قصائد للّيل والحبّ والشّعر
قراءة فـي ديـوان «الأغاريد والعناقيد»
محمد الغزي
كثيراً ما تنكّب النّقاد عن قصيدة الشطرين الحديثة، فلم ينعطفوا عليها بالنّظر والتحليل. فهذه القصيدة تنتمي في نظرهم إلى زمن شعريّ داثر، زمن ما قبل الحداثة، وما قبل الخروج على الأوزان والقوافي، وما قبل القصيدة المركّبة. فلهذا انصرفوا عنها ولم يكلّفوا أنفسهم عناء دراستها وتدبّرها. والحال أنّ قصيدة الشطرين لم تختف من مدوّنة الشّعر الحديث، بل إنّها حاضرة فيها، وربّما تعاطاها أهمّ شعراء الحداثة من أمثال نزار قباني وأدونيس وسعدي يوسف مسترفدين إمكاناتها الإيقاعيّة الكبيرة.
إنّ قصيدة الشطرين الحديثة غير قصيدة الشطرين القديمة، فهي تختلف عنها لغة وصوراً وطرائق بناء. فقصيدة الشطرين الجديدة استوعبت منجزات القصيدة الحديثة وتشرّبت طرائقها في تصريف القول وبناء الصورة، وجريانها على البحور الخليليّة لا يعني بالضرورة انتماءها إلى النّظام البياني القديم، فقصيدة الشطرين الحديثة لم تكن بمعزل عن حركة الشعر الحديث، منفصلة عن تحوّلاته، بل كانت في الكثير من الأحيان في القلب منها. وقد لا نجانب الصّواب إذا قلنا إنّ علاقتها بهذا الشّعر كانت علاقة تفاعل وحوار، إذ إنّها تأثّرت به وأثّرت فيه، استردفته ورفدته.
وسيف المري من الشعراء الذين احتفوا بهذه القصيدة واستدرجوها لتقول تجاربهم وتفصح عن غائر مشاعرهم، بل ربّما ذهبنا إلى أنّ سيفا قد استلّ من هذه القصيدة «إيقاعه الخاصّ» و«موسيقاه الذاتيّة» فالمتأمّل في كتابه الشعري «الأغاريد والعناقيد» الصّادر عن «دبي الثقافيّة» في أبريل 2009 يلحظ أنّ كلّ قصائده تريد أن تثبت أنّ التحديث لا يعني بالضرورة تقويض البنية الإيقاعيّة التقليديّة، بل ربّما كان التحديث يكمن في محاورتها وتوظيف مضمر إمكاناتها، وخفيّ احتمالاتها..
فـي دلالـة الشعـر
استهلّ سيف ديوانه «الأغاريد والعناقيد» بمقدّمات أفصح من خلالها عن مفهومه للشّعر مرّة، وألمّ بالسيّاق الذي قيلت فيه القصائد مرّة أخرى بحيث تحوّلت هذه المقدّمات إلى عتبات نصيّة يمكن للمتقبّل أن يستأنس بها في قراءته للقصائد وتأوّل مختلف دلالاتها. وممّا يشدّ الانتباه في هذه النصوص الموازية أنّ الشاعر وصل الشعر بالإحساس وصلَ قرين بقرين. ففي المقدّمة الأولى لديوان «الأغاريد» ألحّ على أنّ الشّعر عنده: «خلاصة أحاسيس [عبّر] عنها بكلام موزون». وفي مقدّمة ديوانه «العناقيد» ردّد هذا التعريف للشّعر وإن كان في صياغة أخرى مختلفة، فقال إنّه «مشاعر وأحاسيس تترجم إلى كلمات».
فالشعر، وفق ما جاء في المقدّمات تعبير عن الانفعالات والمشاعر، أو إذا أردنا الدقّة قلنا إنّه «ترجمة» يتمّ بمقتضاها نقل الأحاسيس من وجود داخليّ، غامض، مشوّش إلى وجود خارجيّ واضح جليّ يتحكّم فيه نظام دقيق هو نظام اللّغة.. وعبارة التّرجمة تشير، في هذا السياق، إلى أنّ الشّعر هو، في المقام الأوّل، انتقال من لغة إلى أخرى، اللّغة الأولى هي لغة المشاعر والأحاسيس، أمّا اللغة الثانية فهي لغة الكلام والإيقاع. ويترتّب على ذلك أنّ الشعر ليس الانفعال فحسب وإنّما هو طريقة مخصوصة في التعبير عن ذلك الانفعال. ولمّا كان الانفعال حالة ذاتيّة وجب أن تكون طريقة التعبير عنه طريقة ذاتيّة أيضا، أو إذا استخدمنا عبارات الشاعر قلنا وجب أن يكون الشّعر قادرا على الإعلان عن «تفرّده وتميّزه».
الشعـر واقتنــاص اللحظــات الهـاربة
لكنّ الشاعر لم يكتف بحدّ الشّعر بل أشار أيضا إلى السّياق الزّمني الذي قيلت فيه قصائده. وهذا الزمن هو الماضي، فمجموعة «الأغاريد» كانت على حدّ عبارته «صدى الأعوام التي خلت والصّبا الذي ترحّل» أمّا مجموعة «العناقيد» فهي، وإن كانت أقرب من الأولى في الزمن، فإنّ بعض قصائدها قديم قدم الصّبا «فهي في دنان الأوراق، وقد عتّقت حتّى ذهب بعض رسم حروفها». من خلال هذه الإشارات يتبدّى الشّعر عند سيف، قرين زمن مخصوص، هو زمن الصبّا والصّبوات، زمن ما قبل الكهولة، وما قبل الحكمة. هذا الزمن الذي تصرّم ـ على حدّ عبارة الشاعر - ولم يطل المكوث، هو «زمن الشعر» لأنّ الشعر في أصل جوهره اقتناص للزّائل الفاني في شباك الكلمات، تأبيد للّحظات الهاربة، استدراك على الزمن يجرف كلّ الأشياء.
وإلى هذا لوّحت قصائد سيف وهي تثير سؤال الزّمن يفترس أطفاله:
يطرق الباب وما من مُسمع
طرقات الخائف المندفعِ
وكأنّ اللّيلَ وحشٌ كاسرٌ
سادر في لونِه الممتقعِ
وكأنّ الرّيحَ ذئب جائعٌ
زاد رعبا للمخُوفِ الجزعِ...
يُكثرُ الإطراقَ لا يدري بمَا
حوله من مدلهِمّ بشعِ
شاب رأس اللّيل من وقفته
وأماط الصّبحُ ستر البرقعِ
وإذا البيت ولا شيءَ بهِ
غير أشباحِ الزّمانِ المسرعِ
هذه القصيدة ذات الطابع الأليغوري تصوّر جزع الشاعر من الزّمن يتحوّل إلى «أشباح تسكن البيت». والواقع أنّ الشاعر قد تشرّب فيها، الوقفة الطلليّة القديمة تَشرُّبَ من استبقى جوهرها العميق، واستبعد حواشِيَهَا ونَوَافِلَهَا. فالذي يعني سيفا من الوقوف على الرسم العافي، هو عين الذي كان يعني الشاعر القديم، أي اختبار تجربة الفناء والتناهي والزوال أي بعبارة واحدة اختبار تجربة الموت!!
إنّ الغياب في شعر سيف هو مولّد الدّلالات، منه تتحدّر الصور. يأخذ بعضها برقاب بعض في ضرب من التداعي الذي لا يردّ. لكأنّ الشّعر، عند سيف، لا يبدأ إلاّ حين تختفي الأشياء وتذوب ولا تترك خلفها غير ذكرى رائحة، غير ذكرى صوت بعيد.
-------------------------------------------------------------------------------------
إنّ الغياب في شعر سيف هو مولّد الدّلالات، منه تتحدّر الصور. يأخذ بعضها برقاب بعض في ضرب من التداعي الذي لا يردّ. لكأنّ الشّعر، عند سيف، لا يبدأ إلاّ حين تختفي الأشياء وتذوب ولا تترك خلفها غير ذكرى رائحة، غير ذكرى صوت بعيد
-------------------------------------------------------------------------------------
ففي هذه اللحظة ينهض الشعر ليقاوم النّسيان، ويعزّز ملكة التذكّر ويرسي كينونة الإنسان الدّاثر أمام كلّ ما هو متغيّر.
رمزيّـة المــرأة:
ومهما يكن من أمر فإنّ الشّعر لدى سيف لا يوجد في الخارج وإنّما في الدّاخل، ولا يوجد في مملكة الإنسان وإنّما في مملكة الوجدان. إنّه يثوي بعيدا وعميقا في مطاوي النّفس، يغذّيه حنين الشاعر إلى زمن آفل، أو شوقه إلى زمن قادم، ولمّا كان الدّاخل وطن الشّعر وبيته، فإنّ القصيدة كثيرا ما تتحوّل إلى لحظة بوح واعتراف. الكلمات فيها تستمدّ من هذا الوطن القصيّ القريب شحنتها العاطفيّة وقوّتها الدّلالية.
لكنّ شعر سيف لا يستعيد مع ذلك نبرة الرومنطيقيين بقدر ما يستعيد النّبرة الصوفيّة. وليس من قبيل الصّدفة أن يستهلّ هذا الكتاب الشّعري بقصيدة موسومة بــ «وله» وعبارة الوله ذات حمولة صوفيّة لا تخطئها العين. فهي تعني، في معجم المتصوّفة «ذهاب العقل من شدّة الوجد» وربّما أشارت إضافة إلى ذلك إلى حيرة العاشق وفزعه إلى المحبوب. في هذا السياق تتحوّل المرأة إلى رمز الحقيقة ومجلى المقدّس، في حضرتها يبتهل الشاعر، يعدّد آلاء الجوهر الأنثوي بوصفه تجسيدا للمطلق:
شغل النّاس بالحياة وهاموا
وأنا في الحياة ليلاي شُغلِي
إن أتى الصّبح فهي ناري ونوري
أو دجت ظلمة الدّجى فهي ليلي
أو تمنى الأنام أُنساً وسعدا
وأمانِيَّ، فهي في العُمرِ سؤلِي
من هنا كان شوق الشاعر إلى المرأة شوق الرّوح إلى وطنها المفقود، وحنينه إليها حنين النّفس إلى أصل عنصرها، وإذا كانت الحياة حركة هبوط من السّماء إلى الأرض، فإنّ الحبّ يتحوّل في قصائد سيف إلى حركة صعود من الأرض إلى السّماء..
تدرك الحبّ أنفسٌ قد تسامت
لعنان السّماء دون قيودِ
خبِرَ الناسُ قبلنا الحبّ حتّى
خلّدوا فيه رائعاتِ النشيدِ
رغم ما أخبروا فما زال لغزًا
فيه كنه الورى وسرّ الوجود
هكذا تتحوّل المرأة في قصائد الشاعر إلى صورة المرأة الكونيّة التي فكّت بفعلها العالم من أسر الموت وأتاحت للطبيعة أن تتوالد، وللكائنات أن تتكاثر:
هي توحي إلى الطيّور بلحنٍ
ساحر من بدائعِ التغريدِ
وإلى الورد بالشذا وهو منها
في ذكيّ الشذا ولون الخدود
لكأنّ الحبّ أصبح الطريق إلى الحقّ، يبصره الشاعر متجليّا في المخلوق، متأثّرا بذلك بخطى المتصوّفة الذين يقولون إنّ الحقّ لا يشاهد إلاّ في الأشكال والصّور العينيّة التي يظهر فيها، سواء أكانت هذه الصور من محتد الخيال أو من محتد المحسوسات. وكما التجلّى عند المتصوّفة لا نهائي، إذ ليس له حدّ ينتهي عنده، فكذلك تجلّي المحبوب في قصائد سيف فهو لا يتجلّى في صورة واحدة مرّتين، كلّ تجلّ يعطي خلقا جديدا ويذهب بخلق قديم:
هي روحٌ كلما أوشكتُ أن
أتلقاها مضت عن مخدعِي
واختبتْ في فكرةٍ مجنونةٍ
في هوًى مفترقٍ مجتمعِ
فليس غريبا بعد هذا أن نحوّل الحبّ إلى ضرب من الاتّحاد فتسقط كلّ أشكال الاثنينيّة والغيريّة ويصبح العاشق عين المعشوق.
أنت بعدٌ وليس بعْدَكَ بَعْدٌ
لا... ومَا كان قبل حبّكَ قبْلُ
في هذا السياق نفسه يقترن حال الوجد بحال السّكر على عادة المتصوّفة، فتؤول عندئذ عبارات الحميّا والدّنان والنّدامى التي تواترت في الكثير من قصائده إلى صور رمزيّة عرفانيّة، أو كنايات متضايفة تتلامح من خلالها معاني الحبّ والوجد والشّوق.
-------------------------------------------------------------------------------------
إنّ اللّيل مصدر من مصادر «الأشواق والذكر»، أي مصدر من مصادر الشعر وعبارتا الأشواق والذّكر تومئان إلى حركتين متباينتين متناقضتين؛ فإذا كان الشّوق حركة نحو زمن لم يأت بعد، فإنّ الذكر حركة في اتجاه زمن داثر
-------------------------------------------------------------------------------------
إنّ العشق، في شعر سيف، ليس الحميّا التي شربتها الأرواح فاستخفّها الطّرب من قبل أن يخلق الكرم، ولكنّها أصل الكون ومصدر الحياة... فهذا العشق هو الذي يحيي الموتى، وينفخ الأرواح في الأشباح الخاوية:
وأغثْني بشربة من حميّا
علّ من مات حين يشرب يحيَا
ربّما عندما يفيقُ النّدامَى
أن يُثَنّوا على التذكّر جامَا
خوف شوق في مهجتي لو يباحُ
أن تذوب القلوب والأرواحُ
لا شكّ أنّ هذه الأبيات تستنفر الذّاكرة، فتوقظ تراثا باذخا دار حول المدام والكرومِ والنّديم في شعرنا العربي، لكنّ المزيّة في شعر سيف أنّه جرّد هذه العناصر وحوّلها إلى معان ورموز واستعارات. فالسّكر، في قصائد سيف، ليس إلاّ كناية عن حال الوجد والغيبة والواردات القويّة، إنّه رمز أُشرِبَ طابعاً عرفانيّا، فهو إذا أخذنا بعبارات النّاقد عاطف جودة نصر «ينشأ عن مشاهدة الجمال المطلق ومطالعة تجليّاته في الأعيان... وإنّه ليبدو مصحوبا بالدّهشة والغبطة والوله وكلّها ظواهر يطيش معها العقل وينطمس نوره بقوّة الوارد المسكر، والحال المغيّب».
الشعر الشمسي:
إذا جاز لنا أن نقسّم الشعر إلى صنفين: شعر شمسيّ نهاري، وآخر قمريّ ليلي جنحنا إلى اعتبار شعر سيف من النمط الثاني فهو شعر تملؤه روائح اللّيل وأصواته وكائناته السريّة.
فنحن إذا تأمّلنا قصائده، بادهنا تردّد دالّ الليل فيها. لكأنّ الشّعر موصول بالظلام، متحدّر منه، لكأنّ الحالة الشعريّة حالة ليليّة.
لكم مرّ من ليل على الأرض دامس
ثقيلِ الخطَا داجى الدجنة عابسِ
تمدّ يد الظلماء فيه سُرادقاً
ويسري به وفدُ الهموم الهّواجسِ
إنّ اللّيل قد انسلخ في قصائد سيف عن دلالاته المعجميّة، وبات أفقا من الصّور يأخذ بعضها برقاب بعض. فاللّيل ليس القادح الذي يجعل الشّعر ممكنا فحسب، بل هو لغة مفتوحة على شتّى التّأويلات والقراءات. فالشاعر في قصائده لا «يصف» الليّل وإنّما يقرؤه، يفكّ حروفه، يبحث عن مُضمر معانيه.
لكن أهمّ ما يمكن أن نرصده في قصائد الشاعر هو تنقّل الشعر المستمر بين ليلين ومجهولين: ليل الكون وليل الرّوح، ومجهول الكون ومجهول النفس. وفي هذا ما يذّكرنا بلعبة المرايا المتقابلة، حيث تنفتح الصّورة على الصورة، والرّمز على الرّمز، وتتحوّل القصيدة إلى أفق لا يحدّ منتهاه:
أوْحى لك الليل بالأشواق والذِّكَرِ
فاعزف بلحنك أنغاما بلا وترِ
ومدّ لي من سواد اللّيل سالفةً
جرانها حالك داج بلا قمرِ
تميل نفسي إلى لون السّواد فهل
في ظلمة اللّيل من وعد لمنتظرِ؟!
إنّ اللّيل مصدر من مصادر «الأشواق والذكر»، أي مصدر من مصادر الشعر وعبارتا الأشواق والذّكر تومئان إلى حركتين متباينتين متناقضتين؛ فإذا كان الشّوق حركة نحو زمن لم يأت بعد، فإنّ الذكر حركة في اتجاه زمن داثر.. وإذا كان الشوق موسوما بطابع المستقبل فإنّ الذّكَر موسومة بطابع الماضي، هكذا هو الشعر: ينظر في اتجاهين مختلفين، فهو استباق واسترجاع، تشوّف واستحضار.
وفي قصيدة «وجوه اللّيل» وهي من أجمل قصائد سيف وأولاها بالعناية والنّظر، يتحوّل الليل إلى راو يسرد على مسمع الشاعر آلاف الحكايات عن «حادثات دوارس». وهذه الحكايات التي أعرض الناس عن روايتها تعفّفا أو ترفّعا أو بحثا عن سلامة موهومة، يتبسّط اللّيل في روايتها، فيسرد أحداثها: حدثا حدثا، ويقدّم أبطالها: بطلا بطلا:
وللّيل آلاف الحكايات كم روى
على مسمعي من حادثات دوارسِ
فدالّ «الليل» دوالُّ عديدة:
فثمّة ليل المحبّ يناجي في الظّلام طيف ليلاهُ:
وقد فضح الدّمع الخؤون غرامهُ
فأصبح من ليلى حديث المجالسِ
وثمّة ليل المتنسّك المتعبّد ولّى وجهه شطر السّماء:
تباعد عن دنيا الأنام وعافها
وأعرض عن أعراضها والنّفائسِ
وثمّة ليل المتهتّك العابث:
فليلته خمر وزمر وصبوة
بعزف الغواني واحتدام المراوسِ
وثمّة ليل السّارق المتلصصّ:
يدور على دور الغنى يطلب الغنى
بهجعة عين أو بعقلة حارسِ
وثمّة ليل البغيّ أسكر الإثم روحها:
ضحيّة غدر أو ضحيّة حاجة
رمتها بأنواع الجدود النّواحسِ
وثمّة ليل السّقيم اليائس:
إذا تقبل الظّلماء فزّع قلبه
لهمٍّ ملمّ كالعدوّ المخالسِ
وثمّة ليل الشاعر يقف أمام الأضداد حائرا متسائلاً:
أرى اللّيل ذا الأضداد ما زال سرّه
كما كان لم تدركه فكرة دارسِ.
هذا هو اللّيل في قصائد سيف، ليل مستراب، مفعم بالمعاني المتباينة المتناقضة، تتحرّك داخله كائنات عديدة بعضها أليف، حميم، وبعضها غريب مشبوه، بعضها نقيّ طاهر، وبعضها خطّاء آثم... كلّ هؤلاء يحيون في كنف اللّيل، يحتمون بظلامه وسكينته وصمته العميق.
لقد أردنا من خلال هذه القراءة أن نكشف عمّا تختزنه قصيدة الشطرين عند سيف المرّي من أخيلة ورموز وصور. فالدّال، في مدوّنة سيف، ليس مجرّد أداة سالبة وإنّما هو حضور يشدّنا إليه قبل أن يشدّنا إلى شيء آخر خارج عنه.. في هذا النّمط من الشعر لا يجد المتقبّل المعنى منبسطا في ظاهر اللّفظ، وإنّما يجده متواريا، وربّما ملتبسا، لهذا وجب أن يكدّ الدّهن للظّفر به، وربّما وجب عليه، في بعض الأحيان، أن ينشئه إنشاء ويخلقه خلقا، مستعينا بجهده الخلاّق وحدسه المبدع.
1 - اخترنا هذا المصطلح لأنّه من المصطلحات المحايدة التي تكتفي بالإشارة إلى الظاهرة – ظاهرة انقسام البيت إلى صدر وعجز ـ من غير أن تلوّح إلى معان حافّة معرضين في الوقت نفسه عن مصطلح «القصيدة العموديّة» لأنّه يشير إلى ظاهرة عمود الشّعر بوصفه جملة من القوانين الشعريّة المقدّرة والمبادئ البلاغيّة المسطّرة..
|