«ذهب مع الريح»
ستون عاماً في ذاكرة المشاهدين
علي عوض الله كرار
سكارليت أوهارا، فتاةٌ من الجنوب الأمريكي: نار تجمّدت على هيئة رخام نُحتَ على هيئة امرأة، دائماً تحاول الانفلات من قدرٍ حطها على هذا النحو الأخير، وتلتفت مهرولة إلى عكس الاتجاه، إلى قَدَرها الطبيعي، إلى النار الباحثة عن هواء يجدّدها، لكن من يخلصها من هذين الحرفين الجارين لحياتها؟ لمن تترك «منْ» و«إلى»؟ حرفان لا هَمّ لهما سوى تلقيف منْ قصدته الكلمات المحبوسة بينهما لبعضهما البعض، ولا مهرب لها منهما سوى أن تغازل الأرض؛ تغازل جاذبيتها، لكنها تكره واقعها الأرضي، ربما لأنه واقع لا يتماس إلا مع نعال الأحذية التي لا تستهويها إلا لعبة مثل كرة القدم. ستقتلها الركلات إذاً، فلتبقَ على علو يُعادل المسافة ما بين كعبها وقلبها. ولتبق ذاهبة آيبة ما بين الحرفين الرقيقين هذين؛ علّ نفثة هواء قوية تمر على غير انتظار فتُعدِّل من معَدَّل سرعتها، ومن خط سيرها، ومن شكل لولباتها؛ فيخطئ صدَّها حرفٌ من الحرفين، وتكون هي ابتلعت قسماً وافياً من هذه النفثة، قسماً يكفيها لعمل حوصلة هوائية كالتي تملكها بعض أسماك البحر، أو لتحوير بطنها كمنطاد.
وجاءتها بالفعل نفثةٌ هوائية على غير انتظار في صورة رجل له اسمان، كل اسم منهما أشهر من أخيه: كلارك غيبل وريت باتلر. وبرغم أن هذين الشخصين المتداخلين كانا ذوَي خبرة في التعامل مع النساء الصغيرات المتمردات، إلا أنهما لم يستطيعا القضاء على شهرة سكارليت في العالمين؛ السينمائي وغير السينمائي لدرجة أن أصبح لا حاجة لها إلى اسم أبيها أوهارا، أو اسم جدها كينيدي، مع أن اسم العائلة في هذه المجتمعات الزراعية له أهمية الأرض، فهُما مقوّستان تحصران بينهما النفوذ وتحميانه كذلك، تحميانه من نفوذ مجاور قد يطمع في الاستيلاء عليه. فالنفوذ بسطة من بسطات سلم تتخللها درجات من العمل والجهد والمثابرة، وكل وصول إلى بسطة يُوسِّع من شهية شهوة المتصاعد إلى البسطة التالية وصولاً إلى السلطة. والمرء الراغب في الوصول، عليه أن يفعل أفاعيل الأفاعي لجلب نفوذات أخرى، ومن هذه الأفاعيل وأكثرها انتشاراً: المصاهرة، لذا كان لزاماً على كل أسرة إقطاعية أن تُجمل فتياتها، وانتهاز أي حفل عام أو خاص، ودفعهن للاختلاط والرقص والدلال؛ عسى أن تنخطف كل واحدة منهن بعين فتى من الفتيان. أن تنخطف، لا أن تخطف، ذلك هو المقبول اجتماعياً حينها، إلاها، سكارليت، كان الفتيان ينسلون من تحت آباط فتياتهم، ويتسابقون في ما بينهم على خَطْب ودها؛ ووجدَتها هي لعبة مسلية: هي الجسد، وهم المتحاربون في سبيلها، ولعلنا نتذكر- والبركة في الفضائيات- أول مَشهد ظهرت فيه سكارليت: كانت جالسة على آخر درجة سلم رخامي لمدخل بيت العائلة، عن يمينها شاب، وعن يسارها شاب، الاثنان أخوة، وكل منهما يستميلها إليه.
إن دوّرنا هذا المشهد 90 درجة مئوية، أصبح مَنْ كان على يسارها شمالها، ومن كان على يمينها أصبح جنوبها، وهي كما هي؛ لأنها المركز، والمركز لا اتجاه له. هذا المشهد على وضعه الجديد، هو الصورة الفوتوغرافية الشخصية والصغيرة الحجم للصورة البانورامية العامة (= أمريكا في هذا الوقت)، والأكبر حجماً من قُدرة أي عين بشرية على الإلمام بها، حتى ولو استعانت بأجهزة بصرية حديثة، لذا رأيت من أهل الجنوب، ومن المخرج فيكتور فليمنغ، ومع الكاتبة مرغريت ميتشل، لا مفهومية الحرب الأهلية تلك.
فسرعان ما استفاق المتحاربون على جسد سكارليت؛ على أن آخرين من الشمال استقر رأيهم على اغتصاب الجسد الجغرافي الجنوبي بحجة تحرير العبيد الذين ظهروا في الفيلم كعبيد من نوع خاص، أكسبتهم العِشرة الطويلة مع البيض نوعاً فريداً من الصداقة، نجد لها مثالاً في علاقة الخادمة والمربّية الزنجية مع سيدتها الصغيرة (سكارليت). فالأولى: كلماتها الموجهة للثانية، كلها تقريباً، أوامر ونواهٍ وتعليمات ونصائح. ونبراتها، كلها تقريباً، حادة وقاطعة وقوية وحازمة. وحين يتعب جهازها الصوتي يتولى جهازها البصري رمي غضبه تجاه ظَهْر سكارليت الذاهبة مع طبيعتها إلى ما شاءت السماء التي لم نرها- في موضعين مهمين من الفيلم- سماءً، بل جداراً مزركشاً بحُمرة نارية عند الغروب، والأب (أوهارا) يتوجه مع ابنته (سكارليت) ناحيته بعدما أنهى حديثه معها عن معنى الأرض ومغزى تربتها الخصبة. وقبيل الفجر- مع بدايات الفيلم- رأينا السماء جداراً رصاصياً، والمزارعين من الزنوج كذلك مواشيهم سلويتات من ظلال سوداء تتجه صوب الحقول ترويها بالعرق، فدائماً السماء جدار يتكئ عليه السادة والعبيد، وبتحديد أدق، يتجه إليه سادة الجنوب، ويسير بمحاذاته عبيد الجنوب، ربما- عن وعي خفي- يتجه إليه السادة ليحلّون محله، فَهُم كسلطة ونفوذ آلهة أرضية أو ظلال آلهة.. ويسير بمحاذاته العبيد كما تسير الجنود بمحاذاة منصة السادة رؤسائهم مجددين الولاء والاستمرار على تنفيذ الأوامر عينها، برضاء تام.
هذا الانشطار الجنوبي لا نراه في الفيلم إلا وهو في حالة من الموافقة الضمنية بين الشطرين (= السادة والعبيد)، وخاصة بعد أن دار هذا الانشطار حول نفسه 90 درجة مئوية، وأصبح السادة الذين كانوا فوقاً يميناً، والعبيد الذين كانوا تحتاً يساراً. الحالة الأولى هذه، بوضعها هذا، كانت أنفاس القابعين (= العبيد) تحت أجساد مَنْ يمتطونهم (= السادة) ويسيّرونهم للنحو الذي يريده الممتطون، فكان لابد من أن تحدث انتفاضات وتمردات واحتجاجات وحوادث فردية يتخذ بعضها صوراً إرهابية، عدا عن المقاومة السلبية المتأرجحة ما بين الهرب من خدمة الأرض، أو المكوث مع فقدان الحماسة لرعايتها. ومع الوقت، ومع استنفاد كل حيل السادة ومكرهم، ومع استفادة العبيد من تجاربهم الانتفاضية، تعقّل السادة، فالأرض تستلزم العناية اليومية، والإخلاص والتفاني في خدمتها، وهذا الذي يحدث، إن لم يدمر محاصيلها، يعرّضها للخسارات، لذا دار الانشطار حول نفسه 90 درجة مئوية، وأصبح للعبيد مكانهم ومكانتهم في الحقول، والسادة مكانهم في القصور، ولا رابط أفقياً بينهم سوى جسد الأرض، ولا غاية رأسية تجمعهم سوى الربح؛ الأولون يحققونه، والآخرون ينفقونه.
هذه المفارقات المتوافقة بين ما هو طبقي واجتماعي وعاطفي، نجدها على صورة غير متوافقة حين يصبح الطرف الآخر هو الشماليون الذين توحدوا في حب جسد جغرافيا الجنوب؛ لما فيه من خير عميم، خاصة القطن الذي حرقته وموتته الحروب الأهلية، مثلما أحرق كل من باتلر وسكارليت قلب حبيبه، فموتت الثانية جنينها حينما ألقت بنفسها من على درج سُلّم بيت الزوجية، وموّت الأول- من دون قصد منه- ابنته حين سمح لها بامتطاء الحصان والجري به، إلا أن البنت، الطالعة لأمها سكارليت، يركبها عناد وتقفز من فوق حاجز نبهها الأبوان إلى أن أوان القفز عليه لم يحن بعد، لكنها تقفز، فتصطدم سيقان الحصان بالعارضة لتسقط البنت ميتة. وكان لا بد من أن يفترق الحبيبان مرة أخرى، وإلى ما شاءت السماء.
هذا الافتراق، أو قُل: الانشطار، لم يحدث على مستوى الصورة الأمريكية العامة حتى الآن، هذا إذا اعتبرتُ مشهد الافتراق الأخير، الحادث ما بين باتلر وزوجته سكارليت، هو الصورة الشخصية الصُغرى لزواج الشمال الأمريكي بجنوبه، ربما هي نبوءة من مرغريت ميتشل أيّدها المخرج، والنبوءة هذه أعاد تجديدها مرة أخرى في 1998- والعالم يشهد سلسلة من التفكيكات العرقية والدينية- المخرج جيمس كاميرون في فيلمه «تايتنك»، حيث انشطرت السفينة العملاقة شطرين غرقا بالتتابع في ظلام المحيط الأطلسي. وفي فيلمه هذا، إشارات كثيرة لفيلم «ذهب مع الريح»، ليس أقلها- على مستوى الإكسسوار- القبعة المستديرة الكبيرة التي ارتدتها كل من سكارليت وروز بطلة «تايتنك». فهي تخفي جزءاً كبيراً ممن ومما يوجد خلفهما حتى تظلا، هما فحسب، داخل الشاشة، مثل باتلر الذي نلمحه في أول مشاهده يرقب تصرفات سكارليت، ومَنْ كان منهم خارج الشاشة، مثلي ومثلك أيها القارئ الكريم.
وعلى مستوى القصة، نعيش علاقة الجذب والتنافر التي لا تنتهي، ما بين الخطيبين؛ روز وكال في «تايتنك»، وسكارليت وباتلر في «ذهب مع الريح»، إلا بكارثة ضياع مجتمع بأكمله، ما عدا أفراداً من هنا، ومن هناك، منهم الخطيبة التي تحكي في ما بعد حكايتها على الشاشة البيضاء، والحبيبة التي تحكي، نظيرتها مرغريت ميتشل، حكايتها على الورق الأبيض.
وكما علت شهرة روز وفاقت شهرة حبيبها جاك؛ وخطيبها كال، علت أيضاً شهرة سكارليت وفاقت اسم الرجل الوحيد الذي استطاع أن يلاعبها ويناورها حتى دفعها لقذف رأسها إلى الخلف، وجعل وجهها منضدة مرصوصاً عليها شفتان وأنف وعينان وجبهة، وما عليه سوى أن يتفضل ويلتهم من طعام الوجه ما شاء.
لم تعد هي بحاجة إلى اسم أبيها أوهارا، أو اسم جدها كينيدي. اسمها وحده، يدل عليها دلالة قاطعة، وهو يعلو اسمي رجلها كلارك غيبل وريت باتلر، برغم انتقاصه مقطعاً كاملاً من الاسم، فالاسم الذي يتكئ على مقطعين أضعف شهرة من هذا الاسم ذي المقطع الواحد، والأضعف منهما هو ذاك الذي يتمدد واضعاً ساقاً على ساق فوق مقاطع اسمه الثلاثة. ربما يرى الأخير أن المقطع الواحد لا يُبقي لصاحبه سوى شيء من شيئين؛ إما أن يقف عليه، ولا يستطيع هذا إلا بهلوان، وإما أن يضعه -كما توضع أسماء المبدعين فوق إبداعاتهم- فوق رأسه، ويندس وسط فلاحات سارحات مع نسيم الفجر إلى الأسواق.
أراني دخلتُ في طريق آخر؛ فلأستدرْ، وأَعُدْ مشياً إلى أول كلمة في المقطع الثاني من المقال، وأبدأ من جديد:
وجاءتها بالفعل نفثة هوائية على غير انتظار في صورة رجل له اسمان، كل اسم منهما أشهر من أخيه: كلارك غيبل وباتلر، بيد أنه كان نفثة حارة جافة، وهي، سكارليت، دائماً متوترة ومُنفعلة، ما يلحق الماء أن يطرّي جسمها حتى تطرده حرارة التوتر عبر مساماتها إلى حرارة الجنوب الذي يزداد لهيبه.
وبابتلاعها قسماً من هذه النفثة الحارة الجافة، ومقابلة هذا القسم لجوف يطرد أولاً بأول ماءه؛ يشتعل الجسم: شَفْطها المفاجئ، لجزء من هذه النفثة، ومروره عبر بلعومها، حوّله إلى عيدان ثقاب تحتك بجدران جهازها الهضمي فيشتعل فتنولد طاقة، لو اتجهنا شمالاً واصطدمت بقطبه لسيّحته وصيرّته ماءً يقضي على الأجناس البشرية الفاصلة ما بين كائنات البحر وكائنات السماء، ولو اتجهَتْ جنوباً لأشعلت غابات الأمازون وسط أكف تحترق هي الأخرى من التصفيق والتهليل، وينفث دخانها من مناخير مساطيل الواقع الأرضي.
ولإطفاء النيران أساليب، منها أن تبعد المشتعلة عن كل شيء قابل للاشتعال، أو أن ترمي فوقها، دفعة واحدة، كل ما هو قابل وغير قابل للاشتعال، لتفصل ما بينها وبين محاولات الإمداد بهواء آخر، أو أنهم -أهل الجنوب- قد يتخلون مضطرين عن حيائهم ويتبولون فوقها حتى تنطفئ. بيد أن حياءهم هو الغالب. وبذا، انتقل فعل التبول إلى المجاز، فلاكُوها بأفواههم، وفلقوها بغمزاتهم وإشاراتهم وتلميحاتهم، غير أنها رأت في أفعالهم هذه ما يشبه الأفعال التي ترغب بها من رجال انفطر لهم قلبها، فأدارت للأفعال الأولى صدغها الآخر، خاصة أن تحيرهم في اختيار أسلوب من أساليب الإطفاء هذه، وتخبطهم ما بين استخدام هذه الأساليب الثلاثة، جعلا لنيران سكارليت فرصة كيما تتوالد: تخبو لتعميهم عن مكانها، ثم حين يتلفتون هنا وهناك، تقفز هي ما بين الهُنا هذه والهناك تلك؛ ليروا ظلالهم طويلة متلوّية على بعضها البعض؛ فيتلهوا بها، عنها هي قليلاً.
عاشت سكارليت قلقة، متمردة، تكسر التقليد تلو التقليد، والعرف عقب العرف، تحاول الهرب من محاولات البسترة التي ما عرفها المجتمع اصطناعياً إلا في ما بعد مع لبن الجواميس والأبقار: قتل كائناته الدقيقة، الخير منها وغير الخير، هو المستهدف كي يعيش أطول مدة ممكنة. لكنها (سكارليت) لا تحسب عمرها فيها إلى أسفل سافلين، ثم تصعدها، تصعدها، غير منتبهة لموضع اللحظة على سطح الأرض، وتلمّست ما حولها من هواء؛ فلم تجده، ألقت بنفسها من علٍ صوب بريقين يتلامعان تحتها؛ فإذا بها بين ذراعيه.
بينما أهلها -أهل الجنوب- يُجبِّرون من ورائها ما كسَّرت، آملين أن تُشفى من نزواتها، فيما هي تذهب إلى آخر الشوط في شططها عن المألوف حينها، وترتمي في ذراعي باتلر، وشعرها يبدو مرتمياً هو الآخر تحت وجهه صانعاً لحية لذقنه.
ولحلاوة اللقطة تلك (التي ثبّتتها أفيشات الفيلم)؛ نقف أمامها قليلاً، مسترجعين ما فات من لقطات لوجهها:
كانت عروق رقبتها دوماً تنتفض فتتراجع الذقن إلى الوراء، والصدر كما هو، ثابت في مكانه، فيتحوّل تراجع الذقن إلى علو يدفع الأنف والعينين والجبهة إلى الوراء. ولأن الصدر- كما ذكرت- ثابت رغماً عن أنف ضربات القلب المتزايده قوة وعدداً، يصبح هذا الوراء أيضاً علواً وشموخاً.
وهي لا تخفض وجهها إلا لكي تخفي نافذتيها المستندتين إلى حاسة شم هي بابها المفتوح على أبواب قلوب فتيان بلدتها المفتوحة (هي وإياهم) على رياح سوف تعصف بالجميع، وهي بهذا الإخفاء تحجب عن آخرين محاولات التلصص التي قد تراودهم، والنظر إلى ما في جوفها من أفكار لحظية، شبّت فجأة بين ضلوعها، وعبثت - ولا تزال- بقلبها. وما إن تستقر على فكرة حتى تشوطها بذقنها المنخفض تجاه حاسة الشم، وذلك لكيلا تصطدم الفكرة بالأرض؛ فترتد إليها؛ فتصيبهما في ملمح من ملامح وجهها؛ فتضطر سكارليت إلى أن تلعب بوجهها ناقصاً عضواً مهماً؛ آخذة باللعب الدفاعي؛ تحسباً لهزيمتها أمام فتاة أخرى، في محفل عام، وعلى مرأى من وجهاء البلدة.
لذا، سرعان ما ترفع وجهها قُبيل خروج الفكرة القلبية من منخريها ذاهبة صوب هدفها الذي هو غالباً العبث بقلوب الآخرين وكشف خوائهم ونفاقهم، ليس أمام أنفسهم فحسب، ولكن أيضاً أمام فتياتهم وعائلاتهن: أي كشف الجميع أمام الجميع، وذلك هو تمام كل شوط تلعبه بهم ومعهم.
ولأمر آخر كذلك، هي ترفع وجهها -والمكر نتاج طبيعي لفهم عاشَر جسد المرأة قروناً، حتى إنه تغلغل فيها، واتحد معها، فانطلقت عبارات: «كيد النسا»، «تكسر لها ضلعاً يطلع لها آخر»، «كيدهن عظيم»، «والمكر فينا طَبْع جميل. إن قلنا لأ لأ. يعني نَعَمٌ»، باعتراف المطربة ليلى مراد في أغنيتها «أبجد هَوّز حُطِّي كلمن»- فتمرير الفكرة من القلب إلى حاسة الشم المرفوع عضوها حين استلامها الفكرة وخروجها كيفما شاء لها الخروج، قد ييسر على الخصوم الذكور من مهمة قطع الفكرة، وتمريرها في ما بينهم، في محاولات لقذفها داخل شباك سكارليت. لذا، هي حريصة -من آن إلى آخر- على تغيير مسافات ارتفاع الأنف وزواياه، إضافة إلى معدل سرعة الرفع، هذا بخلاف قُدراتها الأدائية وإجادة اللعب بمنخاريها، بما يتيح لها الارتفاع بمكرها إلى حدود السماء. وقد تقذف أنفها لأعلى لتصعد الفكرة أمام ذهنها، محروسة من اليمين واليسار بعينيها المتخلفتين -حين تتقدم الجبهة- للوراء قليلاً؛ مخافة أن يتعثر الذهن أو يرتبك أو يتباطأ؛ فتنفلت منه الفكرة وتكون من نصيب ذكر من الذكور. وعلى كلِّ: العينان هما اللتان تشوطان، إحداهما تموّه، والأخرى من ورائها تقذف بقدم من قدميها (= أرنبة الأنف، الجبهة) الفكرة أو بدهاء تركنها جانباً، إلى منطقة خالية، تتيح لها مناورة أسرع، وعلى وسع كاف لخلخلة التصاقات الفتية بالفتيات، ومن ثَم تمرق من بينهم ناحية أي مرمى يصادفها، فتسجل هدفاً، ثم تسحب الفكرة من قلب الشبكة، وتستدير خارجة تجاه مرمى آخر تجري نحوه مطوّحة بكل قدم تصادفها إلى ذات اليمين وذات اليسار، حتى تسجل هدفاً آخر.
وهناك مرة واحدة -على ما أذكر- نزلت بجسدها كله تحت مستوى آلة التصوير السينمائي، كما لو أن شيئاً فيها يدفعها -حين لا تجد مخرجاً جانبياً لأزمة طارئة أوقعت نفسها فيها- للخروج النهائي من لعبتها العبثية هذه. ومع هذا، يظل شيء آخر فيها يدفعها لاتخاذ قرار له السرعة نفسها لاتخاذ الشيء الأول لقراره التعسفي، وكأن غرائزها اجتمعت من دون سابق موعد، وفضّت اجتماعها في التوّ واللحظة، متخذة قراراً توازنيّاً. ففي مقابل القرار الديكتاتوري ينولد القرار الضد الذي هو في متناول جسم سكارليت والمعبر عن استقلاليتها ورغبتها في الحفاظ على حريتها، ولو باختيار الموت الذي لم يراودها بسبب انغماسها في الحياة. بيد أنه، من على بعد خفي يقترب منها، وربما هي بحاستها الشمية التقطت رائحته، فحاولت أن تخرج من جانب من جوانب الشاشة؛ حتى لا يلتقيا، وحددت لنفسها من أي جانب تخرج هي وجسدها الذي رأى أن يستوي والسرير المتوازي مع سطح أرضية الغرفة المتوازية مع سطح الأرض.
كانت لا تريد خروجاً إلا تجاه الأرض التي عشقتها عشقها للفتية الذين تناولوها بخيالاتهم، ولاعبتهم هي بنظراتها ولسانها: الصورة والصوت كما السينما. بيد أن مخرج الفيلم ترك للصورة مساحات متناثرة تلعب فيها وحدها من دون كلمة ترافقها، وأحياناً كنت أرى الصورة عنده متلبسة بشخصية سكارليت؛ فكم من مرة تلاعبت بكلمات الحوار: موهت بها حتى يظن المتفرج داخل الشاشة، والمتفرج خارجها، ومعهما باتلر مثلاً، أنها تمقت الأخير وتكرهه؛ لتمرر صورة تُبين بلغة الصمت عكس ذلك.
وبعد أن تمكنت سكارليت من احتراف لعبتها، في حين ظل الآخرون هواة ينغلبون بسهولة، لم تشعر بلذة اللعب، وكان لا بد من آخر، شرط أن يكون محترفاً، فالند يبحث عن نده؛ ليكون للعب طعم ألذ. وأعتقدُ أن هذا هو السبب في عدم توقف سكارليت عند أحد من عشاقها كثيراً- هذا إذا استثنينا أشلي زوج صديقتها الطيبة ميلاني، الذي لم يعشق في سكارليت سوى شيئين اثنين: حيويتها وشجاعتها- إلى أن أتاها القدر برجل أطول منها هو ريت باتلر، ترفع وجهها أمامه في كبرياء فتلتقي عينيه؛ فتخشى أن تنهزم عيناها أمامهما؛ فتُخفض وجهها أمامه في كبرياء فتلتقي عينيه؛ فتخشى أن تنهزم عيناها أمامهما؛ فتُخفض وجهها قليلاً فتلتقي شفتيه؛ فتحاول مواصلة الهروب لأسفل، لكن ميكانيكياتها الجسمانية لم تتعود على ذلك؛ فتهرب إلى الأعلى، فتلتقي بريقه فتهرب فتلتقي شفتيه مرة أخرى. وتبدو الصورة ورأسها يتقهقر للخلف، ورأسه هو يمتطي وجهها. تبدو هي وقد أصبحت كأي امرأة تعرف الميكانيكية الطبيعية لعملية الركوب، فترضاها، ولكنها هي- الأيرلندية الأصل- ابنة الجغرافيا الزراعية، والزمالة ما بين البشر والحيوان والطير والنبات ودود الأرض، ابنة الهواء الذي لم تقسّمه أبنية المدن الصناعية، ابنة الطبيعتين: طبيعة السماء وطبيعة الأرض؛ طبيعة السماء التي لا تعرف سوى السحاب قطعاً من حرير تزيد عريها بهاءً، وطبيعة الأرض التي لا تعرف سوى الحقول شَعْراً يزيّن عريها.
هي، سكارليت، مثل الشجرة التي افتتح بها الفيلم بعد الانتهاء من عرض أسماء صُنّاعه: جذع ثابت برغم عشرات العواصف والزوابع والأعاصير التي لا بد من أنها مرت عليه وحاولت تطويحه ونزعه من جذوره، قد تتكسر غصون، قد تتطاير الأوراق، لكن الجذع باق كما هو.
هو، باتلر، جاءها ريحاً عاصفاً أمالت رأسها للخلف؛ فارتفعت عيناها إلى أعلى، وجذعها ثابت، فبدت صورة رأسها مرفوعة بكبريائها المتعوّدة هي عليه لأعلى علو ممكن: هكذا مراجيح الأطفال المنصوبة خصيصاً لهم في الأعياد: أقصى الوراء هو أقصى علو ممكن، وأقصى الأمام هو أيضاً أقصى علو ممكن، برغم تضاد الاتجاهين.
حين رفعت سكارليت رأسها لأعلى علو ممكن، لم تشب: لم ترفع كعبيها وتقف على أمشاط قدميها، لم تختر موقعاً أعلى لتقف عليه، لا لأنها لا تريد أن تتساوى مع «باتلرها» في القامة- فكل ما عملته كان وليد رغبتها في التفوق على الرجال، لا التساوي فحسب -بل لأن ذلك كان سيكشف ضعفها أمام «باتلر ها»، وفي الوقت ذاته سيكشفها هي أمام نفسها، ومن ثَمّ ستبدأ طواعية رحلة الانهزام (= الانطفاء) من الداخل، وهي التي طبيعتها من نار، لا ترغب في معاكسة أقدارها؛ فالنار المتطوّحة للخلف المُتعالي تكون في أعظم حالات توهجها، أما إذا علت مستقيمة، فهذا معناه أن ريح الهواء بدأت تخفت، وما هي إلا لحظات حتى تتقازم النار وتنسحب ببطء إلى ما تحت غطائها الرمادي؛ لتنتسب إلى طبيعة أخرى (= الرماد) تلجُ رغبتها في طبيعة جسد آخر يناسبها (= تربة الأرض) فتنولد مواليد هي الأخرى تناسبهما، مواليد من نبات وشجر وأزهار.
وأختم تأملي بصورة البنت المتقهقرة بأرجوحتها، والذاهب ظَهرها ضد الريح، تنظر إلى الولد الواقف أمامها على الطرف الآخر من اللوحة عندها لحظةً ثم تعود في لمح البصر، حيث تتقدّم البنت ذاهبة مع الريح صوب الولد المتقهقر صوب أعلى علوٍ ممكن.
|