نافذة علـى ثقافـات العـالم

 

زكريا أحمد

نطل من هذه النافذة على بعـض تفاصيـل المشـهد الثقـافي العالمـي، وهي التفاصيل التي يندر أن تلتفت إليها الصفحـات الثقافيـة فـي الصحف والمجـلات العـربيـة.

الهـولندي هُوس كوييـار يفـوز بأكبر جائـزة عالمية لأدب الأطفــال واليافعين

أعلن في أواخر شهر مارس الماضي في السويد عن فوز كاتب الأطفال الهولندي الشهير هوس كوييار بجائزة استريد لندرجين التي تعد أكبر جائزة عالمية لأدب الأطفال واليافعين، إذ تبلغ قيمتها خمسة ملايين كرونة سويدية، وتأتي في الأهمية بعد جائزة نوبل للآداب التي تقدمها السويد لأدب الكبار وتبلغ قيمتها عشرة ملايين كرونة.

ورغم أهمية الجائزة، وأهمية صاحبتها استريد لندرجين التي تعد أكبر وأشهر كاتبة للأطفال في العالم، وأهمية الفائز هوس كوييار أكبر وأشهر كاتب للأطفال في هولندا، وأحد أهم كتاب الأطفال في العالم، فإن صحافتنا لم تول أي اهتمام لهذا الحدث الثقافي العالمي الكبير حتى كتابة هذه السطور.

ويحدث هذا التجاهل أيضاً من وسائل الإعلام رغم ما تشهده بلادنا في الفترة الأخيرة من اهتمام متزايد بأدب الطفل وخاصة في إمارة الشارقة التي تعيش الآن أجواء (مهرجان الشارقة القرائي للطفل) في دورته الرابعة والتي انطلقت في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي (إبريل 2102)، وامتدت إلى بدايات هذا الشهر وحفلت بمجموعة هائلة من الأنشطة وورش العمل الثقافية والفنية والندوات الفكرية يقدمها ضيوف متخصصون من دول الخليج والدول العربية والأجنبية، ويضم أيضاً مجموعة كبيرة من كتب الأطفال (أكثر من 20000 كتاب)، تعرضها أكثر من 200 دار نشر عربية وعالمية، بما يجعل هذا المهرجان الحدث الثقافي والتربوي الأبرز في المنطقة العربية والشرق الأوسط أيضاً.

لهذا كله رأينا أن نخصص نافذة هذا العدد لإطلالة سريعة على الجائزة وصاحبتها وعلى الفائز أيضاً الذي - في حدود علمي وبحثي - لم تترجم كتبه إلى العربية حتى الآن، ولعله أيضاً ما زال مجهولاً لدى أكثر المثقفين والمهتمين بأدب الأطفال واليافعين.

الجــائزة: جائـزة استريـد لندرجيـن التذكــارية لأدب الأطفـال واليافعيـن

أنشأت الحكومة السويدية هذه الجائزة في عام 2002 تكريماً لذكرى كاتله الأطفال استريد لندرجين التي توفيت في العام نفسه عن 94 عاماً، والتي أسعدت بقصصها وكتبها ملايين الأطفال في السويد ومئات الملايين من الأطفال في السويد، ومئات الملايين من الأطفال في العالم، بعد أن ترجمت كتبها إلى معظم لغات العالم، وتبلغ قيمة الجائزة خمسة ملايين كرونة، مما يجعلها أكبر جائزة لأدب الأطفال واليافعين في العالم.
وتمنح هذه الجائزة سنوياًً للكتّاب والرسامين والروائيين، الذين يكتبون لهذه الفئات العمرية، كما تمنح أيضاً للحكائين الذين يسردون روايات الأطفال شفاهياً، وللمؤسسات التي تقوم بأنشطة مميزة لتشجيع الأطفال واليافعين على القراءة وتطوير مهارات القراءة لديهم.
والجائزة لا تمنح لكتاب أو رواية واحدة، بل تمنح لإنجاز المرشح للجائزة، وقد تمنح لروائي أو رسام واحد، أو لمجموعة من المرشحين، وقد فاز بها في السنوات العشر الماضية مجموعة من أهم وأشهر كتّاب ورسامي الأطفال، منهم موريس سنداك أشهر مؤلف ورسام أمريكي، وكاثرين نوستلنجر كاتبة الأطفال الأسترالية الشهيرة، ليجيا بوجونجا المؤلفة البرازيلية الشهيرة، وشون تام رسام ومؤلف الأطفال الأسترالي، وغيرهم.
كما فازت بالجائزة مؤسستان تعملان على تشجيع الأطفال على القراءة ولها مشاريع مهمة وناجحة في هذا المجال، الأولى مؤسسة بانكو دي ليبرو (بنك الكتاب) في كاراكاس بفنزويلا، والثانية مؤسسة ثامر للتعليم المجتمعي، وهي مؤسسة فلسطينية تشجع على القراءة، ويمتد نشاطها بين الضفة الغربية وغزة، وقد فازت بجائزة استريد لندرجين في عام 2009.

ولعل هذا الفوز يفتح الطريق أمام مشروع الشارقة الرائد لتشجيع القراءة ونشر الثقافة في إمارة الشـارقة، أقصد مشروع (ثقافة بلا حدود)، إن هذا المشروع تجربة ثقافية رائدة للتشجيع على القراءة، ويجب أن يقدم للعالم كتجربة ناجحة لتشجيع الأطفال واليافعين وكل الأسرة على القراءة، كما يجب أن يقدم أيضاً للفوز بهذه الجائزة العالمية الكبيرة، وهو يستحقها عن جدارة، خاصة وأنها تقيم مثل هذه المشاريع على مفهوم الربحية.

ويقوم بالتحكيم في هذه الجائزة اثنا عشر عضواً، من المتخصصين في أدب الأطفال من بينهم أحد أفراد أسرة استريد لندرجين. ولا ينظر المحكمون إلى لغة أو جنس المرشحين، بل إلى قيمة وأهمية إنجازاتهم. وقد تقدم للجائرة هذا العام 184 مرشحاً من بينهم 30 مؤسسة من 66 دولة. والطريف والمهم الذي يدل على شفافية هذه الجائزة أن أسماء المرشحين والمؤسسات جميعاً قد نشرت كاملة على موقع الجائزة.

أستريد لندجرين: 1907 - 2002
ولدت أستريد لندجرين في المدينة الريفية ويميربي في بيت جميل تحيط به أشجار الفاكهة وفي الأفق القريب والبعيد طبيعة ساحرة، فتنت الطفلة الصغيرة، وهي تسير على قدميها كل يوم إلى مدرستها التي لم تكن تبعد أكثر من بضعة كيلومترات عن بيتها. وكان من حسن حظها أن الأسرة - رغم اشتغالها بالزراعة - كانت مثقفة وتحب القراءة، وكان والدها يهديها كتب الأطفال الجميلة في عيد ميلادها، وأيضاً في أعياد الميلاد.

نشأت الطفلة أستريد سعيدة تحب القراءة وتحب الحياة، وذات خيال خصب ساعدها بعد ذلك عندما اتجهت إلى كتابة قصص الأطفال وهي في منتصف الثلاثينيات من سنوات عمرها التي امتدت حتى بلغت الرابعة والتسعين.
عندما أتمت أستريد دراستها الثانوية عملت في الصحافة وانتقلت إلى استوكهولم عاصمة السويد وعاشت بقية عمرها هناك، ولكن سنوات طفولتها كانت كنزها الثمين الذي ترجع إليها دائماً عند كتابة قصصها التي قاربت التسعين قصة بدءا بقصتها (بيبي ذات الجوارب الطويلة) التي أصبحت أشهر قصة للأطفال في العصر الحديث بعد أن ترجمت هي وغيرها من قصصها إلى أكثر من ثمانين لغة، وقدمت في أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية.
تزوجت أستريد وأنجبت طفلاً وطفلة، وعاشت سعيدة بأطفالها ومع زوجها، كما عاشت سعيدة في طفولتها مع أسرتها وعبرت عن هذا كله في قصصها وكتاباتها الأخرى فقد كتبت للكبار أيضاً، كما كتبت سيناريوهات العديد من قصصها، كما كتبت عدداً من المسرحيات، وعندما توفيت في عام 2002 كانت قد أصبحت أكبر وأشهر كاتبة أطفال في العالم، بعد أن بيع من كتبها 150 مليون كتاب. وكانت تقول حتى آخر أيامها: «كل ما أتمناه هو أن أعيش أطول قليلاً، فالحياة ممتعة ورائعة، ويجب أن نستمتع بكل لحظة فيها حتى آخر لحظات حياتنا». وكانت تقول أيضاً: «كل ما أهدف إليه من قصصي هو أن أمنح الأطفال لحظات من السعادة، تشبه تلك السعادة التي شعرت بها حين قرأت لي أمي أول قصة مكتوبة أهداها لي والدي في عيد ميلادي الرابع. إن إسعاد الأطفال هو أمنيتي الوحيدة ولا شيء عندي سواها».
وقد حققت أستريد لندرجين أمنيتها، وأسعدت أطفال العالم ونالت حبهم جميعاً في كل مكان، وليست هذه السطور إلا إشارة سريعة إلى هذه الكاتبة الرائعة التي تستحق دراسة مفصلة عن حياتها وإبداعاتها في عدد قادم إن شاء الله.

هوس كوييار
فاز هوس كوييار كاتب الأطفال الهولندي الأشهر بجائزة أستريد لندجرين لهذا العام، وتم اختياره من بين 184 مرشحاً ومرشحة للجائزة من 66 دولة، وقالت لجنة التحكيم في مبررات اختياره إن كوييار يجمع في كتاباته للأطفال بين جدية الموضوع، وأيضاً الواقعية الشديدة الممزوجة بشيء من الدعابة الدافئة والبارعة في إطار من الخيال الخصب، كما أنه يركز دائماً على حق الطفل في أن يحيا حياة كريمة، وأن يحظى بالاحترام، وتسري في كتاباته دائماً الدعوة إلى التفاهم والتسامح والسلام بين البشر.

ولد هوس كوييار في عام 1942 في أمستردام وبعد أن أنهى دراساته عمل مدرساً في المرحلة الابتدائية بين 1967 و1973. وكان قد بدأ يكتب قصصاً قصيرة منذ عام 1968، ونشر مجموعته القصصية الأولى في عام 1971.
وفي عام 1975، وبعد سنوات من الكتابة القصصية والروائية، اتجه للكتابة للأطفال، ونشر أول قصة في سلسلة خصصها لشخصية طفلة اسمها ماديليف (زهرة الربيع)، وقد لقيت نجاحاً كبيراً وحصل على إحدى جوائز أدب الأطفال، بعد ذلك تحولت هذه السلسلة إلى مسلسل تلفزيوني شهير.
وانتقل كويتار بعد نجاح سلسلة ماديليف إلى كتابة سلسلة أخرى من كتب الأطفال بطلتها فتاة أخرى اسمها بوليكي لاقت هي الأخرى نجاحاً وشهرة كبيرة، وقدمت أيضاً في السينما والتلفزيون.
ثم توالت أعمال كوييار القصصية للصغار، وأيضاً موضوعات أخرى في كتب للكبار، حتى أصبح أشهر كاتب للأطفال في هولندا، وأحد أهم وأشهر كتاب الأطفال في هولندا، وأحد أهم وأشهر كتاب الأطفال في العالم، بعد أن كتب عشرات القصص للأطفال، وترجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم.
وقد نال كوييار العديد من الجوائز قبل هذه الجائزة الكبرى، التي حصل عليها هذا العام، والمعروف أن جائزة أستريد لندرجين لا تمنح على عمل إبداعي واحد، بل على مجمل إبداعات وإنجازات المرشح للجائزة، وآخر إبداعات كوييار كتاب (كتاب عن كل شيء)، وهذا الكتاب يتصدر الآن مبيعات كتب الأطفال في أكثر من دولة، وقد نال الجائزة الذهبية لكتب الأطفال في هولندا، وتدور أحداث الرواية في أمستردام في منتصف خمسينيات القرن الماضي (1951)، ويحكيها طفل اسمه توماس، من خلال يوميات يكتبها ويسجل فيها (كل شيء) يحدث له أو يفكر فيه، ومن هنا جاء عنوان الكتاب.

واللافت في هذه الرواية هو شخصية الطفل توماس الذي يتمتع بذكاء لامع، وقدرة خارقة على رؤية أشياء خفية، أو لم تحدث بعد، ورغم حياته بين أسرة تعسة، الأب مهوّس دينياً ويضرب زوجته وأولاده (توماس وأخته الكبيرة مارجوت)، وأمه خائفة تتحمل العذاب في صمت، والأخت تفكيرها محدود وبها شيء من الغباء (على حد قول توماس في يومياته)، ورغم ذلك، فإن توماس شخصية متفائلة جداً، ويأمل عندما يكبر أن يصبح إنساناً سعيداً!
وفي الرواية شخصيات أخرى مهمة مثل شخصية إليزا ذات الرجل الصناعية المطاطية، صديقة توماس التي يحبها ويعتبرها من أجمل فتيات العالم، وأيضاً شخصية السيدة (فان أميرسفورت رافورست)، ولعل اسمها يكفي للدلالة على شخصيتها الغريبة والغامضة، وقد ساعدت هذه السيدة - التي يعتبرها جيرانها ساحرة على علاقة بالعفاريت - ساعدت توماس كثيراً لكي يتقي شر والده.

ولكن مساحة النافذة المحدودة لا تسمح بأكثر من هذه الإشارات السريعة إلى الجائزة وصاحبتها والفائز بها، والحقيقة أن هوس كوييار يستحق هو الآخر دراسة مفصلة عن إبداعاته في مجال أدب الأطفال، خاصة وأنه ما زال مجهولاً حتى الآن لدى المهتمين بأدب الطفل في العالم العربي بوصفه نافذة يمكن أن نطل منها على أدب الأطفال في هولندا.