فيلم منزل على ضفاف  البحيرة الذهبية
أو عندما يصل إلى خريف العمر


 

د. زاكي عبدالرحمن

 

قليلة هي ادوار البطولة الرئيسية التي تسند الى كبار السن في الاعمال السينمائية العالمية, ومن هذه الادوار الدور الذي اسند الى الممثل المقتدر هنري فوندا في فيلم سينمائي امريكي متدفق بالمشاعر الانسانية النبيلة للمخرج مارك ريدل يحمل عنوان: منزل على ضفاف البحيرة الذهبية عن قصة للكاتب ارنست طومسون وهو فيلم من انتاج سنة 1981 .
 
 نورمان ثايير ( قام بدوره بكل اقتدار الممثل الشهير هنري فوندا) استاذ متقاعد جاوز الثمانين عاما . انه رجل صارع الحياة و صارعته على مدى ثمانية عقود من الزمن و لم يعد ينتظر منها شيئا تحققه له, ومع هذا فهو انسان يحب الحياة ويحب عائلته التي منحها كل ماباستطاعته ان يمنحه لها . الا ان هذه العائلة لم تكن في مامن من الخلافات التي سادت بين افرادها .
....و من اجل تجاوز هده الخلافات يقرر نورمان ان يمضي اياما دافئة رفقة  زوجته اديل( كاثرين هيبورن), و ذلك في منزله الريفي المطل على بحيرة ذهبية اللون, و الذي طالما احبه وارتبطت به ذكرياته ايام الشباب و القوة . هذه الذكريات التي تجعله يحن بين الفينة و الاخرى الى ماضيه الجميل الذي ولى الى غير رجعة .فيما تزوره ابنته شيلسيا( جين فوندا) وحفيده الصغير بيلي (داغ ماكون) بعد ايام . 
...تحت سقف هدا المنزل الريفي  اذن اجتمع شمل ثلاثة اجيال,  ثلاثة اجيال يختلفون في افكارهم و قناعاتهم الشخصية, و لكنهم يشتركون في اواصر الدم و القرابة ...و الرغبة في نسيان و تجاوز الخلافات التي طالما اقضت مضجعهم .
... لقد امسى نورمان عجوزا تجاوزه الزمن حتى اصبح من الصعب فهم شخصيته و التعامل معه . وحدها زوجته استطاعت ان تتاقلم مع شخصيته و افكاره ربما لان رحلة العمر جعلت منهما كائنا واحدا ,اما ابنته  وهي ابنته حقيقة فلم تستطع قط ان تتفهم شخصيته بل كانت دائما على خلاف معه  . اما الحفيد بيلي فتنشا بينه و بين جده علاقة خاصة  فهو يكن له عطفا و حبا كبيرين و يرى فيه استمرارا له اذا ما غادر هدا العالم ذات يوم الى الابد, و هو حريص على ان يمضي معه اكبر وقت ممكن .. و هكذا يعرفه على احدى روائع الادب العالمي  : (جزيرة الكنز) للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس بلفور ستفنسون ...و اذا ما ارتكب الحفيد خطا نرى العجوز نورمان يقف موقف المعلم و المربي الحاني  فيوجهه و يصحح له اخطاءه ... انه يريد ان يجعل من الصغير بيلي رجلا مثقفا  كامل الرجولة .
...ورغم الخلافات القديمة و الجديدة بين هذه الاجيال, الا ان المشاهد يدرك بحدسه طيلة الفيلم ان هناك احاسيس عميقة و متبادلة و عواطف انسانية نبيلة تربط بين افراد هده العائلة .
....منذ مدة ليست بالقصيرة استوقفتني قصة قصيرة تحمل عنوان:  البطانية  على صفحات احدى المجلات التي تصدر في بلاد العم سام و ما تزال ذاكرتي تحتفظ بخطوطها العريضة خاصة و انها تتناول قضية انسانية بالغة الاهمية تتعلق بارسال العجزة الى دور رعاية المسنين , و هي و ان كان موضوعها يختلف عن سيناريو فيلمنا الا انها تلتقي معه في شخصية الحفيد الذي يرتبط بالجد ارتباطا قويا .
ففي قصة( البطانية) نرى الحفيد بيتر الذي يحب جده حبا لا يوصف  يطلب من ابيه ان يقسم البطانية المزدوجة التي اشتراها لجده قبل ان يرسله الى احدى دور الحكومة المخصصة لرعاية المسنين و العجزة الى نصفين ليحتفظ ( بيتر)  باحدهما حتى يهديه الى ابيه عندما يبلغ من العمر عتيا  و ياتي دوره .... و هكذا استوعب الاب درس ابنه الصغير.
...و نجد ايضا علاقة مميزة من مثل هدا النوع بين الفتى سانتياغو و الصياد الشيخ في رواية: الشيخ و البحر  للكاتب الامريكي المبدع ارنست همنغواي, حيث نرى هذا الفتى يرفض التخلي عن صداقته مع الشيخ  رغم ان والديه نصحاه بالابتعاد عنه لانه صياد فاشل كان يرجع من عمله خاوي الوفاض لمدة طويلة .
...فيلم منزل على البحيرة الذهبية دراما انسانية في شكل فيلم سينمائي مؤثر يهز مشاعر المشاهد على مدى ساعتين من الزمن . و هو يركز على شئ جوهري و هام في الحياة و هو تجاوز الخلافات العائلية و ذلك بالتضحية و التفهم و نكران الذات كما يؤكد على ضرورة احترام كبار السن و جعلهم يحسون بانهم اناس محبوبون .

... وقد اجاد هنري فوندا تادية دوره بتفوق كبير و تقمص شخصية نورمان ثايير بكل اقتدار,  اذ نجح في التعبير عن احاسيس البطل بكل الوسائل و الطرق و لعل انفعالاته التي تبدو على تقاسيم وجهه  و حركاته و طريقته في الحديث من انجع هذه الوسائل . انه ذلك الممثل الذي ينسى اسمه امام الكاميرا ليتفاعل مع دوره تفاعلا تاما يجعل المشاهد يؤمن بان هنري فوندا هو بطل الفيلم نورمان ثايير, و ان نورمان ثايير هو هنري فوندا بعينه الامر الذي استحق عليه احدى ارفع الجوائز العالمية اي جائزة الاوسكار الى جانب كاثرين هيبورن .