الـمقامة العربية
هل لها آثار على الآداب الموازية؟!

 

بديعـة خليـل الهاشمـي

إن العرب كجميع الأمم لهم قصص وأحاديث وأسماء وخرافات وأساطير يقصونها في أوقات الفراغ، ويصورون بها عاداتهم وأطباعهم وغرائزهم من حيث لا يقصدون، ففي أي بقعة من البقاع العربية كان الناس يسمرون تحت ضوء القمر في ليالي الصيف، أو حول المواقد في الشتاء، ولو استمعنا إليهم لوجدنا لهم على سذاجتهم قصصاً طريفة تدل على لباقة وذكاء.

وأظهر أنواع الأقاصيص التي ظهرت في القرن الرابع الهجري هو فن المقامات، وهي تلك القصص القصيرة التي يودعها الكاتب ما يشاء من فكرة أدبية أو فلسفية أو خطرة وجدانية أو لمحة من لمحات الدعابة والمجون، والتي اتخذت على يد بديع الزمان الهمذاني النموذج الأعلى الذي سار عليه من جاء من بعده من كتّاب المقامات.

وقد كان لهذا الفن الأدبي الذي تميز به الأدب العربي الأثر الكبير في الآداب الأخرى، مثل الأدب الفارسي، والعبري، والإسباني، والآداب الأوروبية من بعدها بشكل عام، كما امتد أثره أيضاً إلى الفنون الجميلة، فظهرت لوحات فنية تصويرية تجسد هذا الفن، عدّت من عيون الفن العربي والإسلامي الأصيل.

وتشكل المقامات ظاهرة مهمة في تاريخ الأدب العربي القديم، وترجع أهميتها إلى أنها أوجدت في ذلك الأدب شكلاً جديداً استطاع أن يغطي كثيراً من جوانب القصور التي نشأت عن عدم اكتمال الأنواع والأجناس الأدبية في المأثور من التراث.

كما اكتسبت المقامات أهمية خاصة، لكونها أضافت نماذج عالية من الأدب الرفيع، تمثل في مقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري، اللذين اعتبر أسلوبهما مقياساً للذوق على مدى قرون طويلة من الزمان.

مفهـوم المقامـة
– مفهوم المقامة لغوياً:
اتفقت المعاجم العربية القديمة على أن مدلول لفظ «مقامة» يعني المجلس من حيث هو مجلس، أو الجماعة من الناس. نجد ذلك في «لسان العرب» لابن منظور، وفي «أساس البلاغة» للزمخشري، وفي سواهما من أمهات المعاجم العربية كـ«الصحاح» للجوهري(1).
يقول ابن منظور: المقامة هي المجلس، ومقامات الناس مجالسهم، وأنشد ابن بري من شعر العباس بن مرداس في هذا المعنى:
فأيي ما وأيك كان شراً
فقيد إلى المقامة لا يراها

واستعملت الكلمة مجازاً لتعني القوم الذين يجلسون في المجلس(2).

أما في المعجم الوسيط فـ«المقام»: موضع القدم، والمجلس، والجماعة من الناس، والدرجة أو المنزلة، ومن الدعاء المأثور: «وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته»، والضريح؛ كضريح الحسين بن علي والسيدة زينب رضي الله عنهما(3).

و«المقامة»: الجماعة من الناس، والمجلس، والخطبة أو العظة، وقصة مسجوعة تشتمل على عظة أو ملحة، كان الأدباء يظهرون فيها براعتهم، كالهمذاني والحريري(4).
وقد كانت كلمة مقامة في العصر الجاهلي تعني: مجلس القبيلة أو ناديها، كقول زهير بن أبي سلمى:
وفيهم مقامات حسان وجوهها
وأندية ينتابها القول والفعل

وأحياناً كانت الكلمة تتجاوز المكان إلى من يوجدون فيه، فتعني الجماعة التي يضمها المجلس أو النادي، كقول لبيد:
ومقامة غُلب الرقاب كأنهم
جن لدى الباب الحصير قيام

ثم تطور مضمون الكلمة في العصر الإسلامي، وأصبحت تعني: المجلس الذي يقوم فيه شخص بين يدي الخليفة أو غيره ويقوم بوعظ الحاضرين، أي إن الكلمة بدأت تضم إلى جانب المجلس وجماعة الحاضرين، حديثاً وعظياً، وكلاماً في السلوك والتهذيب، وأخيراً أصبحت تعني المحاضرة، سواء أكان من يقدمها قائماً أو قاعداً(5).

وهكذا كانت الكلمة يتغير مدلولها حسب الظروف الغالبة في كل عصر استخدمت فيه، ففي العصر الجاهلي الذي يؤمن بالقبلية والطائفية كان مدلولها اجتماعياً، وعندما تغلبت النزعة الدينية إبان صدر الإسلام والدولة الأموية، اتجهت الكلمة اتجاهاً دينياً بالوعظ والإرشاد، وعندما تقدمت الفنون الأدبية خلال العصر العباسي الثاني، وتعددت ألوان الأدب شعراً ونثراً واتجه الأدب إلى التفنن والإغراق في المحسنات البديعية، اتخذت المقامة مدلولاً أدبياً ظهر على يد بديع الزمان الهمذاني، الذي استخدم لفظ «المقامات» استخداماً يقصد به نوعاً أدبياً جديداً ظهر في ذلك العصر، ويتضح ذلك تالياً.

– مفهوم المقامة اصطلاحاً:
إذا أردنا أن نعرف المقامة في صورتها التراثية في الأدب العربي فهي: «قصة قصيرة الحجم تكتب بلغة مموسقة (إيقاعية) وموضوعها يدور على حدث واحد متخيل (مستلهمة من أحداث الكدية) وشخصياتها الثانوية محدودة (تتمثل في الضحية أو المخدوع الذي تقع عليه حيلة بطل المقامة، وهي شخصيات تتغير من مقامة إلى أخرى)، ويلعب دور البطولة فيها بطل محتال، جواب آفاق، ويشاركه راوية يتعرف عليه إثر كل مغامرة، ويرويها عنه، وتقع أحداثها في حدود مدينة أو منطقة واحدة، وفي زمن لا يتجاوز مقدار يوم وليلة، وغايتها الغوص في قاع المجتمع لتعرية الواقع الاجتماعي، ونقد الطبقات الاجتماعية والأنماط البشرية السالبة»(6).

ويعرف الدكتور زكي مبارك المقامات بأنها: «هي القصص القصيرة التي يودعها الكاتب ما يشاء من فكرة أدبية، أو فلسفية، أو خطرة وجدانية، أو لمحة من لمحات الدعابة والمجون»(7).

أما الدكتور شوقي ضيف فيرى أن المقامة: «ليست قصة وإنما هي حديث أدبي بليغ»، و«المقامة أريد بها التعليم منذ أول الأمر، ولعله من أجل ذلك سمّاها بديع الزمان مقامة، ولم يسمّها قصة ولا حكاية، فهي ليست أكثر من حديث قصير، وكل ما في الأمر أن بديع الزمان حاول أن يجعله مشوّقاً فأجراه في شكل قصصي»(8).

وعرفها الدكتور فيكتور الكك بأنها: «حديث قصير من شطحات الخيال، أو دوامة الواقع اليومي في أسلوب مصنوع مسجّع تدور حول بطل أفّاق أديب شحّاد. يحدث عنه وينشر طويّته راوية جوّالة قد يلبس جبّة البطل أحياناً. وغرض المقامة البعيد هو إظهار الاقتدار على مذاهب الكلام وموارده ومصادره في عظة بليغة تقلقل الدراهم في أكياسها، أو نكتة أدبية طريفة أو نادرة لغوية لطيفة أو شاردة لفظية طفيفة»(9).

أما الدكتور إحسان عباس فيعرف المقامات بأنها: «قطعة نثرية مسجوعة، قصيرة الفقرات، ذات طول معين لا تتجاوز في طولها مقام واعظ يتحدث إلى جمهوره، وفي الغالب يكون البطل متنكراً، فهي تقع بين (عقدة) و(حل) قصيري الأمد، ويكون الحل إشباعاً للتشويق، ويصبح (الانكشاف) مدعاة للارتياح، وسبباً لطمأنينة النفس»(10).

مما سبق يتضح أن المقامة تقوم أساساً – من الناحية الموضوعية – على حكاية مغامرات، يقوم بها جميعاً في المقامات العربية بطل واحد، وتنتهي جميعها إلى نجاحه في التحايل على الناس، ووصوله إلى تحقيق مآربه من هذا التحايل من كسب ونوال، وإلى جوار هذا البطل يوجد راوية واحد ينقل لنا أخبار هذا البطل وحيلة وبطولاته، وأثناء عرض هذه البطولات وتلك المغامرات تبرز بعض مظاهر النقد الاجتماعي، والألغاز والأخبار المتصلة بالحياة الأدبية، وفوق كل ذلك عرض ألوان من الصناعات البديعية بشكل مكثف، ولكي ينجح الكاتب في ذلك، يجب عليه أن يحسن اختيار بطل بارع في اللغة والأدب، سريع النكتة حاضر البديهة، ذي ظرف في تقديم حيله وأكاذيبه، ومع تفوقه في كل هذه الصفات يجب أن يكون في حالاته كلها تقريباً متسوّلاً ماكراً ولوعاً بالملذات ومستهتراً يحتال للحصول على المال ممن يخدعهم(11).

ثانياً: نشـأة المقامـة
لا اختلاف على أن نشأة المقامات الأدبية كانت مشرقية، أما الذي لا اتفاق عليه فهو زمن هذه النشأة وصاحب الفضل فيها، ومهما يكن من شأن الاختلاف حول منشئ المقامات، فإنه يدور حول ثلاثة أسماء كبيرة في تاريخ تراثنا الأدبي والفكري، عاش أصحابها بين القرنين الثالث والرابع وهم: بديع الزمان، وابن دريد، وابن فارس.

لقد كان بديع الزمان أول من أطلق اسم «المقامات» على عمل أدبي من إنشائه، وقد لاقت مقاماته قبولاً في نفوس معاصريه، حتى إن أبا بكر الخوارزمي حين أراد الانتقاص من قدره لم يملك إلا أن يقول إنه لا يحسن سواها وأنه يقف عند منتهاها(12).

ويشير الحريري في مقدمة مقاماته أن بديع الزمان الهمذاني هو أول من أنشأ هذا الفن الجديد، فيقول:

«فإنه قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه، وخبت مصابيحه، ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان وعلامة همذان، رحمه الله تعالى، وعزا إلى أبي الفتح الإسكندري نشأتها، وإلى عيسى بن هشام روايتها، وكلاهما مجهول لا يُعرف ونكرة لا تتعرف، فإشارة من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظّالع شأو الضّليع...»(13).
إلا أن رأي الحريري ومن تابعوه لم يرق لبعض الدارسين في العصر الحديث، ومنهم الدكتور زكي مبارك حيث قال إن الحريري هو الذي أذاع الغلط بين الناس بأن بديع الزمان هو أول من أنشأ فن المقامات.

يقول الدكتور زكي مبارك في كتابه «النثر الفني»: «وكان المعروف أن بديع الزمان الهمذاني هو أول من أنشأ فن المقامات، ولم أجد فيمن عرفت من رجال النقد من ارتاب في سبق بديع الزمان إلى هذا الفن.... وقد وصلت إلى أن بديع الزمان ليس مبتكراً فن المقامات، وإنما ابتكره ابن دريد المتوفى سنة 321هـ...»(14).
وقد اعتمد في تحرير هذه المسألة – كما وضح في كتابه – على نص من كتاب «زهر الآداب وثمر الألباب» لأبي إسحاق الحصري حين عرض لكلام بديع الزمان، حيث يقول:
«كلامه غض المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفاً، والهوى يعشقه ظرفاً، وما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض عجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسع فيها، إذ صرف ألفاظها ومعانيها، في وجوه مختلفة وضروب متصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفاً، وتقطر حسناً، لا مناسبة بين المقامتين لفظاً ولا معنى، وعطف مساجلتها، ووقف بين رجلين: سمى أحدهما عيسى بن هشام، والآخر أبا الفتح الإسكندري، وجعلهما يتهاديان الدر، ويتنافثان السحر، في معان تضحك الحزين، وتحرك الرصين، يتطلع منها كل طريفة، ويوقف منها كل لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية، وخص أحدهما بالرواية»(15).

ثم يواصل الدكتور زكي مبارك رأيه، فيقول:
«وعندي من أسباب غفلة مؤرخي الآداب عن كشف هذا خطأ، أن ابن دريد سمى قصصه «أحاديث» في حين أن بديع الزمان سمى قصصه مقامات، ولم يكن أحد تنبه إلى قيمة النص الذي نقلته آنفاً عن زهر الآداب...»(16).
ولم يكن الدكتور زكي مبارك أول من وقف على نص الحصري، فقد سبقه المستشرق الألماني بروكلمان، وكذلك المستشرق الإنجليزي مارجليوث.

وهناك من الباحثين المحدثين أيضاً من يشير إلى أحمد بن فارس اللغوي على أنه مبدع فن المقامات، ومنهم السباعي بيومي، وجورجي زيدان الذي قال في ترجمة ابن فارس في كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية»: «وله فضل التقدم في وضع المقامات، لأنه كتب رسائل اقتبس العلماء منها نسقه».

وابن فارس هو أستاذ الهمذاني ومؤدبه، وكان متبحراً في علوم العربية مشاركاً في فنون عديدة، يناظر فيها.

وهذا الرأي يرد عليه الدكتور عبدالملك مرتاض في كتابه «فن المقامات في الأدب العربي»، فيقول:
«إن بديع الزمان كان تلميذاً لابن فارس في همذان ذاتها، ومن العقوق الدنئ أن يطمس البديع نتاج أستاذه ابن فارس وينكر فضله عليه، لو كانت مقامات ابن فارس المزعومة ذات فضل عليه فعلاً، وذات وجود فعلاً. ولو افترض مفترض بأن ذلك ممكن عقلاً، وأن التلميذ قد يعق أستاذه ويعبث بآثاره، فإنه لا يستطيع أن يفترض بأن هذا التلميذ وحده استطاع أن يسطو على نتاج أستاذه فيمحوه من الأرض محواً تامّاً، مع أن كتب ابن فارس المعروفة المشهورة باقية متداولة بين أيدي الناس إلى اليوم»(17).

ولكن يقر الدكتور زكي مبارك في آخر الأمر أن: «كل ما كتب من المقامات يرجع في جوهره إلى فن بديع الزمان، فالصورة واحدة من حيث السجع والازدواج، وطريقة القصص واحدة، والافتنان في الموضوعات هو كذلك من مبتكرات بديع الزمان، حتى الطريقة التعليمية التي عرفت في مقامات السيوطي وابن الجوزي والقلقشندي هي أيضاً مما ابتكر بديع الزمان»(18).

أسبـاب نشـأة المقامـة:
لقد ارتبطت نشأة المقامات في الأدب العربي بفساد كل من الحياتين الاجتماعية والأدبية، ففي خلال النصف الثاني من القرن الرابع الهجري وما تلاه، سيطر البويهيون على مراكز الخلافة الإسلامية في بغداد، وأدى ذلك إلى تفتت الدولة الإسلامية وظهور دويلات متعددة، ونتج عن ذلك جماعات حاكمة متمتعة بكل الحقوق في مقابل كثرة إسلامية كادحة، وأصبح لزاماً على الأدباء المتطلعين إلى حياة كريمة الاتصال بالحكام والأمراء مادحين إياهم أملاً في العطايا والهبات، فأصبح الأدب وسيلة للكسب، وظهرت جماعة من العامة تتخذ من الأدب وسيلة إلى التسول أحياناً والنصب أحياناً أخرى، وكان من هؤلاء طائفة الساسانيين، وكانوا أهل كدية يتجولون في البلاد محتالين على الناس، أملاً في التكسب وابتزاز الأموال بالدهاء والحيل(19).
تقول الدكتورة نجلاء الوقاد: «لم يكن هدف الهمذاني من تأليف المقامات التفكه والتندر والسخرية، بل أراد أن يرصد الحياة من حوله فهو قد ضاق ذرعاً بها، وأن الحياة الضنك التي كانت تفرض سلطانها على السواد قد آذت نفسه، وأمضت ضميره، فلم يملك إلا أن يصورها في صورة ترفع الإحباط عن كواهل السواد، وتمسح ما بهم من قنوط، وتثير فيهم الإحساس بما يعانون»(20).
وقد دارت المقامات حول موضوع «الكدية» كأثر من آثار الاضطراب الاجتماعي والسياسي الذي ساد العالم الإسلامي في ذلك الوقت. وقد واكب ذلك كله اضطراب في الحياة الأدبية، فاهتم الأدباء بإظهار التفوق على بعضهم في مجال الصنعة والإكثار من المحسنات اللفظية والمعنوية(21).

وهكذا كانت نشأة المقامات معبرة عن روح العصر وذوق الناس وعنايتهم بالزخارف اللفظية، ولذا كان القصد الأول من مقامات بديع الزمان ومن بعده الحريري الإتيان بمجاميع من الألفاظ والأساليب التي تخلب السامعين وتخترق بروعتها حجب قلوبهم... ومن أجل ذلك اختار البديع صيغ السجع لمقاماته، وكانت هذه هي الصيغة التي يُعجب بها عصره، فكان لا بد للبديع كي ينال استحسان معاصريه من أن يعتمد اعتماداً على هذه الوسيلة، ويستخدمها في كل ما ينمق من مقاماته ويوشي من أحاديثه، ولذا كان الأصل في مقامات بديع الزمان الهمذاني أن يسجع ولا يترك السجع إلا نادراً(22).

أشهر روّاد المقامـات
1– الزمخشري:
هو أبو القاسم الزمخشري محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي النحوي اللغوي المعتزلي، ولد سنة 467هـ وتوفي سنة 538هـ عن عمر يناهز 71 عاماً. كتب الزمخشري مقاماته يعظ بها نفسه في المقام الأول على أن تكون بعد ذلك منارة تهدي مقتبسيها في باب العلم والتقوى والأدب؛ وأجهد نفسه في إحكام صنعتها وسبك معدنها وإيداعها المعاني السامية التي تزيد المتبصر في دين الله نوراً لما فيها من قبس الحق والجمال والخير(23).
من أهم تصانيفه: «الكشاف في تفسير القرآن»، و«أساس البلاغة»، و«ربيع الأبرار» و«نصوص الأخبار»، و«متشابه أسامي الرواة». وكان قد جاور بمكة زماناً فسمي بذلك جار الله وعرف بهذا الاسم.

2– ابن شهيد:
هو أبو عامر أحمد بن أبي مروان، توفي سنة 426هـ ، وهو أول من تأثر بمقامات البديع في رسالته «التوابع والزوابع»، فقد نقلنا إلى أودية الجن، يلقى فيها توابع الشعراء والكتاب من أهل عصره وسابقيه، حيث تدور بينه وبينهم محاورات ومساجلات استطاع من خلالها أن يبرر كثيراً من آرائه الأدبية وأن يسخر من أدباء عصره سخرية لاذعة. وهناك شبه كبير بين هذه الرسالة ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وقد أشار الباحثون أن سبب ذلك هو تأثر الاثنين بمقامات البديع، وبخاصة المقامة الإبليسية التي استغل فيها البديع الفكرة العربية القديمة عن شياطين الشعراء فعقد لقاء خيالياً بين عيسى بن هشام وشيطان جرير(24).

3– السرقسطي:
هو القاهر محمد بن يوسف التميمي السرقسطي الأندلسي، المتوفى سنة 538هـ، ولقد أسمى مقاماته بالمقامات اللزومية، لأنه التزم فيها ما لا يلزم من صنعة وتكلف. كما أن مقامات السرقسطي حافظت على الأصول الفنية للمقامة البديعية مع بعض الغلو في استخدام الصنعة البديعية، فنجد فيها التشابه الواضح بين الموضوعات التي طرقتها والموضوعات التي طرقها المقاميون من قبله، ولذلك يؤخذ على المقامات اللزومية تركيزها على تقليد الموضوعات التي تناولها المشارقة من قبل، بحيث لم تقدم جديداً من حياة الكتاب والأدباء في بلاد الأندلس(25).

4– الوهراني:
هو ركن الدين أو عبدالله محمد بن محرز بن محمد الوهراني، المتوفى سنة 575هـ ، وقد كانت له مكاتبات واتصالات بالملك الناصر صلاح الدين الأيوبي. له ثلاث مقامات، وهي: المقامة البغدادية غرضها التعليم وتظهر البراعة والفضل طلباً للعطاء، والثانية في شمس الخلافة وهي ذات هدف تعليمي أخلاقي. أما المقامة الثالثة فغايتها تعليمية محضة تعتمد على التعبيرات المركزة والشاملة في الجمل القصيرة، وتتميز هذه المقامات بأنها خالية من الصنعة اللغوية أو البديعية على النحو الذي كان عند الحريري، كما أن أسلوبها سهل، شبيه بالحديث الذي يتبادله الناس في حياتهم اليومية(26).

5– الحريري:
من أشهر تآليفه: كتاب «درة الغواص في أوهام الخواص» وهو كتاب لغة معروف، وفيه يتعرض لأخطاء الأدباء وأغلاطهم في استعمال الألفاظ والأساليب، وكتاب «ملحة الإعراب» وهي أرجوزة في النحو، وكتاب «شرح ملحة الإعراب»، ثم كتاب رسائله المدونة وكتاب أشعاره، وأشهر كتبه على الإطلاق هو كتاب المقامات المسمى بـ«المقامات الأدبية».

يختلف الرواة في المكان الذي ألف فيه الحريري مقاماته، فمنهم من قال إنه ألّفها ببغداد، ومنهم من قال إنه ألفها بالبصرة ثم ذهب بها إلى بغداد، وعرضها على الأدباء هناك، وكانت أربعين مقامة، فاستحسنوها وتداولوها، وشكك بعض حاسديه في أنها من عمله، فطلبوا منه أن يصنع مقامة جديدة تثبت حجته وصحة قوله.

وتقول القصة أنه حاول ذلك أربعين يوماً، فلم يفتح الله عليه بشيء، فعاد إلى البصرة كئيباً أسفاً، فغاب فترة من الزمن ثم عاد وقد صنع عشر مقامات جديدة، حينئذٍ سلّموا له واعترفوا بقدرته وفضله.

وكان الدافع الحقيقي الذي دفع الحريري إلى تأليف مقاماته هو انتقاد الحياة السياسية التي كانت سائدة في عصره ابتغاء تقويمها وترشيدها، والتنبيه على مواضع الزلل في الرأي للغافل، وذلك باستخدام التعبير الرمزي عما يخالج النفوس ويؤذي الضمائر. ودلالة عل المواطن التي تعوزها الإنسانية تنبيهاً على خطورتها، وتحذيراً من شرها. فهو لم ينشئها لمجرد التعالي والتنافس في إظهار المقدرة والبراعة اللغوية فقط(27).

المقامة عند بديع الزمان الهمذاني:
من هو بديع الزمان الهمذاني؟
هو بديع الزمان أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني، الكاتب المترسل، والشاعر المجيد، قدوة الحريري، وقريع الخوارزمي، ووارث مكانته، معجزة همذان، ونادرة الفلك، وفريد دهره رِوايةً وحفظاً، وغرّة عصره بديهةً وذكاءً(28).

ولد سنة 358هـ بهمذان، ونسبة الهمذاني دفعت بعض الناس إلى الظن أنه من أصل فارسي، مع أنها نسبة إلى مكان ولادته، فهو من أسرة عربية، نزلت مسقط رأسه بهمذان، وهي أسرة تغلبية، مضريّة. ويقول هو في إحدى رسائله: (...إني عبد الشيخ، واسمي أحمد، وهمذان المولد، وتغلب المورد، ومضر المحتد...).

لم تكن همذان ولا غيرها دار مقام لبديع الزمان، لأنه كان دائم التنقل كثير الترحال، فلقد قصد هراة سنة 380هـ وأقام فيها سنتين، ثم غادرها إلى نيسابور، وفيها بدأت مرحلة جديدة في حياة بديع الزمان؛ إذ إنه اجتمع فيها بأبي بكر الخوارزمي وناظره، وكان لهذه المناظرة في شهرته أثر بعيد، كما أنه في نيسابور أيضاً أملى مقاماته، وإلى هذه المقامات يعود الفضل الأول في شهرته الأدبية(29).

وعاد الهمذاني بعد ذلك إلى هراة، حيث أصهر إلى أحد أعيانها، وصارت له فيها أسرة وضياع وأملاك، وبقي فيها حتى وافاه الأجل فمات سنة 398هـ مسموماً أو بالسكتة القلبية، وهو في الأربعين من عمره. ويروى أنه لما مات عجلوا بدفنه، فأفاق في قبره، وسُمع صوته بالليل، ونُبش عليه فإذا هو قابض على لحيته ميت من هول القبر. وقد ترك رسالة تدل على صدق إيمانه وبعده عن أهل الزيغ والبدع والأهواء(30).

وقد درس الهمذاني على أبي الحسين بن فارس، وأخذ عنه جميع ما عنده، واستنزف علمه، واستنفد بحره، وورد حضرة الصاحب أبي القاسم، فتزوّد من أدبه الجم وحسن آثاره، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة جماعة الإسماعيلية، وعاش في أكنافهم، واقتبس من أنوارهم، واختصه أبو سعد محمد بن منصور بمزيد من الفضل وإسداء المعروف، ثم اعتزم نيسابور وشدّ إليها رحله، فأعانه أبو سعد، وأحسن إمداده، فوافاها سنة 382هـ، ونشر فيها بزه، وأظهر طرزه، وأملى 400 مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية ونحوها، بلفظ رشيق، وسجع رقيق(31).
ولئن كان شعره ينم عن بديهة حاضرة، وذكاء واسع، فإنه يدل أيضاً على خلق فاضل ونفس عالية. قال عنه صاحب اليتيمة: وكان مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، ناصع الطرف، عظيم الخُلُق، شريف النفس، كريم العهد، خالص الود، حلو الصداقة، مرّ العداوة(32).

لقد كان بديع الزمان من أكبر أدباء عصره، لكنه كان بائساً في حياته، قليل الحيلة ، لم يحسن أساليب الوصول إلى مآربه، في عصر بلغ فيه من هم دونه شأواً عظيماً، لا سيما أن الحكام والولاة كانوا يتبارون فيما بينهم في انتظام النابهين من أهل الفكر والأدب في مجالسهم.

وقد ضاقت به الحياة، ولم يغن عنه أدبه شيئاً حتى تسول في الأسواق، في الوقت الذي كان يرى فيه غيره يحسنون أساليب الوصول وحيله، فآثر أن يصورهم في مقاماته التي لا تمثل – في الحقيقة – واقعه المفروض عليه فحسب، بل تمثل واقعاً حياً في بيئته لم يقدر على معايشته(33).

– مقامات الهمذاني:
يرى أكثر الباحثين أن بديع الزمان ألف مقاماته مقلداً أو معارضاً ابن دريد في أحاديثه الأربعين، كما قال صاحب زهر الآداب. أما الدكتور شوقي ضيف فيظن أن بديع الزمان كان يعرض على طلابه أحاديث ابن دريد، وأنه عارضها، فالصلة بين الصنيعين واضحة، فالمقامة الأسدية عند البديع تعدّ صيغة نهائية لصفة الأسد في ذيل الأمالي التي ذكر فيها أحاديث ابن دريد، وكذلك الشأن في المقامة الحمدانية وما جاء فيها من صفة الفرس فإنها تكميل وتتميم لما جاء في الأمالي من وصف الفرس. وقد تكون الفكرة التي أدار حولها مقاماته وهي الكدية أو الشحاذة، استمدها من خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام التي رواها صاحب الأمالي عن ابن دريد(34).

وتتعدد الآراء حول مؤثرات أخرى في مقامات البديع، فمنهم من يرى أن رسالة التربيع والتدوير للجاحظ التي أنشأها في أحمد بن عبدالوهاب قد أثرت في البديع من حيث أسلوبها الحواري الشائق وما فيها من دعابة وسخرية.

أما الدكتور شوقي ضيف فيرى أن عملاً مفقوداً من أعمال الجاحظ تحدث فيه عن أهل الكدية حديثاً طويلاً وقص نوادرهم هو الذي أوحى للبديع أن يدير أغلب مقاماته على الكدية(35).
ويلتقط الدكتور عبدالملك مرتاض هذه الفكرة ولكنه ربط بين مقامات البديع وعمل آخر من أعمال الجاحظ هو كتاب البخلاء، ورأى أن الهمذاني قد قمص شخصية أبي الفتح الإسكندري القميص نفسه الذي قمص الجاحظ خالد بن يزيد(36).
أما الأستاذ مارون عبود فينكر في كتابه «بديع الزمان الهمذاني» أن يكون لغير البديع يد في خطة المقامات، فيقول: «إن خطة المقامات هي من عمل البديع، فلا لابن فارس ولا ابن دريد يد في صنعها. فالهمذاني هو الذي ألبسها هذا الطراز الموشّى، وعلى طريقه هذه التي شقها سارت عجلة الأدب ألف عام، فعبثاً نحاول العثور على أثر لهذه الخطة عند غير البديع». ولكن الأستاذ يؤيد ما سبق أن أشار إليه الدكتور شوقي ضيف من تأثر البديع بالجاحظ في موضوع المقامات(37).

أما عدد المقامات فقد ظل موضع اختلاف. فقد ذكر مؤلفها في إحدى رسائله أنها أربعمائة مقامة، وذلك حين كتب إلى أبي بكر الخوارزمي في إحدى رسائله (...فيعلم أن من أملى من مقامات الكدية أربعمائة، لا مناسبة بين المقامتين لا لفظاً ولا معنى، وهو لا يقدر منها على عشر، حقيق بكشف عيوبه، والسلام).

ولكن الباحثين المعاصرين ينكرون هذا العدد الضخم ويرونه محرفاً عن الأربعين، ويعزو الدكتور شوقي ضيف هذا التحريف إلى غلط الناسخ، ويقول: «مجرد معارضة بديع الزمان لابن دريد في أحاديثه الأربعين يقتضي أن تكون أحاديثه أو مقاماته أربعين أيضاً. ويظهر أنه صنع في نيسابور أربعين مقامة فقط، ثم رأى أن يزيد عليها مقامات أخرى بعد مبارحته لها، فزاد ستاً في مديح خلف بن أحمد في أثناء نزوله عنده، كما زاد خمساً أخرى، وبذلك أصبحت المقامات نيّفاً وخمسين»(38).

– موضوعات مقامات البديع:
تناولت المقامات الهمذانية موضوعات متعددة تتآلف جميعها لتخدم الغاية التي رمى إليها بديع الزمان، وهي تقديم صورة شاملة لواقع بيئته، يصب من خلالها ثورته على ذلك النظام. ومن هذه الموضوعات:

1– النقد الاجتماعي لكثير من سلبيات المجتمع وفئاته ومتناقضاته، وتصوير سلوكيات الناس وتصوير للحياة في عصرها.
2– كثرة الوعظ الديني، الذي يرجع إلى أنه نتيجة الفقر الشديد كان الناس يولون وجوههم نحو الدين لكي يخلصهم من فساد ملوكهم وحكمهم، وأن يعينهم على حربهم ضد أعداء الإسلام، مما دفع كثيراً منهم إلى التصوف وأن يطلبوا ما عند الله ويتركوا ما عند الناس.

3– الكدية والاستجداء عن طريق الخداع والاحتيال.
4– تصوير الفقر السائد في المجتمع وخاصة ادعاء الفقر.

5– التهكم على البدع والخرافات السائدة في مجتمعها.

6– مديح الملوك والأمراء مثل مدح الأمير خلف والصاحب بن عبّاد.

7– المقامات تتعلق بالأحكام الأدبية التي تتعلق بالشعر والشعراء.

8– جانب تعليمي ووصفي لمعرفة أوصاف بعض الحيوانات كالأسد والفرس، وتعليم الفقه واللغة العربية(39).

– أسلوب البديع في المقامات
1– تفنن البديع في استخدام التشبيه البليغ والتشبيه الضمني في مقاماته، ومن الملاحظ أن معظم التشبيهات تميل إلى الاغتراف من الظواهر الطبيعية والكونية كالسحاب، والمطر، والريح، والليل، والقمر، والنجوم، والشمس. ثم من المرافق الحضارية الضرورية التي لها صلة وثقى بحياة الإنسان كالشمعة، والماء، والعصي، والقسي، والكحل، والطحن، والبلور، والراح، والجفنة، والسنان، والرّخ، ثم بالحيوانات كالفرس، والثور، والذئب، والأسد، والحية، والظبي، والنعاج، وغيرها(40).

فيقول في المقامة الأسدية: (في صحبة أفراد كنجوم الليل).
ويقول في المضيرية: (بالله ترى هذا الماء ما أصفاه! أزرق كعين السنور، وصاف كقضيب البلور، استقى من الفرات، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة).

2– أكثر البديع من فنون علم البديع، ومن هذه الفنون:
* الطباق: فنجده في الجملة الواحدة يجمع بين الضدين.
ومن ذلك قوله: (ننظر من عال على الكريم نظر إدلال، وعلى اللئيم نظر إذلال).
وقوله: (وأنت لم تغرسني ليقلعني غلامك، ولا اشتريتني لتبيعني خدامك).
وقوله: (وقصر سباله، وأطال حباله، وأبدى شقاشقه، وغطى مخارقة، وبيّض لحيته، وسوّد صفحته، وأظهر ورعه، وستر طمعه).

* السجع: وهو من أكثر الأنماط البلاغية استخداماً في مقامات الهمذاني، وقد يلتزم فيه ما لا يلزم.

يقول في القامة المضيرية: (فلما أخذت من الخوان مكانها ومن القلوب أوطانها قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها، وصاحبها ويمقتها وآكلها ويثلبها وطابخها، وظنناه يمدح، فإذا الأمر بالضد، وإذا المزاح عين الجد، وتنحى عن الخوان، وترك مساعدة الأخوان).

ومن أروع مقاماته المسجوعة قوله في المقامة الوعظية: (أيها الناس، إنكم لن تتركوا سدى، وأن مع اليوم غدا، وإنكم واردوا هوة، فأعدوا لها ما استطعتم من قوة، وإن بعد المعاش معادا، فأعدوا لها زادا . ألا لا لعذر، فقد بينت لكم المحجة، وأُخِذَت عليكم الحجّة: من السماء بالخبر، ومن الأرض بالعبر، ألا وإن الذي بدأ الخلق عليما، يحيي العظام رميما. ألا وأن الدنيا دار جهاز، وقنطرة جواز. من عبرها سلم، ومن عمرها ندم).

* الجناس: وهو من الأبواب البديعية التي استخدمها البديع بكثرة بنوعيه التام والناقص. وقد أكثر من الجناس الناقص. كما في المقامة القريضية. يقول:
(قلنا فما تقول في جرير والفرزدق وأيهما أسبق، فقال: جرير أرق شعراً وأغزر غزراً، والفرزدق أمتن صخراً وأكثر فخراً، وجرير أوجع هجواً وأشرف يوماً، والفرزدق أكثر روماً وأكرم قوماً).

* الاقتباس والتضمين: فقد استلهم البديع الآثار الأدبية والدينية على اختلافها، مثل القرآن الكريم، والأشعار، والأمثال، وضمنها مقاماته.

وأكثر مقامات البديع حظاً من الاقتباس إطلاقاً، المقامة المارستانية، فقد ورد فيها اقتباس كثير من القرآن الكريم بوجه خاص، باعتبار أن موضوعها يعالج مسألة كلامية.
ومن ذلك قوله: (وأنت يا ابن هشام تؤمن ببعض وتكفر ببعض)، فقد اقتبس من قوله تعالى: ?{?أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض?}?.. (البقرة: 85).

ويقول: (ألم ينهك الله عز وجل أن تتخذ منهم بطانة)، مقتبساً من قوله تعالى: ?{?يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم?}?.. (آل عمران: 118).

3– تبدأ المقامة عادة عند البديع بالعبارات التالية: «حدثنا»، «حدثني». وقد سار كتاب المقامات بعده على نفس النهج.

4– محتوى المقامة يتغير من مقامة لأخرى إذا وضعنا في الاعتبار الأفكار الجزئية الطارئة في العمل المقامي، أما الفكرة العامة، فهي تظل كما هي، فهي تقوم أكثر ما تقوم على فن الكدية.

فقد يمثل الشحاذ أمام قاض، أو قد يحاول إحياء ميت، وقد يدّعي القدرة على دفع الفيضانات التي تهدد القرى بالغرق، وقد يزعم أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد يقف في مسجد واعظاً، وقد يعرض للحجيج في الموسم، وقد يساور الناس وهم في مقبرة يدفنون ميتاً، ولكنه في جميع الحالات مكدٌّ شحاذ(41).

5– أما من الناحية اللغوية فيستخدم البديع كلاحقيه من كتاب المقامة لغة متينة أنيقة أحياناً، وغريبة ثقيلة أحياناً أخرى. فهو لا يعنى بالموضوع أحياناً، قدر عنايته بالألفاظ التي ربما تعثرت بها المعاني في بعض المقامات تعثراً واضحاً.

6– الألفاظ الدالة على الأشياء المحسوسة في المقامات أكثر من الألفاظ الدالة على المعاني المجردة التي تتصل بالعقل والتأمل.

7– ألفاظ المقامات وتعابيرها، تمثل اللغة العامية عند المثقفين على عهد البديع ، كما أن كثيراً من الألفاظ كانت مدلولاتها في المقامات أقوى منها الآن، كما أسلوب المقامات لم يعد جارياً ولا مقبولاً في عصرنا، لتكلفه بالصور الشكلية المعقدة(42).

المقامـة والقصـة القصيـرة
بدأت أول مرحلة من مراحل التطور القصصي عند العرب بالقرآن الكريم، فقد حوى الكتاب الكريم بعض القصص التي كانت سائدة قبل الإسلام، مثل قصص الأنبياء مع أقوامهم، وقصص الأمم الغابرة للتذكرة والعبرة والموعظة. فقد بدأ اتجاه رواية القصص التي تؤدي غاية تعليمية تهذيبية، والابتعاد عن القصص التي تدعو إلى الوثنية والإلحاد.

ومع اتساع حركة التدوين والترجمة في العصر العباسي، وفي القرن الثاني على وجه التحديد، ساعد ذلك على تطوير القصص، فبدأت حركة ترجمة القصص من اللغات الأخرى، فوجدنا ترجمة ابن المقفع لكتاب «كليلة ودمنة»، وظهرت قصص ألف ليلة وليلة، وبعدها برع الجاحظ في تأليفه لكتاب «البخلاء»، الذي عبر فيه عن بعض الظواهر الخاصة بالمجتمع العباسي، الذي استوعب فيه النموذج الإنساني لشخصية البخيل.

ثم يأتي بديع الزمان الهمذاني فنراه مدفوعاً بإحساس قوي لخلق نموذج إنساني قصصي من واقع البيئة العباسية. ويتميز بديع الزمان في خلق هذا النموذج، لأنه استطاع أن يقدمه من خلال بناء درامي متكامل هو فن المقامة الذي تفوق فيه على نموذج البخيل عند الجاحظ، لأن الجاحظ وإن أجاد تصوير الظاهرة من خلال القصص والأخبار التي جمعها، فهو لم يستطع أن يخلق شخصية متكاملة البناء، كشخصية أبي الفتح الإسكندري، وبالتالي فإن فن المقامة يقف كأول عمل قصصي تحقق فيه العنصران التاليان:
1– التكامل الفني الدرامي.
2– التعبير عن ظاهرة محلية غير مستوردة أو مترجمة(43).

وبصورة أكثر شمولاً فإنه عمل أدبي تحقق فيه التكامل بين الشكل والمضمون. وقد كان ذلك في القرن الرابع إيذاناً ببدء النزعة القصصية القائمة على مزج الخيال بالواقع، والتي تمخضت عن تيار هام في الأدب العربي التحم في آخر الأمر بفن القصة والمقالة في العصر الحديث(44).

يقول د. شوقي ضيف: «فالمقامة أريد بها التعليم منذ أول الأمر، ولعله من أجل ذلك سمّاها بديع الزمان مقامة، ولم يسمّها قصة ولاحكاية، فهي ليست أكثر من حديث قصير،... وعمّي على كثير من الباحثين في عصرنا، فظنوها ضرباً من القصص، وقارنوا بينها وبين القصة الحديثة، ووجدوا فيها نقصاً كثيراً»(45).

فإن بعض الدارسين يذهب إلى أن المقامة «قصة قصيرة»، ويرى آخرون أنها هيأت لفن الرواية أو القصة بمعناها العام، بينما يذهب فريق ثالث إلى أبعد من ذلك فيؤكد أنها أقرب إلى المسرحية منها إلى أي لون أدبي آخر، غير أن هؤلاء جميعاً يصدرون عن نزعة قومية تتعصب لهذا الفن باعتباره نوعاً عربياً خالصاً، أبدعته القريحة العربية في القرن الرابع الهجري(46).
يقول د.محمد طه: «والواقع أن المقامة «شكل فني» والقصة «شكل فني آخر»، ذلك أن أخص خصوصيات المقامة هو التقرير والخطابية والبث المباشر، فضلاً عن الاستشهادات الطويلة، والإسراف اللغوي المقصود في ذاته، وكل هذا من شأنه أن يضعف سريان تيار فكري أو شعوري واحد، بل القارئ يلجأ إلى البحث اللغوي عن كل كلمة، والبحث التاريخي عن كل واقعة، فضلاً عن تحقيق الأبيات وتخريج الآيات، وهذا من شأنه أن يضعف القصة القصيرة، ويفقدها وحدة التأثير، ووحدة الانطباع وتماسك البناء الفني، بل إنه يلغي سمة «التكثيف» والتركيز والإيجاز التي هي محصلة الدلالة العامة لمادة القصص»(47).

ثمة فرق أيضاً بين كاتب القصة القصيرة وراوي المقامة، فالأول يقصد عامداً إلى كتابة شكل فني اسمه «القصة القصيرة» له أصوله وقواعده، بينما راوي المقامة يتحدث عامداً حديثاً مباشراً في مقام محدد ولغاية محددة معروفة(48).

وقد حمّل بعض الدارسين المقامة تبعة تأخر فن القصة العربية القصيرة الحديثة، فيرون أن للمقامة تأثيرها السلبي في القصة العربية بالمعنى الفني الحديث. ولو تريّثوا لوجدوا أن المقامة بريئة من ذلك، فالذي ساعد على هذا التأخير شيء آخر هو المناخ العام الثقافي والأدبي والاجتماعي السائد يومئذ، فانتشار القصة القصيرة يتطلب عوامل متعددة كالصحافة والطباعة والتعليم والمسرح وعمل المرأة، والواقعية في النظر إلى الأمور(49).

نخلص مما سبق إلى أن المقامة فن، والقصة فن آخر، وكلتاهما مستقلة العناصر، وكلتاهما مستقلة عن الأخرى ولها ذاتيتها وأصولها وقواعدها الفنية، وكلتاهما كانت نتاجاً لمرحلة تاريخية وحضارية معينة، واستجابة لذوق المتلقين حينئذ.

أثر جنس المقامـة فـي الآداب الأخـرى:

أولاً: أثر المقامـة فـي الأدب الفارسـي
يكاد يجمع كل من كتب عن فن المقامات، على أن هذا الجنس الأدبي نشأ أولاً في اللغة العربية، ثم انتقل إلى اللغة الفارسية، فقد ظهر هذا الفن الأدبي في النثر الفارسي خلال القرن السادس الهجري، وأشهر مثل لهذا تلك المقامات التي كتبها القاضي أبو بكر حميد الدين عمر بن محمود البلخي(ت 559هـ)، والتي ضمنها كتابه «مقامات حميدي»، ونحا فيها نحو بديع الزمان والحريري، كما يعترف في مقدمة مقاماته الفارسية، فيقول:
«... كنت أصل الليل بالنهار في مطالعة الكتب، وأتخذ من نفيسهما جلساء لوحشتي وأنساء لوحدتي، حتى ظفرت ذات وقت بحسن المصادفة والاتفاق أثناء نشر تلك الأوراق وطيّها، بمقامات بديع الزمان الهمذاني وأبي القاسم الحريري، فرأيت البرجين المليئين بالغرر، وهذين الدرجين الحافلين بالدرر، فقلت لنفسي لتنزل آلاف الرحمات على هذين الرجلين اللذين خلفا هذه النفائس، وخلدا على مدى الزمن هذه العرائس.... ومع أن كلاً منهما منجم في الفصاحة وخفة الروح والملاحة، إلا أنهما بإنشاء عربي وكلمات عربية، وجاء طعامهما وحلواهما في صحاف حجازية، وبذا ظل أهل العجم محرومين بلا نصيب من تلك النكات، وعلى ذلك كان لزاماً علي أن أضع أمامي صور تلك الألواح، لتحقيق هذا الاقتراح»(50).

فالقاضي حميد الدين يذكر أنه فضل كتابة المقامات بالفارسية ليذيع أمرها بين عامة العجم، وقد أراد أن تبلغ مقاماته الخمسين أسوة بمقامات الحريري، إلا أنه لم يوفق في ذلك، وذكر في خاتمة كتابه أنه لم يستطع أن يتجاوز المقامة الرابعة والعشرين، لأن الأحوال السياسية وقتذاك كانت قد تغيرت، فاضطربت أحواله وشت منه الفكر والخاطر، ولم يعد قادراً على الكتابة والنظم(51).

«وقد ألف حميد الدين مقاماته في حدود سنة 550هـ، وأراد أن يجعلها نظيراً لمقامات البديع والحريري في العربية. ولا يرقى إلى مقامات حميد الدين شيء مما كتب في هذا الفن بالفارسية. ولهذا يمكن أن يقال إن إنشاء المقامات الفارسية بدأ بحميد الدين وختم به.
يقول الشاعر الفارسي الأنوري واصفاً مقامات حميد الدين:
«إن كل كلام غير القرآن والحديث لا يعدو أن يكون ترهات وأباطيل إذا قيس بمقامات حميد الدين»(52).

ولكن إذا كان حميد الدين قد ألف مقاماته في حوالي منتصف القرن السادس الهجري، بينما عرفت المقامات العربية في القرن الرابع الهجري، فلماذا تأخر ظهورها كل هذه المدة الطويلة؟

يجيب عن هذا محمد بهار في كتابه «سبك شناسي»، فيذكر أن كل جديد في الأدب العربي احتاج إلى قرن من الزمان على وجه التقريب لكي يظهر نظيره في الأدب الفارسي؛ ذلك لأن الظواهر الأدبية لا تنتقل من قوم إلى قوم، ولا من أدب إلى أدب في يوم وليلة، فهي محتاجة إلى وقت طويل للتسلل إلى البيئات الأخرى، وهي محتاجة أيضاً إلى أن تشق طريقها إلى أذواق الناس، فإذا استساغوها، تأثروا بها ثم حاكوها، فجرت به أقلامهم وظهرت في آدابهم(53).

مظـاهر تأثر القاضي حميد الدين بالمقامـات العربيـة:

1– تأثر القاضي حميد الدين بمقامات الحريري من حيث ترقيم المقامات من المقامة الأولى إلى المقامة الرابعة والعشرين، كما كتب لمقاماته مقدمة على غرار مقدمة الحريري لمقاماته.

فكما فعل الحريري من الثناء على الهمذاني والإشادة بمقاماته وشهرتها بين الناس، فعل حميدي الشيء ذاته، فأشاد بالهمذاني والحريري وشهرتهما بين الناس. وكذلك فعل عندما ذكر سبب تأليف مقاماته. فقد أورد الحريري سبب تأليفه للمقامات بقوله: «فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأن الضليع».

وكذلك يقول حميدي: «فأمرني من امتثال أمره على روحي فرض عين، وانقياد حكمه على ذمتي وعهدي قرض ودين»(54).

وقد كتب الصفحة الأولى من المقدمة باللغة العربية، وهذا دليل على إجادته الكتابة بها، وإجادة بعض معاصريه للغة العربية، وقدرتهم على قراءة ما يكتب بها وفهمه(55).
2– جعل حميد الدين الإطار العام الذي تدور فيه أحداث المقامات الكدية والتسول بالأدب، وما يتبع ذلك من حيل ومظاهر دهاء، وخفة روح وظرف تيسر لصاحبها السبل نحو خداع ضحاياه، وهذا هو نفس الإطار العام الذي دارت حوله المقامات العربية(56).

3– نقل القاضي حميد الدين بعض الأفكار التي وردت في المقامات العربية، واستخدمها في مقاماته الفارسية، بل إنه نقل مقامات بأكملها إلى اللغة الفارسية، مع إضافات من عنده حتى يظهر تفوقه وتفننه. والمثال على ذلك المقامة السكباجية التي تعد ترجمة ومحاكاة للمقامة المضيرية عند البديع(57).

4– قلد حميدي الجمل العربية التي تبدأ بالفعل، بعكس الجملة الفارسية الفعلية التي تنتهي بالفعل. فالفعل في الجملة الفارسية الفعلية يقع آخراً ولا يأتي أولاً(58).

5– كثرت الألفاظ العربية التي استخدمها حميد الدين في مقاماته، فقد وصل الأمر إلى ذكر جملة أو عدة جمل عربية وسط سياق الكلام بالفارسية دونما داع من استشهاد أو ضرب المثل، فقد أورد في المقامة الثالثة سبعة أسطر عربية متصلة(59).

6– مزج حميد الدين نثره بأبيات من الشعر العربي والأمثال العربية، وبعض آيات القرآن الكريم والحديث الشريف.

7– تتفق مقاماته مع المقامات العربية في العناية بالألفاظ وبخاصة السجع، والإكثار من الألغاز، متأثراً في ذلك بالحريري.

مظـاهر الاختلاف بين مقامـات حميدالدين والمقامـات العربيـة:

1– اتسمت المقامات العربية بوجود بطل واحد وراوية واحد تدور بينهما أحداث المقامات كلها، أما مقامات حميد الدين فالبطل فيها مختلف في كل مقامة، كما لم يصرح باسمه في جميع المقامات، فقد يكتفي بذكر بعض صفاته في بداية المقامة، وقد قام الكاتب نفسه بدور الراوية.

2– حرص كل من البديع والحريري على تسمية معظم المقامات بأسماء البلدان التي تدور فيها أحداث المقامات، أما حميد الدين فقد كان يطلق على كل مقامة اسماً مستمداً من الفكرة الرئيسية التي تدور حولها المقامة.

«إن كـل كـلام غير القـرآن والحديـث لا يعدو أن يكـون ترهـات وأبـاطيل إذا قيس بمقامـات حميـد الدين»

3– تأثرت مقاماته بالأسلوب الفارسي في الكتابة، وهو أسلوب المناظرة، وهو من الأساليب القديمة والمشهورة في إيران، ومثال ذلك: المناظرة بين الشيب والشباب، وبين السني والملحد، وبين الطبيب والمنجم.

4– خلع القاضي حميد الدين على كثير من مقاماته خلعة صوفية، فقد كان التصوف منتشراً في عصره آنذاك، ويبدو ذلك جلياً في المقامة السكباجة.

5– أضفى حميد الدين على مقاماته صبغة فارسية حتى تكون قريبة من الذين ألفت لهم المقامات وهم العجم، كما قال في مقدمته.
فنجده مثلاً في المقامة السكباجة التي يحاكي فيها المقامة المضيرية يغير اسم الطعام، فقد أصبح «سكباً» بدلاً من «المضيرة» لدى الهمذاني، و«سكبا» هو طعام فارسي مكون من البقول الممزوجة بالخل وقطع اللحم.
وكذلك فهو ينقل مسرح الحكاية من بغداد إلى نيسابور، كما ذكر بعض الصور والتشبيهات المستوحاة من البيئة الفارسية(60).

ثانيـاً: أثر المقـامة فـي الأدب الأوروبـي
ظهر في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلادي في أوروبا نوع جديد من القصص، سمي بقصص الشطّار، وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع. وقد وجد أول ما وجد في إسبانيا وسمي بالبيكاريسكا، وتختص بأن المغامرات فيها يحكيها المؤلف على لسانه كأنها حدثت له. وهي ذات صبغة هجائية للمجتمع، يسافر فيها البطل (بيكارون) على غير منهج في سفره، وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل ينتقل بين طبقاته ليكسب قوته. وهو يحكم على المجتمع من وجهة نظره هو حكماً تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس، وكل من يعارضه فهو خبيث، ومن يمنحه الإحسان خيّر(61).

وأول قصة من هذا النوع القصصي في الأدب الإسباني هي قصة عنوانها «حياة لاساريو دي تورمس وحظوظه ومحنه». وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا(62).

وقد أثبتت الدراسات المقارنة وجود وجوه شبه قوية بين قصص الشطار وبين المقامات العربية عند بديع الزمان الهمذاني والحريري. فالأدلة التاريخية تقطع بأن مقامات الحريري عرفت في الأدب العربي في إسبانيا، فقد ألف بعض الكتاب العرب في إسبانيا مقامات على غرار مقامات الحريري، مثل ابن فقيه القصير، وأبو طاهر محمد بن يوسف السرقسطي. وقد شرح مقامات الحريري كذلك كثير من العرب الإسبانيين، من أشهرهم عقيل بن عطية (ت 1211م)، وأبو العباس أحمد الشريشي (ت 1222م)(63).

كذلك فإن مقامات الحريري ترجمت أيضاً إلى اللغة العبرية على يد الشاعر يهودا سالمون بن زقبيل الحريزي في القرن الثاني عشر الميلادي. وهو آخر الشعراء في المجموعة اليهودية التي أغنت الأدب اليهودي ما بين القرن العاشر والقرن الثاني عشر الميلادي. فقد ترجم مقامات الحريري إلى العبرية لينسج على منوالها، وجاءت ترجمته نزولاً على رغبة أصدقائه في طليطلة الذين أرادوا الاطلاع على هذا النمط القصصي الطريف(64)، ثم لم يلبث أن تأثر بها فكتب خمسين مقامة هزلية على غرارها أطلق عليها اسم «سفر تهكموني»، أي كتاب التهكم(65).

وبهذا كانت المقامات رائجة كل الرواج لا بين العرب فحسب، بل بين العبريين والمسيحيين أيضاً، ولهذا ترجموها إلى لغاتهم، وبذلك لقيت المقامات حظاً كبيراً في أدب العرب في الأندلس. وغير معقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الإسبان وقصاصهم بعد ذلك(66).

وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات وجنس قصص الشطار في الأدب الإسباني. وقد آثر الإسبان أن ينحوا منحاها الواقعي وأثروا بعد ذلك تأثيراً كبيراً في كتاب القصة في الآداب الأوروبية(67).

وقد نالت المقامات نصيباً وافراً من الترجمات إلى اللغات الأوروبية الأخرى فيما بعد، فقد قام المستشرق الهولندي فانتوري باراداي بنقل منتخبات من سبع عشرة مقامة إلى اللاتينية ونشرها بين سنتي 1786 و 1795، وقام ذي ساس بجمع مخطوطات المقامات وشروحها وعمل منها شرحاً عربياً نشره في باريس سنة 1822. أما المستشرق الألماني ركرت فقد ترجم هذه المقامات سجعاً إلى اللغة الألمانية، وقام المستشرق تشنري بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية سنة 1867، وتبعه استجاس فترجمها أيضاً إلى الإنجليزية سنة 1898(68).

يرى الدكتور عبدالحميد إبراهيم أن رواية «أمريكا» لكافكا تقترب من تكنيك المقامات، فيقول:
تمثل رواية أمريكا لكافكا التي ظهرت بعد وفاته خطاً مختلفاً في مسيرته الفنية والفلسفية، فهي ذات طابع هزلي، وشخصياتها كاريكاتورية وتمس العبث بطريقة سوداوية، وخلال مغامرات تتسم بالبهجة والإثارة والمتعة، وشكلها الفني يبتعد عن الشكل التقليدي، فالفصول فيها لا تتوالى بطريقة تسلسلية تقوم على الضرورة أو الاحتمال، ولكنها ذات استقلالية، وكل فصل يشبه المقامة في كونه قائماً بذاته، ولكن جميع الفصول تدور حول مغامرات لبطل رئيس، تتوالى في قاع المجتمع، وكأنه البطل المراوغ أو البطل المتسول(69).

أثـر المقامات فـي الفنـون الجميلـة
إن مقامات الحريري – بشكل خاص – كانت مما ألهم الفنانين والرسامين فراحوا يرسمون لوحات تعد من عيون الفن الإسلامي الأصيل، فقد كانت هذه المقامات التي استحوذت على قلوب الناس في القرون الوسطى منطلقاً لإبداعات فن التصوير العربي في بغداد، وقد اشتهر منها مخطوطان: أحدهما محفوظ بالمكتبة القومية بباريس، وأما الثاني فيحتفظ به معهد الدراسات الشرقية في أكاديمية العلوم ببلجراد. وفي المخطوط الأول مجموعة تصاوير رائعة تبلغ 98 لوحة صورها يحيى بن محمود الواسطي في القرن الثالث عشر الميلادي. وهذا كله يدل على أنه كان لفن المقامات آثار خصبة وجليلة على الأدب العربي في المرتبة الأولى، ثم على الآداب الإنسانية الأخرى بوجه عام، بل إنها قد جاوزت كل ذلك إلى الفنون الجميلة نفسها كفن التصوير(70).

إن فن المقامات فن أدبي عربي أصيل، معبّر مصوّر، وقيمته الأدبية تختلف باختلاف الكتّاب الذين عالجوه، وباختلاف أزمنتهم التي عاشوا فيها، فمنهم من ارتفع به إلى مستوى أدبي شارف الخلود.

فبديع الزمان الذي ابتكر المقامات وأقام مبادئها، كانت مقاماته مرآة ناصعة انعكست عليها الحياة بمناحيها المختلفة من اجتماعية، وأدبية، وعقلية، وحتى أخلاقية من بعض الوجوه. فمقاماته مرآة لحضارة عصره بضروبها المختلفة، ومظاهرها المتباينة، ومشاكلها القائمة.

ولذلك فإن كان لفن المقامة أثر كبير في الأدب العربي، بل تجاوز هذا الأثر أكثر من ذلك، فقد أثرت المقامة العربية من حيث هي لغة وأدب في اللغات الأخرى، كالفارسية والإسبانية والعبرية، ومنها انتقلت إلى اللغات الأوروبية الأخرى، فظهرت المقامات الفارسية والعبرية، والقصص الإسبانية المتأثرة بهذا الفن.

الهـوامـش:
1) عبدالملك مرتاض: فن المقامات في الأدب العربي، الدار التونسية للنشر، تونس، ط2، 1988.
2) ابن منظور: لسان العرب، ج9، ص 35.
3) المعجم الوسيط ، مادة (قوم)، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ج2، ط2، 1985.
4) المرجع السابق.
5) بديع محمد جمعة: دراسات في الأدب المقارن، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1980، ص 226.
6) محمد النجار: النثر العربي القديم، مكتبة دار العروبة، الكويت، ط2، 2002، ص 282.
7) زكي مبارك: النثر الفني في القرن الرابع الهجري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2010، ص 185.
8) شوقي ضيف: فنون الأدب العربي، المقامة، دار المعارف، القاهرة، ط7، ص 8.
9) فيكتور الكك: بديعات الزمان، دار المشرق، بيروت، ط2، 1971، ص 48.
10) عصام أبو شندي: نقد النثر العربي في كتابات إحسان عباس، دار الشروق، عمان، ط1، 2006، ص 114.
11) بديع محمد جمعة: دراسات في الأدب المقارن، ص 229.
12) حسن عباس: نشأة المقامة في الأدب العربي، دار المعارف، القاهرة، ص 25.
13) الحريري: مقامات الحريري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط4، 2003، ص 7.
14) زكي مبارك: النثر الفني، ص 185–186.
15) الحصري: زهر الآداب وثمر الألباب، شرح: زكي مبارك، ج1، دار الجيل، بيروت، ط5، 1999، ص 305.
16) زكي مبارك: النثر الفني، ص 187.
17) عبدالملك مرتاض: فن المقامات في الأدب العربي، ص 144.
18) زكي مبارك: النثر الفني، ص 190.
19) بديع محمد جمعة، دراسات في الأدب المقارن، ص 227.
20) نجلاء الوقاد: بناء المفارقات في فن المقامات، مكتبة الآداب، القاهرة، 2006، ص 5.
21) بديع محمد جمعة، دراسات في الأدب المقارن، ص 228.
22) شوقي ضيف: المقامة، ص 32.
23) المرجع السابق، ص 192.
24) حسن عباس: نشأة المقامة في الأدب العربي، ص 93، 94.
25) يوسف نور عوض: فن المقامات، ص 305، 310.
26) المرجع نفسه، ص 318، 319.
27) نجلاء الوقاد: بناء المفارقة، ص 6.
28) محمد محيي الدين: شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني، بدون دار نشر، بدون تاريخ، ص 7.
29) مازن المبارك: مجتمع الهمذاني من خلال مقاماته، دار الفكر، دمشق، ط2، 1981، ص 9.
30) المرجع السابق، ص 9.
31) محمد محيي الدين: شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني، ص 7.
32) المرجع السابق، ص 8.
33) يوسف نور عوض: فن المقامات بين المشرق والمغرب، ص 49 – 51.
34) شوقي ضيف: المقامة، ص 17.
35) المرجع السابق، ص 18 .
36) عبدالملك مرتاض، فن المقامات.
3737) مازن المبارك: مجتمع الهمذاني، ص 19 .
38) شوقي ضيف: المقامة، ص 17، 18.
39) نجلاء الوقاد: بناء المفارقة في فن المقامات، ص 6.
40) عبدالملك مرتاض: فن المقامات، ص 388.
41) المرجع السابق ، ص 362.
42) المرجع نفسه، ص 365.
43) يوسف نور عوض: فن المقامات، ص 147.
44) المرجع السابق، ص 147.
45) شوقي ضيف، المقامة، ص 8.
46) محمد طه عصر: الأدب المقارن ومعرفة الآخر، ناس للطباعة، مصر، 2003، ص 104.
47) المرجع نفسه ، ص 105.
48) المرجع السابق، ص 106.
49) المرجع نفسه، ص 108.
50) بديع محمد جمعة: دراسات في الأدب المقارن، ص 224، 225.
51) طه ندا: الأدب المقارن، ط 4، الإسكندرية، 1980، ص 195، 196.
52) المرجع السابق ، ص 192، 193.
53) المرجع نفسه، ص 193، 194.
54) المرجع السابق، ص 196.
55) بديع محمد جمعة: دراسات في الأدب المقارن، ص 248.
56) المرجع نفسه ، ص 247.
57) المرجع نفسه: ص 249.
58) طه ندا: الأدب المقارن، ص197.
59) بديع محمد جمعة: دراسات في الأدب المقارن، ص 248.
60) بديع محمد جمعة: دراسات في الأدب المقارن، ص 250، 251.
61) محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص 173.
62) المرجع نفسه، ص 173.
63) المرجع نفسه، ص 174.
64) محمد طه عصر: الأدب المقارن، ص122، 123.
65) عبدالملك مرتاض: فن المقامات، ص537.
66) محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص 174.
67) المرجع نفسه ، ص 174.
68) عبدالحميد إبراهيم: الأدب المقارن من منظور الأدب العربي، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الدمام، 1997، ص 127.
69) المرجع السابق ، ص 129.
70) عبدالملك مرتاض: فن المقامات، ص 538.

المصــادر والمراجــع
1– إبراهيم السعافين، أصول المقامات، دار المناهل، بيروت، ط1، 1987.
2– بديع محمد جمعة، دراسات في الأدب المقارن، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1980.

3– توفيق أبو الرب، في النثر العربي، دار الأمل، الأردن، ط1، 1998.

4– حسن عباس، نشأة المقامة في الأدب العربي، دار المعارف، القاهرة،بدون ط، بدون ت.

5– الحريري، مقامات الحريري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط4، 2003.

6– الحصري، زهر الآداب وثمر الألباب، شرح: زكي مبارك، دار الجيل، بيروت، ط5، 1999.

7– زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع الهجري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2010.

8– شوقي ضيف ، عصر الدول والإمارات (الأندلس)، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1994.

9– شوقي ضيف، فنون الأدب العربي: المقامة، دار المعارف، القاهرة، ط7.

10– طه ندا، الأدب المقارن، ط 4، الإسكندرية، 1980.

11– عبدالملك مرتاض، فن المقامات في الأدب العربي، الدار التونسية للنشر، تونس، ط2، 1988.

12– عصام أبو شندي، نقد النثر العربي في كتابات إحسان عباس، دار الشروق، عمان، ط1، 2006.

13– علي المدائني، كتاب التعازي، تح: محمد الديباجي، دار صادر، بيروت، ط1، 2006.

14– فيكتور الكك، بديعات الزمان، دار المشرق، بيروت، ط2، 1971.

15– مازن المبارك، مجتمع الهمذاني من خلال مقاماته، دار الفكر، دمشق، ط2، 1980.

16– محمد رجب النجار، النثر العربي القديم، مكتبة دار العروبة، الكويت، ط2، 2002.

17– محمد طه عصر، الأدب المقارن ومعرفة الآخر، ناس للطباعة، مصر، 2003.

18– محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، نهضة مصر، القاهرة، ط7، 2006.

19– المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ط2، 1985.

20– نجلاء الوقاد، بناء المفارقة في فن المقامات عند بديع الزمان الهمذاني والحريري، مكتبة الآداب، القاهرة، 2006.

21– الهمذاني، شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني، شرح: محمد محيي الدين.

22– يوسف نور عوض، فن المقامات بين المشرق والمغرب، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، ط2، 1986.