مجتمـع المعرفـة المُخاتل
لعبة الاتصال العالمية غيرت المكان والزمان

 

د. عبد العليم محمد إسماعيل علي

تغيّرت البيئة الحديثة تغيراً بنيويا؛ فارضةً على جميع الهويات الثقافية الدخول في لعبة الاتصال العالمية، وهي لعبة غيرّت كثيراً في المكان والزمان والوعي والعلاقات؛ حيث عملت على تمزيق الكيانات المتماسكة، وتغيير مسارات الذوات؛ بإتاحة خيارات لم تكن متاحة في العوالم السالفة. ولكي نقي أنفسنا من هذه الزلازل التي فجرتها البيئة الحديثة، لابد من توظيف كل الفرص المتاحة أمامنا. فقد استطاعت دول مثل اليابان أن تتجاوز محدودية الإمكانيات المادية؛ فترسم خطا في التعليم والمعرفة وبناء المؤسسات أهلها أن تكون نموذجا حقيقياً لما اصطُلح عليه «مجتمع المعرفة».

مفهــوم المعرفـة وتحولاتها
إذا تجاوزنا الدلالة اللغوية لكلمة (معرفة) فإننا ندخل حقلاً مربكاً؛ وذلك لارتباط المفردة بتاريخ طويل، ووجهات نظر متباينة بتباين المنطلقات الإيديولوجية.

هذا، وقد أرجعت الموسوعة العربية كلمة «المعرفة» إلى «logos» بمعنى (العلم)(1) إلا أن الكلمة ذات الجذر اليوناني لاتقف عند حدود دلالات هذه المفردة، فدائماً ما ترد كلمة ( معرفة) مركبة مع غيرها لتفيد العلم؛ مثيولوجي، فيلولوجي... إلخ، وتطورت بهذا المعنى من التجريد الفلسفي إلى المعرفة الوضعية القياسية.

والمعرفة فرع من الفلسفة يتعرض لثلاث مشكلات رئيسية، هي: أصل المعرفة وطبيعتها (الابستمولوجيا)، طرائق تحصيلها وأسس هذا التحصيل، ويختص ببحثها علم النفس، طبيعة مناهج البحث وشروط سلامتها من الخطأ، ويختص ببحثها علم المنطق(2).

وتوسع مفهوم المعرفة لتصير منهجا يطال قواعد النظر إلى جملة معطيات العالم؛ وهي، من هذه الوجهة، تمتلك آلات نقدية ومنهجية صارمة، ولا تقتصر على التطبيقات التقنية وحدها؛ بل تشمل كل المخزون المعرفي والثقافي الذي يعزز التنمية الإنسانية(3).
وفي حقل الممارسات الثقافية الاجتماعية ـ السيميائية؛ فالمعرفة كلها مسألة وظيفية تنتج عن ممارسة التمثيل التي ترتبط بسياقات إيديولوجية محددة(4).

ومع تطور حركة الكشوف العلمية في العلوم الطبيعية، ومحاكاة الدراسات الإنسانية للنزعة الوضعية في منهج العلم، وتدخل التكنولوجيا في تشكيل البيئة الحديثة بصفة عامة والمعاصرة بصفة خاصة، فإن تغييراً عميقاً قد طال مفهوم المعرفة باعتبارها نشاطاً عقلياً تأملياً؛ فاقترب المفهوم من البعد الوظيفي لنتائج ممارسة البشر في الحصول على تفسير عوالمهم وتقييمها، وتوظيف معطيات البيئة المادية والبشرية من أجل تحقيق الأهداف الإنسانية المنشودة، فقد أصبح مفهوم المعرفة هو المحصلة النهائية لعملية المزج بين الثقافة العالمية والخبرة الإنسانية المتطورة(5).

ونتيجة لهذا التحول فقد أصبحت المعرفة قريبة من عالم الناس؛ تكشف لهم مسارات التقدم، وتساعدهم على التصرفات المضبوطة في التعامل مع معطياتهم؛ وذلك من خلال إصدار الأحكام، وبناء القرارات في عالم مضطرب ومتقلب(6)، وهي، بذلك، عملية تراكمية تبدأ من البسيط إلى المعقد، وتستند إلى القياس وعدم التناقض(7)، وتستبعد كل ما لا يدخل في نطاق الخطط التي تقبل التقدير الكمي والبرمجة. فقد أصبحت المعرفة، كما يذهب شايقان، تعني السيطرة الشاملة على الإنتاج؛ وذلك من خلال التعامل مع العالم انطلاقا من العلاقات الرياضية ـ الفزيائية، والنظرة إلى الإنسان باعتباره مادة أولى للإنتاج ومادة للاستهلاك في ذات الوقت(8). وبهذا تجاوزت المعرفة دلالتها المرتبطة بالفعل الذي اشتقت منه؛ لتتحوّل إلى عملية متكاملة تشمل مجمل البنى الرمزية التي يحملها الإنسان أو يمتلكها المجتمع في سياق دلالي وتاريخي محدد، وتعمل على توجيه السلوك البشري، في كافة مجالات النشاط الإنساني(9).
وبدخول المعرفة إلى الفضاء الحاسوبي فقد بلغت موقعاً يصعب فيه إحداث قطيعة معها؛ فأصبح كل تقدم معرفي هو تقدماً في خط سيرها، واكتشافاً وتبدلات في آلياتها، فتجاوزت كثيراً من مفاهيم نظرية المعرفة عن المعرفة وسياقاتها، وأصبحت عبارة عن حصيلة آمنة تستطيع الوقوف بمعزل عن الصراعات التي أنجزتها، كذك تجاوزت عمليات السلطة والانفعالات السياسية والسياقات المؤسساتية للمنتجين لها؛ كما تحررت من الاحتكار إلى الوظيفة(10).
ونتيجة للتحولات العميقة التي حدثت في وسائل المجتمع الحديث، وتطور آليات الإنتاج والتفسير- فقد صارت المعرفة أقرب إلى الممارسات المنهجية المتبعة في وضع الخطط والتفسير والترفيه داخل المجتمع؛ لذا فقد أصبحت المعرفة لا ترد اسما مفردا؛ فغالبا ما تأتي مضافا إليها (مجتمع المعرفة)؛ فأصبحت من أهم مفردات البيئة المعاصرة ومعطياتها: ثورة المعلومات، تقنيات الاتصال،، الهندسة الوراثية، الرياضيات، علوم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الاقتصاد، اللغة.

مجتمـع المعرفــة
شهد العالم تحولات متسارعة وعميقة في ظل الكشوفات العلمية في العصر الحديث، تحولات في مفاهيم المجتمع وإدارته وتنظيمه. وقد عملت التكنولوجيا السلمية على إرساء أسس متينة أسهمت في استقرار المجتمعات الغربية إلى حد بعيد؛ وساهمت في إيجاد الفرص الكبيرة للإبداع والتقدم؛ فتطورت معظم القطاعات. وكان بناء المؤسسات وسيادة القانون والاستقرار السياسي ـ من أهم العوامل التي ساعدت الغرب في تحقيق حالة من التوازن الاجتماعي في الداخل؛ ولعب أدوار أساسية في تشكيل العالم؛ فتأسست معظم المؤسسات الدولية في جغرافيته، وتكونت التجمعات الاقتصادية والتحالفات السياسية، وتشكل أكبر معسكرين بتوجهين سياسيين واقتصاديين مختلفين؛ فسرّع هذا الاختلاف وتائر الاكتشافات التقنية وإنتاج المعلومة والتحكم في ضبطها وأمانها وتوزيعها، وهذا ما شكّل النواة الأساسية لما عرف، لاحقا، بمجتمع المعلومات. وفي ظل هذه التحولات تقاربت الشعوب، وتطورت وسائل الاتصال والنقل والإنتاج وأساليب العرض وسوق العمل والمال، وازداد حجم التبادلات الاقتصادية والثقافية والسياسية بين شعوب العالم، وبدأ التشكل الجديد لإدارة عالمية يقترب من تشكيل القوانين الدولية ومنظماتها؛ فتبلورت منظمة الأمم المتحدة كإدارة عالمية للعالم، ومجلس الأمن الدولي وصندوق النقد الدولي، كما تشكلت التجمعات الاقتصادية الكبرى والشركات العملاقة، وتكسرت كثير من الحواجز الزمانية والمكانية، وبدأ الحديث عن العولمة والنظام العالمي يأخذ حظاً وافراً في الاقتصاد والسياسة والثقافة.

وفي سبعينيات القرن العشرين تغيرت أنماط عدة في الفنون والآداب والتعاملات الاقتصادية وحياة المدن العالمية الكبرى. وبدأت تظهر مصطلحات(11): ما بعد الحداثة، ما بعد التصنيع، موت الفلسفة...إلخ. وفي تسعينيات القرن العشرين حدثت تحولات مهمة في السياسة العالمية والاقتصاد وتكنوجيا الاتصالات وعلوم البايولوجي ...إلخ. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى بروز سياسة القطب الواحد؛ فبدأت أمريكا تروج لمفهوم سياسي جديد لإدارة العالم، فتبلور مصطلح النظام العالمي الجديد، ومصطلح العولمة، والمجتمع الشبكي، ومجتمع المعلومات، ومجتمع المعرفة...إلخ.

والباحث في مجتمع المعرفة تواجهه إشكاليتان أساسيتان؛ الأولى هي شح المراجع؛ فمعظم ما كتب عبارة عن مقالات وتقارير، وقليل من الكتب ذات الأهداف المختلفة. أما الإشكالية الثانية فتتمثل في الخلط بين مجتمع المعرفة، ومجتمع المعلومات، وهذا يدل على أن الحديث عن مجتمع المعرفة هو حديث عن حالة آخذة في التشكل؛ حالة تتفاوت حظوظ محاورها في الاهتمام الدولي والعالمي، وتتفاوت شروط تكونها بين المجتمعات البشرية.

لم تشر كثير من المراجع الغربية إلى مصطلح مجتمع المعرفة، إلا أنها وصفت المجتمع المعاصر وصفا تجاوز حدود المصطلح إلى روحه. ومن أبرز كُتّاب الحضارة الحديثة الذين كتبوا عن التغيرات الكبيرة في البيئة المعاصرة ـ نجد «ألفن توفلر» الذي تحدث عن تغيرات عنيفة يشهدها العالم؛ تغيرات تتطلب، في رأيه، استجابات سريعة؛ لأن إحساس الناس بأنهم يتحركون بعجلة متصاعدة ضد موجات المد العاتية يفرض عليهم ذلك(12).

تحدث «توفلر» عن وضع جديد تشهده المجتمعات الأمريكية؛ وقد أطلق عليه مصطلح (الموجة الثالثة )، وهي حالة اقتصادية واجتماعية تجاوزت المجتمع الصناعي (الموجة الثانية) الذي يعتمد على المصنع، وقد بدأ دوره يضمحل باعتباره آلية توحيد قياسي يقوم على التنميط والمركزة والزيادة المفرطة والروتينية. فقد تجاوزت الحضارة الأمريكية، في رأي توفلر، هذا النمط إلى مجتمع (الموجة الثالثة) الذي تتمثل خصائصه في الآتي(13):
أ‌- يتأسس مجتمع الموجة الثالثة على مبادئ اقتصادية جديدة، ويحدث في أماكن جديدة لا تكاد تشبه المصنع؛ وكثير من إنتاجه يجري في المنازل والمكاتب والسيارات والطائرات.

ب‌ - يشجع اقتصاد الموجة الثالثة نوعية من العمالة المختلفة عن عمالة الموجة الثانية؛ فهي عمالة تفكر وتطرح الأسئلة وتبتكر، وتخاطر مخاطرة صاحب العمل.

ت‌- تعتمد الموجة الثالثة على القوة الذهنية التي تؤدي إلى التنوع في المجتمع، فالإنتاج الكومبيوتري جعل تنويع أساليب الحياة أمراً متيسراً.

ث‌ - تلعب كثافة الإعلام دوراً مركزيا في مجتمع الموجة الثالثة؛ إذ يعمل الإعلام على تفكيك الكتل الكبيرة في ميادين الثقافة والقيم والأخلاق.

ج ‌- استحدثت الموجة الثالثة أشكالاً جديدة لشغل أوقات الفراغ، وابتكرت أساليب فنية وحركات سياسية جديدة.

ح ‌- يتسم مجتمع الموجة الثالثة بأنه مجتمع التنوع الاجتماعي، وهو تنوع ينسف التنظيمات شديدة المركزة.

خ‌ - سيادة القطاع الخاص، فمجتمع الموجة الثالثة يعول كثيراً، على القطاع الخاص في البعد الاقتصادي، ويتحرك بسرعة تفوق، في رأيه، سرعة الصوت.

د‌- إعادة دور الأسرة: يقول توفلر: تأتي الموجة الثالثة لتعيد للأسرة والمنزل مهمات ونفوذاً. إنها تعيد كثيراً من الوظائف المفقودة التي تجعل للمنزل مكانة مركزية في المجتمع. فاليوم يقدر عدد الأمريكيين الذين يقومون بجزء من عملهم في المنزل بثلاثين مليوناً؛ مستخدمين الكومبيوترات أو الفاكسات، أو غيرها من التكنولوجيات.

هذه الخصائص العامة التي ذكرها «توفلر» في كتابه «بناء حضارة جديدة»، نجدها تتكرر عند كثير من الكتاب الغربيين. فبينما تحدث «توفلر» عن الموجات (الأولى والثانية والثالثة) نجد «فريدمان» في كتابه «العالم مستوٍ» يأخذ، أيضا، تقسيماً ثلاثيا؛ فقد تحدث عن وجود ثلاث فترات حاسمة في العصر الحديث (العولمة1 والعولمة2 والعولمة3): (ولهذا أحاول في هذا الكتاب البرهنة على أننا دخلنا حقبة جديدة بالكامل عند العام 2000م، وهي العولمة3، وهذه الحقبة من العولمة التي قلصت العالم من حجمه الصغير إلى حجم شديد الصغر، وتسوى حقل اللعب في الوقت نفسه...)(14). وقد قسم تحولات المجتمع إلى ثلاثة أوضاع: العولمة الأولى: وهي عولمة البلدان، العولمة الثانية: وهي عولمة الشركات، العولمة الثالثة: وتمثلها قوة الأفراد المكتشفة حديثا، أفراد يمتلكون قدرات عالية على التعاون والتنافس عالمياً، ويعينهم على تحقيق ذلك القدرة البرامجية والتطبيقات الجديدة المرتبطة بابتكار الشبكة العالمية ذات الكابلات الضوئية التي جعلت البشر في حوار مفتوح.

أما فرانك ويبر فقد أطلق على هذه المرحلة التي يعيشها العالم مصطلح (المعلومات)، وهي في رأيه، مرادفة لـ (مجتمع المعرفة) الذي هو تعبير عن مرحلة ارتقائية من مراحل التطور الذي تحقق حتى الآن، وهي حالة مجتمع تضم سكاناً مطلعين. ويتميز عصر المعلومات، في رأيه، بالتفاوت الكبير في الوصول إلى المعلومات، وأن مشكلات عصر المعلومات لا تكمن في سوء توزيع الموارد المادية، وإنما في قضية الوصول المتفاوت للمعلومات، مثل: التعليم، المكتبات، تسهيلات الانترنت...إلخ. ويكمن الحل لتلك المشكلات في الوصول المتعادل للمعلومات(15).

أما بول هوبر في كتابه «نحو فهم للعولمة الثقافية» فقد استخدم ذات المصطلحات التي اعتمدها «توفلر»؛ إلا أنه لم يقصر تحليله على البعد الاقتصادي وحده؛ فقد توجه إلى وصف حالة العالم في تحولاته ما بين الاقتصاد والسياسة والفكر، وقد اتخذ منهجه طابعاً وصفياً أكثر منه معيارياً:

1 - الموجة الأولى: يرى أنها تتمثل في الاقتصاد العالمي والأسواق المفتوحة، وانهيار الحدود القومية وعولمة الاقتصاد والتجارة، وحركة رأس المال والمعلومات والبشر والاستثمار العالمي، والمؤسسات متعددة الجنسيات، والمتضمنات الثقافية. وتمثل هذه التطورات، في رأيه، تحديات كبرى للدولة- الأمة؛ إذ إنها تسهم في تقييد استقلالية الحكومات في إدارة سياستها واقتصادها(16).

2 - الموجة الثانية: وهي مرحلة الاقتراب من العولمة التي تقودها الرأسمالية، وتتمثل في رأي بعض اليساريين، في كونها مرحلة تمثل توسع الرأسمالية باسم العولمة، وهي مرحلة جدل سياسي وفكري تذهب فيه بعض الأصوات إلى أن النظام العالمي مستمر في خضوعه لدول تمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية كبرى، أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، فالتجارة والاستثمار والتدفقات المالية مركزة في ثلاث بيئات فقط، هي: أوروبا، اليابان، أمريكا الشمالية؛ لذا فإن وصف هذه المرحلة بمرحلة التثليث (أوروبا، اليابان، أمريكا) أصوب من وصفها بالعولمة.

3 - الموجة الثالثة: وهي وصف للتطور غير المسبوق في التدفقات الاقتصادية والثقافية، ومستويات أعلى في التواصل الكوني الناتج عن قوى الحداثة مجتمعة، وهذه الموجة تمثل مرحلة (العولمة) التي هي عملية تحويلية قوية ومعقدة وغير نهائية، وهي مسؤولة عن إحداث تحولات كبرى داخل المجتمعات والنظام العالمي.

جميع هذه الاتجاهات تمثل التأطير الاقتصادي والفكر السياسي لتلك البيئة المعاصرة بتداخلاتها. وقد وصف بعض المفكرين الغربيين هذه المرحلة بمرحلة «ما بعد الحداثة». فقد فرق «تيري ايجلتون» في كتابه «أوهام ما بعد الحداثة» بين مصطلح «ما بعد الحداثة-POSTMODERNISM» التي اعتبرها نوعاً من الثقافة المعاصرة و«ما بعد التحديث –POSTMODERNITY» الذي يشير، في رأيه، إلى فترة معينة يتسم فكرها بالآتي(17):
1 - التشكيك في المفاهيم التقليدية عن الحقيقة والعقل والهوية والموضوعية.

2 - التشكيك في فكرة اتجاه العالم نحو التقدم والتحرر.

3 - العالم مجموعة من الثقافات غير الموحدة.

4 - العالم مجموعة من التغيرات التي نتجت عن التحول التاريخي في الغرب؛ فأدّت إلى شكل جديد من الرأسمالية (عالم التكنولوجيا العرضي بسلطة شمولية، وعن الاتجاه الاستهلاكي، والحضارة الصناعية التي ازدهرت فيها الخدمات والتمويل والمعلومات).

أما الدراسات العربية التي تناولت مجتمع المعرفة فقد تباينت ما بين التقارير والمقالات الصحفية والأنترنت والكتب. وقد جمعت ما بين وصف حالة المجتمعات الغربية وأشواق الأمة العربية لتلمس طريق التقدم والتطور. كما أنها سعت إلى تعريف مجتمع المعرفة؛ مع تحديد الخصائص والمتطلبات اللازمة لإنجازه.

ومن أهم المصـادر التي تحدثت عن مجتمع المعرفة بشيء من التفصيل: « تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام2002م» فقد ورد فيه أن «مجتمع المعرفة» هو مصطلح يطلق على الطور الراهن لمسيرة البشرية؛ كما يتجلى في المجتمعات البشرية الأكثر تقدماً، وهو مجتمع يستند في أسسه إلى المعرفة؛ من حيث نشرها وإنتاجها وتوظيفها في جميع أنشطة المجتمع(18).
وقد ذهب د.المنصـف ونـاس إلى أن مجتمع المعرفة هو طبيعة تنظيمية ذات أبعاد وظيفية، وقدرة نوعية على التنظيم والتنظُّم، واستخدام الوسائل العقلانية في تنظيم المجتمع والتحكم في موارده، وحسن استثمار تلك الموارد وتوظيفها، فهو مجتمع يولي الموارد البشرية الاهتمام الأوّل في عملية التنمية الاقتصادية الجماعية، فهو مجتمع الثورات المتعددة المعاني والاتجاهات(19).

أما الدكتورة نجاح السعدي فقد ذهبت إلى أن مجتمع المعرفة هو مجتمع يتحدد مفهومة بطبيعة الوسائط المستخدمة في حل المشكلات والتخطيط؛ فهو مجتمع يعتمد المعلومات وتقنيتها والتكنولوجيا الحديثة. والمعلومة فيه مهمة لكل أفراده، وفي عملياته الاقتصادية والسياسية والعلمية والاجتماعية(20).

أما الموسوعة العربية فقد أوردت تعريفاً ركز على العلاقات البشرية باعتبارها أساس مفهوم المجتمع؛ وتأتي كلمة (المعرفة) مضافاً إليه لتصف سمات النشاط الفكري فيه، وطبيعة العلاقات القائمة، فمجتمع المعرفة هو (مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة؛ الذين يحاولون الاستفادة (الإفادة) من تجميع معرفتهم سوياً بشأن المجالات التي يهتمون بها، وخلال هذه العملية يضيفون المزيد إلى المعرفة، وهكذا فإن المعرفة هي الناتج العقلي والفكري لعمليات الإدراك والتعلم والتفكير)(21).

هذا وقد خلط بعض الباحثين بين مجتمع المعرفة ومجتمع المعلومات؛ وقد لحظ ذلك صاحب بن محمد في مقاله الصحفي: (أجد في الغالب خلطاً بيّناً عند بعض الناس بين مصطلحين؛ هما مجتمع المعلومات (information society) ومجتمع المعرفة، وفي بعض الأحيان يعتبرونهما وجهين لعملة واحدة)(22). وفي رأيه أن مجتمع المعرفة عبارة عن منظومة وحركة ودينامية في الفكر والإبداع والعمل؛ من أجل تحقيق التنمية. ونحن نرى أن مجتمع المعرفة عبارة عن مجموعة خصائص تقنية وفكرية وثقافية واقتصادية تجاوزت مفاهيم التنمية إلى مفاهيم الابتكار والإبداع والتنويع؛ فهو فرغ من مفهوم التنمية إلى قضايا الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. أما مجتمع المعلومات، في رأي صاحب بن محمد، فهو مجتمع مبني على التعاملات الالكترونية، واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دعم كافة أنشطة الأعمال التي تمس شرائح المجتمع، ويركز على ترابط شبكات الاتصالات، ويتيح للمعلومات سرعة التداول بسهولة تامة(23).

كذلك ورد التفريق بين مجتمع المعرفة والمصطلحات المجاورة، في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009م؛ فقد ورد في إحدى فقراته نصاً: (إن ارتباط مجتمع المعرفة بمفاهيم واسعة الانتشار كمجتمع المعلومات والاقتصاد المعرفي والمجتمع الشبكي والمجتمع الرقمي، ومجتمع التكنولوجيا لا يجعلنا أمام شيء واحد)(24).

ومهما قيل عن هذا الخلط فإن المعلومات لا تشكل مجتمعاً؛ فهي جزء من حياة المجتمع؛ وفي مجتمع المعرفة تمثل المعلومات الأساس الذي يُعتمد عليه في عمليات التحليل والتفكير وبناء القرارات وإصدارها، فمجتمع المعرفة هو مجتمع قدرات خلاقة وتصورات إيجابية عن الذات والعالم، وعلاقات دينامية وتكاملية.

وقد ذهب الدكتور علي حرب إلى وصف البيئة المعاصرة بأنها تحول في تقنيات العولمة وعملياتها؛ ويتمثل هذا التحوّل في أجهزة الحاسوب والانترنت، والكاميرات العملاقة؛ ويتجلي عبر الانتقال من الإنتاج الميكانيكي إلى الانتاج الإلكتروني، ومن المواد الثقيلة إلى المواد الناعمة، ومن إدارة الأشياء إلى إدارة المعلومات ، ومن فائض القيمة إلى القيمة المضافة، ومن العمل اليدوي إلى عمّال المعرفة الذين يقرأون الرموز والمعطيات المجردة على الشاشة. فهو عبارة عن تحول في وعي الإنسان ووسائطه التقنية العاملة في حقل الاقتصاد والفكر(25).
فعلي حرب يرى أن هناك انقلاباً كونياً في البيئة المعاصرة من خلال توظيف المعلومة. فالمعلومة هي البينة الرئيسية في أنظمة التفكير والعمل والبناء. وهذه العملية قد أدت إلى قلب قواعد اللعبة برمتها، كما بدلت العوالم التي نعيشها، وأوجدت نوعا جديدا من الروابط(26). وهذه العلاقات لا تقتصر ،في رأي علي حرب، على البعد الاقتصادي وحده؛ بل تشمل التبادلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية على نطاق العالم؛ فالعولمة عملية حضارية معقدة، وتحولات تاريخية ضخمة أدت إلى ابتكار طرائق جديدة في التعامل مع الواقع، وإلى نمط مغاير في ممارسة الوجود الفردي والجماعي(27).
ومع أن تقرير التنمية الإنسانية للعام 2009م يذهب إلى أن التحولات الجارية في العالم تكشف نوعاً من التزامن بين تشكيل مجتمع المعرفة وبروز ظاهرة العولمة؛ إلا أن القراءة المتأنية تكشف الخيط الرفيع الذي يفصل بينهما، فالحديث عن مجتمع المعرفة حديث عن حالة منجزة في سياق زمكاني محدد هو (الغرب)، وهو، أيضاً، وصف لمجموعة خصائص إيجابية يوظفها مجتمع ما في التعامل مع بيئته البشرية والتقنية والاقتصادية والثقافية... إلخ. أما العولمة، وإن أخذت تفسيرات إيديولوجية متباينة، فهي عبارة عن حالة سياسية اقتصادية تربط بين عدة مجتمعات؛ تسعى إلى تنظيم علاقاتها انطلاقاً من الأعراف والقوانين السياسية والاقتصادية والهيئات والمعاهدات الدولية؛ وذلك بغرض تحقيق أهداف متباينة بتباين قدرات اللاعبين في هذا النظام العالمي. ففي داخل العولمة نجد تفاوتاً هائلاً بين الدول والأمم في الاقتراب من تحقيق مجتمع المعرفة، وأن طابع علاقات العولمة تحدده موازين القوى التي تنحصر في دول بعينها.

ومن جهة أخرى فقد ذكرت التقارير الدولية: أن مجتمع المعرفة يستند إلى مرجعيّتين كبيرتين:
أ‌- النزعة الوضعية والحتمية التقنية للمسار التنموي والمعرفي، وبروز الثقافي باعتباره عنواناً لمرحلة قيد التشكل.
ب‌- التحديث السياسي الذي يتضمن مبادئ حقوق الإنسان الدولية وأسسه التي يرى فيها تقرير التنمية العربية مستوًى من الاختزال والتناقض والمفارقة.

ويذهب التقرير إلى أن تحقق مجتمع المعرفة يتطلب رافعتين أساسيتين، هما:

أ‌- ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية؛ باعتبار أن المعرفة خادم أمين للتنمية، والحرية عامل حاسم عند التفكير في الأطر الاجتماعية والسياسية؛ فهناك تفاعل قويّ بين توسيع فضاءات الحرية وبناء المعرفة.

ب‌- التلازم القوي بين مطلب التنمية وبناء مجتمع المعرفة؛ فالمعرفة تلعب دوراً بارزاً في تفعيل جهود التنمية المجتمعية التي تعمل على التغلب على الإمكانيات المحدودة التي تعيق توسيع الرفاه البشري وتعميمه(28).

خصـائص مجتمـع المعرفـة
يمكن تحديد خصائص مجتمع المعرفة في النقاط التالية:
1 - رأس المال المعرفي: أي، امتلاك كفايات معرفية في شتى المجالات، وامتلاك قدرات ذهنية خلاقة.

2 - استخدام التكنولوجيا الحديثة في تجاوز الإطار الزمكاني.

3 - توليد المعرفة وتقاسمها وحفظها واستعادتها، واعتبار المعرفة وتطبيقاتها المحك الحقيقي.

4 - الابتكار: يتميز مجتمع المعرفة بالقدرة الابتكارية؛ فهو مجتمع ينتج المعرفة.

5 - جودة التعليم: يتميز مجتمع المعرف بأن التعليم هو الركيزة الأساسية في التخطيط الاستراتيجي؛ وهذا ما أدخل اليابان في مجتمع المعرفة. يقول ناكوبتشي عن شعبه وقضية التعليم: (إن شعبنا لا يختلف عن الأمريكيين والأوروبيين، إن الأمر كله يتعلق بالتعليم أو نقص التعليم). ويتضح تطور اليابان السريع في كونها رصدت للتعليم، ما بين عامي (1906-1911م)، 43% من ميزانيات المدن والقرى.

6 - امتلاك القدرة التنظيمية التي تعمل على إنتاج المعرفة ونشرها؛ وذلك بسن القوانين المنظمة للعلاقات والأسس الإدارية؛ للابتعاد من التقديرات الشخصية التي تتأثر بمجموعة معطيات نفسية وتأثيرات إىديولوجية وغيرها.

مقومــات مجتمـع المعرفــة (29)
لبلوغ مجتمع المعرفة لا بد من وجود المقومات الآتية:
1- والقدرات الاستثنائية: لا بد من وجود قدرات إعلامية تسهم في التدريب على العمل الجماعي، والتواصل مع البيئة المحلية والعالمية؛ وتوظيف رأس المال الرمزي.

2 - التعلم المستمر، والتكيف مع المتغيرات العلمية والتقنية وتوظيفها.

3 - حرية الإعلام، وذلك بإتاحة المعلومات وتوفير سبل انسيابها.

4 - الشفافية والعدالة اللتان تجعلان من مبدأ التنافس عملية إيجابية.

محـددات مجتمـع المعرفــة (30)
ولكي يوصف مجتمع ما بأنه مجتمع معرفة، لا بد من النظر إلى المحددات الآتية:
1 - حيوية المنظومة، وتكون بإيجاد علاقة بين منظومة اكتساب المعرفة والنشاط المجتمعي؛ من أجل ترقية الإنتاجية في المجتمع.

2 - وجود دور بارز للدولة في دعم منظومة اكتساب المعرفة التي هي عملية تخطيط استراتيجي يعد من صميم الأمن القومي للدولة.

3 - وجود عقيدة بأن المعرفة والخبرة هما المحددان الجوهريان للإنتاجية والتنافس.

4 - القدرة على تحويل المجتمع من منظومة تضم بعض الأفراد العارفين إلى منظومة تتمحور بكاملها حول المعرفة وتوظيفها ونشرها في سبيل التقدم الاجتماعي.

5 - القدرة العلمية على إنتاج المعرفة.

6 - القدرة على توظيف رأس المال بكفاءة في إنتاج معارف جديدة.

7 - وجود مؤسسات مجتمعية فاعلة تحقق أهدافها المعلنة، وترسم الخطط الاستراتيجية.
المجتمع العربي ومجتمع المعرفة.

تبنى تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام (2009م) رؤية عربية لمجتمع المعرفة، وهي رؤية تسعى إلى بناء مجتمع تكون فيه المعرفة محصلة للجمع بين تقانات المعلومات والخبرة والقدرة على الحكم من أجل ترشيد الموارد، واستخدام الوسائل المتاحة لتحقيق النهضة، وتملك مكاسب التنمية الإنسانية31ـ 32-33.
هذا- وقد اشتغل المجتمع العربي في الفترات الأخيرة ـ كثيراً ـ بالسعي إلى تحقيق هذا المطلب، وقد حققت بعض البلدان العربية، مثل: قطر، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الأردن، البحرين، الكويت. ففي المملكة العربية السعودية نجد تقدماً واضحاً في مجال التعليم والجودة، وفي قطر نلحظ تقدماً كبيراً في الإعلام والتقانة والانفتاح على المجتمع العالمي، وفي الإمارات العربية المتحدة نلحظ تقدماً واضحاً في توظيف رأس المال الرمزي، وفي الأردن نجد التطور الكبير في نظام الجودة الشاملة؛ ولا سيما في مجال الصناعات الدوائية والعلوم الطبية وتقانات العلوم الطبية، وفي الكويت والبحرين نلحظ التقدم الكبير في المجال الثقافي والتعليم؛ وتقدماً مشوباً ببعض المشكلات في المجال السياسي.
ومع هذا التقدم المنظور والطموح العارم والرغبة الصادقة في السعي إلى تحقيق مجتمع المعرفة، إلا أن هناك عقبات كبيرة تواجه المجتمع العربي في طريقه إلى مجتمع المعرفة، وهي عقبات يتفاوت أثرها من دولة إلى أخرى، وأهم هذه العقبات:

1 - الاختلال الكبير بين ما تحقق في مجال التكنولجيا والتعليم والتقانة والتقدم السياسي والثقافي والفكري؛ إذ ظلت الحياة العربية تراوح مكانها منذ بدايات عصر النهضة دون تحقيق تقدم يذكر.
2 - وجود معيقات اجتماعية تتمثل في الصراع الفكري والثقافي والسياسي بين تيارات الفكر والسياسة في تحديد مسارات المجتمع؛ وطبيعة نظام الحكم.
3 - سيادة مناخ الاستبداد والفساد الإداري في كثير من بلدان العالم العربي.
4 - قلة المفكرين الذين يخوضون في قضايا جوهرية تتعلق بالتاريخ والواقع معاً، ويرجع ذلك إلى ضيق مساحة حرية الفكر.
5 - ضعف الإمكانات المخصصة لنشر المعرفة، ويصاحبها ضعف ثقافي ومعرفي في التعامل مع منتجات المعرفة؛ وبخاصة الفكرية والفلسفية والثقافية؛ ويرجع ذلك إلى انقلاب سلم القيم من العلم إلى المال؛ فكثير من مواطني العالم العربي ينظرون إلى مهن التعليم والثقافة نظرة متواضعة في تراتبية قيم المجتمع؛ وهذا ما أدى إلى وجود نقص تربوي كبير، بسب سهولة الحصول على المال من خلال الصفقات التجارية والمضاربات في أسواق المال وغيرها.
6 - ارتفاع سعر المعرفة والسلع المجسدة لها.
7 - تردي نوع التعليم المتاح، إذ لم نجد ربطاً تأسيسياً بين أهداف التعليم ومخرجاته التنموية؛ ويرجع جزء كبير من أسباب هذا التردي إلى ضعف ميزانيات التعليم في معظم البلدان العربية.
8 - ضعف التدبير الاقتصادي، وغياب الثقافة العصرية الفاعلة، وهشاشة التواصل الخارجي؛ فمعظم أفراد المجتمع العربي ينحصرون بين الأمية والتعليم الأوّلي.
9 - غياب الروح النقدية؛ فبناء مجتمع المعرفة يتطلب سيادة الروح النقدية بمفهومها الإيجابي، إلّا أن الثقافة المجتمعية تسيطر عليها روح الولاءات الضيقة والمحاباة والحشود العاطفية.
10 - محدودية الإمكانات الاقتصادية، وضعف الخبرات، وعنف الصراع الإيديولوجي حول مبادئ الحكم، وقوة الشركات العابرة للقارات والحدود القومية، والتفاوت الكبير في الاقتصاد والتقنية والإعلام والقوة العسكرية بين البلاد العربية والمركز الغربي.
11 - سيادة روح الاستهلاك في معظم الدول العربية، فمجتمع المعرفة لا ينبني، فقط بنقل التقنية؛ بل بإنتاجها وتوظيفها ونشرها، ولا بقبول التبعية باعتبارها أمراً واقعاً؛ بل بفك الارتباط، ولا بتسليع المعرفة؛ بل بأنسنتها.
12- عمق الصراعات في المحيط العربي، وانقسام الدول العربية في علاقاتها مع الخارج (أمريكا، إسرائيل، أوروبا، تركيا، إيران...إلخ)، وإحساسها بالتهديد الدائم؛ الأمر الذي جعل جزءاً كبيراً من ميزانية الدول العربية يتجه نحو الدفاع والأمن.
13 - انتشار العنف، ووجود مجموعات راديكالية في الصراع مع الغرب، وهي مجموعات ترى أن العنف هو الطريق الواجب اتباعه في مواجهة الغرب بصورة عامة، وأمريكا بصفة خاصة، وهذا الأمر كوّن رؤية سلبية عن المجتمعات العربية باعتبارها منطقة تولّد الإرهاب، فأثّر ذلك على نقل التكنولوجيا المتقدمة ومراقبتها.
14 - الموقع الجغرافي للمنطقة العربية، فقد ولد الموقع الجغرافي للبلاد العربية قيمة مزدوجة، فهو موقع استراتيجي يعج بالموارد؛ ولا سيما الطاقة التي أسهمت في النهضة العربية في دول الخليج بصفة خاصة، إلا أن هذا الموقع جعل منها منطقة صراعات عالمية؛ وذلك بسبب الممرات المائية المهمة، الطاقة، السوق الكبيرة، السياحة والعبادة...إلخ.؛ فقد شهدت- نتيجة ذلك- حروباً مكلفة، ودماراً هائلاً في البنيات التحتية (العراق، لبنان، فلسطين، اليمن، سوريا).

ومع هذه التحديات الكبرى والعوائق العديدة؛ إلا أن السعي إلى تحقيق مجتمع المعرفة هو الخيار الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة؛ من أجل بلوغ مجتمع المعرفة. وهذه التحديات من الضخامة بمكان، لذا لا بد من جهود مضنية ومتواترة لتجاوز هذه العقبات. ولبلوغ المراد لا بد من اتباع الخطوات التالية:

1 - بروز دور الدولة بصورة كبيرة وواضحة في رسم الاستراتيجيات، ووضع البرامج، وتحديد الأولويات. وأول خطوة هي وضع خطة للتحول من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ويكون ذلك، كما يذهب تشومسكي، بالاستعاضة عن الاستيراد عبر تدخل الدولة: (إن الاستعاضة عن الاستيراد، عبر تدخل الدولة، يكاد يكون الطريق الوحيد الذي اكتشف من أجل التصنيع، كما يلاحظ اقتصادي التنمية «لانس تيلر»: على المدى البعيد، لا يوجد انتقال إلى النمو الاقتصادي الحديث اسمه (دعه يعمل)، لقد تدخلت الدولة دائما لخلق الطبقة الرأسمالية، ثم، وبعد ذلك، تدخلت لضبطها، وبعد ذلك كان عليها أن تهتم بأن لا تستولي هذه الطبقة عليه)(32).

2 - التصالح مع الذات؛ ويقصد منه تفسير وجود الذات في المكان والزمان، وتحديد الأهداف، ومعرفة المشكلات، وتوظيف القدرات المتاحة، والمصالحة بين قوى المجتمع السياسية والاجتماعية ( السلطة والشعب).

3 - التصالح مع العالم وذلك بتحقيق التوازن في الحاضر.
من خلال هذا البحث نصل إلى أن مجتمع المعرفة هو مجتمع القدرات الإنسانية الخلاقة؛ القادرة على توظيف المعرفة في حل مشكلاتها المعاصرة. وهو مجتمع لا يعترف بمحدودية الإمكانيات الطبيعية؛ بقدر ما يركز على رأس المال البشري باعتباره الطاقة الحيوية في تحدي كافة المشكلات التي تواجهه.

المـراجـــع:
1 - الموسوعة العربية (WWW.ARAB-ENCY.COM)، مج1(العلوم الإنسانية- الابستمولوجيا)، ص78
2 - المرجع السابق، مج6، ص3168
3 - تقرير المعرفة العربي للعام 2009م (نحو تواصل معرفي منتج)،ط دارالفكر، دبي- الإمارات العربية المتحدة، ص33
4 - مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع. طوني بينيت وآخرون، ت. سعيد الغانمي، ط1. المنظمة العربية للترجمة. توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان،2010م، ص634
5 - تقرير المعرفة العربي للعام 2009م، ص26
6 - مجتمع المعرفة والإعلام، المنصف وناس(دكتور)، الإذاعات العربية، عدد4-2002، ص16
7 - التربية في عالم ما بعد الحداثة، ستوارت باركر، ت. سامي محمد نصار، ط1.الدار المصرية اللبنانية، 2007م،ص65
8 - أوهام الهوية، داريوش شايقان، ت. محمد علي مقلد، ط1. دار الساقي، بيروت- لبنان، 1993، ص42
9 - معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ص634
10 - المرجع السابق، ص633
11 - انظر كتاب (حالة ما بعد الحداثة)، ديفيد هارفي، ت. محمد شيّا، ط1.المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005م، ص19-145
12 - بناء حضارة جديدة، ألفن توفلر، ت. سعد زهران،ط1.مركز المحروسة للبحوث والتدريب- مصر، 1996م، ص 105
13 - المرجع السابق، ص105-110
14 - العالم مستوٍ (موجز تاريخ القرن الحادي والعشرين)، توماس ل.فريدمان، ت. حسام الدين خضور، مكتبة الإسكندرية
15 - معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ص641-642
16 - نحو فهم للعولمة الثقافية، بول هوبر، ت. طلعت الشايب،ط1. المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011م، ص17-20
17 - أوهام ما بعد الحداثة، تيري إيجلتون، ت. منى سلام،ط. مطابع المجلس الأعلى للآثار، 2000م، ص7
8.
18 - تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002(المعرفة والتنمية الإنسانية في مجتمع المعرفة؛ في البلدان العربية، ع2، ص 39 -40.
19 - مجتمع المعرفة والإعلام، ص18.
20 - التربية التكنولوجية ومجتمع المعرفة (ورقة عمل)، نجاح السعدي المرسي (دكتور) وهالة سعيد أحمد(دكتور)، المملكة العربة السعودية- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة أم القرى، ص5.
21 - مجتمع المعرفة، الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)،
(ar.wikipidia.org).
22 - مجتمع المعرفة، ماجد بن محمد الفته، صحيفة الرياض الإلكترونية)، 9 شوال1430هـ، ع15071.
23 - تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009م، ص27.
24 - حديث النهايات (فتوحات العولمة ومآزق الهوية)، علي حرب، ط2. المركز الثقافي العربي،الدار لبيضاء ـ المغرب، 2004م، ص31.
25 - المرجع السابق، ص12.
26 - المرجع السابق، ص39-40.
27 - تقرير المعرفة العربي للعام2009، ص25.
28 - مجتمع المعرفة والإعلام، ص22.
29 - تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، ص39-41.
30 - تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009م، ص 32-33.
31 - ســــ501ـــنة الغزو مستمر، نعوم تشومسكي، ترجمة مي النبهان، ط1 دار المدى للثقافة والنشر، دمش- سوريا، 1996م، ص180- 181.