تطور الشعر المغربي الحديث
منظور عباس الجراري نموذجاً

 

الحسين الإدريسي

أول سؤال يتبادر إلى الذهن بعد قراءة هذا العنوان هو: لماذا يتناول هذا الموضوع تطور الشعر المغربي من منظور الدكتور العلامة عباس الجراري دون غيره من الدارسين والباحثين والعلماء، وهو سؤال موضوعي يتطلب إجابة واضحة، والجواب عنه يمكن أن ألخصه في العناصر التالية التي تجعلني أخص بالذكر منظور العلامة الجراري دون غيره.

-1-
انتماؤه إلى المدرسة المغربية الأصيلة: وهو ما يلمسه الدارسون والنقاد بجلاء في الكتابات الأكاديمية للأستاذ الجليل، خلافاً لغيره من الدارسين الذين ينتمون إلى المغرب في بعده الجغرافي، لكنهم يعيشون على مستوى الكتابة والإبداع التشريق والتغريب، لم يفارق هم التأصيل المغربي الأستاذ الجليل في كل كتاباته على اختلاف أنواعها ومواضيعها، وهو ما نقرأ بعضه في قوله: «هذا همّ بدأ يراودني منذ فترة الطلب الأولى، وقد أتيح لي في جزء من هذه الفترة، فترة الطلب أن أحتك بإخواننا في المشرق، وألاحظ أنهم لا يعيرون أي اهتمام لما ينتجه المغرب.. ثم إن هذا الهم لم يكن محصوراً في الأدب أو في الشعر أو في النثر، ولكنه كان داخلاً في إطار فكري وفي إطار البحث عن ثقافة هذه الأمة المغربية، ومدى خصوصية هذه الثقافة، أي هل هناك هوية متميزة بخصوصيات ومميزات»(1)، ولا يجب أن نفهم من كلام الأستاذ الجليل عباس الجراري أنه مجرد إحساس ذاتي، ذلك بأن ما يثبت موضوعيته وعلميته اعتراف المشارقة أنفسهم بذلك العزوف، وهو ما نقرؤه في قول الأستاذ محمد الصادق العفيفي: «ولا يخفى على القارئ أن أدبنا العربي، في شمال إفريقية، لقد لقي كثيراً من إهمال الدارسين في عالمنا العربي، قد يكون إعراض بعض هؤلاء الأدباء عن درس الأدب العربي في المغرب بحجة أنه لم يأت بجديد، وأنه ليس إلا صورة للأدب المشرقي، ومحاكاة له.. وهذا غير صحيح»(2)، والأدهى في هذا الإهمال والتجاهل أنه لم يتوقف عند المشارقة، بل امتد إلى المغاربة أنفسهم، وهو ما آلم الدكتور عباس الجراري، وعبر عنه في قوله: «والأمر لم يكن سهلاً، إذ ووجهت الفكرة المغربية بمناهضة كبيرة، ليس فقط من إخواننا المشارقة الذين كانوا يعينوننا في تأسيس الجامعة، ولكن حتى من أطرنا المغربية الشابة التي كانت في بداية الطريق، وكان لها دور في تأسيس هذه الجامعة»(3).

-2 -
شمولية الرؤية: أي ابتعاد الأستاذ العلامة الجراري عن الرؤى التجزيئية إلى الأدب المغربي، وهي شمولية تلمس النوع والجنس، التي ظلت غائبة عند جل الدارسين المغاربة، الذين بتروا عن عمد عناصر فاعلة في كيان الأدب المغربي، ومنها الأدب الشعبي بمختلف صيغه الفنية وتعبيراته اللغوية واللهجية، ولقد كان لذلك نتائج كارثية في قراءة أولئك الدارسين للمسار التطوري للأدب المغربي. ولم تكن هذه الشمولية في رؤية الأستاذ عباس الجراري سهلة المنال في بعدها التطبيقي، بل كانت صعبة، ذلك ما يعبر عنه في قوله: «ولا يمكن لي أن أتحدث عن الأدب المغربي، ثم لا أتحدث إلا عما كتب باللغة العربية المدرسية أو المعربة، فحين كتبت كتابي (الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه) أقحمت في بعض فصوله مسائل تتعلق بالملحون وتتعلق ببعض الأدوات التعبيرية غير العربية حتى أكون منسجماً مع نفسي.. ولهذا فالأدب المغربي متسم بشيء من الشمولية. وقد حاولت في الكلية، ولا سيما في المرحلة الأولى لتأسيس الدرس الأدبي بكلية الآداب بفاس خاصة، إدخال مادة الأدب الشعبي والآداب المحلية الأخرى، لكني وجدت صعوبة كبيرة ومعارضة شديدة. ولا ننسى أن سنوات الستين ليست كسنوات آخر القرن العشرين أو هذه السنة. فالموقف كان شديداً ومتعصباً ضد كل ما هو عامي وضد ما هو شعبي أو محلي، من ثم كنت أتحايل على الدرس الأدبي المغربي، فأدمج فيه بعض النماذج إما من الشعر الملحون، وإما من الأمثال العامية، أو مما يتيسر من الآداب الشعبية التي عبرت عنها لهجات عامية»(4)، وما يثبت إخلاص العلامة الجراري لرؤيته الشمولية تجاه الأدب المغربي ومكوناته الهوياتية، هو أنه على الرغم من تعهده في كتاب (تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990م) بألا يورد إلا الأدب الذي كتب باللغة العربية، فقد أورد نصوصاً شعرية مغربية باللغة الأمازيغية(5)، وبالدارجة المغربية(6) وباللغة الفرنسية(6)، على اعتبار أن عنصر المغربية هو الجامع لهذه التمثلات اللغوية، وحتى إذا تجاوزنا القضايا اللغوية في الأدب المغربي إلى ما قد يبدو أنه أهم منها، فإننا سنقف مع الدكتور الجراري في رصده مظاهر التطور في الشعر المغربي من خلال فن الملحون، حينما ضعف الشعر المكتوب باللغة العربية، وهي التفاتة في غاية الأهمية تنصف الأدب المغربي في أحد أوجهه الوطنية المزدهرة، وتعبر في الآن ذاته عن الشمولية في الرؤية للأدب المغربي، حيث يقول العلامة الجراري: «ولأمر ما ـ لعله راجع إلى واقع الثقافة والأدب والذوق ـ انتقل مشعل الشعر من يد هؤلاء إلى فئة خاصة من الشعراء أتيح لهم أن يبدعوا في المعرب والملحون»(8).

-3-
موضوعيته وبعده عن الزوايا الأيديولوجية الحادة والمنفرجة: وهي قضية تمنح لأستاذنا الفاضل التميز الكامل في رصده مظاهر التطور في الشعر المغربي، وفي تعامله مع المادة الشعرية المغربية، فلطالما تتبعنا كثيراً من الدارسين المغاربة ـ ودون ذكر الأسماء ـ يخلطون في دراساتهم بين منطلقاتهم الأيديولوجية ونظراتهم إلى المادة الشعرية، مما يجعل المنظور النقدي يبتعد عن الأدب والأدبية. فقد تناول العلامة الجراري أشعار كثير من الشيوخ والفقهاء، هذا الشعر الذي ظل ينظر إليه من لدن كثير من الدارسين بازدراء كبير، بل إن منهم من كان يقفز على السنوات حتى يتجنب الحديث عن أشعار هؤلاء، ولعل كثيراً من الدارسين قد توهموا حينما قرؤوا كتاب (تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990) بأن الدكتور الجراري بصدد التأريخ للشعر المغربي، وهو ما نقضه العلامة الجراري في قوله: «هذا الكتاب يدخل في الإطار التعريفي المتحدث عنه، لكن ليس من باب محاولة التاريخ، وهذا لا يعني أني لا أؤمن بالتاريخ، ولكن التاريخ في المغرب تاريخ معقد ومتشعب، وأنت لا تستطيع أن تتابع تاريخ الأدب في المغرب تتبعاً زمنياً، لأنك إن حاولت ذلك سوف تصادف عثرات وفجوات وهزات، بحيث سيضطر الباحث الذي يعتمد التاريخ إلى القفز، وهذا ما يتضح في بعض المؤلفات، كما هو الأمر في كتاب النبوغ المغربي للمرحوم العلامة عبدالله كنون.. هناك قفزات للوقوف على عصور معينة دون عصور أخرى.. ولهذا كان علي أن أتخير من هذا الأدب، إما بعض الظواهر المتميزة وإما بعض القضايا المتفردة التي من خلالها يمكن أن يلخص الإبداع المغربي في عصر من العصور.. إذاً يأتي هذا الكتاب ليتناول قضايا معينة، يتتبعها خلال فترة طويلة، وهي المرحلة الحديثة والمعاصرة»(9)، فقد ظل كثير من الدارسين ينظرون إلى الحقبة الماقبل الأخيرة في الأدب المغربي نظرة ازدراء، لأنها لا تتماشى وآلياتهم النقدية الأيديولوجية المستوردة، ومن مظاهر الموضوعية والحياد عند العلامة الجراري في رصده مظاهر التطور في الشعر المغربي الحديث والمعاصر، وقوفه مع الشعر الديني الذي ظل النقاد المؤدلجون ينظرون إليه نظرة لاأدبية، حيث يقول العلامة الجراري: «على أن التجلي الديني سيأخذ بعداً جديداً في الشعر المغربي المعاصر متبلوراً في اتجاه متميز، بما يفعمه من ارتباط بالقيم الإسلامية والمعاني الإنسانية السامية»(10)، كما قدم أمثلة على هذا الشعر قصيدة «المجنون» للدكتور حسن الأمراني، وقصيدة «الله أكبر» للشاعر الدكتور محمد علي الرباوي(11)، وهذا البعد عن التخندق الأيديولوجي في قضايا أدبية فنية، هو ما يعمق الأبعاد الشمولية في رصد المتن المدروس وتنويعه وتعدديته، ولعل ضيقها الأيديولوجي عند غيره كان له أكبر الأثر على النتائج، وهو ما أشار إليه الدكتور محمد علي الرباوي في قوله: «ثمة دراسات حددت المتن المدروس وحصرته، ويمثل هذا الصنف ما أنجزه محمد بنيس، وعبدالله راجع، ومصطفى الشليح. فالأول اقتصر على أحد عشر شاعراً كلهم يمثل اليسار المغربي، وحصر المتن في جعله يمثل الشعر المعاصر، وهو مفهوم مرتبط بالمعيار الثاني. الثاني: اقتصر على ثمانية شعراء يمثلون ما كان يدعى في سنوات السبعين الأولى بجماعة فاس، وهي الجماعة التي تلقت التأثير الثقافي والفكري المشترك. أما الدراسة الثالثة فقد جعلت العدد يصل إلى أربعة عشر شاعراً لا تمثل نصوصهم متناً منسجماً»(12)، ولم يفت العلامة الجراري نقض هذه النظرة في قوله: «فإن ذلك لا يعني أننا نربط التعبير الشعري بفترة تاريخية محددة يكون وليدها»(13).
هذه بعض العناصر التي تجعلنا نرصد تطور الشعر المغربي عند الدكتور عباس الجراري دون غيره من الدارسين، وقد ضمنت كثيراً من مفاهيم ومؤشرات تطور الشعر المغربي الخاص به، والتي يمكن التوسع في ذكرها.

سمات تطور الشعر المغربي ومظاهره عند الدكتور الجراري: اعتبر كثير من الدارسين والنقاد كتاب العلامة الجراري (تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990) عملاً نقدياً موسوعياً يستحق هذا الوصف بجدارة، وذلك لاستطاعته دون غيره تغطية مساحة زمنية شاسعة امتدت على ما يزيد على ستين ومائة سنة، وهي المدة الزمنية التي يستطيع فيها الناقد الحصيف رصد مظاهر التطور في الشعر بصورتيه الإيجابية والسلبية، وهو ما لا نجده عند أصحاب التحقيب العشري الذي نقده العلامة الجراري، واعتبره ممارسة متعسفة وكابتة للشعر والشعراء وهو ما نقرؤه في قوله: «وهذا ما يجعلنا لا نرى ما شاع في أوساط الشعرية والنقدية من أن هناك ظواهر مرتبطة بعقود معينة، كشعر سنوات الستين والسبعين أو الثمانين، باعتبار تميز هذه العقود وشعرها بسمات متفردة. وهو تحديد غير سليم، لا سيما حين يطرح بحدة وصرامة، لأن الإبداع ـ خاصة في سياق التطور ـ ليس وليد مرحلة تاريخية محددة، ولا يمكن أن يكون كذلك، فضلاً عن أن يخنق داخل إطارها، ويكون مجرد وثيقة لها، طالما أنه في تعامله مع الواقع ـ سواء بالسلب أو الإيجاب ـ يظل مشدوداً إلى الماضي بكل مكوناته الفكرية والنفسية والفنية، ومتطلعاً إلى آفاق مستقبلية تدفع إلى التنبؤ والإرهاص وإعمال رؤاه، مما يجعله ـ أي يجعل هذا الإبداع ـ يتسم في مسيرته بالاتصال والالتقاء إلى حد التداخل، ولكنه في نفس الوقت قد يبرز حلقات متمايزة ومتغايرة، إذا ما تسنى لها ما يمنحها سمة الاختلاف، ولو بشكل جزئي»(14). وقد كانت هذه المدة الزمنية الشاسعة عند الدكتور الجراري في قراءته ودراسته كافية لممارسة مسح شامل لا يستثني شاعراً ولا قصيدة، قد تبدو في نظر الانتقائيين لاشعرية، أو قديمة على أقل تقدير في نظرهم، مما يكشف الممارسة النقدية الفوقية في تحديد الجدة والتطور، ذلك ما أشار إليه الدكتور الجراري في قوله: «على أن الشعراء ـ أو بعضهم على الأقل ـ قد تسرعوا في تحديد مفاهيم شعرهم الجديد وتقنياته بتعامل فوقي، جعلهم ينحصرون فيما تمرسوا هم به من أساليب وأنماط، ويغلقون الباب عما سوى ذلك. ولعله لم يتح حتى للنقاد أن يتدخلوا، مما أثار كثيراً من هؤلاء عليهم، بالإضافة إلى غيرهم ممن يختلفون معهم ـ والشعراء أنفسهم مختلفون ـ حول تلك المفاهيم والتقنيات، وربما كان في طليعة ما تباينت آراؤهم فيه مدلول الحداثة التي نسبوا إليها هذا الشعر، ونسي هؤلاء الشعراء ومن سايرهم من النقاد أن القضية ـ وكل قضية تطورية مثلها ـ هي أعمق من أن يفتح ملفها ويغلق بهذا البت الحاسم السريع»(15). والظاهر أن القاعدة التي حكمت العلامة الجراري في ضبط مظاهر التطور في الشعر المغربي الحديث والمعاصر، كانت قاعدة فلسفية دقيقة، حتى وإن لم يخصص لها الأستاذ الجليل مناقشة فلسفية، عمودها الفقري يقوم على أن رصد مظاهر التطور يقتضي الانفتاح ويتعارض والثبات الذي يقوم على القطع والحسم في ظاهرة تأبى ذلك، في علاقتها بالحركة الإنسانية المتسمة في صيرورتها التطورية بالبطء الشديد، حتى وإن ظهرت للعامة بأنها سريعة الحركة والتبدل، وما يثبت ذلك عند العلامة الجراري هو أنه لا يقطع القول بخلاصات سريعة، بل يدعها مفتوحة ومرفوقة بتعاليق خفيفة الوطء. ولهذا أعتبر أن العامل الزمني الذي يؤطر دراسة العلامة الجراري الرامية إلى كشف بواطن التطور وظواهره، ليست مسألة عرضية، كما أنها ليست فعلاً تاريخياً كما بدت للبعض بحكم عمقها التاريخي، بل هي جزء نظري أصيل في فلسفة التطور.
من سمات فلسفة التطور عند العلامة الجراري قاعدة الانطلاق من الخاص إلى العام، والقائمة على الأسس المنطقية للاستقراء التي تمزج بين المنطق الصوري لاكتشاف صيغ التلازم بين أشكال القضايا الشعرية المطروحة، لجعل طرق التوليد الموضوعي معقولة، وبين الأبعاد الروحانية الممزوجة بالتخييل، وقد كان هذا الطرح المنهجي عند العلامة الجراري كفيلاً بإحداث انقلاب على مناهج القياس الأرسطي التي ظلت تتعامل مع الشعر عامة والمغربي منه بصورة أخص بمنهج مادي يتذرع بالعلمية. ولن نمر دون الاستدلال على هذا المذهب الذي تدرج في رصد التطور إلى درجتين في المعالجة: الأولى منها نفسية: وقد رصد فيها العلامة الجراري مظاهر التطور على الصعيد الوجداني، لا باعتباره قضية نفسية خالصة تؤدي بصاحبها إلى الهلوسة، بل باعتبارها مقدمة ضرورية للوصول إلى البعد الاجتماعي، ومحركاً رئيساً في ضبط العلاقات العامة، وهو ما يحدده الأستاذ الجليل في إطاره النظري قائلاً: «الشعر باعتباره إبداعاً ينطلق من التجربة، لا يكون صادراً إلا من الوجدان ومفضياً إليه، سواء أكانت موضوعاته عامة أو خاصة، طالما أنها ترتبط بذات الشاعر وتنصهر في بوتقة انفعال نفسه»(16).
أما الدرجة الثانية في رصد التطورية فهي اجتماعية، ولا تنفصل عن الدرجة الوجدانية إلا من جهة المنهج، لكنها ليست نتيجة خالصة لها، على اعتبار أن المؤثرات الاجتماعية تتدخل بقوة لتشكيل مادتها الأدبية وإنتاجها وفق الظروف العامة، مع أن العلامة الجراري يضيف إليها عامل التنبؤ، وهو ما اعتبرناه في رصد فلسفة التطور الشعري عند الأستاذ الجليل مزجاً بين المنطق الصوري والبعد الروحاني، حي يقول العلامة الجراري: «يتوقع من الشاعر ـ في حال حضوره وممارسته ـ أن ينشغل بقضايا أمته، والاجتماعية منها خاصة، ساعياً إلى التحسيس بها والتوعية.. وهي وظيفة لا تعني بحال أن التعبير الشعري يقدم وصفات جاهزة لمشكلات يعالجها، ولكنه بالتنبؤ والإرهاص يستطيع توجيه العمل في المجتمع»(17).
ولم يتوقف المنهج الاستقرائي عند العلامة الجراري في انتقاله من الخاص إلى العام على المستويين النفسي والاجتماعي، بل انتقل إلى البعد الجغرافي أيضاً، من الخاص إلى العام أيضاً، فشكل التعبير الوطني البعد الخاص في رصد التطور، لأنه الأقوى في التأثير على الشاعر، ومنه إلى البعد القومي باعتباره الإطار العام لحركة الشاعر.
ولم ينقطع المنهج الاستقرائي للدكتور الجراري عند هذا الحد، بل استمر فغطى الجانب الفني أيضاً، وداخل المقومات الفنية نفسها انطلق من الخاص إلى العام، بدءاً من اللغة فالإيقاع ثم الصورة الجامعة للمكونات الصغرى، ليصل بعد ذلك إلى التناص ليس بالمعنى الذي تذهب إليه بعض الرؤى المعاصرة، بل وفق النظرة التراثية لهذا الموضوع، والتي اعتبرها الدكتور الجراري أكثر تحديداً للمفهوم من غيرها في قوله: «من هنا يبدو أن النقد العربي القديم كان أكثر ضبطاً وتحديداً حين نظر إلى التناص ـ وهو مصطلح حديث ـ من زوايا متعددة تثبت نوع هذا التناص ودرجته، فعبر بالتضمين والاقتباس والنظر والإحالة والمعارضة والمحاكاة والمجاورة والترجيع والمناقضة والمفاخرة والمنافرة والانتزاع»(18).

الخلاصة:
ويمكن القول إن نهج الدكتور الجراري كان موفقاً في رصد التطور في الشعر المغربي، من خلال النهج الاستقرائي الذي جعله يمارس تمشيطاً أدبياً، انتقل في حركته من الخاص إلى العام دون ترك أي ثغرة في المعالجة، كما أن الحيز الزمني الشاسع الذي خصصه للدراسة كان كافياً لرصد مظاهر التطور المتسمة في حركتها بالبطء الشديد، وقد كانت نتائج الدكتور الجراري حذرة مناسبة لنهجه في الدراسة، من ذلك ما عبر عنه بقوله: «ومع ذلك، فإن هذا الاحتكاك أحدث أثراً ثقافياً أسعف في دخول معارك توسل الشعراء فيها بالقصيدة الجديدة التي يعتمد فيها على التقليد تارة وعلى المغامرة تارة أخرى. وقد ارتبط مجال المغامرة بالتجريب الذي ما أظن إلا أنه مازال في فترة المخاض، رغم كثرة العطاء»(19)، ولا يجب أن يفهم من هذا الاستخلاص بأنه لا يستند إلى رؤية فنية أدبية عند الدكتور الجراري، بل إنه يصرح بها في تأمله واستنتاجه قائلاً: «إن الإبداع الحق يبدأ عند الشاعر ـ والفنان عامة ـ من نقطة البدء الأولى، وهي القدرة على التقاط موضوعه كيفما كان هذا الموضوع، شريطة أن يكون انفعل به وتجاوب معه. ونعتقد بأن مدى انفعاله وتجاوبه يؤثران إلى حد كبير في تشكل الموضوع في ذهن الشاعر، وكذا في الصيغة التي يخرجه عليها، أي في التعبير»(20).

الهوامش:
(1) قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب للدكتور عباس الجراري، يوم دراسي إعداد: الدكتور مصطفى الغديري، منشورات كلية الآداب بوجدة، سنة 2001، ص 172. (2) الأدب المغربي: لمحمد بن تاويت، ومحمد الصادق عفيفي، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت ط1، سنة 1960، ص 3.
(3) قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب، ص 172 - 173. (4) نفسه، ص 173. (5) تطور الشعر المغربي الحديث والمعاصر في المغرب، من 1830 إلى 1990م، للدكتور عباس الجراري، منشورات النادي الجراري، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، سنة 1997، ص 332. (6) نفسه، ص 535 - 478 - 477 - 479. (7) نفسه، ص 592 - 593 - 594 - 595 - 596. (8) تطور الشعر المغربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990 للدكتور عباس الجراري، ص 47. (9) قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب للدكتور عباس الجراري، ص 176. (10) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990 للدكتور عباس الجراري، ص 547. (11) نفسه، ص 545 - 546 - 547. (12) تطور الشعر العربي الحديث بين الاختلاف والائتلاف، الدكتور علي العرباوي، من أعمال اليوم الدراسي، قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب، للدكتور عباس الجراري، ص 69. (13) نفسه، ص 614. (14) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990 للدكتور عباس الجراري، ص 614. (15) نفسه، ص 615. (16) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990، ص 97. (17) نفسه، ص 193. (18) نفسه، ص 542. (19) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990، ص 614. (20) نفسه، ص 616.