نافذة علـى ثقافـات العـالم

 

زكريا أحمد

نطل من هذه النافذة على بعض تفاصيل المشهد الثقافي العالمي، وهي التفاصيل التي يندر أن تلتفت إليها الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية.

سويسـرا : ليس بالشـوكولاتـة وحدها يحيا الـسويسـريون!

الصورة الغالبة على تفكيرنا جميعاً، أن سويسرا بلد الشوكولاته، والحسابات السرية، والمكان المفضل لسياحة أغنياء العالم. وهذا كله صحيح تماماً. ولكنها أيضاً البلد الذي أنجب اثنين من عباقرة المسرح في القرن العشرين، وهما ماكس فريش (1911 ــ 1991)، وفريدريش دورينمات (1921 ــ 1990) اللذان وضعا سويسرا على خريطة المسرح العالمي.

وفي شهر مايو الماضي بدأت احتفالات سويسرا بالمئوية الأولى لميلاد ماكس فريش، فأقامت معرضاً ضخماً في العاصمة السويسرية يضم كل مخطوطاته وكتبه ورسائله وصوره وجميع مقتنياته الشخصية. ويتكون المعرض من سبعة عشر جناحاً، خصص كل واحد منها لمحور أو موضوع يتعلق بحياة فريش الإنسانية والإبداعية. وتقول ماري هورليمان، مسؤولة المعرض، إن الزائر يحتاج إلى حوالي ست ساعات لكي يحيط بكل تفاصيل المعروضات.

ولد ماكس فريش في شهر مايو 1911، وبعد أن أكمل دراسته الثانوية التحق بجامعة زيورخ لدراسة الأدب الألماني ولكن وفاة والده جعلته يترك الجامعة ليعمل بالصحافة، ليعول أسرته، ثم عاد مرة أخرى إلى الجامعة بعد أن تحسنت أحواله المالية ولكنه في هذه المرة درس الهندسة المعمارية. وقد أتاح له عمله في الصحافة أن يسافر إلى العديد من دول العالم في الشرق والغرب كما زار بعض البلاد العربية. وتفرغ بعد ذلك للكتابة الأدبية والمسرحية.

في ثلاثيته الروائية (شتيلر، والإنسان فابر، وليكن اسمي جانتيان) يعالج مشكلة الهوية الفردية في المجتمع البرجوازي في النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد حربين عالميتين مزقتا العالم وأشاعتا الرعب والدمار والموت في جميع أرجائه.

كما تمثل تيمة الإنسان المغترب عن وطنه، وداخل وطنه، محوراً رئيساً تدور حوله معظم أعماله المسرحية، ففي مسرحية (الآن يغنون مرة أخرى) التي عُرضت على مسرح زيورخ عام 1945 يطرح سؤالاً هامـّاً: كيف يمكن للشعب الألماني ذي التقاليد الإنسانية العريقة أن يغرق في أحضان البربرية النازية؟!
ومن مسرحياته أيضاً: (سانتا كروز)، و(سور الصين)، و(دون جوان عاشق الهندسة)، و(أمير الأراضي البور)، و(بيدرمان ومشعلوا الحرائق)، والمسرحيتان الأخيرتان من أشهر مسرحياته وخاصة في العالم العربي، وما زالت تقدم حتى الآن في مسارح العالم. كما ترجمت معظم أعماله إلى اللغة العربية.
وقد حاول فرش في معظم أعماله البحث عن الفردوس البشرى المفقود، بإعادة الكرامة إلى ضمير الإنسان، والحياة الإنسانية إلى قلبه الذي توقف أو كاد عن النبض بالعواطف الإنسانية، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حين أسدلت ستائر المسرح الأوربي، ولاذ كتاب المسرح إما بالصمت أو بالفرار أو بالانتحار، ولم يعد هناك إلا مسرح زيورخ في سويسرا كُوَّة ينبعث منها ضياء الأمل وإشعاعات المستقبل. وقد وصف دورنمات مسرح فريش بأنه مسرح الأمل اللا معقول، أو الأمل الذي لا يُقهر.

ولكن بعد أن توفى دورنمات عام 1990 وبعده ماكس فريش في عام 1991، انطفأت أضواء المسرح في سويسرا أو كادت. ولعل سويسرا تحتاج الآن إلى أكثر من معرض عن المسرحيين الراحلين، بل إلى جيل جديد من المسرحيين، يضعونها مرة أخرى على خريطة العالم المسرحية، ولتثبت بحق أن لديها ما هو أهم من الشوكولاتة.

 

الولايات المتحدة :
مختارات شعرية للأولاد وأخرى للبنات!

في أبريل من كل عام، تحتفي الولايات المتحدة بالشهر القومي للشعر، وتستمر الاحتفالات طوال الشهر حيث ينشد الشعراء قصائدهم في كل مكان، بدءاً من المدارس والجامعات، ومروراً بالنوادي الثقافية والرياضية، وانتهاء بالمقاهي والشوارع في مختلف الولايات. ويضاف إلى هذا كله المحاضرات والندوات، وأيضاً المؤتمرات التي تعقد للحديث عن أهمية الشعر في عصرنا الحديث، وأفضل الأساليب التي يجب أن تُتَّبع لتظل جذوة الشعر مشتعلة في وجدان الكبار والصغار.

كما تحتفل دور النشر بهذا الشهر أيضاً، وتُصدر العديد من دواوين الشعر الجديدة، أو تقدم مختارات من قصائد الشعراء عبر العصور، وغالباً ما تكون هذه المختارات بأسعار زهيدة تشجع جمهرة القراء على اقتنائها. ولكن الشهر القومي للشعر هذا العام (أبريل 2011) شهد حدثاً فريداً لم يحدث من قبل؛ فقد صدر كتابان أثارا جدلاً واسعاً بين المثقفين وخاصة الشعراء منهم، وأيضاً بين القراء العاديين. الكتاب الأول صدر تحت عنوان (مائة قصيدة رائعة للفتيات) والثاني (مائة قصيدة رائعة للأولاد).

وجاء في الكتاب الأول الذي يقع في 208 صفحات، أن القصائد موجهة للبنات في الفئة العمرية بين 9 سنوات و 12 سنة، وقد اختيرت القصائد بعناية شديدة، وتدور حول الموضوعات التي تناسب البنات في هذه السن، مثل: الطبيعة، والخيال، والحب والصداقة، والإلهام والحيوانات، وأغاني الأطفال والحيوانات الأليفة.

أما الكتاب الثاني المخصص للأولاد، فكان أكبر حجماً، وعدد صفحاته 252 صفحة، وهو أيضاً للفئة العمرية بين 9سنوات و 12 سنة، وجاء في مقدمته أن الأولاد سوف يستمتعون بقصائد الكتاب لأن موضوعاته تدور حول الأبطال العظماء، والحيوانات المفترسة، وساحات القتال!
وبنظرة سريعة على قصائد الكتاب الأول، نجد أنه تضمن 57 قصيدة كتبها شعراء ذكور، و 18 قصيدة مجهولة المؤلف، و24 قصيدة فقط بقلم شاعرات، أما قصائد الأولاد فقد توزعت على النحو التالي: 75 قصيدة كتبها شعراء ذكور، و21 قصيدة مجهولة المؤلف، و4 قصائد فقط بقلم بقلم شاعرات، ويطمح محررا الكتابين أن تساعد هذه القصائد كلا من البنات والأولاد في هذه الفئة العمرية على الاستمتاع بالقصائد وحفظها، ومتابعة قراءة الشعر بعد ذلك.
وقد ثار الجدل الذي بدأ في الولايات المتحدة بمجرد صدور الكتابين ــ ثم امتد بعد ذلك إلى أوروبا وخاصة بريطانيا ــ حول هذا التمييز (العنصري) في قراءة الشعر بين البنات والأولاد، والذي يعود بالزمن إلى الوراء، إلى عصور التزمت الديني والأخلاقي. فالشعر هو الشعر، والشعر هو الحياة، ولا بد من تقديمه كما هو للبنات والأولاد دون أي تفرقة، والفيصل في الاختيار هو مستوى اللغة في القصائد وليس الموضوعات، لأن جميع الموضوعات صالحة للتناول الشعري.
ولا يتسع المجال لإشارات تفصيلية إلى قصائد الكتابين، ولكن الملاحظ أن عدداً من هذه القصائد يصعب استيعابها سواء من البنات أو الأولاد لأن فيها غموضاً في المعنى ورمزية تتجاوز فهم هذه الفئة العمرية، مثل قصائد وليام بليك وشكسبير وبعض قصائد إميلي دنكسون. ولكن صدور هذين الكتابين في هذا الوقت الذي ينحسر فيه الاهتمام بالشعر كان له أثر إيجابي، فقد أثار الاهتمام الإعلامي بنوع الشعر المناسب للبنات أو للأولاد، وبالتالي أصبح الشعر في بؤرة الاهتمام العام، وهذا هو المكسب الحقيقي من نشر هذين الكتابين.

 

الأرجنتيـن :
احتفـال غير مسبوق بالـكتـاب والقـراءة

اختارت منظمة اليونسكو مدينة العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس لتكون العاصمة العالمية للكتاب للعام الحالي 2011. وفي إطار احتفالات هذا الحدث الثقافي الهام، قامت الفنانة التشكيلية مارتا مينوجين، بتنفيذ فكرة عبقرية تخلد هذه المناسبة وتكون فريدة من نوعها بين احتفالات عواصم الكتاب الأخرى.
اختارت الفنانة الأرجنتينية ميدان سان مارتين في وسط العاصمة، لتشيد فيه مشروعها العبقري، وهو بناء برج بابل جديد من الكتب على غرار برج بابل القديم الذي تم تشييده في العراق منذ أربعة آلاف عام، ويتكون البرج الجديد من سبعة طوابق على ارتفاع 25 متراً، ويبلغ عدد الكتب المستخدمة في بنائه 30 ألف كتاب من جميع اللغات، وقد ساهمت السفارات الأجنبية في الأرجنتين بحوالي 16 ألف كتاب بينما أطلقت حملة قومية لجمع باقي العدد. وتشمل هذه الكتب المؤلفات القديمة والحديثة.وتم تخصيص الطابق الأرض لكتب متنوعة من دول مختلفة من العالم. والطابق الأول والثاني للكتب من الأمريكتين، والثالث والرابع للكتب من القارة الأوروبية. والخامس لكتب القارة الأفريقية، والسادس لكتب القارة الأسيوية.

ولدت الفنانة مارتا مينوجين في بيونس آيرس عام 1943، ودرست الفنون الجميلة، ولها العديد من الأعمال الفنية الإشكالية، مثل بانثيون الكتب الذي منعت عرضه الحكومة الدكتاتورية السابقة.

وتقول مينوجين إنها تود من خلال عملها هذا أن تبين أن الكتاب يمكن أن يوحِّد بين الأجناس جميعاً، كما وحَّد بينهم برج بابل القديم الذي تقول الأساطير إن الأجناس جميعاً اجتمعت فيه.
وسيظل البرج في الميدان حتى نهاية هذا الشهر مايو 2011، ويتسع البرج لمائة زائر في المرة الواحدة. وأثناء تجوال الزوار في طوابقه يستمعون إلى كلمة «الكتاب» تتردد بلغات العالم المختلفة.

وفي السياق نفسه أطلقت الأرجنتين حملة الكتاب وتقوم فكرة الحملة على أن يجد القارئ كتاباً مجانياً في أي مكان يذهب إليه، سيجد على المقعد الذي سيجلس عليه كتاباً داخله بطاقة تدعوه فيها إلى قراءة الكتاب والاحتفاط به إذا أراد، أو يمكنه أن يُحضر كتاباً من عنده ويتركه في أي مكان يحب، لكي يحصل عليه قارئ آخر.

هذا المشهد يتكرر في جميع الأماكن العامة التي يمر بها المواطن الأرجنتيني في بيونس آيرس. فهذه العاصمة هي عاصمة الكتاب، وعاصمة القراءة أيضاً. وإضافة إلى هذه الكتب التي يجدها المواطن في كل مكان، انطلقت حملة أخرى موازيه تستخدم وسائل النقل المفتوحة وخاصة الدبابات، وتجوب شوارع المدينة محملة بمئات الكتب وكلها مجانية. وكأن المدينة التي كانت مسقط رأس لويس بورخيس (1899 ــ 1986) أشهر قارئ في العالم ــ الذي كان يتخيل الجنة مكتبة مليئة بالكتب ــ تريد أن تؤكد للعالم من جديد أنها ما زالت مدينة عشاق القراءة والكتاب.