فخار جلفار تاريخ وحضـارة

 

ناصر حسين العبودي

الفخاريات عبارة عن أوانٍ وأشياء أخرى مصنوعة من طين أو أي مادة أخرى مشوية بالنار وتسمى في علم الآثار مفخورة. هذه المادة تتصلب بفعل حرارة الأفران العالية، والفخاريات تأتي كاملة كأوانٍ وجرار وغيرها. إن الكثير يأتي على هيئة كسر مختلف الأحجام ومن مختلفة المناطق. وإذا ما قسمنا (كمثل) الآنية الفخارية من رأس (فوهة) وعنق وبدن وقاعدة فإن الكسر أو المسماة (الشقف) تكون وبشكل رئيسي من هذه الأجزاء الثلاثة، إضافة إلى أجزاء أخرى مثل القبضات والمسكات وبعض التفاصيل الأخرى الملحقة. وتعتبر الأواني الفخارية أو أجزاء هذه الأواني ذات أهمية بالغة لعلماء الآثار الذين يعتمدون عليها في تقرير ماهية الموقع وأهميته وتاريخه واتصالاته وأماكن تصنيعه والمستوى التقني الفني لهذه الصناعة.

أصبح هذا النوع من الدراسات علماً متخصصاً ودقيقاً ويكون بالتخصص في فخاريات منطقة محددة أو حضارة معينة أو منطقة جغرافية محددة، أي أن التخصص يكون في فخاريات وادي النيل أو بلاد الشام أو وادي الرافدين أو الحضارة الصينية أو حضارات المايا والأنكا في أمريكا الجنوبية أو في المنتجات الفخارية لجنوب الجزيرة

العربية أو شمال غرب الجزيرة العربية ومناطق الخليج العربي تدخل فيها بلاد وادي الرافدين ودول مجلس التعاون وبلاد فارس ووادي السند وجنوب الجزيرة العربية، هذه الفخاريات لا تكون من مكان أو مصدر واحد، بل يلاحظ في موقع الآثار أن الفخاريات المستخرجة من هذه المواقع مختلفة الأحجام والأشكال والمقاييس والألوان، حيث تجمع بهدف الدراسة. ويمكننا القول إن التنقيب لمدة شهر واحد ربما يجمع آلاف القطع الفخارية المختلفة والتي يقوم علماء الآثار بغسلها وتجفيفها وفرزها وترميمها ورسمها وتصويرها تمهيداً لدراستها والتي ربما أخذت شهوراً أو أعواماً طويلة جداً ، وهذه الدراسة تفتح آفاقاً في غاية الأهمية عن ماضي هذه المواقع وعلاقاتها المحلية والخارجية وعن الحياة اليومية لسكان هذا الموقع وغيرها من الأمور، إضافة إلى المقارنات التي تعمل مع فخاريات متشابهة معها محلياًً وإقليمياًً ودولياً.
---

في الإمارات العربية المتحدة ومن ضمن التقارير العلمية التي وفرها علماء الآثار والباحثون في آثار الإمارات هناك حيز كبير ومحدد للمكتشفات الفخارية ونستطيع أن نقول إن فترة الخمسينيات من القرن الماضي كان بداية تعرف هؤلاء العلماء على تحديد الفترات الزمنية لهذه المواقع وعلاقات هذه المواقع مع المناطق الحضارية المجاورة في منطقة الخليج. ولا شك أن أول هؤلاء الباحثين هم من الغربيين الدنماركيين ثم البريطانيين، ثم أتى العرب في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وما زال الغربيون يمتلكون معلومات وافية عن الفخاريات المكتشفة في الإمارات، وأصبح هناك متخصصون فيها حيث بحثوا وكتبوا عنها، بل وصل الأمر إلى إعداد رسائل عليها في الماجستير والدكتوراه نوقشت في الجامعات الغربية. ولا بد أن نشير إلى أن اليابانيين دخلوا في هذا الموضوع. ويتمتع بعض العلماء اليابانيين باختصاص في الفخاريات الأثرية المكتشفة من الإمارات ومن دول أخرى خليجية والتي لها ارتباط مع الفخاريات والأواني المزجية العائدة إلى جنوب شرق آسيا في الأصل وكشفت هنا بالخليج.


من خلال الأبحاث والتنقيبات الأثرية التي تمت في الإمارات، تم تحديد فخار محلي مختلف الأشكال عثر عليه في مختلف البيئات الساحلية والصحراوية والجبلية، وجد في أقصى الشمال في رأس الخيمة وأقصى الجنوب في العين وفي الجزر وعلى رؤوس الجبال واختلفت أشكال هذه الطبقات من اللون الأسمر إلى الأبيض إلى الأصفر (الحليبي) إلى طينات صافية وأخرى مخلوطة ببقايا قواقع أو كسر صغيرة وقطع وكسر حجارة دقيقة ظهرت هذه الفخاريات منذ آلاف السنين حتى فترة جلفار الأخيرة

إن الدراسات التي قام بها هؤلاء العلماء أثبتت أن الفخاريات المكتشفة قديمة العهد وموغلة في التاريخ ويعود أقدمها إلى فترة »العبيد« حوالي أربعة آلاف عام قبل الميلاد. وموقع العبيد موقع في جنوب وادي الرافدين، حيث تميز صناع فترة العبيد بنوع مميز من هذه الفخاريات انتشرت في مختلف مناطق الخليج العربي. وعرف في المواقع المكتشفة فخاريات أخرى من وادي الرافدين ومن بلاد فارس ووادي السند كأقدم الفخاريات. وفي فترة لاحقة اكتشفت فخاريات محلية الصنع تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد واستمرت الصناعات المحلية عبر العصور وأصبحت واضحة في العصر الحديدي (الألف الأول ق.م). وأتت للمنطقة فخاريات من جنوب شرق آسيا وعلى رأسها الصين وفيتنام وبلاد التاي (تايلاند) وكمبوديا وبورما، ومن دول آسيوية مجاورة مثل فارس وباكستان والهند وسيلان وغرباً حتى من اليونان. وفي هذه الفترة التي تعود تقريباً إلى القرن 12م ظهر نوع من الفخار المحلي المميز، حيث سمي على اسم مدينة عريقة اكتشفت بالإمارات ألا وهي جلفار، إذ سمي باسم (فخار جلفار)، وجلفار منطقة واسعة في شمال الإمارات العربية المتحدة.

في البداية سمى وصنف علماء الآثار الفخاريات المكتشفة في الإمارات بخلاف الأجنبية بالفخار المحلي أي المحلي الصنع، وهذا الأسلوب يتخذ في الدراسة الأولية للفرز أي أن هناك فخاريات أجنبية معروفة وصلت بمختلف الطرق، وأن في بيئة الإمارات فخاريات محلية الصنع قام سكان المنطقة بتصنيعها بأنفسهم، وهذا مؤشر أيضاً على تعرف علماء الآثار على تصنيع محلي لأول مرة، ولكن هذا التقرير بمحلية الصنع ليس دقيقاً في معظمه كون الكثير من الفخاريات المصنعة في مناطق قريبة من الإمارات تتشابه في أشكالها وأحجامها وطينتها مع الفخاريات المحلية للدول المجاورة وبالأخص فخاريات عمان وبلاد فارس، عدا بعض الاختلافات البسيطة، وبذلك أمكن في فترة لاحقة فرز الفخاريات المحلية المتأخرة الفترة وتحديد الأصل الذي أتت منه وقد اعتمد في الفرز على الأشكال والنقوش والخطوط والطينة المتكونة منها فعرف العماني من الفارسي. وكما هو معروف فإلى عهد قريب كانت تأتي هذه الأواني والجرار الفخارية إلى الإمارات من هذين المصدرين وكان من السهولة على المواطنين فرزهما من شكلهما العام وكانت حتى الستينات من القرن العشرين من الصناعات المهمة وكانت مطلوبة من سكان الإمارات حيث كانت تستعمل في الكثير من شؤون الحياة العامة وخصوصاً في البيوت. وكانت هناك دكاكين وأماكن مخصصة لبيع الأواني الفخارية التي كانت تستعمل لحفظ وتبريد المياه العذبة، إضافة إلى أواني التخزين والطبخ وغيرها من الاستعمالات اليومية في البيت والسوق ومناطق العمل في السواحل والصحاري وعلى سطوح السفن.

صُنـع أوانٍٍ ومصنوعات أخرى من الفخار لا يتم إلا من خلال مادة رئيسية من الضروري توافرها في البيئة وهي الطينة المناسبة للفخر وبدون ذلك لا يمكن أن يكون هناك تصنيع، إضافة إلى الأشخاص المتمرسين ذوي الخبرة في التشكيل وعمل الأفران والحرق، وغيرها من الأمور التي تتطلبها هذه الصناعة. من خلال الأبحاث والتنقيبات الأثرية التي تمت في الإمارات تم تحديد فخار محلي مختلف الأشكال عثر عليه في مختلف البيئات الساحلية والصحراوية والجبلية، وجد في أقصى الشمال في رأس الخيمة وأقصى الجنوب في العين وفي الجزر وعلى رؤوس الجبال واختلفت أشكال هذه الطبقات من اللون الأسمر إلى الأبيض إلى الأصفر (الحليبي) إلى طينات صافية وأخرى مخلوطة ببقايا قواقع أو كسر صغيرة وقطع وكسر حجارة دقيقة، ظهرت هذه الفخاريات منذ آلاف السنين حتى فترة جلفار الأخيرة. ولا شك أن منشأ هذه الطينات ومكان تواجدها محلي من داخل الدولة، وقد وجدت هذه الطينات ذات الجودة والمناسبة للتشكيل والفخر على ضفاف الوديان والتي تغسل وتكون ناعمة بفعل جريان الأمطار التي تسقط على أراضي الدولة في فصل الشتاء وأيضاً في بعض المناطق صيفاً ونعتقد أن جل هذه الطينات هي من المنطقة الشمالية للدولة (رأس الخيمة) وأخرى من الفجيرة وأن طينة فخار جلفار حمراء وما زالت منطقة الحمرانية برأس الخيمة تتميز بطينة حمراء، حيث أعطتنا هذه المنطقة كمّاً كبيراً ومتنوعاً من الفخاريات، ويكاد يكون »وادي حجيل« المصنع والمزود الرئيسي لهذه الصناعات، حيث ظهرت على ضفافه ومناطقه القريبة بقايا كثيرة من القطع الفخارية المتخلفة من التصنيع الذي استمر قروناً كثيرة، وما زالت الأفران القديمة باقية للعيان مؤكدة على تاريخ عريق من الصناعات التقليدية للفخاريات ، ونعتقد أنه بجانب مناطق رأس الخيمة لا بد أن تكون هناك مناطق تصنيع وفخر للفخاريات في أنحاء متفرقة من الدولة، وذلك لتشابه الإمكانيات والظروف ولكن حتى الآن لا يوجد تأكيد على ذلك ويحتاج الأمر إلى المزيد من البحث والدراسة والمسح للمناطق المناسبة للتصنيع، فلماذا لا يكون تصنيع الفخاريات في العين (أبوظبي) ومناطق الساحل الشرقي مثل كلباء وخور فكان والفجيرة ودبا وفي مسافي، وقد عرفت مناطق قريبة للدولة أو بالأحرى متاخمة بصناعة الفخار ومنها بخا وليما في رؤوس الجبال والتي هي اليوم جزء من سلطنة عمان. وقد عرف (الفخار الميناوي) أي الآتي من ميناب في بلاد فارس قريباً من رؤوس الجبال بالقرب من رأس الخيمة وصناعات في مناطق أخرى من عمان الداخل ومناطق متفرقة من إيران هذه الصناعات قريبة من حيث التربة والتكنيك من الفخار المحلي الإماراتي.


لقد حدد فخار جلفار زمناً متوافقاً مع فترة ظهور مدينة جلفار وتكاد تتفق جميع البعثات الأثرية التي عملت بالمدينة على تحديد التاريخ بين القرن الرابع عشر الميلادي والقرن السابع عشر الميلادي، وهذا الزمن يتفق مع ظهور المدينة واختفائها من على التاريخ بعد أن كانت ذات شهرة إقليمية كبيرة، ولكن فيما يتعلق بالفخار والأبحاث التي تمت على مكتشفات المدينة يتضح أن الصناعات الفخارية لهذه المدينة ربما بدأت في القرن الخامس الميلادي واستمرت حتى القرن العشرين، وما زالت هناك صناعات حتى الآن على نمطها

كما ذكرنا أن الفخار ظهر منذ زمن طويل. إن هدف دراستنا مخصص لدراسة فخار جلفار الذي ثبت أنه يعود إلى فترة زمنية متأخرة في سلّم التاريخ الحضاري للدولة. وسمات الفخار المحلي لجلفار تتميز بأن طينته محلية صرفة أي من البيئة المجاورة للموقع وصنع عن طريق اليد والدولاب. أما ما يتعلق بالتصنيع عن طريق اليد فقد اتضح في بعض الأواني وبالأخص الجرار الكبيرة المسماة (الخروس) والتي جاء بعضها بارتفاع مترين، ونعتقد أن ذلك جاء عن طريق عمل الحلقات وهو إضافة أجزاء متتالية من الحلقات في أعلى الآنية حتى الفوهة، وجاءت هذه الصناعات بمختلف الأحجام والأشكال، والطينة كانت ملونة وقد طغى عليها اللون الأحمر القاني وتميزت بالحزوز الغائرة أو المضافة المعمولة باليد حتى لو كانت الآنية مصنعة بالدولاب وكشفت أغطية مفخورة لهذه الجرار، إضافة إلى دمى تمثل أشكالاً حيوانية والقليل من أشكال آدمية. وتميزت أواني جلفار بخطوط مرسومة باللون الأحمر وأشكال مختلفة أو كتابات، وقد كانت نادرة. والدمى المكتشفة عبارة عن أشكال لحيوانات البيئة صغيرة الحجم وبالأخص الجمل والحيوانات الأليفة والطيور، وكانت تصنع وتفخر وتستعمل كعرائس للأطفال، وهي شائعة الاستعمال في مناطق العالم المختلفة ومنذ أقدم العصور وتسمى (التراكوتا).

إن المصنوعات الفخارية من الجرار والأواني أتت على عدة أشكال منها الجرار الكبيرة المسماة الخروس التي كانت تتخذ لخزن المواد الغذائية والتمور ولحفظ الماء وأغطية هذه الجرار، تليها جرار متوسطة الحجم وقدور للطبخ وإعداد الأكل وأغطيتها، ونصف جرار مثقوبة استعملت كتنانير (أفران) وأوانٍ صغيرة وطويلة وصحون عميقة ومسطحة قليلة الغور وكؤوس وفناجين لشرب القهوة وأواني (دلة) لإعداد القهوة وأباريق للماء وطشوت ومرازيب لأسطح البيوت أتت بشكل مستطيل وبشكل أنبوبة طويلة مخروطية الشكل ومغازل.

كما لوحظ من بقايا القطع الفخارية أن الصحون والقدور قد صلحت إذا ما انكسرت ويكون ذلك بربطها بالحبال من خلال ثقوب متقاربة كذلك لوحظ استعمال القير في لحم الكسور وملء الفراغات، كما استعمل الجبس أو الطين لذلك. وقد أعيد استخدام هذه الصناعات في أمور أخرى مثل الجرار الكبيرة في استعمالها كتنانير، إذا ما تكسرت، ولم يلحظ في هذه الفترة استعمال الطابوق المفخور في المباني المكتشفة الواصلة إلينا حتى الآن، وهذا الأمر أدى بالتالي إلى عدم بقاء المباني القديمة بشكل واضح كون سكان جلفار استخدموا في البناء حجارة البحر القريبة لهم من الساحل واللبن وهو (الطين غير المفخور) والمجفف بالشمس عادة.

لقد حدد فخار جلفار زمناً متوافقاً مع فترة ظهور مدينة جلفار وتكاد تتفق جميع البعثات الأثرية التي عملت بالمدينة على تحديد التاريخ بين القرن الرابع عشر الميلادي والقرن السابع عشر الميلادي، وهذا الزمن يتفق مع ظهور المدينة واختفائها من على التاريخ بعد أن كانت ذات شهرة إقليمية كبيرة، ولكن فيما يتعلق بالفخار والأبحاث التي تمت على مكتشفات المدينة يتضح أن الصناعات الفخارية لهذه المدينة ربما بدأت في القرن الخامس الميلادي واستمرت حتى القرن العشرين وما زالت هناك صناعات حتى الآن على نمطها، وللعلم فإن الصناعة المتميزة لفخار جلفار تؤكد أنها لم تكن تصنع في المدينة الساحلية وإنما كانت تجلب من المنطقة الجبلية والتي تقع خلفها في المنطقة الشمالية الشرقية. إن جلفار لم تكن المدينة الساحلية الحضرية ذات الميناء فقط، بل يشمل عموم المنطقة وبالأخص المثلث الشمالي لرؤوس الجبال والذي تقع فيه إمارة رأس الخيمة (اليوم)، واعتقادنا أن مواد الخام الخاص بالصناعة ومناطق الأفران والأشجار التي تستغل للحرق متوافرة في المنطقة الجبلية وسفوح هذه الجبال وأن التصنيع يتم في هذه المنطقة ثم ينقل الإنتاج المصنع إلى مدينة جلفار الساحلية ذات الميناء التجاري المشهور في الخليج العربي ليتم استعماله فيها أو يصدر إلى المناطق المجاورة ذات الحاجة إلى مثل هذه الصناعات، علماً أن فترة شهرة جلفار إقليمياً كانت في القرن السادس عشر الميلادي، وقد تم فرز فخار محلي يعود إلى ما قبل القرن الرابع عشر حيث عرف في القرنين 11و12م وقبل ذلك عرف هذا الفخار في موقع قصر الزباء(*) ولكن هذه الدراسة لا تتعرض إليه.

لقد اكتشفت الأواني والقدور وغيرها من المصنوعات المعروفة بفخار جلفار في مناطق مختلفة من أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول المجاورة وقد تأكد ذلك من خلال عثور المنقبين على هذا النوع من الفخار في مختلف المواقع الساحلية وفي المواقع الواقعة على اليابسة، حيث عثر على هذه القطع في المواقع القريبة من جلفار مثل مواقع الحمرية بالشارقة والزورة بعجمان وبعض المواقع على ساحل الإمارات على الخليج العربي من رأس الخيمة إلى دلما بأبوظبي، كما عثر على نماذج فخار جلفار على ساحل خليج عمان للمواقع الواقعة في أراضي دولة الإمارات ومنها اللولية بخور فكان والفجيرة وكلباء، كما يعثر وبشكل متفرق على بعض الأواني الكاملة أو قطع منها على السواحل وفي المنطقة الصحراوية من الدولة وقد تم رصد بعض من هذه القطع في المثلث الرملي من رأس الخيمة حتى العين حيث تم العثور على أوانٍ كاملة مدفونة في الأراضي الرملية مثل مناطق الذيد، مليحة، فيلي، الأميلح، والعين، ويبدو لي أن هذه القطع والتي تكون عادة كاملة الأجزاء وغير مكسورة هي قطع تركها أصحابها من البدو الرحل أو المسافرين في أزمان سابقة في مناطق متعارف عليها كاستراحات على أمل العودة إليها أي للمناطق مرة ثانية واستخدام هذه الحاجيات ويتضح أن هؤلاء الناس نسوا المكان أو تغير خط سيرهم وقد لاحظت في عملي السابق(**) جلب الكثير من المواطنين لهذا النوع من النماذج للمتحف بعد أن عثروا عليه بالصدفة في المناطق الصحراوية، وفيما يتعلق بفخار جلفار إقليمياً فقد وصل إلى مناطق ومدن مختلفة في حوض الخليج العربي والدول المجاورة وشرق إفريقيا. وهناك إشارات له في بعض من هذه الدول مثل البحرين وقطر وشرق إفريقيا وتنزانيا وكينيا إلا أن المشكلة حسب ما أعتقد هي صعوبة تصنيف هذا النوع من النماذج، وذلك بسبب قلة الدراسات والنماذج المنشورة والتي يستطيع بواسطتها الباحث نسبة هذه القطع إلى أصلها ومكان تصنيعها.

في السنين الأخيرة تم التعرف على نماذج من هذا الفخار وقد أشارت دي كاردي عالمة الآثار البريطانية في مسحها عن الآثار في ساحل عمان (الإمارات العربية المتحدة اليوم) عام 1968 إلى وجود قطع مميزة لفخار تمت الإشارة إليه على أنه فخار محلي مصنع في الإمارات وبالأخص في منطقة رؤوس الجبال وقد كان هذه الرأي مهماً لمن تعاقب من علماء الآثار الذين عملوا في أرض الدولة حتى تم التأكيد على أنه فخار جلفار، وقد بذلت جهود طيبة في مجال التنقيب عن الآثار في إمارة رأس الخيمة بالذات وفي باقي الإمارات وتوصلت هذه البعثات إلى وجود فخار مميز مصنع بالدولة، إن نجاح علماء الآثار في تصنيف هذا الفخار بأنه من المنطقة الشمالية للدولة وبالذات من المنطقة المجاورة لرأس الخيمة اليوم أمر يدعو إلى التقدير والاحترام، وهذا الأمر ألغى غموضاً واقتراحات في انتسابه إلى مناطق أخرى.

وقد تم الاهتمام به وذلك بإفرد قسمٍ من الدراسة مخصص له في تقرير البعثات عن المواقع المنقبة في رأس الخيمة. وبعد دراسة هذه الأبحاث تكاد تكون المعلومات متشابهة ومتقاربة، ولوحظ أن إضافة أي جديد إلى هذا الموضوع من طرف بعثة ما، يعتمد على ما يعثر عليه من نماذج جديدة أو صناعات مختلفة وقد أمكن تأريخ هذا الفخار استناداً للفخاريات الأجنبية المعثور عليها معه، حيث إن الفخاريات الأجنبية وخصوصاً الآتية من جنوب شرق آسيا وبلاد فارس، مدروسة ومحددة الفترة الزمنية، بخلاف فخار جلفار غير المدروس، لذلك فإن تاريخ فخار جلفار وتاريخ مدينة جلفار اعتمد في الأساس وبالدرجة الأولى على الفخاريات واللقى الأثرية الأجنبية التي تم العثور عليها من خلال التنقيبات المنتظمة، وفي موقع جلفار عملت عدة بعثات ومنها البعثة البريطانية 1968 وبعثة متحف رأس الخيمة والبعثة العراقية ثم الألمانية والبريطانية 1989، والفرنسية واليابانية، وقد نقبت هذه البعثات في جلفار المقسومة بواسطة خليج صغير (خور) على قسمين (المطاف والندود) ومنطقة فيها سميت بالدربحانية وقد كانت جلفار في الجزء الواقع في المطاف أغنى في المكتشفات من غيرها من المناطق.
وقد ذكرت البعثة العراقية هذا الفخار والذي وجدته في تنقيباتها عام 1973 وسمته بالفخار المحلي وأنه يصنع في المنطقة الداخلية من جلفار المسماة (قرى البرامة) وشمل ووادي حجيل وأن تأريخه صعب كون تكنيك الصنع قديم وهو فخار محلي تربته محلية يغلب عليها اللون الأحمر الغامق، أما الأسطح الخارجية فهي سوداء وهذا ناتج عن عمليات الحرق وبعض الفخاريات عليها رسوم بهيئة خطوط يغلب عليها اللون الأحمر وبعض الأحيان البني الأبيض المخضر، وكانت الأواني الطينية سميكة خشنة، وتميزت هذه الصناعات بأنها تلبي جميع الحاجيات المعيشية للسكان ومن أشهرها الخروس وهي جرار كبيرة بيضاوية الشكل، بطول متر واحد أو أقل، عريضة الحافة لتخزين المؤن والحبوب والتمر والمياه واستعملت إلى فترات قريبة في كل أنحاء الإمارات وسلطنة عمان(1).


لا شك أن هناك أسباباً أساسية لقيام صناعة فخارية في بلد ما أو في الإمارات، حيث المنطقة الشمالية من الدولة تتمتع بأهمية بالغة جغرافياً وحضارياً، فهي منطقة تتوافر فيها أساليب العيش المختلفة وخصوصاً المياه الصالحة للإنسان والزراعة، كما تتوافر التربة الجيدة للزراعة، وهناك عوامل لا بد من توافرها لقيام صناعة من هذا النوع في الأزمان السابقة مثل التربة والإنسان والتكنيك الصناعي والفني.

وقد اكتشفت البعثة جراراً كبيرة الحجم ذات أربع عرى يستدل منها على أنها استعملت للخزن كما عثر على جرار ذات ثلاث عرى ربما استخدمت لخزن الماء وإناء معمول باليد على قسمه الداخلي نقوش حمراء اللون، كما كشفت عن جرار كبيرة الحجم معظمها مهشم وعثرت على جرار كبيرة مقلوبة على فوهاتها، حيث يتراوح قطر الفوهة الواحدة بين 80-110سم، وتأكدت البعثة من أن معظم الفخاريات مصنوعة بالدولاب، عدا القليل منها فهو مصنوع باليد والأخيرة كانت غالباً ما تكون أواني صغيرة الحجم (كاسات) عريضة الفوهة والقاعدة على سطحها الداخلي والخارجي نقوش بسيطة حمراء اللون وشريط يلتف حول الفوهة من الخارج وكانت طينة الجرار مختلفة من حيث نقاوتها نسبة إلى استعمالاتها، فطينة الأواني الكثيرة الاستعمال اليومي والجرار الكبيرة الحجم حمراء أو سوداء اللون غير نقية ومخلوطة بحصى ناعمة وخالية من التبن، ويلاحظ أن اللون على سطوح الأواني ناتج عن تفاوت في درجات حرارة الفرن أثناء الحرق، وعندما تكسر هذه الجرار من الأسفل أو تنخر يعاد استعمالها مرة ثانية في أمر آخر حيث تقلب على فوهتها (رأساً على عقب) على صخرة مستوية وتقطع حتى منتصف بدنها لوضع المواد المراد خزنها فيها، وقد كان سكان جلفار يرممون جرارهم بوضع قطعة فخارية في المكان المنخور وتثبت بالقار من الخارج والداخل، وأما إذا كان النخر صغيراً فإنه يرقع بالقير وقد استعملت هذه الطريقة في الأواني الصغيرة واتضح من التنقيب أن الأواني الصغيرة قليلة بالموقع بخلاف الجرار الكبيرة المتخذة للخزن فهي كثيرة جداً وعثرت البعثة على إناءين متشابهين في الشكل ومختلفين في الحجم بطول 19سم، لكل منها ثلاث عرى، وإناء صغير الحجم مصنوع باليد أسطواني الشكل ارتفاعه 16سم ذي طينة حمراء مخلوط بحصى ناعمة، على قسمه الداخلي طبقة من القير ربما يشير هذا الأمر إلى أنه استعمل قدحاً لشرب الماء.

وقد وجدت القدور بأنواعها ويعتقد أنها من الصناعة المحلية المميزة لجلفار فقد أتت قدور عادية بيضاء اللون عريضة الفوهة وعديمة القاعدة رقيقة السمك قرب الحافة أربع زوائد بشكل مثلث استعملت كمساند، المجموعة الثانية هي قدور ملونة تشبه الأولى إلا أنها تتغاير بنقوشها الحمراء على سطحها الداخلي والخارجي وهي خطوط هندسية بسيطة، أما القسم الثالث من القدور فهي دقيقة الصنع نقية الطينة عديمة المساند عريضة الحافة والقاعدة وعليها زخارف بأشكال هندسية. كما عثر على أغطية لهذه القدور على نوعين؛ الأول مخروطي الشكل ومقبض أسطواني الشكل طينته سوداء اللون، والنوع الثاني قرصي الشكل ومقبض نصف دائري وطينته برتقالية اللون، كما عثرت البعثة على إبريق صغير الحجم جيد الصنع والحرق نقي الطينة ذي مصب صغير وعروة ذات قناة صغيرة الحجم كمّثريّ الشكل ومقطوع القاعدة، ارتفاعه 10.4سم وعرض البدن 8.5سم على قسمه الأعلى نقوش تمثل أشكالاً هندسية قوامها مثلث كبير يقطع المصب عن النصف وعلى المصب خطوط دائرية (حلقات)، وهناك قدح مخروطي الشكل رديء الصنع (مصنوع باليد) أحمر الطينة عريض في الأسفل.

تمثل نقوش الأواني الفخارية الملونة أشكالاً هندسية لا تتعدى كونها خطوطاً متوازية طولاًً وعرضاً وأحياناً تتشكل المربعات والمستطيلات أو معينات صغيرة أو مجرد خطوط تبدأ من الحافة وتنتهي بالقاعدة وأتت بشكل خطوط اعتباطية غير متناسقة أو متجانسة. إن الغرض من هذه النقوش هو تزيين الإناء ولونت جميعاً بلون أحمر قانٍ أو أحمر قهوائي على قشرة كريمية اللون(2)، وتأتي هذه النقوش البعيدة عن الأشكال الآدمية أو الحيوانية نابعة من العقيدة الإسلامية في عدم تحبيذ الرسوم التي تظهر البشر والحيوانات ذوات الروح.

ومن صناعات جلفار عثرت البعثة على دميتين طينيتين الأولى على ما يبدو كانت في الاصل جزءاً من إناء فخاري تمثل رأس بعير صغير والثانية أشبه بالسلحفاة وعلى الأغلب قد تكون من لعب الأطفال (3)، إن هاتين القطعتين الفنيتين تشيران بلا شك إلى الصناعة المحلية من جلفار لما يمثله النموذجان من حيوانات للبيئة موجودة على اليابسة والبحر في الماضي وحتى الآن، كما اكتشف شبيه لهذه النماذج في مواقع أخرى بالدولة أقدم من فترة جلفار وعلى سبيل المثال هناك قطعة لجمل كامل ورأس جمل من موقع مويلح بالشارقة (الألف الأول ق.م) وكذلك نماذج فخارية برونزية من موقع مليحة بالشارقة (القرن الثالث ق.م ـــ القرن الثاني الميلادي تقريباً) وأيضاً من موقع الدور بأم القيوين(4).

كما تعرفت البعثة على رؤوس مغازل فخارية عثر عليها في الطبقات الأربع المكتشفة في (التل ــ 2) (5).

لقد عمل السيد جون هانسمان بمسوحات أثرية في جلفار بالندور والمطاف وهو يتبع متحف رأس الخيمة الوطني وقد عثر في مسحه على نماذج عديدة من الأواني الفخارية ومنها وعاء كبير ذو مصب (جيك) وجرار مصنعة في رأس الخيمة مزخرفة بالحديد الأحمر بخطوط هندسية وقد تأكد الفريق الفني أن هذا الإنتاج من الشكل والزخارف من الصناعات المحلية لفخار جلفار ويرجح الفريق أنه يعود إلى الفترة بين القرن 14-17م، والفترة اللاحقة(6)، والمقصود بالحديد الأحمر هو (المغرة)، وهو أكسيد الحديد الأحمر والموجود بكثرة بجزيرة أبو موسى القريبة من رأس الخيمة كما يوجد في جزيرة صير بونعير ودلما، وقد استعمل المواطنون هذه المادة في السابق في كثير من الأمور، فقد استعملوها في صبغ أخشاب الجندل(لتسقيف المنازل) ووضع بعض جذوع الأشجار وكالون في تخطيط كثير من الأمور وبالأخص في بناء الأسقف الخشبية كما استعمل علاجاً للبشر والحيوانات وذلك بمسحه على بعض الأجزاء(7).

عثرت البعثة الألمانية للآثار في جلفار على الكثير من القطع الفخارية وكانت تتكون من أواني طبخ وأوانٍ عادية وصحون وأباريق وجرار كبيرة للخزن عليها شريط تزييني. وتذكر البعثة أنه فخار محلي يصنع محلياً بواسطة (بني شميلي) في وادي جحيل حتى عام 1960 تقريباً وأنه فخار جلفار إلا أنه لا بد من دراسة هذا الفخار في فترة القرنين 16/17م المعثور عليه في كلوا في شرق إفريقيا وفي ساحل جنوب اليمن وأيضاً الذي يعود إلى القرن 12م من البحرين، وفخار جلفار مصنع محلياً باليد، والطينة عادة تكون بنية اللون إلى لون الطابوق الأحمر وفي بعض الأوقات رصاصية غامقة والطينة مخلوطة بمواد خام وقطع من القواقع مختلفة الأحجام ويكون السطح الخارجي لهذه الفخاريات في بعض الأوقات مصبوغاً بلون حليبي فاتح، وهناك صبغ بلون ماروني بشكل هندسي طولي على السطح الخارجي مباشرة(8)، ويشير تقرير ألماني آخر إلى أنه لم يعثر على أي فخاريات مما يسمى بفخار جلفار المكتشف بجلفار بقصر الزباء المشهور(9).

بحث فريق التنقيب البريطاني لجلفار عن مصدر تصنيع الفخاريات التي يعثر عليها بأعداد ضخمة بجلفار، حيث قام بعمل مسح لوادي حجيل بهدف معرفة العلاقة مع الأعداد الضخمة من الأفران والتي تقع خارج الوادي (10)، وتشير البعثة إلى أن معظم أواني جلفار لا تزال غير مدروسة بعد إلا أنها عثرت على كميات من هذه الفخاريات وهو فخار محلي غير مزجج وجاءت هذه النماذج من سطح الأرض المقلوب، وقد درست البعثة هذا الفخار وتم تحديد وتعيين عدد من الأنواع غير المعروفة حتى الآن (11)، كما عثرت بالندود على كمية من هذا الفخار (12).

وعثرت البعثة الفرنسية التي عملت بجلفار على الفخار المسمى فخار جلفار وكان يشكل ما نسبته 20 %من المواد المكتشفة عام 1989 وبين 15-25 % عام 1990(13).

كما عثرت البعثة على اثنين من الأباريق من فخار جلفار في حفرة بئر، وهذا المنتج من فخار جلفار كانت له علاقة مع جميع الطبقات المأهولة بالسكان والطبقات الأرضية الزمنية تحدد تبعاً لتصنيفات هذه الفخاريات المعثور عليها(14) وتؤكد البعثة أنه في جلفار لا توجد قوالب طبع الأواني ولا بقايا مخربة أو رديئة من التصنيع كما لا توجد في موقع جلفار (أي المدينة) أفران فخر، وأن ميناب (إيران) مكان تصنيع الفخار غير المزجج المعمول بالقالب، وهذا الإنتاج يبدو مشابها لفخار جلفار من خلال دراسات بعض المختصين في هذا الجانب كذلك وجد في إيران فخار مشهور يسمى فخار (كونج) وهي فخاريات قابلة للتبادل مع فخار جلفار وكذلك مع مواقع في دلتا نهر الأندوس باكستان (15).

البعثة اليابانية للآثار، التي عملت في جلفار واكتشفت الكثير من القطع قامت بدراسة معظم القطع الأجنبية والمحلية المكتشفة ويذكر تقريرها الأثري أنها كشفت عن كمية كبيرة ومتنوعة من هذه الفخاريات كشفتها من مناطق متفرقة من جلفار ومنها جرار كبيرة جداً تسمى محلياً (الخروس) استخدمت كتنانير (أفران) وجدت مقلوبة وكان في جانبها ثقب للهواء، كما وجدت فخاريات جلفار التي لها صفات خاصة في الشكل ونوع المادة المصنوعة والخطوط الحمراء الطويلة التي كانت تلون بها، كما وجدت فخاراً محلياً من الفترة الإسلامية وفخاريات وادي حجيل المخطط باللون الأحمر(16)، من ناحية ثانية تتشابه المعثورات الفخارية لموقع اللولية بالشارقة على الساحل الشرقي مع مكتشفات جلفار، ليس الفخاريات فقط، بل الكثير من اللقى الأخرى(17)، كان هدف البعثة اليابانية للتنقيب عن الآثار في جلفار هو دراسة التجارة بين الشرق والغرب في زمن العصور الوسطى عن طريق البحر، حيث عثرت البعثة على كمية ضخمة من الفخاريات في الفترة بين 1988-1991، وهي فترة مواسم البعثة(18)، إن الفخاريات الكبيرة استخدمت في عمل الأفران وكانت هذه الأفران ذات نوعين؛ نوع بالجرار الطينية الكبيرة، حيث كانت تستخدم لجسم الفرن وكانت الجرة تُجلَس (توضع) في الأرض بقاعدة مزالة مقلوبة بفرشة من طبقة قواقع، أما النوع الثاني من الأفران فكان بدون جرار، وهناك نوعان آخران كانا يعملان بالطين، ويلاحظ على الأفران أنها سريعة الكسر، وتشير البعثة إلى أن الجرار التي كانت تحتوي على ثقب تهوية ربما استعملت لصناعة الخبز وسلق الأكل واللحم والسمك والأفران التي بدون جرار ربما استعملت للسلق وتليين الأكل(19)، وفي دراسة خاصة للبعثة على معثورات البيت رقم (1) من خلال حفر الأنقاض التي كانت تدفن فيها كل النفايات المنزلية وكانت هذه الأمور من الحياة العامة لسكان جلفار حيث تبين وجود الفخار في هذه الحفر وبلغت نسبته 96% من وزن الأنقاض وكان الفخار المحلي غير المزجج تبلغ نسبته 65% من الوزن الكلي من المعثورات (والفخار المزجج المستورد بلغ 12%) مما يشير إلى أن الفخار المحلي كان يعتمد عليه اعتماداً واضحاً في جميع الأعمال والشؤون المحلية وكان من ناحية ثانية يؤدي الغرض المطلوب منه.

حللت البعثة الفخاريات المعثور عليها من الحفرة(3) في جلفار حيث بلغت 530 قطعة من فخاريات مزججة وعادية، وتعتقد البعثة أن الفخاريات العادية ذات الأشكال الملونة ربما صنعت في رأس الخيمة وكانت تشكل نسبة 23.6% من جملة الفخاريات وتشمل أواني ذات مصب، إضافة للجرار وطاسات صغيرة وكبيرة وكميات لفخاريات عادية غير مزججة مصنوعة في نفس المنطقة التي صنعت فيها الأواني الملونة، كونها كانت تحوي نفس الخلطة وكانت تشكل نسبة 44.2% وكانت تضم قدور الطبخ وأغطية الأواني وجراراً كبيرة وأواني كبيرة وغيرها ولكن كانت الغالبية من هذه المكتشفات عبارة عن قدور وأوعية طبخ وجرار كبيرة لاستعمالات الطبخ والحفظ.
كما عثر على قطع أخرى من أجزاء الأواني الفخارية غير المزججة لا تشبه المذكورة سابقاً، وبلغت نسبتها 0.05%، وأن الفخاريات العادية كانت تصنع عند سفوح الجبال برأس الخيمة (20). تبين من الدراسة أيضاً أن الفخاريات في جلفار كان السكان يعيدون استخدامها مرة ثانية، وذلك باستعمالها إذا ما انكسرت في الأفران وكأرضية وأساسات للبناء، وفي هذه الحال تستعمل القطع الفخارية الصغيرة، أو أنهم يقومون بتكسيرها إلى قطع صغيرة يمكن استخدامها بسهولة كقطع صلبة صغيرة، علاوة على إصلاحها وإعادة استعمالها مرة ثانية لنفس الغرض أو شيء آخر.

وقد عثر على فخاريات رأس الخيمة من (وادي حجيل) في الطبقة (7) من تنقيبات البعثة اليابانية في جلفار وهي آخر طبقة نقب فيها وبمعنى آخر هي أول طبقة في الاستيطان البشري الحديث لسكان جلفار، مما يؤكد أن هذه الفخاريات المحلية المسماة فخار جلفار تم استخدامها منذ بدايات تأسيس المدينة وأن هذه الفخاريات سابقة الصنع زمناً قبل فترة جلفار(21).

لقد أشارت (دي كاردي ودو) إلى الموقع الأثري في جلفار قبل أكثر من عشرين سنة (من زمن التقرير) وأن أغلب القطع المعثور عليها هي للفخاريات العادية وتأخذ أشكالاً مميزة والكثير من القطع غير مزخرفة وغير مزججة وأن المنطقة المصنعة فيها غير محددة ولكن يبدو من شكل هذه المواد أنها مصنعة في رأس الخيمة(22)، ولقد لوحظ على عادات السكان في جلفار أن التنانير المعمولة من الفخار في النهاية تستعمل كحفر أنقاض ويرمى فيها مختلف الأنقاض المتخلفة من استعمالات السكان وكانت بقايا القطع الفخارية تشكل نسبة لا يستهان بها من هذه الأنقاض، ولوحظ ذلك أيضـاً في آبار المياه من اشتمالها على مختلف الأنواع من الفخار وتمثل سجلاً طبقياً يشير إلى العمر الزمني لهذه القطع ويؤرخ للموقع، ومن المقارنات الأثرية بين مكتشفات جلفار وكوش برأس الخيمة اتضح أن الطبقة السفلى من جلفار تتماثل مكتشفاتها مع الطبقة الأولى من موقع كوش الذي يقع جنوب جلفار قرب الجبال والمناطق السهلية الزراعية وقد نقب في الموقع عالم الآثار ديرك كنت لمواسم كثيرة (23) بمعنى أن جلفار أحدث زمناً من كوش و التي أتت وازدهرت كمدينة بعد انهيار جزيرة الحليلة القريبة من مدينة جلفار،

أسباب قيام صناعة الفخار في جلفار:
لا شك أن هناك أسباباً أساسية لقيام صناعة فخارية في بلد ما أو في الإمارات حيث المنطقة الشمالية من الدولة تتمتع بأهمية بالغة جغرافياً وحضارياً فهي منطقة تتوافر فيها أساليب العيش المختلفة وخصوصاً المياه الصالحة للإنسان والزراعة، كما تتوفر التربة الجيدة للزراعة، وهناك عوامل لا بد من توافرها لقيام صناعة من هذا النوع في الأزمان السابقة مثل التربة والإنسان والتكنيك الصناعي والفني.

يتضح من الدراسات التي عملت في هذه المنطقة وجود تربة صالحة لصناعة الفخار وهي مقبولة وليست ذات جودة عالية وتقع هذه التربة فيما بين المناطق الجبلية قرب الوديان أو متخلفة عن الوديان، هذه الوديان التي تجري عادةً في فصل الشتاء حيث تمتلئ المناطق بالمياه، إضافة لامتلائها في فصل الصيف في بعض الأوقات وتكون مخلفات هذه التربة على ضفاف هذه الوديان، كما تتوافر أيضاً تربة طينية حمراء صالحة في منطقة (الحمرانية) وتتميز هذه التربة، بأنها حمراء قانية طينية، كما يذكر أن وادي حجيل هو مصنع الأواني الفخارية. كذلك نذكر منطقة البرامة وبني شميلي وارتباطها بهذه الصناعة ولا ننسى العامل البشري المحرك الأساسي لهذه الصناعة وذلك لوجود تجمع بشري في منطقة رؤوس الجبال برأس الخيمة يعيشون على قمم وسفوح الجبال منذ أزمنة قديمة حيث ذكروا باسم (الزتيز) أو شعب الزتيز آكلي السمك من خلال الكتابات اليونانية القديمة في القرون الأولى الميلادية(24)، وسكان المنطقة اليوم الذين يسمون بالشحوح هم من مواطني الدولة(25).

لقد اشتهر فخار جلفار في هذه الفترة بين القرنين 14-17م وكان ينتج سابقاً قبل هذه الفترة وله ميزات خاصة تمثله من حيث شكل المنتج وسمات خاصة به من الشكل والمادة المصنع منها والألوان التي أضيفت عليه. وقد أمكن تمييز هذا المنتج المحلي عن غيره من المنتجات للدول المجاورة وعلى الأخص المنتج العماني والفارسي وبالتحديد لإقليم فارس الجنوبي القريب جغرافياً من موقع التصنيع لرؤوس الجبال، أما الفخاريات الأخرى المستوردة والآتية من بلدان أخرى بعيدة فقد كانت مميزة ولا يمكن أن تكون هناك مشكلة في فرز المنتج المحلي عنها ولكن كانت هناك مشكلة في فرز المنتج العماني ومنتج إقليم فارس الذي يتشابه إلى حد كبير مع منتج جلفار.

إن مدينة جلفار مدينة ساحلية وكانت ميناءً تجارياً، ولكن الفخار المسمى باسمها لم يؤكد أنه أنتج في نفس المدينة الساحلية، والاعتقاد الأقرب للحقيقة والواقع أن مناطق إنتاجه كانت المناطق الجبلية القريبة نوعاً من المدينة، وذلك للعثور على أفران الحرق في أماكنها الطبيعية والتي تعود إلى أزمان متفقة مع منتج جلفار على الساحل. إن ازدياد صناعة فخار جلفار واستعماله في المنطقة وتصديره إلى مناطق إقليمية قريبة يؤكد أن هذا المنتج جيد ومطلوب ومنافس للمنتجات الأخرى في المنطقة، ولهذا فقد كان فخار جلفار مسيطراً على استعمالات المنطقة بنسبة كبيرة ومنافساً لمنتجات أخرى محلية ومن مناطق جنوب شرق آسيا وقد تم إعطاء نسبة 20%، وفي بعض الأماكن نسبة 60% أي تواجده في المناطق المنقبة، وللتأكيد لا يوجد منتج آخر في الدولة واضح المعالم وذو ميزات خاصة وواضحة غير هذا المنتج حتى الآن، ربما كان موجوداً ولكن لم يتمكَّن العلماء من فرزه وتحديده بطبقات خاصة قبل الآن، وإنني أرشح المنطقة التي تقع فيها الفجيرة وبعض مناطق الشارقة في المنطقة الجبلية الوسطى على ساحل عمان مكاناً لمنتج جديد ذي مميزات خاصة، إلا أن انتشاره كان محدوداً، والسبب في أن فخار جلفار كان منتشراً بشكل واسع وعلى منطقة جغرافية كبيرة يعود إلى الكثافة السكانية العالية في منطقة مدينة جلفار أو المناطق القريبة منها الجبلية والساحلية وإلى وجود سوق تجاري رائج وخطوط التجارة الدولية في منطقة الخليج العربي وخليج عمان وشرق إفريقيا وبلاد جنوب شرق آسيا حتى بلاد الصين، وإلى المركز الاستراتيجي لمدينة جلفار في المنطقة. إن الطلب الكثير أنتج إنتاجاً غزيراً ليفي بالاحتياجات اليومية المعيشية والتجارية وللتصدير وربما كان السعر أيضاً منافساً ومقبولاً في المنطقة، ولا شك أننا يمكن أن نعتقد أن هناك احتكاراً لهذه الصناعة وفرض السعر الذي يريده المنتج إلا أن التجارة المفتوحة والميناء التجاري الإقليمي لجلفار ربما يبعد موضوع الاحتكار ولا أدل على ذلك من توافر منتجات من مختلف دول العالم القريبة والبعيدة لجلفار، واستعمال السكان لها ومنافسة المنتج الأجنبي للمنتج المحلي ولا شك أيضاً أن سهولة الحصول على المنتج المحلي سبب آخر لازدهار هذه الصناعة. ومن الدراسات أيضاً لم يتم التأكيد على وجود منتج صناعي من الفخار في منطقة الخليج العربية كان له حضور وتواجد قوي في المنطقة من شمال الخليج حتى جنوبه غير ما ذكرناه سابقاًً ولا ننسى أن هناك صناعات في جزيرة أوال ( البحرين ) سابقاً.

لم يتم العثور على بقايا فخارية محلية الصنع في منطقة الخليج العربي استناداً للتقارير العلمية الصادرة عن أعمال التنقيب، عدا ما ذكر من بعض الصناعات للدول المجاورة.

وإذا ما أردنا بحث الجانب الفني لهذه الصناعة والمتمثل في أعداد المواد الخام الضرورية واللمسات الفنية المميزة فإننا نلاحظ أن هناك حاجة ماسة لوجود تجمع بشري كبير من مقيمين أو وافدين استناداً للكميات المعثور عليها اليوم من بقايا هذه الصناعة، ويلاحظ أن القصد من الإنتاج هو تلبية حاجة مجتمع محلي، ولا يلاحظ أن الفنان أعطى وقتاً كبيراً وخاصاً أو اهتماماًً كبيراًً لجانب التزيين الفني، ونعتقد أن الفنان كان يكتسب قوت يومه من عمله ولم يلحظ على المنتجات المفروزة والمدروسة أن هناك مستويات مختلفة من الإنتاج ذات درجات جودة مميزة أو مقصودة حيث أتت المنتجات متقاربة في المستوى التقني وفي الشكل العام، من هذا الأمر يتضح أن في منطقة جلفار الجبلية طبقة من الصناع لهذا الفخار يعيشون في مجتمع صناعي له نظامه الخاص ويسكنون في مناطق تتميز بوجود تربة مناسبة للصنع (للفخر) وأفران قريبة من مناطق سكناهم ويتعاملون مع جلفار المدينة (الميناء) من خلال تجار يقومون بتصريف منتجاتهم محلياًً وإقليمياًً. وأن نقل المنتجات للدول المجاورة والمطلة على سواحل الخليج يتم من خلال السفن الخشبية، الأمر الذي سهل من نقل هذه المواد وحافظ عليها من التكسير والتحطيم، إذا ما تم نقله بوسيلة النقل البري الشاق والطويل والمكلف.


إن مدينة جلفار مدينة ساحلية وكانت ميناءً تجارياً، ولكن الفخار المسمى باسمها لم يؤكد أنه أنتج في نفس المدينة الساحلية، والاعتقاد الأقرب للحقيقة والواقع أن مناطق إنتاجه كانت المناطق الجبلية القريبة نوعاً ما من المدينة، وذلك للعثور على أفران الحرق في أماكنها الطبيعية والتي تعود إلى أزمان متفقة مع منتج جلفار على الساحل.

بشكل عام الصناعات الفخارية من هذه الفترة لا تختلف عما يصنع في مناطق أخرى من العالم إلا أن هناك نماذج تميز فخار جلفار أولها الإبريق المسمى محلياً (كوز) والثاني الجرار الضخمة التي كانت تستعمل لحفظ المؤن ومياه الشرب ثم لجمع الانقاض فيها وقد أتى الإبريق بشكل مميز من خلال شكله شبه المخروطي وقبضته ومصبه المربوط بالبدن الرقبة ولونه القاني والخطوط المميزة التي عليه. أما الجرار الضخمة فإن ما يميزها هو حجمها الكبير وطينتها السوداء الرصاصية وقد وصل بعض منها إلى ارتفاع مترين ونصف المتر وقطرها حوالي متر ونصف المتر، وقد ذكرنا عن الخطوط التي كانت تزين بها الأواني وقد غلب عليها اللون الأحمر، ونعتقد أن هذه الخطوط جاءت من استعمال مادة (المغرة) وهي أكسيد الحديد الأحمر والذي يمكن جلبه بسهولة من جزيرة أبو موسى القريبة من جلفار أو من جزيرة دلما حيث تتوافر مناجم كبيرة له، حيث تقلع هذه المادة من باطن الأرض وتحمل على السفن إلى ميناء المدينة، كما تتوافر هذه المادة في جزر أخرى تابعة اليوم لدولة الإمارات العربية المتحدة. الخطوط الموضوعة على الأواني بسيطة وليس فيها جهد فني واضح، وإنما الهدف تكملة الشكل العام للآنية، وعلى كل حال لم تأتِ جميع الأواني مزينة بهذه الخطوط، بل زينت في بعض منها وخصوصاً التي تستعمل كأوانٍ في الأماكن العامة مثل المجالس والمساجد وأماكن الإعاشة مثل أماكن الاستقبال في المنازل. وتندر الخطوط في أواني الطبخ والخزن، ولا شك أن هذه الصناعة والتكنيك الفني واللمسات أتت من تراث قديم متوارث لهذه المنطقة التي شهدت حضارات زمنية سابقة متعاقبة ظهرت منذ الألف الرابع قبل الميلاد وتوالت فترات حضارية مختلفة تأثرت بلا شك مع حضارات مجاورة وبعيدة وامتزجت هذه الأفكار فظهر إنتاج فني مميز، وفوق كل ذلك وجود خبرة فنية لأهل المنطقة لشعب لديه أسلوبه الخاص في العمل والتنفيذ(26).

الهوامش:

(*) ناصر حسين العبودي ــ حقيقة قصر الزباء.
(**) عندما كنت أعمل في متحف الشارقة للآثار.
(1) Shirly key. Portrait of Ras Al Khaimah Motivate Pub Dubai 1990 (ص. 75,70-77).
(2) مجلة سومر العدد 31 عام 1975، ص (288-290-292).
(3) مجلة سومر المصدر السابق ص (297).
(4) الكاتب.
(5) مجلة سومر المصدر السابق ص(297).
(6) Archeology Excavation of Islamic Period in R.A.K. PASASVol : 10, 1988.
(7) الكاتب.
(8) Burkhard vogt. A 1988 Test excavation of Julfar R.A.K. Al Rafidan Vol: Xll (1991) P.196.
(9) PASAS vol : 26 (1996. P. 165-166).
(10) ورقة ندوة الآثار جامعة الإمارات 6 ديسمبر 1992.
(11) G. King PASAS. Vol -- (1990) P.79-84.
(12) G. King. PASAS. Vol 21 (1991) P. 128.
(13) Clair H. Guilbert (C.N.R.S) Julfar, Cite Portuaire du Gulfearabo ذ Persique a la periode Islamiqu.
(14) Archaeology , Islamic 2 (1991) : 161-205.
(15) French Archaeology Mission ATذJulfar . by Clair H.Guilbert (C.N.R.S) 1994 P.30,32,36 .
(16) ملحق للتقرير السابق عن الفخاريات ص 43 ، 50 ، 76.
17) ندوة جامعة اكسفورد يوليو 1998 . الدراسة للسيد تاتسو ساساكي ( اليابان).
(18) الكاتب.
(19) Tatsuo Hana Sasaki - Japanese arcaretion ATJulfar , (PSAS) Vol : 22 (1992) P.107.
(20) المصدر السابق ص 109 , 115 .
(21) المصدر السابق ص 109 , 117 .
(22) الكاتب
(23) Tatsuo Sasaki , AL-Rafidan Vol Xll (199) p. 205 ذ 216.
(24) الكاتب.
(25) الشحوح / فالح حنظل.

ناصر حسين العبودي الأزياء الشعبية الرجالية في الإمارات وسلطنة عمان / إصدارمركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون الخليجي الطبعة الأولى.