صورة البطل فـي النص المسـرحي
نصوص إسماعيل عبدالله

 

أحمد الماجد

* مفهوم البطل عند إسماعيل عبدالله توافق والهدف التطهيري الذي أراده أرسطو من خلال التمثل بشخصيات تحمل صفات متميزة لكنها تقترف الخطأ المأساوي.

* ملامح البطل في نص اسماعيل عبدالله تتشكل حسب مقتضيات كل عصر وظروف كل واقع، وهو غالباً، دائم المعاناة، مهزوم ونهاياته تراجيدية.

يعرف البطل في الميثولوجيا على أنه الكائن الخارق الذي يختلف بتفوقه عن عامة البشر، وقد عرفت شخصية البطل في كل الحضارات القديمة وغذت على الدوام الآداب والفنون وعلى الأخص الأساطير والملاحم والسيرة الشعبية والأدب الشفوي والنصوص المسرحية. وميز الفيلسوف الألماني هيغل، في كتابه علم الجمال بين ثلاثة نماذج للبطل ربطها بطبيعة العائق الذي يواجهه في سعيه، وذلك من خلال تمييزه لثلاث حقب أو مراحل تاريخية وجمالية في تاريخ الشعوب:
* البطل الملحمي: الذي يصارع قوى الطبيعة (عوائق خارجية) فتغلبه أو تسحقه، وهذه هي حالة البطل عن هوميروس على سبيل المثال.

* البطل المأساوي: الذي يحمل رغبة أو أهواء (عوائق داخلية) تقضي عليه، وهذه هي حالة البطل في أعمال الإنكليزي وليم شكسبير والفرنسي جان راسين.

* البطل الدرامي: الذي يجمع في ذاته صفات النوعين السابقين ويكون بذلك خلاصة عنهما، وهو يتميز بمواجهته لنوعين من العوائق؛ خارجية (ظروف اجتماعية قاهرة، شخصية متسلطة.. الخ) وداخلية (الأهواء أو الرغبة)، وهذه حالة البطل عند الكاتبين الفرنسيين بيير كورني وفيكتور هوغو على سبيل المثال (1).

والشخصية المحورية أو البطل، لها ما يميزها في بعض جزئيات البناء عن باقي الشخصيات. فالبطل - أو الشخصية المحورية أو الشخصية الرئيسية - هو الشخص الذي يتولى القيادة في أي حركة أو قضية. وأي إنسان يعارض البطل هو المقاوم له أو خصمه أو معارضه وبدون البطل لا يمكن أن تكون مسرحية، لأن البطل هو الإنسان الذي يخلق الصراع ويجعل المسرحية تتحرك إلى الأمام، فالبطل يعرف ماذا يريد، وإذا لم يوجد هذا البطل فالقصة تذهب إلى السطحية.. أو بالأحرى لا توجد قصة إن لم توجد هذه الشخصية.

ويختلف البطل في النص المسرحي العربي، في كون مأساة البطل من اختياره، لأنه يملك زمام أمره فليس ثمة قوة خارجة عنه تتحكم فيه أو تسوقه إلى مصيره، إنما هو ضحية قدرته على الاختيار أو إساءة التقدير، فتكون النهاية المأساوية، فالإنسان حر أن يختار، حرية لا حد لها، وفي نفس الوقت هو مسؤول عن ذلك الاختيار مسؤولية لا حد لها أيضا، فبنفس القدر من الحرية تكون المسؤولية.

إن مفهوم البطل عند الكاتب إسماعيل عبدالله توافق الهدف التطهيري الذي أراده أرسطو من خلال التمثل بشخصيات تحمل صفات متميزة لكنها تقترف الخطأ المأساوي، حيث تتشكل شخصية البطل في نصوص عبدالله تبعاً لنوعية المواضيع التي يتطرق إليها ولطبيعة المحاكاة، وكذلك تتشكل من مرجعية شخصية البطل في الواقع ووظيفته وصفاته وتتلازم هذه الصفات مع وجود البعد المأساوي الذي أدى إلى ذلك التطهير. وهذا لا يعني بالطبع أن سائر الشخصيات الأخرى عند إسماعيل لا وجود لها إلا كعوامل مساعدة لظهور شخصية البطل، فهناك شخصيات ثانوية ذات كيان مستقل قد تلقي بعض الضوء على دور البطولة ولكنها تمثل في ذاتها نماذج إنسانية ومسرحية ناجحة، ففي (مجاريح) نلاحظ الحوار التالي بين شخصيتي «ميثا» وابنتها «عذيّة» في بداية المسرحية وفق تداعيات النص والتي جعلت الصراع منذ بداية المسرحية يدخل في مرحلة التصاعد:
((عذيّه: (بحدّة وقهر) لا يا أمي لا.. حرام يا أمي.. والله حرام..!!
ميثا: اللي تسمعينه باذنيج هبّان فرح.. تباشير عرس.. أبوج عطى كلمة..
عذيّه: وأنا العنز المربوطة ؟ تطريبها ما يكسر عين السكّين ؟
ميثا: سكّين بصيره نخّي الها.. اللي شالنها في ايديه منوّخ زمن.. ايشوف ابعد عن شوفج.
عذيّه: زمني ولاّ زمنكم. ؟
ميثا: قصري حسّج عدنا ضيوف
عذيّه: اللي يالس برّع منّا وفينا.. مب انتوا ربّيتوني على جذه ؟!
ميثا: مهما كان.. إكرام الضّيف توجيبه.. وانتي كلامج ايعوّر الأذن.. ويجرح الخاطر
عذيّه: خلّيه يسمع مب هذا أخو دنيا لأبويه.. عمّي على قولتكم! اللي ماكفّاكم ايكون عمّي بالعِشْرة تبونه بالورق..
ميثا: اللي تقولينه تنسد دونه بيبان.. لأن هواه من ريحة جهنم..))

فشخصية «فيروز» العبد الذي حصل على حرّيته، هو الشخصية المحورية في (مجاريح) حيث إنها لم تتوقف بمجرد الرغبة في شيء بل هذه الرغبة هي رغبة جامحة جعلت «فيروز» مستعداً لأن يهلك من دونها، أو يبلغ هدفه منها، ففيروز لديه من الدوافع الممنوحة في شخصيته ما يجعل رغبته في تحقيق هدفه في الحصول على حرّيته، أشد من رغبته في الحصول على أي شيء آخر في الحياة. فالشخص الذي يكون خوفه أشد من رغبته، أو الشخص الذي ليست له عاطفة عظيمة، أو الشخص الذي يستطيع أن يصبر ولا طاقة له على المقاومة، هؤلاء جميعا لا يصلحون لأن يكونوا مثل «فيروز» أي أبطالا أو شخصيات محورية. فهناك صنفان من الصبر أو الاحتمال.. الاحتمال الإيجابي والاحتمال السلبي.. فصبر «فيروز» من ناحية هو صبر سلبي لأنه لا طاقة له على الاستسلام أو الاستكانة، لكنه صبر إيجابي من ناحية أخرى حينما نراه ماضياً فيما أخذ به على نفسه من الوصول إلى غايته والفوز بحريته والتي هي بالتالي فوز بحبيته. إن ثمة لوناً إيجابياً من ألوان الصبر والاحتمال الذي لا يلين عند «فيروز»، الاحتمال الذي يتحدى الموت نفسه.

كما أن شخصية «فيروز» هنا جاءت شخصية «عدائية» خصيمة لا تعرف المساومة أو أنصاف الحلول. بل لا يستشعر قلبها الرحمة ولا يعرف الحنان، فاحتمال الجوع والتعذيب والآلام الجسمانية والذهنية واعتبار طاقة الاحتمال هذه شيئاً مثالياً ولا نظير لها.. هذا الامر منحها قوة دافعة مسيِّرة، لا لأن صاحبها قرر أن يكون كذلك، بل إنه أصبح ما هو لسبب بسيط جدا هو أن حاجته للحرية من أجل الظفر بحبه هي التي اضطرته أو أجبرته على فعل ذلك. إن ثمة شيئاً يهمه أكبر الأهمية معرض للخطر، ففيروز دافع عن حبه لميثا، وشخصية «غانم» هي التي حركت فيه روح المقاومة والبطولة، فحريته وسعادة حبيبته جعلتاه مؤهلا للفوز بالشخصية المحورية في هذا النص.
((غانم: وجدامي يا الفاجرة..
(تسقط ميثا على الأرض من قوة الضربة)
(فيروز يهم بقوة نحو غانم يمسكه مال الله)
فيروز : أرفع ايديك عنها يا غانم..
غانم : (والشرر يتطاير من عيونه) خطوة وحده يا الجلب.. وأعلّق ريولك في رقبتك...
فيروز: وراس الغالية ميثا.. مثل ما عتقت روحي وحرّرتها.. بعتق ميثا وأحرّرها من قيودك الهتيانة...
غانم: اتخسي.. هذي اللي جدّامك زهبة عم عمامك مايد بن ناصر.. والملجه والدخلة باجر.. ولا تنسى تغسل كندورتك عشان ترقص...
فيروز : برقص يا غانم عقب ما أرقصك على حبال الندم والحسرة
غانم: (ينفجر ضاحكاً) ولا تنسى اتجيب هذا الصك وياك.. وخله مطواي مثل ما هو يمكن ينفعك في اليوله..
فيروز : هذا الصك بتنشب به طول ما انت حي... ورفجة الرياييل لأكتب على ظهر هالصك... عقد زواجي من ميثا بنت غانم بن سيف))

لقد استطاع «فيروز» أن يكون ندا للقوى العاطفية المتمثلة في خصومه، إلا أن نطاق تطوره جاء أضيق وأقل من النطاق الذي تطورت فيه شخصيات أولئك الخصوم، لأنه وصل إلى قراره الحاسم قبل أن تبدأ المسرحية.
إن ملامح «البطل» عند إسماعيل تتشكل حسب مقتضيات كل عصر وظروف كل واقع، فهناك دوماً افتراض أن الفرد لا يعيش إلا في أحضان المجتمع، ولا يمكن اعتبار الفرد في أي مرحلة من مراحل التاريخ منعزلاً عن العلاقات الاجتماعية من حوله، إذ توجد علاقة جدلية بين النظرة إلى ماهية الظروف الحضارية وبين صورة البطل الذي هو إفراز لهذا المجتمع وهذه الحضارة وبالطبع فإن البطل هنا يختلف بالضرورة عن صورة البطل في الواقع، وإن كان تعبيرا عنه أو معادلاً له والفرق بينهما فرق بين الفن والواقع.

وكذلك نرى البطل الثوري حاضرا في نصوص إسماعيل عبدالله، والذي هو إفراز لطبقة كادحة تعاني من الاضطهاد، يعبر عن مشاعر طبقته وإرادتها ومطالبها متلاشياً في مجتمعه يسعى نحو الحرية ولا يكفي أن يكون مضطهداً كي يختار أن يكون ثورياً لكنه لا يريد الثورة التي تحطم المجتمع، ولا يعمل بمفرده بل بالتضامن مع مصالح طبقته. في مسرحية (حرب النعل) تدرك «حور» أنها لوحدها لا تمثل أي قوة وأن الإرادة الفردية لا وجود لها، فلم يكن لها بد من الاعتماد على أقرانها وطبقتها للكفاح ضد «الحوت» وغطرسته، فدور البطل الثوري عند إسماعيل عبدالله يتجلى بمقدار ما يعبر عن الحاجات والمهام الاجتماعية، وفي قيامه بدور القيادة المنظمة للجموع الثائرة. «فالصنقل» وهو في حالة السكر المضعفة لشخصيته لا يمكنه أن يقود ثورة، أما «حور» وبحكم شخصيتها الإيجابية والمحبوبة والمتمردة الرافضة للطغيان، فقد تمكنت من لعب دور البطولة في النص. «فحور» على وعي تام بالعلاقة التي تربطها بالمجتمع في مدينتها، وكذلك هي على علم بوضعها ومكانتها ومكانة أبيها وجدّها في قلوب أهل المدينة، حيث استغلت ذلك ووظفته في تحقيق هدفها الثوري، على الرغم من الهجومية الحادة التي تمثلت بها شخصيتها، خاصة مع شخصية «الصنقل» كونها تشك في أن ولاءه لعدوها «الحوت»، فحور تميزت ببطولتها المرتفعة على معاني الخير والشر، كونها مهتمة بهدف أسمى وأنبل تحاول تحقيقه:
حور: مب كفاية النجاسة اللي امغرّق نفسك فيها ليل ونهار.. ياي اتنجّس سكّتنا؟!
الصنقل : أنا بعدني ما دست سكّتكم..
حور: ولك عين اتدوسها؟! إلتعن من هني قبل لا تنْحش اريولك.. عشان اذا طارت السّكرة ما نشوفك لايث جدّام بيبانّه
الصنقل: ما أحيدج حسوديّة.. اشحقه تتفاولين علي وتدعين علي ها؟!! اشحقه اتطير السكرة؟! دافعة شي من جيبج؟ وبعدين الله يطول في عمر عمّي الحوت لا بننقطع ولا بنتعلّق.. جدامكم كلكم قال ..اسكر واسكر لين تنطر.. يعني الخير ياي.. يعني امّي في البيت.. وما تبغونّه نسكر؟!
حور: يا حيف على النار يوم ما تخلّف إلاّ رماد.. حسافه هذيج امّك اللي البلاد كلها تحلف بشرفها وانت ولدها)

البطل عند إسماعيل عبدالله دائم المعاناة، مهزوم، نهاياته تراجيديا على الأغلب، عدا عن المسرحيات الكوميدية التي كتبها في فترة وتوقف عنها - فمصطلح العدالة الشعرية ذات النهايات الوردية، لم يعد يتناغم مع واقع متشابك ومكتظ بشتى ضروب المحن والتناقضات سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو النفسي. وتكمن الخطورة بعد ذلك في أن طبيعة النهاية في النص المسرحي أو أي حقل إبداعي اخر تمثل الخلاصة التنويرية والفكرية التي تبقى ملتصقة في ذاكرة المتلقي بوصفها ذروة التكثيف التصاعدي، فالشكل الجمالي ليس ممارسة معزولة عن المضمون الفكري لأي عمل أو منجز إبداعي. إن فكرة العدالة الشعرية تجد لها امتدادات وتناظرات في الأنواع الأدبية الأخرى، ولعل مقولة أحد نقاد دستوفسكي ما زالت قريبة إلى الاذهان حيث قال إنه يتمنى أن يمتلك مقصّاً للتخلص من النهايات الوعظية التي يختتم بها بعض روياته! وجوهر هذه الفكرة يؤكد أن الأدب والمسرح وغيره من حقول الإبداع ليس من مهمته إيجاد مصائر وحلول مبررة تأتيه خالصة وتحقق رؤية أدبية وشاعرية قريبة من تصورات الفيض الأفلاطوني والمدن الفاضلة في زمن تستهدف وتدمر فيه المدن بالقصف النووي والأسلحة الكيماوية وتسحق سحقاً تحت وطأة الأنظمة الشمولية والنزعات الدكتاتورية الأنوية البغيضة، فمساحيق التزويق وتصدير النهايات الكيفية والمزاجية تسلب الفكرة المتقدمة قوتها وعلميتها وكينونتها بما يعزز النظرة الهشة إلى حقيقة الإنسان وحقيقة صراعاته مع الواقع التاريخي والسياسي وحقيقة القوى المهيمنة على مقدراته، مما يقودنا حتما إلى بنية قبلية تسلب الأحداث والوقائع محركها الحقيقي ولا تؤسس بالتالي منطقاً سوى منطقها، فمباشرة الواقع وفق رؤية خلاقة وحقيقية على المستوى الفكري مقترنة بقدرة فنية على مستوى الصياغة هي التي تقود إلى منطق مغاير لمنطق جاهزية الحلول المسبقة والمحددة سلفاً والمعلبة قصداً، فالمعرفة الانسانية في تحولاتها الأدبية والفكرية لم تعد مجرد وصايا واستبصارات جمالية مثالية ورؤى ميتافيزيقية بسبب الواقع المعاصر واحتداماته لم يتركها تستكين بعد أن زادت وتائر صراع الإنسان مع ذاته ومع القوى المحيطة به والتعقيد الشرس الذي أصاب الحياة المعاصرة وزاد من توترها.

الهوامـش:
(1) دكتورة ماري الياس، دكتور حنان قصاب حسن: المعجم المسرحي مفاهيم ومصطلحات المسرح وفنون العرض، مصدر سابق، ص103