محطــات فـي المسـرح العربـي
للدكتور هيثم يحيـى الخواجة
قـراءة: رضـا محمـد محمد علي
كتاب «محطات في المسرح العربي» واحد من أهم إصدارات دائرة الثقافة والإعلام بالشـارقة لعام 2011، نظراً لهذا التنوع الشديد في فصول الكتاب وما يتبعها من مباحث صغيرة. أيضاً يحتل المسرح الخليجي مساحة كبيرة من هذا الكتاب، وذلك يعتبر إثراء في مجال الدراسات الخليجية المسرحية التي تتمتع الآن باهتمام الكثير من نقاد المسرح.
يبدأ المؤلف كتابه بقضية مهمة وهي «النص المسرحي الإماراتي»، متناولاً فيه إشكالية الكتابة المسرحية في الإمارات، بدءاً من أواسط السبعينيات حتى وقتنا الحالي، ويعتبر أن البداية الحقيقية للنص الإماراتي جاءت في الثمانينيات، حيث بداية أيام الشارقة المسرحية ومسابقات التأليف المسرحي التي بدأت عام 1979، أما قبل ذلك فقد كانت النصوص معدة عن نصوص عربية معروفة، ويأخذ المؤلف نماذج تحليلية أهمها مسرح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي يعتبره رائداً للمسرح الوثائقي والمسرح الملحمي في الإمارات. وفي هذه الدراسة يستعين المؤلف بالمنهج المقارن، بالإضافة إلى التحليلي لرصد أهم سمات مسرح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان وتحديد مكانه على الخريطة المسرحية العربية والعالمية، فيعرفه بأن «المسرح الوثائقي الذي يقدم حدثاً تاريخياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو قصة أو واقعاً بأسلوب درامي».
أما المنهج المقارن فيتضح في المقارنة بين مسرح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان ومسرح كلّ من بيتر فايس وبريخت في ألمانيا، بيتر فايس هو مؤسس المسرح الوثائقي بمسرحية «مارا ـ ساد» وتطور على يد كلّ من بيتر بروك وبريخت صاحب النظرية الملحمية. وهنا يفرق المؤلف بين أمرين مهمين وهما، الفرق بين الفيلم الوثائقي والمسرح الوثائقي، الأول يقدم المادة الوثائقية كما هي وبشكل حرفي بعيداً عن الفن، أما المسرح فهو «يستوعب المادة الوثائقية ويوظفها عبر السيمائية والدلالية والكثير من الأساليب الأخرى التي تحقق التواصل مع المتلقي»، ويعدد المؤلف الوسائل المستخدمة في هذا النوع المسرحي بخيال الظل، السينما، التلفزيون، المؤثرات السمعية، الكتب والمنشورات والصحف وغير ذلك من وسائل التقنيات الحديثة، ولكن يؤكد أيضاً أنه مسرح إشكالي من حيث النجاح أو عدمه، يرتبط ذلك بمقدرة المخرج ورؤيته الإبداعية في فهم النص وإخراجه. ويسحب ذلك على مسرح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان الذي يعتمد التاريخ مصدراً لجميع أعماله، وذلك بهدف الإسقاط على الواقع إن لم يكن صورة من صور هذا الواقع، والأعمال التي يتناولها المؤلف بالدراسة هي «عودة هولاكو»، «القضية»، «الواقع صورة طبق الأصل»، «الإسكندر الأكبر»، «النمرود»، «شمشون الجبار». محاولاً في المسرحيات الست الوقوف على أهم ما يميزها من وسائل درامية، ومحللاً الحوار وصولاً إلى لحظات الإسقاط والتشابك مع الواقع، ليعود إلى منهج المقارنة ويرصد نقاط التشابه بين مسرح بريخت ومسرح الدكتور سلطان وأهمها كان: 1– الاعتماد على السرد، 2– تحويل المتفرج إلى مراقب للحدث، 3– يقدم للمتفرج صورة للعالم يتأملها عقلياً، 4– يخرج المشاعر الغريزية إلى النور، ويدفع المتفرج إلى إدراكها بعقله، وأخيراً يتوجه إلى العقل ويخاطب الوعي. ويصل المؤلف إلى أن مسرح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان وثائقي ملحمي تجريبي يعي وبشدة احتياجات الأمة العربية بالوعي بما هو قائم، ويحاول استنهاض الهمم من أجل ما هو قادم.
واستكمالاً لهذا الفصل يأتي الفصل الثاني «توظيف التراث في المسرح الإماراتي»، فبشكل عام قضية توظيف التراث من القضايا المسرحية التي شغلت ومازالت أذهان وكتابات العديد من المسرحيين، لأن استخدام التراث يحمل دعوة إلى الاهتمام بالأصالة من ناحية، ومن ناحية أخرى دعوة إلى تأصيل المسرح العربي وتحديد ماهية له تختلف عن المسرح الغربي، وتتعدد أشكال التراث كما تتعدد أشكال الكتابة المسرحية له، بدءاً من توفيق الحكيم وسعد الله ونوس وصلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوي وقاسم محمد ويوسف العاني، والكثير الذين لم يتسع المقال لرصد تجاربهم، بالإضافة إلى ذلك يطرح مؤلف الكتاب بعض البيانات التي صدرت في العديد من البلدان العربية تدعو إلى تأصيل المسرح باستخدام التراث (عبدالكريم برشيد بالمغرب)، وقد اختص المؤلف المسرح الإماراتي كنموذج للتعامل مع التراث، حيث إنه وبشكل قوي يعتمد على التراث لدرجة جعلت معظم كتّابه لا تخلو أعمالهم من أحد أشكال وقضايا التراث، وتناول بعض النصوص ليدلل على ذلك مثل «الميدان يا حميدان» لجمال مطر، «عين منكبة وعين ملتبة» لعبدالله زيد، «خرزة الجن» لناجي الحاي، «باب البراحة» لمرعي الحليان، و«اللوال» لإسماعيل عبدالله. أما الراحل سالم الحتاوي فتتميز معظم أعماله بالسمة التراثية (أحلام مسعود، ليلة الزفاف، عرج السواحل).
وجميع تلك الأعمال المسرحية تتنوع فيها القضايا التراثية، سواء السحر والجن، أو مشاكل العنوسة، أو شخصية النوخذة، كما تعتمد أسلوب الفرجة المسرحية، ولا يفوت المؤلف الحديث عن أعمال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان من الزاوية التراثية، حيث إنه يعتمد التاريخ وهو أحد أشكال التراث المتعارف عليه. وينتقل المؤلف إلى الفصل الثالث من حيث كونه متعدد الرواية والأطروحات منفصلة الموضوع أقرب إلى المقالات والدراسات المنشورة في الصحف والمجلات المسرحية، فيتحدث أولاً عن كون مي زيادة كاتبة مسرحية ويختلف مع الدكتورة سامية حبيب، فلا يعني كونها كتبت نصين مسرحيين أنها كاتبة بل صاحبة نصين مسرحيين.
أيضاً يتناول بالشرح والتحليل مسرحية «رقصة الأمم» للدكتور مؤيد حمزة و«نزيف الأقصى لهيب» للشاعر مروان بدر الدين عرنوس، ومسرحية «شهود» للشاعر وليد المصري، ثم رؤية تحليلية عامة لكتابات عز الدين جلاوجي في مسرح الأطفال، وجميع تلك الأعمال على اختلافها يتناولها المؤلف بالتحليل والتصنيف مستخرجاً ما في العمل من إبداعات وابتكارات وقيم تسهم في دفع عجلة التطور المسرحي في الوطن العربي. وبالمثل كان الفصل الرابع «المسرح رؤى وقراءات»، حيث ينقسم إلى دراسة تاريخية في المسرح السوري قبل وبعد الاستعمار، ثم قراءات في بعض الظواهر المسرحية مثل خيال الظل، ثم بعض الإشكاليات الجدلية في المسرح مثل الجمهور بين المونودراما والمسرح، العرض المسرحي بين النقد والجمهور، مسرح التلفاز، مشكلات المسرح بين الأزمة والوهم، المسرح بين النص والإخراج، وأخيراً المسرح والمتلقي، وغيره من الإشكاليات التي لا يسع المقال لذكرها جميعاً، تظهر مدى ثقافة المؤلف الموسوعية في مجال المسرح وإنتاجه الغزير والمتنوع كماً وكيفاً. أما الفصلان الخامس والسادس فيتميزان بوحدة الموضوع رغم تفرع نقاط الدراسة التي تصب في نهاية الأمر في الموضوع الرئيس، على سبيل المثال الفصل الخامس المسرح في الكويت، يتفرع إلى ثلاثة محاور أولها «فؤاد الشطي» مقاربة لإنجازه، يتحدث المؤلف عن أهم سمات أسلوبه الإخراجي، بدءاً من الفضاء المسرحي الذي يعتمد التجزيء والتفكيك ثم التركيب ثم التشويق، الاحتفالية، كسر الجدار الرابع بالعمل على الممثل، استخدام التراث بأشكاله المختلفة (الألعاب الشعبية، الآذان، الحكايات) وغير ذلك، مما يجعل المؤلف يصفه بحداثة الإخراج التي تبعده عن الابتذال والتكرار والاستسهال.
وينطبق ذلك على الكل وهو المسرح الكويتي الذي يرى فيه المؤلف ضرورة احتلاله مكان الريادة في الوطن العربي لتطور التجربة المسرحية فيه على مستوى النص والعرض معاً. وينهي د. هيثم يحيى الخواجة هذه الدراسة برصد قضية «المسجد الأقصى في المسرح الخليجي»، وكما هو الحال في جميع فصول الكتاب ينطلق من العام إلى الخاص، يتحدث أولاً عن بعض التجارب المميزة في الوطن العربي «باب الفتوح» لمحمود دياب – مصر، و«حفلة سمر من أجل خمسة حزيران» لسعد الله ونوس – سوريا. ثم ينتقل إلى المسرح الخليجي فيتخذ من مسرحية الشيخ سلطان القاسمي «الواقع صورة طبق الأصل» و«شهادة على أبواب الأقصى» لقاسم محمد، مثالاً.
تتعدد أشكال الكتابة المسرحية له، بدءاً من توفيق الحكيم وسعد الله ونوس وصلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوي وقاسم محمد ويوسف العاني، والكثير الذين لم يتسع المقال لرصد تجاربهم
وينهي المؤلف كتابه الذي بلا شك يقدم للقارئ العديد من الإشكاليات والمفاهيم والشخصيات المسرحية التي تساعد وبشكل قوي على نشر الثقافة المسرحية، بالإضافة إلى إثراء المكتبة المسرحية العربية بالكثير من الموضوعات والدراسات المسرحية المهمة.
|