«مديح الكراهيـة»
دعوة إلى التسامح وتجاوز الآلام

 

عزت عمر

بنى خالد خليفة نصّه الطويل على فصول متعددة تناولت مجتمعاً حلبياً متخيلاً وفي مرحلة معقدة من تاريخه الاجتماعي والثقافي، وقد استمدّ بعض معطياته من الواقع وبخاصة المكانية وبعض رموزها الأساسية: القلعة، الجامع الأموي، الأسواق، الحمام، والأحياء الشعبية وبخاصة حي الجلوم الذي تموضع فيه منزل العائلة المسرود عنها. وفي هذا المحيط الضيّق لحلب السبعينيات سوف تتحرك شخصياته النسائية المنتقاة من بيئة اجتماعية تتسم بالمحافظة على القيم والتقاليد الإسلامية، ولنظام الطاعة الصارم الذي فرضته المؤسسة الاجتماعية المنتمية إلى زمن قديم ظلّ حاضراً في المدينة بالرغم من نهر الحداثة الذي اصطخبت أمواجه في الأحياء والأسواق الأخرى.

في الفصل المسمّى «نساء يقودهنّ أعمى»، والتسمية كما نلاحظ تحدد بوضوح عنصر الأنوثة المتمثّل بلفظة «نساء» والذكورة بالأعمى: الأعمى المعوّق كممثل للذكورة يقودها في رحلة عبثية أسطورية لا نعرف إلى أين تؤدي مسالكها. وبذلك فإن العنوان ناضح بدلالته المكرِّسة لهيمنة الذكورة المطلقة في الحيّز المتخيّل، إذ إن صلة النساء شبه السجينات في قلعة الجد الكبيرة، تتلخّص بهذا الأعمى المعوّق الذي ينطلق بها في رحلة سريالية من البيت إلى الحمّام وبالعكس نهاية كل أسبوع يرين فيه العالم ولا يراهنّ، لأنهنّ منقبّات ومجللات بالسواد، دأبهنّ قضاء الطقوس الدينية عند «الحجة» رضية والامتثال لنظام الطاعة الصارم في المنزل. ولمزيد من الكشف عن عالم النساء هذا اختار الكاتب ساردته منهنّ.. ساردة أنثوية دأبها الاهتمام بالتفاصيل المنظور إليها بعين المرأة، تسترجعها بينما هي تتأمل الصور بعد زمن لا يتعدى العقدين وهي في بلد آخر وروائح أخرى.

الساردة ومسرودها:
1 ميثولوجيا الأنوثة:

ينهض النصّ السردي من خلال ساردة أنثوية ممثلة داخل الحكي كشخصية محورية تروي حكاياتها بضمير المتكلّم، وذلك للإخبار عن أناها أو عن الشخصيات الأخرى بحيادية نسبية، حيث إنها لا تمحور الحكي حولها، وإنما تعمد إلى تقديم شخصياتها بكثير من التفاصيل، ليتساوى الفعل الروائي فيما بينها من حيث الحجم والدور، وليتمكّن القارئ من التعرّف على صفاتها النفسية والجسدية. وبدءاً من الاستهلال، يسلّط الروائي الضوء على الساردة وهي تتأمل مجموعة من الصور كمحرّضات بصرية تمكّنها من تسهيل مهمة التعريف بأهم شخصيات الرواية. وهو استهلال ذكي بلا شك، ولكنه إلى ذلك مألوف في الأدب والسينما التي يستفيد منها الكاتب كثيراً في تقنياته السردية وفي توظيف أيقوناته الإشارية باعتبارها دالة على نمط ثقافي ما. ومن ثمّ فإن الصورة كأيقون حكائي ودلالي سوف تقود الساردة وقارئها في رحلة الكشف والاكتشاف، نحو تاريخ قريب أو تاريخ أبعد لحياة أسرة حلبية ذكورية نمطية، ما زالت تعيش تقاليد الماضي بالرغم من نهر الحداثة الصاخب بجوارها والمتمثّل ببعض الأيقونات ذات الدلالة: زحام شارع «التلل» المشهور كمركز تجاري للموضة والأزياء، وسينما السبعينيات: «مازال اسمي ترنيتي» لتيرانس هيل وبود سبنسر، أغاني فرقة الـBoney M وأم كلثوم وعبد الحليم في فيلم «خلّي بالك من زوزو» مع سعاد حسني، وفتيات المدارس اللاتي اعتدن إظهار مفاتنهنّ، وأحاديثهنّ الجريئة، بينما ما زال هناك من الفتيات من يرتدين الجلباب الأسود «كيس أسود يحمل حقيبة مدرسية دون ملامح» على حدّ تعبيرها + طبقة تجار السوق الذين يمثلهم الجد بائع السجاد وأبناءه + الحزب وشبيبة الثورة والضباط العسكريين الممثلين للنظام والذين يسمّيهم «كتائب الموت» + المطاعم والفنادق وغير ذلك.

الساردة سوف تركّز على هذه اللحظة الصراعية بطبيعة الحال، ولكن باعتبارها أنثى تنتمي إلى عالم «الحريم» المحاصر بحيّز مكاني محدد، لن تستطيع الانتقال إلى المناطق الأخرى من المدينة، كي ترى ماذا يجري فيها، فتعمّق سردها بمزيد من المقارنات؛ توخياً للمصداقية الفنية على الأقل، وبذلك فإنها سوف ترضخ للأمر الواقع، فتركّز سردها على المرئيات التي حولها، أو من خلال ما سمعته من حكايات جاءت على لسان شخوصها، إضافة إلى تفاصيل الصراع بين زميلاتها في المدرسة والأقاويل التي تناثرت هنا وهناك حول ما استجد في حياة المدرسة من صراع، فتنتصر لطرف دون آخر لأنها خاضعة للمشيئة الاجتماعية العاطفية في سني مراهقتها، ولم تتمكّن بعد من تمحيص الأمور وقراءة الواقع قراءة موضوعية.

ومن هنا فإن المحور السردي الأول سوف يتكاثف حول الأنوثة واهتمامات الأنثى تحديداً، ليمتاز المسرود بكثير من التفاصيل التي توردها عبر تقنيتي الاسترجاع والاستباق، والمشهديات البصرية ودقة الوصف وبخاصة في تفاصيل المنزل وأثاثه والثياب التي عنيت بها عناية خاصة، ليتموضع المنزل كإطار حكائي أليف ومعاد في الوقت نفسه، حيث تأتي الألفة والاستئناس من خلال العلاقات اللطيفة بين سكانه، والمعادي كونه لا ينفتح على الخارج، وأشبه بسجن عبثي لمجموعة من النساء، وبذلك فإنه سيكون بمثابة مرتكز دلالي سعى الروائي للاهتمام به لغاية جمالية وفكرية، وبذات للغوص عميقاً في عوالم الأنوثة.

ولكن هذا الاختيار له محاذيره ومشكلاته التي لا بدّ أن الروائيّ شعر بها آن ذهاب ساردته بعيداً في سرد حكاية «وصال» على سبيل المثال، أو لمشهديات الحمّام وعالم النساء الذي سنفصّل فيه لاحقاً، وإضافة إلى ذلك فإنه يستوجب على القارئ الصبر والتحمّل في قراءته لكل هذه التفاصيل التي ستواظب الساردة على سردها لأثاث المنزل وتحفه وسجّاده وخزائنه وباحته وبحرته، تماماً كما هو «البيت الشامي» أو «الحلبي» الذي أتحفتنا به بعض المسلسلات، ثمّ ما انبثق من كلّ أيقون دلالي من حكاية إطارية كبرى وما انفتح عنها من حكايات فرعية تماماً كما في استطرادات شهرزاد الشهيرة في ألف ليلة وليلة، وعلى سبيل المثال: فإن الغرف العالية الواسعة المزخرفة السقوف الملوّنة بدقة صنعها فنان من «سمرقند»، مما استوجب جلب قصة هذا الفنان معه وإقحامها في حيّز النصّ، فتفتح له إطاراً خاصاً يرتبط بتاريخ الجد (تاجر السجّاد) الذي سافر إلى هناك كي يعود به إلى حلب، وخلال ستة أشهر من عمله يتزوج امرأة حلبية، ثمّ يذهب بها إلى باريس برفقة ضابط فرنسي، في إشارة إلى أيام الاستعمار، ليعمل هناك وينجب ليعود ابنه بعد نحو عشرين عاماً مع أمّه، فتعاود الساردة حكاية التفاصيل المنزلية بعين كاميرا ابن السمرقندي هذه المرة ليتابع عمل أبيه في المكان.
ومن الحكايات المسموعة من شخصيات أخرى، يتابع القارئ حكاية «خليل السائس» ووصال خلال حقبة الأربعينيات في زمن العربة والحنطور، حيث تقول: «أثارتني سيرة وصال التي رواها جدّي، وعرفت فيما بعد أنها أرّقت جدّي». وسيرة «وصال» هذه لا ترتبط بالأحداث الفعلية للرواية ولا تؤثر فيها لو أنه تمّ حذفها، غير أن هذا الإطار المفتوح سوف يرتبط بالأحداث القادمة من خلال «زهرة» ابنة «وصال» التي تتزوج من بكر أحد أبناء الجد والذي سيكون له دور مستقبلي.
ثمّ تأتي حكاية الأعمى رضوان، وهي بمقدار انفصالها عن المتن الأساسي في الجزء الأول سوف ترتبط به في الفصول اللاحقة ليغدو رضوان «الأعمى» شخصية أساسية وكفرد من أفراد الأسرة يرتبط مصيره بمصيرها ويبقى حتى النهاية ملتحماً بالحدث، وإلى ذلك يمكننا توصيف هذه الشخصية الغامضة في إطار الفانتازيا التي أراد الكاتب الشغل عليها فنياً ورمزياً، لتعزيز رؤيته حول مجتمع «الحريم» المستمدة من مخيال استشراقي في الغالب أسست له مرويات بعض الرحّالة الغربيين، الذين تخيّلوا صورة هذا الشرق ضمن معطيات أيديولوجية، لا تخلو من عقد التفوّق الحضاري، والنظر إلى النساء على أنهنّ سجينات المنزل دأبهن التلصص على الذكورة، من وراء نوافذ لها قضبان، وبذلك فهنّ توّاقات للجنس الذي حرمن منه، هذا بالإضافة إلى «الحمام التركي» والأيروتيكا المتخيلة عنه، وتحويل جسد الأنثى إلى «منتج ثقافي» بتعبير بورديو، ولن نذهب بعيداً فالموضوع نوقش كثيراً وبيّن الباحثون مدى انحراف هذه الرؤية الفنية الاستشراقية بالإضافة إلى الفضول الذكوري الشرقي الذي اعتاد التلصص على حياة النساء الداخلية وخصوصاً في الحمّام، وما يستتبعه ذلك من خيال. ومن هنا فإن تكريس هذا المعطى، إنما هو باعتباره شكلاً من أشكال الدعاية للرواية (نسوة سجينات في بيت كبير+حمام تركي + رجل أعمى يقود نساء مسربلات بالسواد إلى الحمام).

2 الفعل الروائي:
إذا ما تتبعنا الحكاية الأساسية من خلال الساردة باعتبارها شخصية محورية، فإننا سنلحظ أن الفعل الروائي سوف يبدأ من الخارج، من مدرستها حيث كان الصراع على أشدّه ما بين الحداثة والمحافظة، ولكنها إلى ذلك لن تستطيع تقييم هذا الصراع موضوعياً، نظراً لأنها كانت طرفاً فيه من جهة، ولأنها كانت صغيرة السنّ ليس بإمكانها سوى توصيف السطح الظاهر من الصراع، وبذلك فإن القارئ سيلحظ أن ما روته من حكايات إنما يدخل في باب الأقاويل الشائعة، وليس في صلب عملية الصراع العنيفة التي شهدها المجتمع السوري، وهو يعبر باتجاه الحداثة التي اتجه أنصارها لدفعها بمزيد من التقدّم والتحرر، بينما تمسّك الطرف الآخر المتمثل في التجار وبعض مدرساتها وبعض الطالبات بالقيم المحافظة وبخاصة ذوات «الجلابيب السوداء»، التي تنتمي لمرحلة سابقة. ومن هنا فإن الروائي لن يستطيع إقناع قارئه باعتماده على ساردة غير موضوعية، تنظر إلى الصراع على أنه ما بين تزمت وشطط، لكي يستنتج القارئ: أن «الإرهابيين» جاؤوا من هذا التزمّت، وأن الشطط اللاأخلاقي ساهم به بعض رجالات السلطة العسكريين أو الأمنيين. وهو استنتاج مغلوط بطبيعة الحال، لأن هذا المجتمع أفرز الكثير من المفكرين والسياسيين الذين قادوا نهضة البلاد بالإضافة إلى الكتّاب والفنانين والتربويين والصناعيين المشهورين، وبالتالي لا يمكن حصره في حيّز جغرافي ضيّق من جهة، ولا يمكن معه التعميم تبعاً لما شاع عن حلب بأنها مدينة منغلقة ومحافظة تتغطّى بالحجاب السود، كما لا يمكن أن تُمثل السلطة بما أسماه بـ«سرايا الموت». لأن الحياة السياسية كانت أعمق وأعقد بكثير.
وإلى ذلك، فإن الكشف عن تاريخ العائلة وارتباط الجد بالعثمانيين وتسليمه الشيخ الداغستاني، إنما هو بمثابة تمهيد لإدانة هذه الفئة من التجار أخلاقياً، وأن تاريخها مرتبط بمصالحها وبالتالي فإن سيرة عمر «الوريث» سوف تتحد مع سيرة الجد الأكبر في الامتثال لشرط ما استجد من حياة سياسية أو اقتصادية.

وإذا كان هذا الربط مقبولاً من الناحية الفكرية، باعتباره يمثّل وجهة نظر الروائي، إلاّ أنه غير مقبول فنياً، حيث يأتي الإخبار على لسان الساردة كخطاب مباشر، وأشبه بالتحليل السياسي لتلك المرحلة: «رجال السلطة، استباحوا كلّ القوانين بعد دخول الجيش إلى لبنان، تحوّلوا من ضباط مقاتلين مختالين ببزاتهم العسكرية النظيفة وأوسمتهم إلى مهربي سيراميك وأجهزة كهربائية، مرتبطين بمافيات الدخان «التبغ» الأجنبي، وأصبح مشهدهم مألوفاً في المطاعم الفاخرة يمتدحون اليبرق الحلبي والكبب ويتقاسمون الأرباح، تتعالى أصواتهم حين تشتدّ خلافاتهم وتصل إلى إطلاق الرصاص بين رجالهم وغالباً ما تصل أصداؤها إلى القصر الجمهوري الذي يتدخل بكلمات مقتضبة وواضحة المعاني تكون حكماً مبرماً يقبل به الجميع، ليعودوا بعدها إلى اصطحاب الفتيات إلى المطاعم والمزارع مبتهجين بصلاحياتهم الكبيرة وإطلاق يدهم في نهب ثروات البلاد وفرض قوانيهم على كل المؤسسات التي أصبح مدراؤها يرتعدون حين يرون سيارة عسكرية تتوقّف أمام المبنى، يترجل منها عساكر ببزات مموّهة، يدخلون إلى المبنى حاملين أسلحتهم.. أصبحت المدينة التي تفخر بتوأمتها مع فيينا خرابة تسكنها أشباح خائفة، يتحسّر على ماضيها المزدهر أبناء العائلات التي فقدت نفوذها، فاضطرت لمصاهرة أبناء الريف ومشاركتهم لعب الطاولة والتغاضي عن فظاظاتهم..»ص84.
سنرى أن هذا المجتزأ الطويل قد أقحم على المتن السردي كإخبار مطوّل على لسان الساردة الممثلة في الحكي، وذلك لفرض فكرة الروائي على القارئ على نحو تعسّفي، بمعنى أن هذا الإقحام لم يكن ناجماً عن الفعل الروائي بين الشخصيات، وإنما هو خطاب إيديولوجي مباشر، سوف نقع على الكثير منه، ولا يعنينا، في الوقت نفسه، إن كان صحيحاً أو غير صحيح، وإنما الذي يعنينا هو الشأن الفني الذي أنهكته تدخلات الكاتب حتى مال إلى التشتت وعدم الانسجام.

2,1 الكراهية.
أولاً: التلخيص
مع الخال بكر تبدأ أحداث القسم الروائي الثاني المرتبط بالأحداث الخطيرة التي مرّ بها المجتمع السوري بداية عقد الثمانينيات، وهي بلا شك مرحلة مؤلمة عانى فيها الجميع من العنف والعنف المضاد، ولكنها في الوقت نفسه كانت أشبه بعملية مخاض خطيرة نزفت فيها سوريا الكثير من الدماء، والكلّ برأيه كان يعمل لأجل إعادة ترتيب الحياة وفق الرؤية الأيديولوجية الخاصة به، وبناء على ذلك فإن الكراهية بين الطرفين سوف تتحكم فترة من الزمن، ومعها كان لا بد للوحدة الاجتماعية أن تتهشم، لتتناثر في المحيط القريب والبعيد تبعاً لما استجد من أحداث عظام: سقوط الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي بعامة، وانتصار الرأسمالية، واقتراب قطار العولمة المجلجل، وإعلان فوكوياما نهاية التاريخ، وإعلان هنتنغتون عن بداية مرحلة صراع الثقافات، بمعنى آخر بداية تاريخ جديد سوف يكتبه المنتصرون في صراع معقّد دام نحو أربعة عقود. وبذلك فإنه يمكننا القول، وفي ضوء أحداث الرواية، إن ما حدث في سوريا «تلك الأيام» هو أحد مفرزات ذلك الصراع العنيف، وإن ما حصل في أفغانستان و العراق بعدها إنما هو من نواتج الانتصار. ومن هنا فإن مَن ساعدهم على الانتصار على السوفييت سيصبحون أعداء اليوم الذين ينبغي أن يُستأصلوا من الجذور. والإرهاب الذي كان نافعاً أيام الصراع مع السوفييت بات ضاراً اليوم، لتتسع خارطة الأحداث فتشمل مدناً وعواصم عدة تتنقل الشخصيات فيها: حلب، دمشق، الرياض، عدن، كابول، قندهار والمحيط الباكستاني، لندن وغيرها.

ثانياً: التفصيل:
مع هذه الجغرافيا الواسعة يتّضح للقارئ أن مهمة الروائي باتت شاقة، سيضطر معها إلى خلق شخصيات جديدة وتتبع سيَرها ومصائرها في أطر جديدة، ثمّ يدفع بها للالتحام بالعائلة، ثم الدفع بالأحداث نحو التشابك والتأزّم، بدءاً من دخول ذكور الأسرة حيّز السرد واشتباكهم بالعالم الخارجي:
«بكر»، الذي سيصبح قائداً للتنظيم المقاتل مورطاً معه الساردة وشقيقها حسام. مما يدفع الساردة إلى مزيد من الانحراف نحوه ونحو مبادئه، حيث تشير في البدايات، إلى أنه كان «منذوراً لدور أكبر» من مسألة كونه تاجراً للسجّاد.

أما خالها الأوسط سليم فإنه سوف يختار عالم الصوفية والانجذاب كلياً نحو عوالمها ورموزها والتخلّي عن كل شيء.
بينما يذهب الخال الأصغر «عمر» في سيرته العبثية كنموذج للجيل الانتهازي المرتبط مع مافيات الفساد التي نشأت على هامش الصراع، فتركّز مطوّلاً على سيرته وما تخللها من أحداث ترتبط بالعائلة من جهة، وبالواقع المستجد من جهة ثانية، مع بداية الاغتيالات الفردية في المدن السورية، التي طاولت بعض الموظفين والضباط الصغار، فتتحوّل تجارة عمر إلى ارتباط خطير مع مافيات السلاح الدولية التي تكوّنت من شخصيات فلسطينية و سورية وعراقية، غير أن عمر سيدرك ما أفضت إليه تجارته بالسلاح، فيعيش حالة من تبكيت الضمير كونه شارك في مؤامرة على البلد.

وإذا كان عمر قد انغمس في الفساد والاتجار بالسلاح دولياً، فإن بكراً بدوره، سوف ينغمس في تنظيم لا يقتصر أعضاؤه على أبناء حلب فقط، وإنما يتّخذ طابعاً قطرياً ودولياً، لمجابهة السلطة، وبناء الدولة التي سيرفرف فوقها «علم الرسول»، وبذلك فإن شخصيات جديدة سوف تدخل الحدث، وعلى هامشه ستنفتح أطر حكائية إضافية لكل منهم على حدة، كإطار عبد الله اليمني الذي كان لابد للقارئ أن يقرأ كماً كبيراً من الصفحات عن نشأته وحياته وانعطافته ما بين الإلحاد والإسلام وبذات الطريقة التي تمّ بها تقديم حكايات «وصال» و«النقاش السمرقندي»، ولكي يبقى اليمني مرتبطاً بالأسرة كمركز للأحداث كان لا بدّ من زواجه من صفاء أخت بكر، وإلى ذلك فإن الساردة ستدخل التنظيم السري بعدما تكتشف أن أخاها الطالب في كلية الهندسة قد انضم إليه ويحضر الاجتماعات مع الخال بكر والرجال الكثر الذين بدأوا يتوافدون إلى المنزل للاجتماع والتحاور، ويشعر القارئ أن الساردة قد اندفعت عاطفياً نحو هذا الأمر بعدما تمكّنت منها الكراهية وتملّكتها، وأخذت تسيّرها وتوجهها الوجهة التي تشاء: «في نهاية ذلك الصيف تملكتني الكراهية، تحمّست لها أحسست أنها تنقذني وتمنحني شعوراً بالتفوّق أبحث عنه، قرأت الأوراق التي كانت توزّع علينا في كل اجتماع بعناية، اقتربت من رفيقاتي السبع، أحببتهنّ، تبادلنا الأسرار وكتباً تصف عذاب القبر الرهيب..»ص115.
عبد الله اليمني الصهر والمجاهد الدولي ضد الشيوعية سيبدأ في إيصال الأموال لبكر وإخوانه كي يشتروا السلاح ويخططوا لما حلموا به طويلاً، وبذلك فإن الأمر سيذهب باتجاه المجابهة المسلحة التي سيقف وراءها بكر تحديداً، فهو بتعبير الساردة «استخدم كلّ حنكته لإقناع القيادات التقليدية بضرورة القتال، لكنه لم يستطع الردّ على حججهم وهم يسردون له تاريخ نضالاتهم وتذكيره بأن السياسة ليست طبخ بامياء بمقادير ثابتة..» وإلى ذلك سيحاول الروائي التركيز على الشخصيات الجهادية وآليات فهمها للمسألة الثورية الماركسية الغيفارية وكيفية الاستفادة منها في حربهم التي بدأت بالاغتيالات الفردية: اغتيال حسّان للضابط الطيار عبّاس، وهو بالمناسبة جارهم تتعاطف معه الساردة لأنه كان محمود السيرة في الحارة، غير أن رفيقاتها في التنظيم سوف يذكرنها بأنه ينتمي إلى طائفة أخرى تعمل على اضطهاد طائفتها، وبذلك فإن «الكراهية» ستتغلب على مشاعرها الطيبة، وستدفعها إلى مزيد من التلاحم مع أعضاء الجماعة: «أحسست بفخر خفي أن يكون أخي حسام هو من وصفوه بالمجاهد حبيب الله، أنّبت نفسي على ضعفي، رأيت البنات وهنّ يسخرن مني، أيقونات مضيئة، حسدتُ عليا على قوة الكراهية التي تسكن قلبها، كدّت أقبل يديها كي تسامحني وتعيد إليّ ذلك الطعم الذي يجعل لحياتي معنى..» ص120.

وهذا «المعنى» سوف يتجلّى في «محاربة السوفييت الكفرة + حزب البعث + الطائفة الأخرى» وهي خلاصة العمل الجهادي التي شرع التنظيم الدولي فيه بدءاً من سوريا وانتهاء بأفغانستان «المحتلة من قبل السوفييت» تحت قيادة أمريكا وحلفائها. كما أن «المعنى» هنا سوف يتجلى في السياسي تحديداً، وبالصراع الذي كان دائراً بين المنظومتين كما أشرنا سابقاً، حيث يعمل عبد الله اليمني على دعوة بكر للقاء أحد الأمريكيين في بيروت، ليعود إلى حلب ويغيب طويلاً عن أسرته، لتتفاقم الأحداث بعدها نحو مزيد من الفتنة والقتل نحو حدث تمّ واقعياً في إحدى الثكنات: «بعد خروج ذلك الضابط الذي كان ضيف وليمتنا من منزله، صلى الصبح في الجامع وقرأ سوراً من القرآن، وفي الليل طلب من حاجبه قهوة ثقيلة، شربها بهدوء وخرج من غرفة الضابط المناوب لينتقي سبعة عشر شاباً من طلاب الكلية الذين سيصبحون ضباطاً بعد أشهر قليلة، ببرود شديد صفّهم إلى الحائط وأعدمهم بطلقات بندقيته السريعة الطلقات كمن يؤدّي دوراً متقناً في فيلم... ترك جثثهم تتخبط بالدم وأضلاعهم ورؤوسهم متناثرة على الجدران الكابية، رمى سترته العسكرية واحتفظ بالنسر النحاسي، ثمّ خرج مع شركائه الذين انتقاهم ليحرسوا باب الكلية العسكرية، وصلوا جميعاً إلى منزل في أطراف حلب، استقبلهم الرجال بالتكبير والمباركة لفتح كل هذه العزاءات في بيوت الطائفة الأخرى، لم يعرف أحد لماذا مات هؤلاء الذين انحدروا من الجبال بطموح وحيوية لا تحدّ، إلاّ أنا المحتفية بالكراهية..» ص137.
ومن هنا، فإن الروائي سيدفع بالأحداث نحو العنف المضاد مع ردّ فعل السلطة على كل هذه الاغتيالات التي تمّ تنفيذها من قبل الجماعة بقيادة بكر وحسام، فتبدأ حرب حقيقية بين الطرفين لتتصاعد أحداث الرواية وتتشابك حو عقدة داخل دائرة جهنمية من الرعب عاشته المدينة: تفتيش، اعتقالات، إعدامات، وفي المقابل مهاجمة مقار الحزب وفروع الأمن من قبل الجماعة.

3 فراشات محنطة:
يأتي عنوان «فراشات محنطة» في الفصل الثاني من الكتاب كمرتكز دلالي يعزز عنوان الفصل الأول: «نساء يقودهنّ أعمى» ويعزز رؤيته إلى المرأة المستلبة في زمن ذكورة غالبة ومتعالية، ثمّ ماذا بإمكان الفراشات أن يفعلن إزاء سطوة ذكورة تحتفي بالقتل؟
سؤال مهم نطرحه بتتبع ما استجد من أحداث خطيرة أشعلت المدينة لتتجه «فراشاتها» نحو النيران وغير قادرة على التمييز ما بين هذه النار أو تلك: مشهد بصري يؤسس له ما بين «هطول جنود سرايا الموت على المدينة» و»المطلوبين الذين ما انفكوا يشعلون حرائقهم هنا وهناك داخل الأحياء العتيقة، وهذا الفضاء المكهرب بالعنف خندق المرأة «مع أو ضد» لتغدو معاقبة من قبل الجهتين المتصارعتين: سعت الأولى منهما إلى وأدها في المنزل، بينما تطلّعت الثانية إلى جعلها غانية بحسب مثال «غادة» وغيرها من الفتيات اللاتي اقتربن من نيران العسكر، كما يلاحظ القارئ أن كلتا الجهتين قد دفعتا لجعلها داخل الصراع، حيث يدفع الخال بكر بالساردة إلى التنظيم غير مكترث بمصيرها، بينما سلّح الحزب بعضهنّ بالمسدسات، وما بين هذا وذاك سيعصف الجنون بالمنزلين: الصغير والكبير، ومعه سيصبح «الموت حدثاً عادياً».
وقد يكون من الصعب الإشارة إلى كل مجريات العنف التي فصّلت فيها الساردة، وهي على العموم تفاصيل لا تعنينا بمقدار تتبع تقنيات السرد التي تركّزت ما بين السرد الإخباري المعتاد للحوادث المعروفة + مونولوجات طويلة تبيّن عمق المأساة + تقنية تناسل الحكاية عن حكايات أخرى كثيرة تمتاز بمقصديتها الدلالية وبعدها الرمزي ومن ذلك: حكاية أستاذ الجامعة الذي تجاوز السبعين من عمره، ولم يحتمل «رؤية أحد أحفاده ينزل صورة T.S.Eliot من على الجدار ليعلق مكانها صورة قائد سرايا الموت، بينما حفيده الآخر الذي يعشق الكيمياء ويبشّر بمستقبل باهر، وضع الأحزمة الناسفة حول خصره باحثاً عن طرائده.» ص146.
حكاية الأستاذ الجامعي «عبد الكريم الدالي» الذي اتخذ موقفاً بعيداً عن الجهتين المتصارعتين.

حكاية الشيخ جميل النيربي ومقتله:
غير أن حكاية الضابط نذير وارتباطه بعلاقة حبّ مع «مروة» صائدة الفراشات، ستكون الاستثناء الذي عمل الروائي على تضمينه بعداً دلالياً يقف في مواجهة الكراهية وحمّى الطائفية التي انتشرت كالنار في الهشيم، لقناعتهما أن سوريا مشترك مكاني وإنساني يمكن التعايش بين طوائفه وإثنياته من خلال الحبّ وحل المشكلات الناجمة بالحوار، وينضمّ إليهما والد الساردة الذي بدوره لم يكن متحمّساً للكراهية، وشتم بكراً، مستنكراً حمّى الطائفية ممتدحاً أصدقاءه من الطائفة الأخرى، وبذلك فإنه استحقّ تكفيره، وأوّل من سيكفّره ابنته نفسها: «اعتبرت حديثه عن فقرائهم وأريحيتهم في جبالهم تمادياً لا يليق بأب أنتمي إليه وأحمل اسمه، اعتبرته كافراً ومرتداً..»ص149.

ثم يسافر الأب إلى بيروت هرباً من كل هذا الجنون الذي اشتعل في أسرته. «أما شقيقها حسام «طالب الشهادة» فقد أدرك بعد حين ما أوصلته إليه الجماعة، وسيخبر أخته أنه نادم على ما فعل، طالباً منها الانسحاب من التنظيم بعدما اطّلع على كثير من أسراره، وخلافات القيادة حول قائمة الاغتالات المعدّة: «لم أستطع الاعتراف لأحد أن ندم حسّان قد هزّني وأوقفني في برزخ الكراهية، كي أستعيد أحلام الأنثى وأنظر بعينين مفتوحتين إلى أمي التي استسلمت إلى قدر لم يأت بعد.» ص150.

وهكذا فإن كرة الكراهية التي تدحرجت من مكان ما، ازدادت اشتعالاً طالما ما وجدت ما تغتذي عليه من بشر وحجر في حال من هستيريا القتل الناجمة عن خوف فظيع احتل الأنفس، فبات معه القتل مشروعاً لأجل الخلاص من الحالة التي وقع الجميع فيها، وهو ما يعيدنا إلى أساطير القتل الأولى بدعوى ترتيب البيت من جديد: «أصبحت حلب مدينة المآتم، في كل زاوية تنتشر رائحة الموت.»ص167.. وفي هذا الأتون الملتهب بالعنف والكراهية والقتل سوف تتناثر مصائر نساء المنزل، وكأنهن نذرن للحظة قدرية تراجيدية لن تنتهي ما لم يتم تهيئتهنّ كأضاح لمذابح الذكورة، وهو خلاصة ما يمكن استنتاجه من السرود الطويلة لحيواتهن ومصائرهنّ الإنسانية داخل المنزل وخارجه، وإلى ذلك لن تنتهي المأساة قبل أن تدخل الساردة المعتقل كعقاب إضافي، وكتنويع سرديّ يذهب بالقارئ إلى مرحلة جديدة.

رائحة البهار:
وهو من أجمل الفصول من حيث بنائه الفني، نظراً لأن الروائيّ تغلغل بعيداً في نفس السجينة وفي عمق مأساتها، وبدلاً من الجمل الطويلة والتفاصيل المستفيضة، نجده يكثف السرد على عالم الأنوثة السجينة، فيرحل بنا في ما يشبه المونولوج الإنساني الطويل، قرأت فيه الساردة حالها وعالمها من جديد، وبعيداً عن الضغوط الاجتماعية للأسرة أو محيطها، ليغدو السجن المعروف عنه بأنه حيّز منغلق يصادر حريّة الإنسان، مرتكزاً دلالياً ينطلق منه وعي الساردة الجديد، نظراً لأنها سوف تعيش سنوات السجن مع اثنتين وعشرين سجينة ينتمين إلى مختلف الاتجاهات السياسية والإثنية، ليتبلور وعي أنثوي جمعي من أبرز تجلياته الولادة داخل السجن، والمولود سيحظى برعاية الأنوثة المتمثلة في 22 أمّاً، وإلى ذلك يمكن اعتباره رمزاً يتضاد مع توجّهات الذكورة العنفية، ورمزاً لمرحلة مقبلة.

السماء تمطر عسلاً:
الولادة الجديدة للساردة وزميلاتها، كما أشرنا، تمّت في السجن، حيث تزول الكراهية من النفوس، وتدرك السجينات أن لا مصلحة لهنّ في هذا الصراع الدامي، وسيتغيرن جميعاً من السلب إلى الإيجاب المتمثّل في نمط من الأخوية التي تنظر إلى الحياة بمنظار جديد، سيما وأنهن دفعن جميعاً ضريبة الانتماء للكراهية، وأول فعل تقوم به الساردة بعد إطلاق سراحها، هو إحراق الكتب التي وجّهتها تلك الوجهة، لتعمل بعدها على التصالح مع نفسها بخلع النقاب والتعايش مع المجتمع وكانت مريم ترقبها من النافذة غير أنها لم تكترث لما تفعله في لحظة أدرك الجميع فيها معنى أن تعشش الكراهية في الداخل لتقود الناس والأشياء إلى جحيمها في رمزية مروة ورأيها الختامي.

يبدو ضبابياً يمنع ندى الصبح رؤيته واضحاً، تتنفس أضلاعي الفجر وأسمع طقطقتها، أبتهج بالحياة الريفية الساكنة، مروة كأنها ولدت في هذا المكان، تبدو مندغمة مع عاداته ورائحته، قدمتني إلى الشيخ عباس الذي كنت أخاف لقاءه، ابتسامته المتسامحة اختصرت المسافات، لنصبح أصدقاء نتبارى في حفظ أبيات المعري، نتبادل الاتصالات الهاتفية ونسأل بحميمية عن صحتنا، نتبادل النكات ونضحك، حين يضحك شيخ جليل من قلبه يشعرك بأن الله جميل ويكره الشقاء، في المساء يدخل إلى غرفته، يتركني لصديقات مروة اللواتي يأتين كي يرحبن بقدومي ويصطحبنني إلى الشلالات القريبة. تخلصت من مشاعر الذنب التي انتابتني في أول زيارة، كيف كنا سنقتل كل هؤلاء البشر الذين تنضح العذوبة من أيديهم، ووجوههم الضاحكة، أحببت الإحساس بالحرية الذي يمارس ببساطة، دون تكلف، ماذا فعل السياسيون بالبلاد، لا تسألني مريم متى سأعود، معترفة بأنني تجاوزت الثلاثين.
عودة صفاء مع ابنها أمير وانكسارها من أفغانستان بعد انتصار الطالبان وقوانينهم حول المرأة ثم انسجامها هناك وإمضاء حياتها مع ابنها وزوجها امتثالاً أو انهزاماً

الوعي الجديد والسلوك الجديد للبطلة

كل أشيائي كدستها في الخزانة، تركت ثيابي دون نفتلين، متمنية أن تقضمها الجرذان التي بدأت ترتع آمنة في منزلنا بعد تغاضي مريم عن أصواتها وخروجها ليلاً للتمدد تحت ضوء القمر على درابزين الأدراج وحواف البحرة التي غزتها الطحالب، ما أصعب أن تهجر النساء عاشقات الحياة منزلاً، نباتات الورد ذبلت وتقصفت أعواد الريحان، لم يعد صوت المياه يثير بهجة صفاء التي اعتقدت للحظة بأن منزلنا المهجور يشبهها في كل أطوارها، ص 395.

هؤلاء البشر المسرعون على جسر بيركلي لا يدركون معجزة أنهم يتنفسون بحرية، عدت لوحدتي بعد أسابيع من وصولي إلى لندن، اقتنعت أنها الوسيلة الوحيدة للهرب من الماضي، الوحدة المثقلة بالألم التي أتشاطر طعم مرارتها مع ملايين البشر العائدين مساء إلى منازلهم في المترو منكسي الرؤوس أو متأملين الفراغ متمسكين بحقهم أن يكونوا غرباء، ص 397.
تأخرت عن مترو الساعة الثانية عشرة ليلاً، تابعت تسكعي وحيدة في بارات لندن محتفية بحرية العيش المنفلت من كل الوجوه التي رأيت صورتها مرسومة على صفحة النهر، وجوه الجلادين والسجانين والسجينات اللواتي كنت واحدة منهن، أحسست ببؤسهن من هذه المسافة البعيدة، انفلت في المكان الغامض فتاة متسكعة، حملت أوزار معصيتي على كتفي، تهت في الشوارع الغريبة بين السكارى، سمعت موسيقى الزنوج في بارٍ مكتظ بالراقصين، ابتسمت لراقص غاب من شدة الوجد، تمنيت مشاركته الرقص وفكرت بأن المكان قد يمنحنا فرصة أخرى للعيش من جديد دون تزييف، لامبالاتي منحتني إحساساً بالقوة. ص 401.

بكر وانكساره وغربته واشتياقه للأمكنة القديمة التي لن تعود كما كانت حتى في شكلها المكروه.. أن تكره شيئاً سوف تندم على مفارقته.. جالسته في المقهى كصديق ينظران إلى الأمور بشكل مختلف، ولم يعد ذاك المخلّص الذي يقودها إلى عالم رسمته لنفسها.

في باريس أحسست بأنني لا أحب مكاناً إلا منزل جدي، انتابني الحنين إليه فجأة، تمنيت العودة إلى سريري كي ترتاح عظامي، لم أجرؤ على الاعتراف أمام جانو وسلوى بأنني لم أتأقلم مع لندن، ينتابني إحساس دائم بأنني سأبقى غريبة هنا، في طريقنا إلى إسبانيا عرضت سلوى مساعدتي بتأمين سفري إلى نيويورك، الشديد، لا يريد بكر تذكيري بأنه يتحمل مسؤولية كل هذه الأرواح المتطايرة في السماء الباحثة عن مكان تستقر فيه، لا يمكن العودة إلى الأيام الماضية، هذا ما فكرت به إذا كان الماضي مثقلاً بكل هذا الخراب، ترك لي بكر على الطاولة طلب التنظيم مني ارتداء الحجاب كوني أحد رموزه من النساء المؤمنات، كما اطمئن إلى أنني ما زلت تلك المسلمة المتسامحة مع الطوائف والأديان الأخرى، قلت له صراحة بأن التكفير الذي يجتاح العالم الإسلامي سبب بلائنا، كنت أرى في عينيه نظرات الرضا وفخره بالطبيبة التي جالست العم صالح في تلك المشرحة القذرة، شربت معه الشاي الثقيل بهدوء، تحدت الشك في عيون المظليين والمخبرين، رويت لمعلمي جيم كارلتن وزوجته سيرتنا مع الذين عذبونا وأحصوا أنفاسنا، فروع المخابرات التي راجعناها بعد خروجنا وجلوسنا أمام غرف المحققين ونظرات الباحث عن روحه الهائمة في مكان لم يحبه أو ينسجم معه يوماً، حدثني عن غربته وشوقه للصباحات في منزل جدي وشرب القهوة مع رضوان، كم نفتقد لحظات صغيرة، عابرة وتافهة، كدت أعترف لبكر بأنني أيضاً أشتاق لمناكدة رضوان واستنشاق رائحة البهار حتى الثمالة في قبو مؤونة ذلك المنزل البعيد كطائرات الطفولة الورقية، لقد شاخ بكر مبكراً قلت لنفسي وأنا أراقب تجعد يديه وكلماته الخائفة من الموت: لم يعد ذلك المحارب الذي خلق للقتال بصمت، كل شيء يعذبه، الذكريات وأرواح القتلى وصرخات السجناء الذين قال لي بأنهم يطاردونه في منامه وأكمل بأنه كتب مقالات طويلة يراجع فيها تجربة التنظيم.
من الصعب رؤية مدينة من وراء غبش ملاءة وجه وتحبها، تبدو حلب لي غامضة، قاسية، أتوعد الفتيات السافرات في قلبي، أتخيل نفسي أحاكمهن، أرش وجوههن بماء الأسيد، أشوههن دون رحمة، أضرب على أصابعهن الرقيقة كي لا يمسكن أيدي الرجال ويضحكن حين يأكلن البوظة ويسرن متمهلات، فكرت لا بد أنهن يذهبن إلى البيوت مع الرجال مستهترات بعفافهن. جنود سرايا الموت ملؤوا المدينة، أثاروا الذعر بأجسامهم القوية وبنادقهم السريعة الطلقات واستهتارهم بموت حاصرهم بغتة في الأحياء الضيقة لمدينة يفتخر أهلها بقسوتها وغموضها وتاريخها، الأوامر تأتي إلينا بشكل يومي، فنخترق أزقتها كالهواء، أحياناً نشعر بأننا نطير، ندخل إلى البيوت، النساء يصلين من أجل رجالنا، يبكين.

1,1 الحكاية الإطارية.
فمريم على سبيل المثال: وجه مدور+ عينان خضراوان+ إخبار عن شبهها بجدتها+ رفضت المتقدمين لخطبتها+ أصابع يديها ناعمة كأرستقراطية سورية قديمة+قامتها طويلة+تكوين صدري يضم نهدين غير ناتئين+ رقبة متوسطة الطول+متدينة وأقرب إلى التصوّف+مريدة للحجة رضية المتصوفة.
صفاء: امرأة مهجورة من قبل زوج لم تعرفه، تجاوزت الثلاثين + تصاب بنوبات اكتئاب شديدة، وأحياناً نوبات فرح + تتبختر في لباس شفّاف ترفعه إلى ما فوق ركبتيها + ترغب بالخلاص من بيت «المجانين والعوانس» كما كانت تسميه.

مروة: عادت إلى البيت حردانة لأن زوجها يشرب الخمر ويعنّفها+ تستعيد سريرها تدخن مع صفاء سراً، وتستمتعان بأغاني أم كلثوم + تغني بصوت رخيم كمحترفة.

الساردة: فتاة صغيرة جلبت من بيت أهلها بعد موت الجدّ والجدّة، ولكنها تستعيد تاريخ الأسرة وعلاقتها بالمكان والجوار عبر عدة محاور سردية، نربط ما بين الماضي الممثل بالجد وحياته داخل المنزل وتجارته وعلاقاته، الجدة وإدارتها لشؤون المنزل، الخالات الثلاث اللاتي انقسمن فريقين: فريق ينشد شيئاً من الحرية ويتمثل ب صفاء ومروة، مريم المحافظة، ويعمل الفريقان على استقطاب الساردة.

ومن خلال هذه المحاور ينفتح السرد على أطر حكائية إضافية كثيرة، أغلبها هامشي لا غاية منها سوى أنها تفاصيل تقحم بالعملية السردية: كحكاية النقّاش السمرقندي، وحكاية وصال والسائس خليل، وبعض المشهديات الحالمة للفتاة الساردة بينما هي تعاني من وطأة التمزق الروحي والجسدي داخل البيت والمدرسة كتمهيد لفعل لاحق. وبذلك فإن الأمكنة ستتعدد بدءاً من حلب إلى تركيا فسمرقند فلندن، ومعها سيحضر الكثير من التناص كترقيشات دلالية وامضة وعابرة من مثل فيلم «ما زال اسمي ترنيتي» و«أغاثا كريستي وزيارتها الشهيرة لفندق بارون في حلب، خير الدين الأسدي وموسوعته وديوانه «أغاني القبّة».