبي»(21).

«فالراوي هنا اجتزأ يومين من زمن الحكاية وانتقل إلى لحظة زمنية أخرى بوساطة تقنية النجمات الثلاث التي هي بمثابة الدليل الإشاري على هذه النقلة، ولولا هذه الوسيلة الإشارية الفاصلة بين زمني السرد، لبقي السرد متقطعاً وغير متتابع، ولاختلط نظام الأحداث على المروي له والقارئ الضمني على حد سواء»(22).
وهناك أيضاً وسيلة إشارية أخرى ظهرت في بنية الرواية، وهي تقنية النقاط المتتابعة (...) «والتي تجيء للتعبير عن أشياء محذوفة أو المسكوت عنها داخل الأسطر، وفي هذه الحالة تشغل البياض بين الكلمات والجمل نقط متتابعة قد تنحصر في نقطتين، وقد تصبح ثلاث نقط أو أكثر، مما يمكن ملاحظته منذ الصفحات الأولى من بنية السرد الروائي وحتى نهايتها»(23).

ومن أمثلة حضور هذه التقنية عندما كانت «بنت مجذوب» تحكي للراوي الأول حكاية ما حدث بين «ود الريس» وزوجته أرملة «مصطفى سعيد»: «هذا كلام لن يعجبك خصوصاً إذا... (وأطرقت برهة)»(24).
«فأسلوب قطع الدلالة هنا ووضع النقاط مكان الفراغ، يحدث هزة لدى المروي له والقارئ، حيث يشعر بتوقف مفاجئ للسرد، ولكن انقطاع الدلالة هنا والتعويض عنه بالنقاط المتتابعة يهدف إلى إشراك المروي له في عملية تأسيس الإطار السردي، وإكمال الدلالة على وفق رؤيته ووجهة نظره»(25).

أما في «دومة ود حامد» فلم يظهر الراوي غير الممسرح بخطاب ضمير يدل عليه، ولا تمثل في ظهور صوت المروي له في الخطاب السردي، لقد ظهر فقط في وسيلة إشارية واحدة، هي تقنية النقاط المتتابعة، التي تجيء تعبيراً عن أشياء محذوفة أو مسكوت عنها داخل الأسطر كما سبق وأسلفت، ومن أمثلة ذلك هذا النص الذي يقوله الراوي (الشيخ) للمروي له (الشاب الضيف)، مستئذناً بالقيام لصلاة المغرب: « أمهلني يا بني ريثما أصلي صلاة المغرب... يقولون إن المغرب غريب، إذا لم تدركه في وقته فاتك... «عباد الله الصالحين... أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله... السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله».
وي. وي. هذا الظهر يوجعني منذ أسبوع. ماذا تظنه يا بني؟ ولكنني أعرف أنه الكبر... ألا ليت الشباب...»(26).

فهنا أتت النقاط المتتابعة للتعبير عن قيام الرجل للصلاة وأداء طقوسها والانتهاء منها، ثم العودة لاستئناف الحديث مع الضيف الشاب في سرد مشوق فطري مثير.

ج ــ الشخصية:
العنصر الأخير من عناصر البناء السردي في الشخصية التي تشكل جوهراً للعمل الروائي الذي يقوم على خلق الشخصيات المتخيلة مصوراً الواقع من خلال حركتها يتمثل بنموها التدريجي وتفاعلها مع غيرها.
والحق أن الشخصية ليست فقط جوهراً للعمل الروائي، بل هي جزء من جوهر العمل الإبداعي الذي يظهر براعة الكاتب في خلق الشخصيات وتفاعلاتها وكوامنها الذاتية، معطياً إياها جسداً وروحاً ينبضان بالحياة على مسرح الأوراق.

وقد سبقت الإشارة إلى بناء الشخصيات في النص السردي الذي يكون عبر طريقين، أولهما بناء الملامح الخارجية للشخصية، ورواية «موسم الهجرة إلى الشمال» غنية برسم التفاصيل الخارجية لبطل القصة «مصطفى سعيد» الذي وصفه الكاتب وصفاً خارجياً دقيقاً يهيئ القارئ لاستقبال ما سيتعلق بهذه الشخصية لاحقاً، من أخبار غامضة، ويحفز فضول حواسه لكشف غور الشخصية وفك رموز ماضيها المنغلق على الأسرار: «دققت النظر في وجهه، وهو مطرق. إنه رجل وسيم دون شك، جبهته عريضة رحبة، وحاجباه متباعدان، يقومان أهلة فوق عينيه، ورأسه بشعره الغزير الأشيب متناسق تماماً مع رقبته وكتفيه، وأنفه حاد، منخاراه مليئان بالشعر. ولما رفع وجهه أثناء الحديث، نظرت إلى فمه وعينيه، فأحسست بالمزيج الغريب من القوة والضعف في وجه الرجل. كان فمه رخواً، وكانت عيناه ناعستين، تجعلان وجهه أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة، ويتحدث بهدوء، لكن صوته واضح قاطع. حين يسكن وجهه يقوى، وحين يضحك يغلب الضعف على القوة. ونظرت إلى ذراعيه، فكانتا قويتين، عروقهما نافرة، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة، حين يصل النظر إليهما بعد تأمل الذراع واليد، تحس بغتة كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي»(27).

فهذا الوصف الخارجي التفصيلي ذو غاية في البناء السردي، فـ«الملامح الخارجية للشخصية ليست ملامح مجردة قائمة بذاتها، وإنما هي مرآة تكشف أغوارها النفسية والفكرية، فهيئة ومظهر الشخصية ما هي إلا مرآة لجوهر فلسفتها الإنسانية»(28).

وقد قل استخدام هذه الطريقة في «دومة ود حامد»، فلم أجد فيها إشارات تفصيلية على وصف الملامح الخارجية للشخصيات، باستثناء إشارات قليلة، منها ذلك الوصف السريع لأولئك النواب الذين جاؤوا «الدومة» زواراً ومهنئين: «ولكننا وجدنا حشداً كبيراً خارج السجن ــ أول ما رأونا هتفوا ونادوا وعانقنا أناس نظيفو الثياب، تلمع على معاصمهم ساعات مذهبة، وتفوح نواصيهم برائحة العطر»(29).

والوصف الوحيد الخارجي الذي وجدته يركز على شخصية واحدة، هو وصف تقليدي لشيخ مهيب، رأته إحدى نساء القبيلة لما مرضت وأشرفت على الهلاك ــ في منامها، وهو «ود حامد» الولي الذي اختار القرية للإقامة تحت دومتها ودفن هناك: «ورأيت شيخاً مهيباً أبيض اللحية ناصع الرداء، يتقدم نحوي وعلى وجهه ابتسامة»(30).

أما الطريقة الأخرى لبناء الشخصيات، فتتمثل في بناء الملامح الداخلية، التي تتكشف عبر عرض الأفكار الذاتية والمشاعر المتعمقة السابرة للنفس، حيث تبدو الشخصية وكأنها في حوار صامت مع ذاتها أو مع شخصية أخرى غير مرئية، وفي الرواية مواقف سردية عدة توقف فيها الراوي مع نفسه كاشفاً عما يعتمل في شخصيته، وما يجوس في أعماقه: «ذهبت إلى البيت، ورأسي يضج بالأفكار، أنا واثق أن وراء «مصطفى» قصة، أو شيئاً لا يود أن يبوح به، هل خانتني أذناي ليلة البارحة؟ الشعر الإنجليزي الذي قرأه، كان حقيقة، لم أكن سكران، ولم أكن نائماً، وصورته وهو جالس في ذلك المقعد، ممدداً رجليه، ممسكاً بالكأس بكلتا يديه، صورة واضحة لا مراء فيها، هل أحدّث أبي؟ هل أقول لمحجوب؟ لعل الرجل قتل أحداً في مكان ما وفر من السجن؟ لعله.. لكن أية أسرار في هذا البلد؟»(31).
وكذلك هذا النص الذي يخلد فيه الراوي إلى أفكاره الخاصة رغم النقاش العاصف من حوله: «وبينما انبرى منصور ينفذ آراء ريتشارد، أخلدت أنا إلى أفكاري، ما جدوى النقاش؟ هذا الرجل ــ ريتشارد ــ هو الآخر متعصب، كل واحد متعصب بطريقة أو بأخرى، لعلنا نؤمن بالخرافات التي ذكرها، ولكنه يؤمن بخرافة جديدة، خرافة عصرية، هي خرافة الإحصائيات»(32).

أما «دومة ود حامد» فلم تستخدم هذه الطريقة، لأنها فيما أرى، انتهجت أسلوب الرواية الموضوعي، فالراوي يحكي للفتى قصة الدومة، ويصارح ويبوح ويتحدث بغير أن يخفي أموراً تهجس بها نفسه، فليس هناك «مونولوج» داخلي يكشف شخصية الراوي الأول، ولا الراوي الثاني، والبطل هنا هو الدومة لا الشخصيات، وربما لهذا لم تعن «دومة ود حامد» ــ كثيراً ببناء الشخصية الداخلي ولا بمظهرها الخارجي.

وتتعدد الشخصيات المستخدمة في الرواية لتشمل النوعين اللذين سبقت الإشارة إليهما، فالشخصية النامية أو المستديرة تحرك رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، وتثير الدهشة بدراميتها وتطورها، وأبرز هذه الشخصيات في الرواية بلا منازع هي شخصية البطل «مصطفى سعيد»، هذه الشخصية التي دارت حولها كل أحداث الرواية وشخوصها، فهي شخصية عجيبة، غريبة الأطوار، تخفي ماضياً مثيراً في طيات عمرها القصير، ونبوغاً منطفئاً يبحث عن السلام فلا يجده، و«كل الشخصيات تروي عن هذه الشخصية أحاديث متضاربة يصبح معها (مصطفى) أكذوبة وحقيقة، واقعاً وأسطورة في آن واحد، فالراوي لا يعرف (مصطفى سعيد) من خلال روايته هو لأحداث مأساته ولا من خلال جده، ومن خلال الفلاح محجوب، بل يقابل بعد موت مصطفى شخصيات عديدة تروي عنه كل من زاويتها الخاصة»(33).
فالراوي يتحدث أولاً عن مصطفى سعيد الذي تعرف إليه في القرية بعد عودته من السفر واستثار فضوله إلى أن أطلعه الرجل على بعض من أسرار الماضي الذي عاشه، ثم مات مصطفى سعيد بطريقة غامضة لينهي حياته بنفس الغموض الذي عاشها فيه، وحتى بعد موته يقابل الراوي أناساً يتحدثون عنه بصور متناقضة: «وهنا تدخل الرجل الإنجليزي، وقال إنه لا يدري صحة ما قيل عن الدور الذي لعبه مصطفى سعيد في مؤامرات السياسة الإنجليزية في السودان. الذي يعلله أن مصطفى سعيد لم يكن اقتصادياً يركن إليه»(34).

ويلي شخصية «مصطفى سعيد» شخصية أخرى نامية في الرواية، هي شخصية الراوي الذي عاد إلى بلده بعد سبعة أعوام درس فيها الأدب الإنجليزي في أوروبا وعاد حاملاً شهادة الدكتوراة من هناك، ثم قابل مصطفى، فأخذ يبحث عن حقيقته بعد أن أثار الرجل فضوله، وعمل أثناء ذلك مدرساً للأدب الجاهلي، ثم مفتشاً للتعليم الابتدائي، ومع أن شخصية مصطفى ظلت هاجس هذه الشخصية في حياة مصطفى وبعد مماته، إلا أن هذه الشخصية لم تمتلك ذلك القدر من الثراء والتطور الذي امتلكته شخصية مصطفى، فهو يقع في حب أرملة مصطفى، لكنه لا يفعل شيئاً ليوقف زواج «ود الريس» بها، وقد ظلت هذه الشخصية متمسكة بكثير من ثوابتها رغم نوبات المد والجزر التي تعرضت لها في الرواية.

أما النوع الآخر من أنواع الشخصيات الروائية فيتجلى في الشخصية المسطحة، التي تبقى على وتيرة واحدة لا تتغير، وتعد شخصيات مثل «جد الراوي الأول» و«ود الريس» و«بنت مجذوب» شخصيات مسطحة غير متطورة في الرواية، ولكنها أسهمت ــ إلى حد كبير ــ في بناء الحدث وتطوره، فالجد رجل كبير في السن إلا أنه يتمتع بصحة ممتازة ومرح يجعله محبوباً قريباً من أهل قريته، أما ود الريس فرجل قريب من الكهولة، لكنه وسيم إلى حد ما، مزواج كلف بالنساء منذ صغره، أما بنت مجذوب فشخصية فريدة بالنسبة إلى امرأة قروية، فهي تشبه ود الريس في كثرة زواجها وجمالها، إلا أنها جريئة لا تتحرج في الحديث حتى فيما يمكن أن يتحرج منه الرجال: «كانت بنت مجذوب امرأة طويلة لونها فاحم مثل القطيفة السوداء، ما يزال فيها إلى الآن، وهي تقارب السبعين بقايا جمال. وقد كانت مشهورة في البلد، يتسابق الرجال والنساء على السواء لسماع حديثها، لما فيه من جرأة وعدم تحرج. وكانت تدخن السجاير وتشرب الخمر وتحلف بالطلاق كأنها رجل. ويقال إن أمها كانت ابنة أحد سلاطين الفور، وقد تزوجت عدداً من خيرة رجال البلد، ماتوا كلهم عنها وتركوا لها ثروة ليست قليلة. وقد أنجبت ولداً واحداً وعدداً لا يحصى من البنات اشتهرن بجمالهن وعدم تحرجهن في الحديث، مثل أمهن»(35).
فهذا النوع من السرد: «يكشف جوانب كثيرة من حياة الشخصية كما يمكن من خلاله اكتشاف ما تنطوي عليه نفسية هذه الشخصية، فمثل هذه الشخصيات، وعلى الرغم من سطحيتها إلا أن حضورها في مسرح الأحداث لا يتقوقع في مساحات ضيقة، بل إنه حضور في مساحات واسعة على طول بنية الرواية»(36).

أما «دومة ود حامد» فقد تنوعت فيها الشخصيات من حيث البناء، ولكن بشكل أقل ظهوراً من الرواية، فمن الشخصيات النامية في القصة شخصية «ود حامد» نفسه، فالرجل كان عابداً صالحاً، غير أنه مملوك لرجل فاسق، ولما ضاق بكفره دعا ربه فأوحى إليه أن يفرش مصلاته على الماء ففعل، ورست مصلاته عند الدومة فأقام تحتها يتعبد حتى مات وتحول قبره إلى ضريح يحرص على زيارته أهل الدومة ويقدسونه ويلجؤون له حال الملمات، بل إنهم لا يذكرون تاريخاً للدومة قبله، فكأنما الأرض انشقت عن القرية بعد مجيئه: «ومنذ كانت بلدتنا، كانت دومة ود حامد، يحكى أن أحداً لا يذكر كيف قامت ونمت، كذلك لا يذكر أحد كيف نمت الدومة في أرض حجرية ترفع على الشاطئ، وتقوم فوقه كالديدبان»(37).

أما الشخصيات المسطحة فتتمثل غالباً في الراوي الشيخ الراضي بحياته في الدومة، الفخور بانتمائه إليها رغم بساطة الحال فيها وافتقاره إلى أبسط الخدمات، فضلاً عن «ذباب البقر» الذي يعمل في الوجوه والأجساد ما يعمل من لسع، بل وعض وطن ــ وزن، وهو يعنى فقط برواية قصة الدومة كما شهدها للمروي له «الشاب الضيف» مبتدئاً حديثه ومنهيه بوصية للشاب: «أنت لا شك راحل عنا غداً، فإذا وصلت إلى حيث تقصد، فاذكرنا بالخير ،ولا تقس في حكمك علينا»(38).

الخـــاتمة:
الخطاب مصطلح حديث تعددت مفاهيمه بتعدد تصورات المهتمين به، وكذلك السرد، لكنهما يتفقان في النهاية على كونهما تعبيراً متقناً مضبوطاً يصف الأحداث في صورة لغوية، وهو يشتمل على عناصر منطقية لابد منها، تتمثل في الراوي، والمروي له، والشخصية، وكل عنصر من هذه العناصر يتخذ أشكالاً وأنواعاً تتعدد في بنية السرد التي تختلف باختلاف الأنماط السردية ونوعها وطبيعة الأحداث التي تدور حولها والشخصيات التي تصفها.

رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» رواية غنية بعناصر الخطاب السردي، وتمثلها على تنوعها بتعدد أشكال روايتها وشخوصها، أما قصة «دومة ود حامد»، فهي قصة تثير الإعجاب ببساطتها وتلقائيتها، وتركز على الراوي والمروي له أكثر من التركيز على الشخصيات التي تستخدمها الرواية لا كعنصر أساسي في الحبكة كـ«موسم الهجرة إلى الشمال» وإنما كأطراف تساعد على تقوية الحبكة وإثرائها، وهي في معظمها شخصيات مسطحة نمطية لم يسلط الضوء على أعماقها وما يضطرب في دواخلها.

مال الطيب صالح ــ رحمه الله ــ في الرواية والقصة إلى استخدام راويين؛ أساسي وثانوي، أو أساسي وآخر من الدرجة الثانية، حتى لتبدو القصة والرواية ضرباً من السيرة الذاتية التي يبدو فيها الراوي الثانوي ممثلاً للكاتب، لكن الفصل واجب بينهما، لأن الكتابة في النهاية وإن كانت تحمل روح الكاتب وفكره، إلا أن الفصل بين الشخصيات والروائي لابد منه إن أردنا فهماً واسعاً واضحاً لطبيعة الكتابة السردية.

لا شك أن الطيب صالح ــ رحمه الله ــ من أعمق الكتّاب في عصرنا، ولا شك أن غنى سردياته يلفت النظر، ومن الواضح أن: «ملكة هذا الكاتب لا تقتصر على إدراك أصول اللغة ومعرفة قواعدها، بل تتعدى ذلك إلى تفجير ما في اللغة من طاقات وممكنات.. فهنا الصورة الحسية التي تحرك قوة الخيال، والبصر الموحي الذي يثير كوامن النفس... وهي جميعها بمثابة الخطوط والألوان التي تتآلف فيما بينها وتتكامل في لوحة حية كبيرة رائعة، كل ما فيها يصرخ من فرط الحياة، كل ما فيها يستهدف وحدة الموضوع وقوته وإبراز ما فيه من أبعاد وأغوار» (39).

قد يدفعني موضوع هذا البحث مستقبلاً لمحاولة بحث أمور جديدة لفتت نظري، مثل مدلولات الضمائر في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، أو طبيعة التشابيه اللغوية المستخدمة في قصص الطيب صالح عموماً.. ولم لا؟ فالبحث في الخطاب السردي إجمالاً يطلق أفكاراً كثيرة، ويفتح للذهن آفاقاً جديدة لم يكن قد خبرها مسبقاً....

قائمة المراجع والمصادر

1 ــ آفاق نقد عربي معاصر، د. سعيد يقطين ود. فيصل دراج، دار الفكر ــ دمشق، الطبعة الأولى، 2003م.
2 ــ تقنيات الخطاب السردي بين الرواية والسيرة الذاتية دراسة موازنة، أحمد العزي صغير، وزارة الثقافة والسياحة ــ صنعاء، 2004م.
3 ــ تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، يمنى العيد، دار الفارابي ـ بيروت، الطبعة الأولى 1990م.
4 ــ تقنيات السرد في النظرية والتطبيق، آمنة يوسف، دار الحوار ــ سوريا، الطبعة الأولى 1997م.
5 ــ دومة ود. حامد، الطيب صالح، دار الجيل/ بيروت.
6 ــ الأسلوبية في النقد العربي الحديث دراسة في تحليل الخطاب، فرحان بدري الحربي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع/ بيروت، الطبعة الأولى 2003م.
7 ــ الطيب صالح عبقري الرواية العربية، أحمد سعيد محمدية وزملاؤه، دار العودة ــ بيروت، 1984م.
8 ــ موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، دار العودة ــ بيروت، الطبعة الرابعة عشرة 1987م.
9 ــ http://www.sil.org/linguistics.
10ــ http://www.yaktine-said.com/lexique.htm

الـهوامـش

1 - انظر تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص33.
2 - المصدر السابق، ص35.
3 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص5.
4 - المصدر السابق، ص23.
5 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص35.
6 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص49.
7 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص35 ــ 36.
8 - دومة ود حامد، الطيب صالح، ص53.
9 - دومة ود حامد، الطيب صالح، ص33.
10 - المصدر السابق، ص39.
11 - المصدر السابق، ص40 ــ 41.
12 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص7.
13 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص6.
14 - المصدر السابق، ص23.
15 - المصدر السابق، ص21 ــ 22.
16 - دومة ود حامد، الطيب صالح، ص46 ــ 47.
17 - المصدر السابق، ص36.
18 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص5.
19 - المصدر السابق، ص65.
20 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص102.
21 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص14 ــ 15.
22 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص102.
23 - المصدر السابق، ص105.
24 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص126.
25 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص 105 ــ 106.
26 - دومة ود حامد، الطيب صالح، ص43.
27 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص11 ــ 12.
28 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص124.
29 - دومة ود حامد، الطيب صالح، ص49.
30 - المصدر السابق، ص45.
31 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص19 ـ 20.
32 - المصدر السابق، ص63.
33 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي صغير، ص126.
34 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص61.
35 - موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص80.
36 - تقنيات الخطاب السردي، أحمد العزي، ص141.
37 - دومة ود حامد، صالح، ص47.
38 - دومة ود حامد، الطيب صالح، ص53.
39 - الطيب صالح عبقري الرواية العربية، أحمد سعيد محمدية وزملاؤه، ص154.