شعريـة الروايـة
المكونـات الداخليـة والمحددات

 

بـقلم: جـان إيـف تادييـه
ترجمـة وتقديـم: د. سعيـد بوعيطـة

يقدم هذا النص الذي ترجمناه عن كتاب (النقد الأدبي في القرن العشرين) (الصادر عن منشورات ملفات بلفون BELFOND باريس 1987) أهم الأطروحات التي تأسست عليها نظرية الرواية، لأن هدفنا الأساسي، يكمن في تقريب نظرية الرواية من القارئ العربي، من خلال التعريف بأهم اتجاهاتها وأقطابها. خاصة في الاتجاه الأنجلوسكسوني: الإنجليزية خاصة مع برسي لوبوك، هنري جيمس وإميل فورستر.

أما في فرنسا فبرز هذا التطور بشكل جلي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تأثر بالاتجاهات الفكرية السائدة عصرئذ: الوجودية، الرمزية، الواقعية.. إلخ. برز هذا التطور على يد كل من: جورج بلان، ميشال ريمون، تزفيتان تودوروف وجيرار جينيت خاصة في كتابه المهم: وجوه FIGURES، في حين شكل الناقد ميخائيل باختين M. BAKHTINE أساس الاتجاه الروسي. وقد ركز خاصة في هذا النص على مفهوم الكرونوتوب CHRONOTOPE بمعنى تعـالق الزمن والمكـان.

أ– المدرسة الإنجليزية والأمريكية:
برسـي لوبـوك:
تطور تيار في كل من إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، اهتم بتحليل الرواية، وقد جاء موازياً لأعمال الشكلانيين الروس. هذه الأخيرة التي اهتمت بالشعرية، حيث اقتفاء أثر المكونات الداخلية للنص، وتجاوز البعد التاريخي. ومن أولى المحاولات المهمة في هذا الإطار، أعمال الناقد برسي لوبوك، على الرغم من كون أغلب أعماله، لم تترجم إلى لغات أخرى.

إن أول مبدأ عند لوبوك، يكمن في كون الرواية موضوعاً فنياً، يتطلب الوصول إلى أعماقه، وتصوره في كليته وشموليته، وعدم إهمال عنصر من عناصره كما هو شأن باقي الأعمال الفنية. انطلاقاً من هذا التصور، يطرح لوبوك السؤال التالي: كيف تم بناء هذه الروايات؟ من ثمة، يرى أن على القارئ كذلك أن يكون روائياً. فالإبداع لا يرتبط بالكاتب فقط، لأن القارئ لن يتمكن من الإحاطة بمؤلف معين، في حالة جهله مثلاً بمختلف الأشكال السردية. لذا أقر لوبوك، بعدم وجود معجم نقدي جاد في عصره، على الرغم من كونه يعتمد في دراسته الشكلية للرواية، على الأعمال الأكثر شيوعاً. فرواية «الحرب والسلم» تقدم حياة مضطربة في شكل مقنع. إن هذه الرواية، تتضمن تاريخين: يتعلق الأول، بجيل معين. أما الثاني فبمرحلة حرب. وكأننا هنا أمام روايتين. إلا أن شكل رواية «الحرب والسلم» غير مشخص بشكل متميز، لأنه أغفل الجزء المهم من موضوعه. إن تولستوي يربط سيلان الزمن بشيخوخة الشخصيات. ويعالج كل معضلة، بكثافة الشخصيات. مما يجعلنا نلاحظ بأن النقد يقدم ترتيباً مختلفاً لأشكال الكتابة الروائية.

أما رواية «مدام بوفاري» لفلوبير، فعكس رواية «الحرب والسلم»، لأن فلوبير يقوم بتمييز أساسي بين التشخيص المشهدي والتشخيص البانورامي، لحكاية معينة. وكذا بين صوت الكاتب حيث يتحدث هو نفسه. وحيث يتحدث من خلال شخصية معينة، وأكثر من ذلك، يمكن تناول الموضوع بطريقة تصويرية أو درامية، مما يجعلنا أمام أسئلة عدة، أهمها: ما هو مركز الرؤية؟ ما هي وجهة النظر المقدمة والمتعلقة مباشرة بالمؤلف؟

في رواية «مدام بوفاري» نجد بأن شخصية Emma ، نفسها هي مركز هذه الرؤية، لأن فلوبير يقدمها في بعض الأحيان من وجهة نظر خارجية، على الرغم من ضعف قدراتها البطولية التي لا تؤهلها لاحتواء العالم في شموليته. وكل شخصية أخرى لا يمكنها أن تنوب عنها، إلا أن هذه العملية ممكنة، لأن سخرية فلوبير تأخذ شخصية (إيما بوفاري) عن بعد من خلف.

إن البانوراما بهذا الفهم تعارض المشهد، فرؤية تاكيراي بانورامية أو تصويرية. واللوحة والدراما، هما الأطروحة المركزية للرواية. وقد أشار إليها هنري جيمس في مقدمات رواياته. في الحالة الأولى، يرتبط القارئ بالسارد. أما في الحالة الثانية، فيتأمل الحكاية مباشرة (كما هو الشأن في المسرح). إن تاكيراي يكون حاضراً بشكل جلي في جل رواياته، ولا يتجاوز ذلك.

أما عند موباسان Maupassant، فنجد عكس ذلك، حيث تبرز الحكاية كأنها تحكي نفسها بنفسها، ولا يتدخل السارد إلا نادراً، مما يطرح معضلة حدود السارد.

إن برسي لوبوك، قد أقحم هنا مفهوم الكلية المرتبط بضمير المتكلم (أنا) (في السرد بضمير المتكلم)، والمرتبط في الوقت نفسه بضمير (أنا) المؤلف، لكن له خصائص تنوب عن رؤيا معينة. والحكاية المسرودة بهذا المعنى تشكل وحدة جديدة وقوة درامية تأخذ أحياناً شكل سيرة ذاتية، لكن يمكن أن تكون الرؤيا بضمير الغائب، حيث يبرز لنا وعي الشخصية، من دون تدخل السارد في حياتها الخاصة (نفسيتها). إن هذه الشخصية الثالثة، تتأمل المشهد وتؤثر فيه. وعلى الرغم من ذلك، فإن للأتوبيوغرافية الخيالية حدودها، كما هو الشأن في «السفراء» لهنري جيمس، إذ يمكنها تجاوز ضمير المتكلم، لكن تبقى المسألة الأساسية المطروحة، والمرتبطة بالموضوع المعالج هي جعل الرؤية، ذات بعد درامي، وتحويل المشهد إلى دراما، فرواية «السفراء» مثلاً، تشكيل لحالة روحية معينة، لكنها تصبح درامية وذاتية. وعلى الرغم من ذلك، فإنها عبارة عن مشهد، فهنري جيمس، يشكل حداً من حدود الرواية، لأنه يقول ولا يقول. يشخص ويعلق (يصف) من خلال وجهة نظر البطل. نصبح على إثرها وكأننا لا نعرف الحقيقة التامة للدراما. كما تتم معالجة الموضوع بطريقة تصويرية، لكونه يشمل فضاء واسعاً يمتد عبر فترة طويلة. يزخر بالشخصيات والأحداث. في هذه الحالة، تحدد زاوية الرؤيا من طرف السارد. أما في روايات أخرى، فنجد مجموعة من المشاهد والحوارات (كما هو الشأن في «الزمن الصعب» لهنري جيمس). في حين نجد البعد الدرامي، متمثلاً، في المحيط، العمق وحيثيات الديكور. إن بلزاك ينتقل من المشهد إلى الدراما. ويكشف عن كون الطابع التصويري قصد تسريع البناء الدرامي. وبشكل مخالف، تقاس الرواية البلزاكية، بواسطة الفن التصويري. كما تمثل رواية «آنا كارنينا» لتولستوي نموذجاً لهذا المزج، فبناء الرواية عبارة عن لوحات متتالية ذات بعد درامي في بنائها العام.

تكمن الأطروحة المركزية للوبوك في كون الرؤية السردية، هي التي تهيمن على التقنية الخيالية أو علاقة السارد بالحكاية، حيث ينقل (يقول) ما يرى ويعمل على المشاركة في الحكاية. يصبح الكاتب في حالة درامية مع توظيف ضمير الغائب. وتصبح الرؤية مركزة على القارئ. وفي حالة موضوع درامي، لا نجد رؤية تتعلق بدواخل الأبطال، لأن أفكارهم وحوافزهم، عبارة عن أحداث.

إن وجهة النظر، تعطي حركة داخل الحيز والزمن، سواء تعلق الأمر بالإيجاز أو التمطيط. إن تحديد هذه الرؤية، يجعل الكاتب يقدم الشخصية التي تقوم بالرؤية باعتبارها عاملاً درامياً. يقدم كتاب (The Graft of Fiction) بعض المبادئ الأساسية التي عملت على تجاوز العلاقات المألوفة والمشتركة بين الروايات المشهورة، لكن هذا العمل، يحتاج إلى نوع من التطوير.

فورستر (1879–1970):
إن التصوير السابق، هو ما قام به الروائي المتميز فورستر نفسه في كتابه (مظاهر القصة) Aspect of The Novel (إدوارد أرنولد – لندن 1927– غير مترجم إلى اللغة الفرنسية) انطلق من تصور تزامني، وكأن جل الروائيين، قد كتبوا رواياتهم في وقت واحد ومكان واحد خلال تاريخ قار. وقد عبر عن ذلك إليوت في «الغابة المقدسة» بما وراء الزمن. إن المقولات التي عمل على تحديدها، لا تتعلق بالسرد وحده (سنرى بأن التمييز مهم)، بل بكل مكونات الرواية. والمتمثلة في: الحكاية، الشخصيات، الحبكة، التخييل، التنبؤ، بنية الإيقاع. فكل رواية، تبدأ من الحكاية المسرودة. في حالة «ألف ليلة وليلة» تحدد الحكاية باعتبارها سرداً للأحداث المنتظمة داخل تتابعها الزمني. حتى يتسنى للمتلقي معرفة اللاحق، وقد لا يتمنى معرفة ذلك إذا كانت الحكاية سلبية. إنه أكثر بساطة للأدوات الأدبية، لكن خلف الحكاية المروية، يكمن صوت السارد، كما هو الشأن في الحقب البدائية وكذا بالنسبة إلى جذور الأدب، حيث يكمن السؤال الأساسي في التالي:
وبعد؟ أما بعد؟ إن الشخصيات العوامل للحكاية تمنح: الاسم، الجنس، الحركات، الخطاب، لذا فإن النوع التاريخي، لا يقدم سوى مظاهر الأفراد، وتكشف الرواية عن حياتهم الخفية (تمييز مستمد من نسق الفنون الجميلة لألان). فإذا كنا نجهل أشياء عدة في الحياة، ففي الرواية تكون الشخصيات مفهومة.

وعلى الرغم من كون بعض الشخصيات صعبة الوضوح، فإننا نميز الشخصيات باعتبارها شخصيات مسطحة ضمن مقياس واحد، أو جعلها في الواجهة. فالأولى عبارة عن أنماط أو كاريكاتورات، تتلخص أحياناً في الحالة الواحدة التي تتكرر («أميرة بارم» لبروست).

نتعرف إليها مباشرة ولا ننسى: حالة ديكنز، لكن الشخصيات البارزة والمتعددة المقاييس، أكثر أهمية من الأولى. كما هو الشأن عند جان أوستن، دوستويفسكي، وكذا بروست. نتعرف إليها من خلال خاصيتها الفجائية، لكن بشكل تواصلي، لربطه بالشخصية، يعود فورستر إلى الرؤية. ويبين أهميتها. وقد اعتمد تصورات لوبوك وانطلق من مجموعة من الأمثلة التعارضة: BLEAK HOUSSE ديكنز، ومزيفو النقود، إن تقنية الرؤية تجعل الرواية جد مهمة، لكن غير حيوية. فالحد يكون تعسفاً على الأسرار والتعليقات التي يقوم بها الكاتب حول الشخصية، والذي لا ينطبق مع المعطيات العامة في الحياة، والعالم، إنها طريقة هاردي وكونراد.

أما الحبكة، فتقودنا إلى مستوى أعلى، إذ تحدد باعتبارها سرداً للأحداث حسب السببية. إن المتتالية الزمنية للحكاية تبقى قائمة. ومتجاوزة حسب مبدأ الزمنية. وتجيب عن السؤال التالي: لماذا؟ ولا تتطلب فقط الاطلاع فحسب، بل الذكاء والذاكرة. في حبكة معينة، كل شيء له أهمية: كلمة، فعل.. إلخ. حيث تدخل في علاقة عضوية، حيث أشرنا إلى أن هناك روايات تتضمن: حكاية، شخصيات وحبكة. فإننا لم نشر إلى كل شيء. فقد نستحضر أمثلة من قبيل: TRISTRAM SHANDY، موبيدك. أما التخييل، فيصبح أحياناً رؤيوياً أو فنتازياً يصور ما لا يمكنه الحدوث، ويتعارض مع الروايات التي تصور الممكن. إنها حالة TRISTRAM SHANDY. يمكن افتراض ما فوق الطبيعة، لكنها لا تجسدها أعمال معينة. ضمن التصور الخيالي الرؤيوي، أضاف فورستر ما يتعلق بـ«التنبؤ» لا يتعلق الأمر –هنا– بنوع من التشوف إلى المستقبل، لكن يجعل من العالم تيمة ذات سمة غنائية: لورانس، ملفيل، والشيء نفسه عند دوستويفسكي. تتميز شخصياته بحالات مغايرة، لكونها تدخل في علاقة مع اللانهائية. إن هدف النقد –هنا– ليس مضمون الرسالة، لكن نبرتها ونغمتها تسجل كذلك بأن الرواية التنبئية، تتميز بعدم الدعابة. وإذا عدنا إلى مجموعة من المفاهيم الشكلية، فإن البنية تذكرنا بالتشكيل كما بينها هنري جيمس. أما الإيقاع، فمفهوم مستوحى من الموسيقى. لقد بين فورستر ذلك، انطلاقاً من بروست. استناداً إلى التكرار الذي يعمل على التنوع والتمطيط. داخل نظرية الرواية نفسها، أضاف فورستر خاصيات تمكن من تحليل وتصنيف الروايات، أعقبتها الأبحاث التالية:
– بنية القصة
THE STRUCTURE OF THE NOVEL
لأدوين موير A TREATISE ON THE NOVEL (1928) EDWIN MUIE
لروبير ليديل ROBERT LIDDELL
ومبادئ التخييل SOMME PRINCIPLES OF (1953) FICTION

يمكن القول من دون مغالطة أو تردد، بأن كتاب واين بوت (أستاذ بجامعة شيكاغو) «بلاغة التخييل» (1961) يلخص التيار الذي اهتم بشعرية الرواية الأنجلوسكسونية. إن مفهوم البلاغة –هنا– يوازي الشعرية. يتكون هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء: الفن الخالص، بلاغة التخييل، صوت الكاتب في التخييل، السرد اللاشخصي. في البداية يبين بوت (في الفصل الأول) بأن السرد ينطوي على سلطة. مثل: الإنجيل، الإلياذة.. إلخ. لقد سبق للوبوك أن أقام هذا التمييز. إلا أن بوت يبدأ بطرح القرائن تبعاً لموضوعية أو حياد الكاتب، دون أن ينسى بأن ذلك قد يكون مضمراً، لكن لا يمكن تجاوزه. إن القاعدة الأولى التي نجدها عند أغلب المنظرين، من هنري جيمس إلى سارتر، تكمن في كون الرواية حين تتوجه نحو الواقعية، فإن الاهتمام يصب على الموضوع، العالم الخارجي، الانطباعات أو تقنية السرد. لا يتم التمييز بين النهاية والوسائل. أما الخاصية الثانية، فتجمع أغلب الروائيين المعاصرين، تتجلى في الموضوعية من خلال ثلاث حالات: الحياد، التجرد والانفعال. أما عدم العرض وعدم الاختيار بين الأبطال فلا يبرر أي شعور، لكن السرد اللاشخصي –حسب بوت– لا يلغي الذاتية. يتجاوزها الكاتب أحياناً على الرغم من أنها تساهم في بناء الروايات الكبيرة.

إن القاعدة الثالثة، تنطلق من كون الفن الحقيقي، يجهل الجمهور المتلقي، فالفنان الحقيقي لا يكتب لنفسه بل يهتم بالقراء.. شأن نابوكوف أو فولكنر، في تصريحاتهما، ينظران إلى ذلك بنوع من الازدراء. كما ينظران إلى الفن التجاري والأعمال المشهورة. هنا نلتقي بنظريات الفن للفن، الشعر الخالص (التي لا تلتقي مع الواقعية)، لكن يقرر بوت بأنه يكفي كتابة حكاية معينة، ليتسنى خلق تقنية للتعبير، تجعل تحقيق العمل ممكناً. إن جويس نفسه يتمنى أن يصبح مقروءاً. فهل يمكن أن نحلم برواية خالصة؟ إن كل كاتب مرتبط بشكل معين من البلاغة، بمعنى فني معين. يوجه القارئ بواسطة مجموعة من الحقائق: قيم معينة، دلالات، مفارقات. إن الوعي الموجه لماكبث، يحمل رسالة أكثر أهمية من جرائمه.

ثمة مسألة رابعة يجب استرجاعها. تكمن في كون الكاتب يثير لدى القارئ: الحزن، الفرح، الانفعالات، المعتقدات، إلخ. تؤثر –حسب البعض– في القيمة الفنية. على القارئ أن يهتم بالحبكة، الحدث، الشعور ومجموعة من الخصائص الميلودرامية، المتجلية مثلاً في: طيبوبة وألم الأبرياء. لقد بنيت هذه المواجهة على مفهوم المساحة الجمالية التي حلت مكان الرومانسية والطبيعية. إن هذه المسافة التي اعتبرتها الواقعية سلبية، أصبحت خلال القرن العشرين خاصية إيجابية. إن رجلاً غيوراً على زوجته، يصبح منفعلاً، حيث يشاهد OTHELLO لكن بشكل لاجمالي. إن هذه المسافة –حسب بوت– يمكنها أن تضاعف التأثير. كما أن العمل عبارة عن نسق معقد، يتحكم في الارتباطات والأهداف المختلفة للقارئ. تختلف باختلاف الأهداف الإنسانية، بحيث يمكن بناء قائمة لهذه الأهداف أو هذه المسافات، باعتبارها الضد: المثقفون، العارفون، أنواع، تجارب. يتجه الأولون نحو: الشرح، الاكتشاف، دلالة الحبكة، أهداف المعرفة المختلفة للمثقفين.
إن الخاصية التي يعدنا بها الكاتب منذ البداية مختلفة: سخرية، العمق، السمو، إلخ.. لا نتمنى أن يغير مونتين، أسلوبه. أما الأهداف التطبيقية، فتكمن فيما يبرزه القراء من تعاطف أو تصادم اتجاه الشخصيات ومصائرهم. فالاختلاف بين الروايات العاطفية والأعمال الكبيرة، يتجلى في الحالة الثانية، حيث تكون تبريراتهم جد عالية من جهة، ومن جهة أخرى، لا يمكن لأي عمل تجاوز الحكم الأخلاقي، على الرغم من أن القيمة الفنية، تبقى مهيمنة (هذا ما نجده في بورتريه الفنان الشاب لجويس). من ثمة، فإن العمل، يكون مبنياً عن طريق مواد تطبيقية (غير جمالية).

لكن لا نجد عملاً كبيراً مبنياً على هدف واحد فقط، هذه المواد، تتشابك وتدخل في صراع. إن كل محاولة لوضع تراتبية لهذه المواد هي بمثابة هدم للنص، لكن لا يمكن البحث في الوقت الواحد مثلاً عن الغموض والوضوح، البساطة والتعقيد، لكن ما يجب تبيانه، هو دور المعتقدات والإيمان عند الكاتب كما عند القارئ. لقد قرر أحد مؤسسي النقد الجديد، ريتشارد، بأننا لا نحتاج إلى معتقدات، لا نحتاج إليها حين نقرأ «الملك لير» LE ROI LEAR (مثلاً).. ما يهمنا هو الكاتب وليس الإنسان الذي يكتب.

الأنا الثانية داخل العمل هي القارئ وليس الشخص في حياته اليومية، الذي يقرأ باعتباره مختلفاً. إن القراءة الجادة، هي التي تلتقي فيها الأنا الأولى والأنا الثانية التي يخلقها الكاتب، حيث تعرف توافقاً شاملاً. في حين لا جدوى في تجاوز اختلافات المعتقدات (ميلتون مثلاً مقروء من طرف كاثوليكي أو ملحد، فاشستي أو ديمقراطي)، لأنه يؤثر في القراءة. إن مجموعة من الأعمال، قد تبدو منسجمة مع معتقدات معينة. فبعض أعمال شكسبير نفسها تبدو ذات قيمة أخلاقية، ويجب علينا قبولها. إن الأدب المعاصر يتسم بنوع من الغرابة، مرد ذلك إلى اضطراب نسق القيم القديم. في «الرحلة إلى المنارة» لفيرجينيا وولف، نجد الشيء نفسه. فالقيمة المركزية تكمن في هذه الإدراكات. إن القراءة التي تفارق هذا الرأي، تصل عند قراءة الرواية، إلى لذة أقل، إذ لا نستطيع أن نكون قراء موضوعيين مع غياب لذة أكثر تسامحاً.

يحدد بوث ما يربط –تقنياً– بين الكاتب والقارئ، بمعنى أنماط السرد. يتجلى الأول في ضمير (المتكلم أو الغائب). والثاني هو السرد المؤدرم (قد يشارك في الحدث أو لا يشارك)، أو الكاتب الضمني. المختفي خلف السرد. أما الثالث فهو الملاحظ أو السرد العامل في علاقته مع العقدة. أما الرابع، فيتجلى في التمييز بين المشهد والخلاصة، بين الدرامي والسردي. أما النمط الخامس، فيرتبط بالتعليق، في حين يرتبط السادس، بالسارد الكاتب هل هو واعٍ بأن يكون كذلك، إنها حالة توم جونس في TRISTRAM SHANDY وكذا السارد في «البحث عن الزمن الضائع» أو «الغريب». يجب أن نأخذ بعين الاعتبار تنويعات المسافة بين السارد أو الملاحظ والكاتب، بين الشخصيات والقارئ. قد يكون الساردون متمكنين أو لا، أو موجهين من قبل آخرين. يتجلى هذا الامتياز، في القدرة على معرفة الخفي من خلال رؤيا واقعية للأشياء. يمكن كذلك في المعرفة الكلية، باعتبارها نوعاً من الامتياز. حيث يعرف السارد ما يحدث في دواخل الشخصية، كما أن في حالة دراما معينة، تكون المعرفة الداخلية، نمطاً للسرد المكشوف.

في الجزء الأخير من «بلاغة التخييل» يطور واين بوت تحليله لأنماط السرد من خلال نماذج ملموسة مستوحاة من الأدب الإنجليزي (جونس TRISTRAM SHANDY) وكذا هنري جيمس الذي يهيمن على الفكر الأنجلوسكسوني حول الرواية في هذا الإطار، تكمن أهمية كتاب بوت، باعتباره تجاوزاً لنقد سابق. قبل بروز الرواية الجديدة («الغيرة» لألان روب غرييه GRILLET)
إن هذه البلاغة نفسها، نجدها عند إيان واط IAN WATT أزمة (القصة 1957) وفي التحليل الذي قام به نورثروب فراي NORTHROP FRYE للرواية، متتبعاً تنظيم موروثنا الثقافي. كما هو الشأن بالنسبة إلى تحليله للإنجيل.

ب– الشعريـة الفرنسيـة:
بعد الحرب العالمية الثانية، برزت في فرنسا مجموعة من الأعمال على الرغم من كونها قد بقيت معزولة، أعمال تأثرت بأفكار جان بول سارتر، قام هو نفسه بنقد أدبي في أعماله: حالات، بودلير/ BAUDELAIRE سانت جينيه. بعد ذلك «أبله العائلة» ومع شهرة الرواية الأمريكية لدوس باسوس وهمنغواي وفولكنر.

من الأعمال، كتاب «الزمن والرواية» لجان بويون (غاليمار 1978). وأعمال كلود إدموند ماني عصر الرواية الأمريكية (ساي 1948) LES SANDALES D’EMPEDOLE (الباكونية BACONNIERE) تاريخ الرواية الفرنسية منذ 1918 (ساي 1950) لجيتان بيكون (الكاتب وظله، استعمال القول، مالرو من أجله) ومن هذا النقد كذلك، الفلسفة أو تحليل مضامين الفكر (كما هو الشأن عند: بيير هنري سيمون كاتب: شهود الرجل، الإنسان الذي يتطور، تطور البطل، الوح والتاريخ). يجب تحديد اسم ناقد كبير وأستاذ بـكوليج دوفرانس– جورج بلان.

جـورج بـلان:
ليس من قبيل المبالغة القول بأنه بعد حرب 1939–1949، أصبح جورج بلان مؤسس الشعرية الفرنسية للرواية، وذلك في عمله «ستندال وإشكالات الرواية» (كورتي 1954)، لا يقوم فقط بالتحليل الجمالي لروايات ستندال، لكن ينبه إلى المسائل الكبيرة للرواية الحديثة، ثم –الواقعية الذاتية– كما عمل على رفض السارد العليم والتام الحضور، تحت التأثير المزدوج للسينما والفينومينولوجيا. فعند ستندال الرائد، كل شيء يرتبط بالوضعية ووجهة النظر، كل شيء يتعلق بالمنظور. لهذا نجده يميز الأجناس من خلال ضمير المتكلم في: الجريدة اليومية، الرسالة، انطباعات السفر، الذكريات.. تكون رواياته بضمير الغائب، لكن ترى (تقدم من خلال شخصية مركزية)، تكشف عن العالم بنوع من التدريج، لكن لا تعطينا سوى مظهر الآخرين. في LA CHARTREUSE DE PARME يقدم الحدث أحياناً من طرف سليلية CELELIA موسكا، أما فابريس فهو البؤرة الأساسية للمنظور.

ارتبطت هذه التقنية بالرؤية السردية، هذه الأخيرة، عرفت توازناً مع تعليمات الكاتب (لا تطرح أية إشكالية في الحالات بضمير المتكلم): المذكرات المغلوطة، الرواية المبنية عن طريق الرسائل. وهي طريقة: سكارون، فيلدين، ديدرو، وسكوت. إن تدخلات الكاتب قد تحول التخييل وتقدمه باعتباره واقعياً. يتحول التخييل إلى مشاهد لتبرير المقاطع والحذف وضعف الوصف. كما تعمل على بناء تواصل مباشر مع القارئ. يفترض التناسب أو التعارض. إنه مكان تبرير السخرية، الحكم الأخلاقي. إن المسرح الذي اهتم به ستندال، لا يقبل هذا التعليق من طرف الكاتب.

إن صوت السارد في هذه الحالة يبرز التميز المستمد من اللسانيات بين اللفظ والملفوظ.
يقرر بلان، بأن الصوت البارز يقدمه لنا السرد، وقبل ريكاردو وتيل كيل فإن الرواية لا ترتبط بدرجة أقل بالتخييل باعتباره تخيلاً لسرد معين. ومن جهة، فثمة شخصيات تجعلها الرواية معاصرة. ومن جهة أخرى يتم إغفالها حين يعمل الكاتب على تبيان أسلوبه الشخصي بشكل بارز. لكن الشعرية المتعلقة بسنوات 1970– 1980 تلغي (أو يتعذر عليها إقامة) العلاقة بين الكاتب وعمله. لقد عمل بلان في عمله المهم «ستندال وإشكالية الشخصية» على رسم دائرة بين الكاتب ورواياته.

«إنه يعتبر رجلاً روائياً في طبعه. وباعتباره كذلك روائياً، فإنه لا يقدم نفسه باعتباره رجلاً بشكل بسيط» على الرغم من أنه يعمل على إيجاد كل من: جوليان، لوسيان أو فابريس، ليس من أجل مرافقتهم، لكن قصد إضاءة وجودهم الشخصي، وكذا من أجل أن يكون زمن القائمين بالفعل الروائي PROTAGONISTES داخل الرواية ضعيفاً، ولا يرتبط –بشكل قوي– سوى بزمن يوميات: الروائي، الكاتب، السارد، رؤية العالم الواقعية أو التخييلية. توظف هذه التقنيات، باعتبارها أسس كل شعرية للرواية. قدم جورج بلان في أعماله حول بودلير تصوراً نقدياً تضمنه كتابه La cribleuse de blé (كورتي 1967).

ميشـال ريمونـد:
لقد قام في كتابه «أزمة الرواية» (كورتي 1967) بتبيان كيفية التعامل مع تاريخ الأدب والإشكالات الفنية أو الشعرية، يكفي تتبع الأعمال في تداخلها الجمالي والنظري للبحث عن نوع من التجاوز.

في ما بعد النزعة الطبيعية نجد تحديداً لتاريخ شعرية الرواية، وشعرية لتاريخها كما بين أهم التيمات المرتبطة بالرواية الشعرية، وروايات الرواية. في «مزيفو النقود» نجد هذه النماذج باعتبارها النموذج الجديد للسرد، حيث تهتم بالمونولوج الداخلي ووجهة النظر مع مدلولاتها، تقنياتها المرتبطة بتحولات كل مكون: جديد سيكولوجية الأبطال، المتجلية في: اللاوعي، اللامعقول. إن كل رواية جديدة، تحدد شعرية جديدة، تدل على علاقات جديدة مع العالم، إذ لم يبق العالم عبارة عن إطار أو رهان لصراع معين، لكن باعتباره موضوع حلم أو اكتشاف أو استفهام. إن الحركة العميقة للحقبة التي تناولناها بالدراسة، قد حددت بعض التجاوزات الرمزية اتجاه الواقعي والمحتمل عن طريق مؤسسة شاسعة، لاحتواء العالم والحياة.

تابع ميشال ريموند أبحاثه في «الرواية منذ الثورة» (كولان1967)، «روايات مونترلان» (ساد 1982)، «بروست» (ساد 1984) لتبرز أهمية مؤرخي الآداب للشعرية من خلال أعمال من قبيل: «الرواية عن طريق الرسائل» لفرسيني (بيف PUF).

تزفيتان تودوروف:
عمل تودوروف على ترجمة أهم أعمال الشكلانيين الروس (نظرية الآداب) ساي 1965، كما يعتبر التلميذ الوفي بالنسبة إلى دراسات الشعرية التي عملنا على تبيانها في هذا الفصل، لكن التغيير المهم الذي أحدثه تودوروف، يتجلى في تبنيه اللسانيات البنيوية (ينظر النحو باعتباره نموذجاً)، وإيجاد شعرية للسرد (هذا ما نجده في الأدب والدلالة (1967).

وما يتعلق ببوكاس BOUCCACE في كتاب «نحو الديكامرون» فأول هاجس بالنسبة إلى المنظر، يتجلى في بناء جهاز وصفي، إن هذا ما قام به في النصوص المكتوبة من 1964 إلى 1969. المتضمنة في شعرية النثر (1971).

إن موضوع الشعرية هنا يتجلى في وصف اشتغال الخطاب الأدبي، إن كلمة خطاب في هذا السياق توازي كلمة نص ولا تتعارض مع كلمة حكاية. استناداً إلى تصورات تعمل على ترتيب برنامج معين.. إن ما يسميه رولان بارت «علم الأدب»، ينعته تودوروف بـ«القراءة»، وما يسميه بارت نقداً يصبح دراسة للنص الواحد.

لكن تحليل السرد، يقدم تشابهات واضحة مع التي تتعلق بأجزاء الخطاب: اسم العلم، الفعل النعت. إن العلاقات بين عناصر السرد المصممة حسب النموذج التركيبي، هي أصل هذا التفكير. نجد ذلك حين ينطلق الأدب من اللغة باعتبارها البداية، بما أن (كما أشار إلى ذلك بنفنست) الإنسان ينبني انطلاقاً من نفسه وباعتباره نقطة وصول، فإن للأدب لغة باعتبارها مادة مدركة (نتمكن من إدراكها)، لكن تودوروف لا يبين ما يميز اللغة الأدبية عن غيرها، مما يجعلها في حلقة. إن اللغة لا تفهم إلا حين نعمل على التفكير حول بروزها الأساسي المتجلي في الأدب. والكتاب لا يعمل إلا على قراءة اللغة فقط حين نعمل على تطبيق مقولات متعلقة بوصف اللغة غير الأدبية على الأدب، نحصل داخل الأدب على ما ليس منه، لنصبح ضد خمس وعشرين سنة من الواقعية. كما نعتقد خلالها بأن الكلمات تعكس الأشياء. يقرر تودوروف بأن اللغة الأدبية لا تحدد عن طريق العلاقة مع الواقع، لكن عن طريق قوانينها الخاصة. إنه رد فعل ملائم لا يحمل أي امتياز، لكنه يستدعي ملاحظة خاصة تعمل على التمييز بشكل نهائي بين اللغة والعالم. والشيء نفسه بالنسبة إلى تودوروف، إذ يدل السرد دائماً على آخر، حيث ينمو السرد وينتقل من الواحد إلى الآخر عن طريق شفرة مشتركة في حقبة معينة، ويرتبط موضوع بآخر كذلك، أما الترجمة فقد تعطي معرفة أكثر، وقد لا تعطي ذلك.

إن السرد الحداثي معروف على الأقل (ترميزه) بواسطة محمول معين يعمل على اختزال عدد الدوال لكون طبيعتها معروفة سلفاً.. تضم ثلاثة مستويات: فرسان المائدة المستديرة جوزيف دارينتي والمسيح، الوصية القديمة. إن مغامرة معينة هي في الوقت نفسه مغامرة HENRY JAMES واقعية ورمز لمغامرة أخرى، لكن إذا كان السرد الذي اختاره تودوروف. يتعلق بألف ليلة وليلة والأوديسة وحكايات هنري جيمس باعتبارها حكايات لسرد معين، فإنه غير صالح لسرد آخر، على الرغم من كون الخطاب الأدبي، يرتبط بنفسه وينفي في الوقت نفسه، صداه وتأثيره لوظيفته المرجعية. إن السرد لا يتغذى من الكلمات، سوى لأنه يحكي عن العالم، لذا يصبح عبارة عن جملة، حين نعمل على تطبيق مقولات نحوية على السرد الأدبي. يصبح هذا الأخير عبارة عن تركيب طويل، وعدد كبير من الجمل. يتعلق الأمر هنا بوصف دقيق، وليس عبارة عن تأويل.. قصد تجاوز هذه الصعوبة، عمل تودوروف في مؤلفه الأخير «نقد النقد» 1984 CRITIQUE DE LA CRITIQUE يبدو أن تودوروف عمل على تجاوز الموروث الشكلاني، وكشف عن أن الأدب هو في الوقت نفسه بناء معين وبحث عن حقيقة.

جيرار جينيت:
تتقرب أعماله الأولى من البلاغة، وعلى رأسها: «وجوه1»، و«وجوه2». ليصبح جينيت من أهم ممثلي الشعرية الجديدة، خاصة في عمله «وجوه3» FIGURES (ساي 1972) حيث عرف اهتماماً عالياً. ارتبطت هذه الشعرية الجديدة بدراسة الشكل والأجناس. بالمعنى الذي يرتبط بالبلاغة والشعرية خلال العصر الكلاسيكي، كما ميز بين الأنظمة الملحقة بالدراسة الأدبية:
تاريخ الأدب وما يتعلق به، السيرة الغيرية، نقد المصادر المؤثرة، التكون وخصوبة الأعمال، النقد، ودراسة العمل المتميز.

إن هذه المبادئ هي أساس كتاب «وجوه3» والمتكون من الدراسة المتعلقة بـخطاب السرد، إذ لا يقترح جينيت في تنازله «في البحث عن الزمن المفقود» دراسة فقط، بل يقدم طريقة تحليل. ينطلق من الخاص إلى العام، إنها نظرية السرد أو علم السرد. فيما يتعلق بالتقسيم المحدد من طرف بنفنست وفاينريش، أضاف جينيت عنصراً ثالثاً، لكونه يميز بين الحكاية (باعتبارها مضموناً سردياً) والسرد (باعتباره مدلولاً أو النص السردي نفسه) إن العقد السردي، أساس الإنتاج.

حسب تودوروف، تكمن معضلات السرد في ثلاث مقولات: الزمن، النمط، والصوت، وكأن السرد عبارة عن تعبير عن فعل معين. ستعمل على دراسة المحددات المرتبطة بـ: العلاقات الزمنية بين السرد وبالنسبة إلى أنماط التشخيص السردي المرتبطة بحالة سردية، ومع السارد والمسرود له متلقي السرد.

يتعلق الأمر في الحالة الأولى بالعلاقات بين النظام الزمني المسرود وتجليات للأحداث داخل السرد. بين المدة السردية للأحداث وتلك المتعلقة بقراءتها، وكذا علاقة التواتر بالتكرار. إن النمط يعمل على تحليل المنظور الذي بنى به (من خلاله) السرد والصوت. أما المعضلات المتعلقة بالسارد، فتنحصر في الزمن، السرد في الدرجة الأولى أو الثانية، استعمال ضمير المتكلم أو الغائب. إن وضوح هذه الشبكة، ساعد على تطويرها. وقد عاد إليه المؤلف في عمله الجديد «الخطاب السردي الجديد» مايو 1983 إنه عبارة عن إعادة قراءة نقدية في الخطاب الأول. عمل جينيت في هذا الخطاب الجديد، على مناقشة ما يتعلق بالزمن، النمط والصوت، وكذا ما يتعلق بفضاء الحكمة المسرودة. أما DIEGESE فعبارة عن سرد خالص. ولا يتضمن حواراً، ويتعارض مع الإيماء MIMESIS ويرتبط كذلك بـ: DIEGESE.

أما بالنسبة إلى التصور المرتبط بالمدة الزمنية للسرد، فقد عمل جينيت على تجزيء ما يتعلق بالسرعة. فوجد بأن في «يوجيني غراندي» تتشكل الصفحة من حوالي ثمانين يوماً. أما في «البحث عن الزمن الضائع» فتتشكل الصفحة الواحدة من خمسة أيام.
كما يعود كذلك إلى سرد الأقوال، المونولوج الداخلي. والذي يسميه فيما بعد دوريت كوهن بـ: الشفافية الداخلية، المونولوغ المستقل.

وعلى الرغم من أن جينيت قد عرف صراعات مع أعمال نقدية أخرى، فإن ذلك كان بمثابة نوع من التعدد، ساعد على خلق نمو. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تطور علم السرد الذي تم توجيهه، لكنه ترك خلخلة على مستوى التصنيف والمصطلح، إلا أن الجديد في هذا الإطار من دون شك يرتبط بـ«الحالة السردية» حسب ستانزل (نظرية إرزاهلن 1979) وما هو شخصي، وضمير المتكلم وبعض النموذجيين.
كما يعود جينيت كذلك إلى المسرود له (انطلاقاً من قوله الأمير) من يتلقى السرد ـ داخل السرد أو خارجه ـ، والقارئ المشارك، فيكمن في ذهن الكتاب الحقيقي. والقارئ الممكن.

إن العملية السردية، تعمل دائماً على التصفية والتنقيح وتهذيب أدواته، لكن ما فائدة ذلك، إذا أصبحت معرفتنا للسرد متطورة. في كتابه «مدخل لمعمار النص»، ساي 1979، تراجع جينيت عن الأنماط الثلاثة الأساسية لنظرية القرن الثامن عشر: الغنائي، الملحمي، الدرامي. وتندرج ضمن الملحمي: الملحمة، الرواية، الأقصوصة. كما ترتبط به التراجيديا، الكوميديا، الدراما. أما الغناء، فترتبط به: القصة الغنائية، التراتيل.. إلخ.

الأجناس منذ إن الغنائي هو الجنس الوحيد الذي لا نعتمد في تناوله على حدث أو حالة معينة، بل على تاريخ حقيقي للأجناس الذي يقترحه هذا الكتاب الصغير (لكنه غني) ويعمل على استرجاع جان بولان، إلا أن التقسيم الثلاثي لهذه الأجناس، لا يعود إلى أرسطو. فهذا الأخير، يبعد الشعر الغنائي من شعريته، لكن يعود إلى الرومانسية الألمانية، لأن التقسيم الأرسطي، يركز على نمط ملفوظ النصوص: السرد الخالص، التراجيديا، الكوميديا والتقليد الدرامي والملحمة.
السرد المزدوج مع الاتجاه الرومانسي لا يتعلق الأمر هنا بأنماط الملفوظ البسيطة، لكن بأجناس حقيقية، إلا أن الأجناس، عبارة عن مقولات أدبية خالصة. أما الأنماط، فعبارة عن مقولات ترتبط باللسانيات أو بشكل أدق بالبراغماتية.

إن الأجناس الثلاثة الأخرى، تتجزأ إلى أنواع بشكل لامتناه، يتعلق الأمر هنا بمعمار الجنس، لكن الملحمي مثلاً لا يشمل الرواية إلا باعتبارها نمطاً سردياً. فعند أرسطو مثلاً (باعتباره الأصل) نجد ثلاثة أنماط: السرد الخالص، السرد المزدوج، المحاكاة الدرامية، والتي نسقطها على ثلاثية أخرى تشكل معمارية الجنس: الغنائي، الملحمي والدرامي. أما علاقة الأجناس بالأنماط فنجدها معقدة، إذ يمكن للنمط اختراق حدود الجنس. وهذا ما يقترحه جينيت. بمعنى معرفة ثوابت عبر تاريخية والتي تلامس أنماط الملفوظ وبعض التيمات الكبرى: البطولة، العاطفي، العاطفي، الفكاهي.

«فمجموعة من المحددات التيماتية، النمطية والشكلية باعتبارها ثابتة وغير تاريخية }..{ وتشكل بمعنى معين مجال تطور الحقل الأدبي»، إنه المجال الخالص للشعرية، لكونه يشكل مجموعة مقولات عامة أو متعالية، إذ يرتبط بها كل فرد.

في –بلماسيست (ساي 1982)، يميل جينيت إلى الحديث عن– عبر النصية التي تبين العلاقة بين نص ونصوص أخرى، وتحدد هذه العلاقة في خمسة:
التناص L’INTERTEXTUALITE الحضور المكثف لنص معين داخل نص آخر (عمقته جوليا كريستيفا) المصاحبات النصية PARATEXTUALITE وهي علاقة نص معين بكل ما يصاحبه (العناوين، المقدمات، الإشارات، التوضيحات، الرسوم، الإهداءات، إلخ..) ويشكل أحد العناصر الموجهة لتأثير الكتاب في القارئ.

المتناصية، ترتبط بالتعليق على نص بواسطة نص آخر، إنها العلاقة النقدية (حسب ستاروبنسكي)، والمعمارية النصية والترابطات النصية باعتبارها تشكل العلاقة بين نص – ب – (نسميه HYPERTEXTE) قصد تجاوز كل تعليق: فلونيد وعوليس عبارة عن ترابطات نصية لنص قبلي، المتجلي في الأوديسة. من هذا المنطلق، عمل على بناء جدول للأعمال التي تساهم في التحول، كما هو الشأن في المحاكمات الساخرة أو التقليد، كما في المعارضة الفنية. إن كل عمل قبلي، عبارة عن شعرية أدبية من الدرجة الثانية، لكنه يبقى الأهم. في هذا الإطار، يبقى كتاب جيرار جينيت ذا قيمة لكونه لا يسعى إلى التعريف، التصنيف أو التغير المصطلحي، بل يوضح حقل أبحاثه المهمة.

باختيـن وشعريــة الروايــة:
إن اتباع باختين لجينيت –جاء مجرد صدفة– إذ يفصل بينهما جيل كامل. على الرغم من كون الأعمال قد تطورت موازاة مع الشعرية الأنجلوسكسونية –فيما بين الحربين– العالميتين والشعرية الفرنسية خلال سنوات الستينيات، فقد عرف واهتمت به جوليا كريستيفا منذ أعمالها الأولى ومن جهة أخرى، فقد قدمنا في تناولنا سوسيولوجية الأدب –ما يتعلق بأعمال باختين– ونقف هنا عند أعماله المرتبطة بشعرية الرواية خاصة: الجمالية ونظرية الرواية (موسكو 1975 غاليمار 1978) الجمالية والإبداع اللفظي (موسكو 1979 غاليمار 1984)

قدم تودوروف في مؤلفه ميخائيل باختين ومبدأ الحوارية (ساي 1981) أطروحة تتعلق بفكر باختين في مجال العلوم الإنسانية. وقد بين بعض المبادئ الأساسية، لأن أهم هدف عند هذا المفكر السوفييتي، يتجلى في وضع علم جديد للغة –خاصة ما يرتبط بنظرية الحوارية– الذي يوازي عنده مفهوم التناص، لأن الثقافة عبارة عن تركيب لمجموعة من الخطابات. وتعتبر الرواية، أهم جنس أدبي يعبر عن هذا التعدد الصوتي. والإنسان الذي تهتم به، هو كائن الحوار غير المتجانس، غير التام. إن الشعرية أو عبر لسانية (حسب باختين) تقوم بدراسة الخطابات، الألفاظ الفردية المتضمنة في النص والمرتبطة في الوقت نفسه بمحيطهم التاريخي، الاجتماعي والثقافي. تؤخذ من مسافة حوارية ضيقة وشكلية ومحددة في هذا السياق، يتحدث رومان جاكبسون عن اللقاء بين المرسل والمرسل إليه حول رسالة معينة. أما باختين فيتحدث عن علاقة النصوص، كما يوجد أنماط من الخطاب أو ألفاظ بشكل مرتفع لكنها محددة، تشكل تناصاً أو حوارية، إنها كل علاقة بين لفظين. إلا أن التناص، والخاصية الأساسية للرواية، لكونها تعطي صورة خاصة عن اللغة. في إطار تحليله للخطاب (الجمالية ونظرية الرواية)، يبين باختين ثلاثة أوجه لهذه الظاهرة: تنوع مكان حضور الخطاب الآخر. لكونه غير متجانس على مستوى الاجتماعي. ويختلف حسب: العصر، الطبقة، العائلة نفسها، إنه متعدد لغوياً، لأن اللغة الأدبية، تشكل حوار لغات عدة. خطابات الآخر، مقحمة في الرواية، معينة بطرائق مختلفة. كما أن خطاب الآخر، لا يتعلق بالسارد (محاكاة ساخرة، السخرية، الأسلبة) يقدمه السارد بشكل شفاهي أو كتابي مع استعمال الأسلوب المباشر والزوايا اللفظية لكل شخصية، الأجناس الأخرى المتضمنة. وأخيراً يجب تحليل درجة حضور خطابات الآخر، حضوراً تاماً عن طريق الحوار البارز، التهجين (بين لغة الشخصيات وسخرية السارد، أجناس مضافة. إن الكتاب هنا لا يؤكد حضوره عن طريق لغة الشخصيات ولا لغة السارد، بل يرجع إلى الوراء ويتحرر من اللغة الواحدة (الجمالية ص: 135)، أما من وجهة نظر تاريخية، فيبني هذا الحوار بين أسلوب عمل معين والأساليب الأخرى المهيمنة خلال حقبة معينة، أو بين أساليب عدة داخل عمل واحد.
نجد هذه الظاهرة بشكل جلي في الأزمنة الحديثة (دوستويفسكي) تتناول الشعرية الجنس الأدبي، وترتبط بالمبدئين اللذين دافع عنهما باختين منذ شبابه: تداخل الشكل والمضمون، الهيمنة القبلية للاجتماعي على الفردي.

إن الجنس الأدبي بهذا التصور جماعي واجتماعي، إن كل جنس عبارة عن نمط يتضمن ألفاظاً قارة. ويحدد اختياراً داخل عالم غير مكتمل عن طريق نسق معقد من الوسائل ليعمل على امتلاك الحقيقة قصد تجاوزها. إن للجنس قواعد خاصة، وحداً تاريخياً باعتباره جزءاً من الذاكرة الجماعية، يعود إلى الماضي حيث يصبح أكثر ارتفاعاً وتعقداً.

إذا كان باختين يرجع دائماً إلى الرواية، فلأنها حسب تصوره ليست كباقي الأجناس الأخرى، إنها مزيج من الأجناس وقد تكون أطروحة لكل الأجناس الأخرى الموجودة قبلها، إنها الجانب السلبي الذي هيمن على كتابات باختين. ونأخذ نموذجين من منهجه، يتعلق الأول بتحليله لرواية المغامرات، والثاني يرتبط بدراسته أشكال الزمن والكرونوتوب في الرواية (الجمالية ونظرية الرواية). إن رواية المغامرات الأوروبية التي تتمحور حول فكرة المعاناة منذ رواية –الفروسية– مروراً بالسرد الملحمي والرواية الإغريقية، وصولاً إلى الرواية المسلسلة لبانسون دوتيغال. ويمكن أن نجد أشكالاً أخرى من الرواية –المعاناة– في الأعمال الإغريقية اللاتينية وأزمتها المرحلية والجيلية. إن فكرة المعاناة لا تساهم في فكرة التطوير (كما هو الشأن في التشكيل الألماني)، إذ لا يتغير البطل بل يكون مستعداً، يتهيأ لمثالية معينة، إن المغامر يكون أجنبياً عن القواعد الاجتماعية المألوفة عن مفهوم الكرونوتوب بمعنى تعالق الزمن والفضاء، يرتبط في الوقت نفسه بالشكل والمضمون، ويبني المؤشرات الفضائية والزمنية في نوع من الوضوح الملموس، كما تعمل على إعادة الاعتبار لكل حكاية في الرواية الغربية، وكذا الشأن في الرواية الإغريقية المرتبطة بالمغارات والمعاناة (القرنان الثاني والسادس) واللذان نادراً ما نمثل بهما.

حدد باختين خطاطة نمط لهذا الجنس من الرواية كالتالي: شاب وشابة يفترقان يلتقيان يتيهان عبر أسفار متتالية وأحداث مكثفة، تبرز مجموعة اختفاءات، أعاصير، غرق، مواجهة القراصنة، اتهامات كاذبة، خيانات مغلوطة، دعاوى، صراعات بين أصدقاء وأعداء غير منتظرة، تنبؤات، وصولاً إلى الزواج النهائي. إن الأفق الجغرافي هنا جد واسع يتكون من ثلاثة إلى خمسة بلدان مفرقة بالبحر، وتوصف بشكل موصف، السرد في هذا الإطار مجزأ ويؤدي إلى تراتبية؛ مثالي ديني فلسفي سياسي علمي بالنسبة إلى المصير إيروس.. إلخ.

إن خطابات الشخصيات تكون جد مهمة تتمركز بين بلاغة متأخرة ومحاولات موسوعية وظفت الرواية الإغريقية وعمقت في بيتها كذلك جل أجناس الآداب القديمة، وحددت الكرونوتوب بشكل جديد باعتباره عالماً غريباً في زمان المغامرات، هذا الزمان لا يخضع لتصور بيولوجي جزئي مدته غير متراكمة هي عبارة فقط عن أيام، ليال، ساعات، لحظات محددة بشكل تقني في حدود كل المغامرات.

إن المدة الزمنية لهذه المغامرات جد مهمة، لكن غير محددة ولا تأخذ بعين الاعتبار عمر الأبطال، إذ لا شيء يتغير لأن البنية الداخلية لزمن المغامرات توضح ذلك، فمتوالية لمجموعة معينة توازي مغامرة معينة، الهروب، الوقوع، اللقاء، وكلمات تتعلق بها فجأة.. إلخ. والتي ترتبط بالصدفة الخالصة، أو القطعية المفاجئة.

ومن جهة أخرى، فإن زمن المغامرة جد ممدد: يوم، ساعة.. إلخ، وهذا ما يجعله دائماً قطعياً وحتمياً، إن المغامرات نفسها ترتبط الواحدة بالأخرى عبر متوالية زمنية ولانهائية، لأن جل حركات هذا الزمان اللانهائي محكومة بقوة واحدة، الصدفة إنها أكثر من المتوالية العملية المرتبطة بالأسباب والأفعال، تترك المكان للقوة غير الإنسانية الحتمية الإلهية، المجرمين.. إلخ، حيث يمتلكون المبادرة بدلاً عن الأبطال. إن إنسان المغامرة الحقيقي هو إنسان الصدفة، وأحداثها يتعذر التنبؤ بها من خلال الواقع، لذا ترتبط بالكهان والرؤى، يبيّن كذلك باختين كيف أن التيمة الأساسية لروايات المغامرات ترتبط بلقاء معين ينظم التركيب، العقدة، الحبكة، نقطة البلوغ، الأوج، الحل، ولهذا علائق مباشرة مع تيمة الفراق الهروب اللقاءات المعرفة التيه الزواج وفضاء الطريق والسفر يتحقق الزمن في هذا الفضاء المجرد لفن الرواية، هذا الأخير يتطلب فضاء واسعاً لكي تتطور المغامرة، لكنه عبارة عن امتداد مجرد، إن الفضاء بالنسبة إلى الرواية الإغريقية يشبه الزمن لكونه مجرداً كذلك، حيث يكون الزمن معكوساً والفضاء قابلاً للتبديل، فصورة الإنسان تتراجع، أما الموضوع الفيزيائي فثابت ويعمل على تغيير الفضاء، ويتميز كذلك بإيمانه بالصراع ضد الطبيعة والقوى غير الإنسانية.

إن فكرة المعاناة تمتد إلى القرن العشرين، أما فكرة الحب فمحورية كذلك، كل شيء يتعلق به حتى الحرب، فالأحداث السوسيوسياسية لا تأخذ معناها إلا عن طريق العلاقة مع أحداث الحياة الخاصة، حسب المنهج نفسه قام باختين بدراسة نمط ثان من الرواية يتعلق الأمر برواية المغامرة ورواية الأخلاق نجد فيها في الوقت نفسه، كما في LANE DOR نوعاً من التحول والطريق يربط هذا التحول بالمعتقدات الشرقية والأدب الشرقي، حيث يشكل القدر الشخصي للإنسان ولحظات أزمته الأساسية من خلال السؤال الثاني: كيف يمكن لرجل معين أن يصبح رجلاً آخر، وعلى الرغم من محدودية سلسلة المغامرات بسلسلة أخرى تعمل على احتوائها وانضمامها تنطلق من الخطيئة إلى العقاب قصد التطهير إن هذا مبني على مسؤولية الإنسان في حين تصبح هذه المتوالية غير قابلة للعكس.

يرتبط الكرونوتوب بهذا المعنى بطريقة الحياة.
إن الرواية الفرنسية خلال العصور الوسطى، تخضع لنفس معايير رواية المغامرات الإغريقية، خاصة ما يتعلق بالزمن هذا الأخير يكون مجزأ حسب أجزاء المغامرات، وحسب تقنية مجردة كذلك إن برهان إثبات هوية الأبطال خاصة المتعلقة بالإخلاص للحب وسر الفارس تلعب الدور المنظم (كما هو الشأن في العالم الروائي)، حيث نجد خصائص التشخيص التي يتعذر تجاوزها: موت وهمي، معرفة، إنكار، تغيير الاسم، لعب أكثر تعقيداً مثلاً ترتسان LES DEUX ISOLDE TRISTAN ومجموعة الخوارق المستقاة من الحكايات الشرقية يصبح السفيه مألوفاً، لكن بدل الصدفة (كما هو الشأن عند الإغريق) يرتبط هنا بالعجيب (الخوارق، السحرة، القصور، المسحورة.. إلخ) إن المغامرات لا تحمل السلب فقط، فقد تقدم الإيجابي للبطل، فالاكتشاف يمجد البطل، ويجعله مجداً للآخرين:
السيد، السيدة.. إلخ، لكونه يقترب من المغامرات الملحمية، إن كرونوتوب الرواية الفرنسية هو عالم العجائب، في زمن المغامرة يصبح الزمن سحرياً، لكنه بارز الشكل إلا أنه يتجاوز بعض المراحل بكاملها، وهذا ما لم يستطع الإغريقيون القيام به، كما يعرف الفضاء تحريفاً ذاتياً وعاطفياً، يشير باختين في تاريخ الرواية، إلى وجود أنواع أخرى من الكرونوتوب: اللقاءات، الطريق (مثال الدون كيشوت) الرواية البيكارستية: فعند والترسكون القصر، الصالون. عند بلزاك وستندال المدينة الصغيرة (مدام بوفاري)، العتبة LE SEUIL إن الكرونوتوب هو البؤرة التنظيمية للأحداث الأساسية المكونة لموضوع الرواية.

إن شعرية باختين التاريخية والتي تحمل نفس التصور الألماني، هيمنت خلال حقب عدة وعلى آداب عدة، تقدم الأشكال باعتبارها مضامين والعكس صحيح: إنها أقل اهتماماً بالشكل، بالتصور النظري، ببناء التصورات، يتجاوز بذلك جفاف تصورات الشكلانيين. ويحاول الحفاظ على غنى وحياة الأعمال التي يتناولها. كما يهتم بتحليل الكاتب والبطل والرواية التعليمية في تاريخ الاتجاه الواقعي. تعطي نماذج معينة (رواية السفر، رواية المعاناة، رواية السيرة الغيرية..) جمعت هذه الدراسات في الجمالية والإبداع اللفظي (موسكو 1979 غاليمار 1984).

النص عن :
JEAN YVES TADIE
POETIQUE DU ROMAN) IN(LA CRITIQUE LITTERAIRE AU XX
SIECLE 1ER ED. BELFOND.PARIS 1987. P.DE 232 A 25
جان إيف تادييه: ولد عام 1936 بفرنسا. من أهم نقاد الأدب فيها. درس في المدرسة العليا.
دكتوراة الدولة في الآداب. يعمل في جامعة السوربون الجديدة.

من أهم أعمالـه:
مدخل إلى الحياة الأدبية في القرن التاسع عشر، بورداس 1970. بروست والرواية، غاليمار 1978. الرواية والمغامرات، بيف 1982. القصة الشعرية، بيف 1978.. إلخ.