الإلياذة ..تحفة التراث اليوناني
تقف شامخة بين الأدب العالمي

 

حياة عثمان نمسي

 

 

في محاولة منه لتقريب القاصي ،قام سليمان البستاني بترجمة (الإلياذة ) مؤخرا في عام 1904
حيث جاءت ترجمتها للعربية للمرة الأولى  ، رغم أن حركة الترجمة كانت موجودة في الدولة العباسية ، حيث نقل كتاب الشعر لأرسطو والذي إستقى نظريته للشعر منها (أي الإلياذة ) .
هذا لا ينكرمعرفتها لدى العرب ، حيث أنها عرفت لدى الخاصة من الملوك والعلماء كما
سيأتي تبيان ذلك لاحقا في نفس المقال .
لقد تصدر البستاني الترجمة للإلياذة ( بمقدمة نقدية ) ذات قيمة علمية مفيدة للقاريء والباحث
كما أنها مغنية مما يسهل فهمها سواء أن كان ذلك متعلقا بالإلياذة أو الشعر عامة ، ذلك أنها
قامت على رؤى نقدية علمية دقيقة وواضحة ، حيث تناولت مواضيع عدة ذات الصلة بالموضوع (الإلياذة) من حيث التعريب وضروبه، ومن ثم مقارنتها بالشعر العربي في مراحل
وأزمنة مختلفة ،كما تناولت نقلها وترجمتها إلى سائر اللغات ،ولماذا تأخر العرب عن نقلها وترجمتها ؟ .
بذا يكون البستاني قد مهد الطريق وأزال العثرات ، كما أجاب على كثير من التساؤلات عن
الإلياذة: ماهيتها ؟ ناظمها ؟لغتها التي كتبت بها ؟ موضوعها وكيف هي متجددة ومقاومة لتيارات التغير المستمرة  ؟
إلياذة هوميرس
القصة والحكاية :
الإلياذة  أو ألإلياس نسبة إلى ليون عاصمة بلاد الطرواد ،والتي كانت تمتد من جنوبي اسيا
الصغرى إلى مضيق الدردنيل. كما عرفت أيضا بطرويا ، أما حاليا بعد أن عفت أثارها
ودرست فيرجح أنها واقعة في جبل قائمة عليه قرية ( يورنارباثي ) .
الحديث عن الإلياذة كما في الحديث عن النقائض ( للفرزدق وجرير ) حيث يلزمك العنوان أن
تتحدث عن حانبين،هما مملكة الطرواد ومملكة أسبارطة اللتين تحاربتا ، فكانت الحرب هي
موضوع الإلياذة ، لكننا لسنا بصدد تاريخ المملكتين أكثرمن أن نقوم بإشارة خاطفة لإسباب
الحرب وبعض الطرائف والمفارقات والتي أسهمت في إغناء الإلياذة ،بدء من إتقادها إلى أن
خمدت  . ولقد أشار هوميرس إلى ذلك مبتدرا نظمه  :
ربة الشعر عن أخيل بن فيلا      أنشدينا وأروي إحتداما وبيلا
أي أن موضوعه سيدور حول هذا الحدث ( الحرب ) .

بهذه البداية  المكثفة أفادنا الناظم  (هوميرس )عن الياذته من حيث الشكل والمضمون ،سلاستها وجزالتها ، خلوها من الحشو والتعقيد والتجنيس رغم بلوغها الألف بيت .
الحكاية :
خرج مينلاوس ملك أسبرطة في مهمة، فغاب عن عاصمته ،كان فاريس بن فريام  ملك الطرواد
في مهمة إليه ،بينما هو غائب إستهوى فرياس زوجه للهروب معه فأجابته ،وهربت معه إلى بلاد الطرواد ،فقامت الإغريق ولم تقعد حتى إستنفرت كل القبائل  ، فأجابتها ولم تتأخر ،فنشبت
الحرب وإستمرت  سنوات ، إشتد الحصار وتدمرت ليون عاصمة الطرواد .
الإلياذة والشعر العربي :
لما كانت الحرب حقيقة ماثلة تغنى بها ( هوميروس )  ، فقد صور أحداثها بعين الرائي (بالتأكيد لم يكن شاهد عيان في الحرب  ),الحصيف دون أن تفلت عنه المشاهد ، كما أنه لم يقدمها قوية  صلبة دون أن يكسوها لمسة
من خياله وبديهته الحاضرة ، فجاء إسلوبه بما تقتضيه الحال إطنابا وإسهابا غير ممل ، فهبط
وصعد ما بين السهل والأعالي ، ذلك كما جاء في وصفه النزال بين هكطور وفطرقل  عندما
إعتزل أخيل الحرب ،وهما يقتتلان حول جثة بطل طروادي ، قائلا :
... وهكطور عن خيله نزلا               وفي طلب الجثة إقتتلا
كليثين بينهما ظبية بها                فتكا فوق طود  علا
في بيت آخر شبه مينلاوس وفاريس  بالليث والظبي قائلا :
كالليث يضوره السغب                والظبي لديه يضطرب
فعليه منقضا يثب                        ولو القناصون إقتربوا
بضراء وثقيل للصد
لم يكتف هوميروس في وصفه وتشبيهاته بالحيوانات العظام التي ترمز للشجاعة والقوة
بل تناول الطيور والنسور والعقبان والزرازير ، ثم إنعطف على الزحافات والدبابات
والديدان ،ثم إنتهى إلى الهوام والحشرات والأفاعي وخلافه ،هذا مما عابه عليه بعض
النقاد ، إلا أنه عندما ذكر هذه المخلوقات إنما ليستخلص شيء خطير من شيء حقير .
( إن الله لا يستحي أن يضرب مثل ما بعوضة ...) الخ الآية الكريمة .
كيف وأن التاريخ يذكر كثير من ألأحداث بسبب مثل تلك الحشرات .ذلك في إحدى المعارك
في تاريخ الشرق الأدنى القديم ،عندما وقفت ذبابة على أنف القائد ، وكان الجند متأهب للقتال
يتروى صدور إشارة من القائد ، وعندما حرك القائد إصبعه لطردها ( أي الذبابة ) بادر الجند
بالهجوم معتقدين أنها إشارة !
إستكمالا للحديث الشكل والمضمون للإلياذة فقد نهج هوميروس إسلوبا سلسا في العبارة ، ذلك كما في وصفه عدة مشاهد كتلاحم الرجال وإحتدام الصراع وتعالي الصياح ،فقال في ذلك :
والأرض تحت الرحل والعجل            مادت لثقلة هانه الملل
وكأن السهول طارت شرارا              بمسير الأغريق فوق السهول
فجعل في البيت الأول الأرض تميد ، فجاء تكثيف للمعاني ، كأن الأرض تميد تجاوبا وتفاعلا
وإنفعالا لهذا الثقل ،أو بمعنى مغايرا كأنها تعبت وإستسلمت لما عليها من ثقل  ، فكأن لهذا المد
وجهان : التفاعل والتعارض .
( والأرض مددناها فنعم الماهدون  )
الدخيل على الإلياذة :
كما في الشعر العربي( نقل وسرقة وتوارد خواطر ) فقد حدث أن معاني الإلياذة طوقت بها
الملاحم والتمثيليات والقصائد على المستويين العربي والغربي  ،فقد جعلوا لهوميروس وهو يصف جواده ،كقول إمريء القيس :
وهب الطرواد وإلتصقوا       وفي الصدورهكطور متدفق
كجلمود صخرقد إنتزعا       من الشم سيل به إندفعا
كما هنالك نماذج لشعراء غربين كفولتيرعندما وصف نجوى الآلهة  زفس للطرواد :
كتيبة تلك ضمت جلهم عددا       جندا تمد إلى كيد العدا يدا
كادت تجوزحقير القوم عابرة      إذا يطير لها تحت السماء يدا
ما إستوقفت جزعا في الجرف     حائرة،تطيرا وهو عن سيري السرى وردا
نسر مخالبه في الجو قدنشبت    بإجفوان قضيب تحت  قبضته
نظم تعريب الإلياذة :
ضروب البستاني في التعريب :
نهج البستاني نهج علمي في تعريب وترجمة الإلياذة ،  فراعى السلاسة وتناسب الشكل
والمضمون ، كما أنه تجنب الأمور التي تخل بالنظم أصلا فضلا عن التعريب كا لتكرار
والقافية الضيقة والثقيلة  ،وما يعرف برنة القافية  والتعقيد اللفظي إلى ما غير ذلك ممايصعب على القاريء فهمه . ذلك أنه مكلف بتعريبها وليس بنظمها  ،فهي من لغة غير وثقافة مختلفة
فكان لابد من الموازنة بين النقل والترجمة (التعريب ) بمسؤولية الدقة والأمانة المطلوبتين في
هكذا عمل . لذلك نجده قد قام بالتنبيه على الكلمات اليونانية الأصل ، كالأسطول ،المينا ،الليمات
والنوتي الخ ...
فقال معربا من غير تكلفا :
بها النور عن الأرض إرتفع       وغمام التبر بالنورسطع
وحباب القطر في أكنافه           كحبوب الدر للأرض وقع
وفي آخر
رب من ترجو به دفع الأذى       عنك يأتيك الأذى من قبله
فأنتهج في إسلوبه نهج المثنى والمربع والمتمن والمسبع ،الموشح المتمن ،المستطرد،مصرع
المتقارب ومصرع الرجز ومقفاه   .
لغة الإلياذة اليونانية ولغة قريش :
لما كانت الحروف من مخلوقات الله ، فإنها شأنها شأن المخلوقات الأخرى تشملها سنة النمو
والتحول وتفرع الأصل الواحد إلى أصول شتى ،ذلك أنها من مركبات الكلام الذي يكون اللغة.
كتبت الإلياذة بلغة يونانية قديمة ، وكانت آنذاك اللغة اليونانية ترجع إلى فرعين كبيرين ، هما الدوري واليوني ،كما كانت هي لغة الكلام والكتابة في بلاد اليونان ومستعمراتها ، إلا أن كثرة
التوسعات والإختلاط أدى إلى إختلاف كبير بين اللغتين . مجمل القول إن اللغة التي كتبت بها الإلياذة قد تلاشت ، أماحفظها ونقلها فقد حفظها المنشدون وتناقلتها الأجيال ومن ثم كتبت باللغة
اليونانية الحديثة ، أما اللغة التي كتبت بها فقد إندثرت ولم تستطع أن تقف أمام تيارات التغير .
أما اللغة العربية فقد كانت متشعبة وكثيرة المترادفات بتعدد القبائل ،وهذا يفسر وجود بعض
الغريب في الشعر الجاهلي  كأمرىء القيس والنابغة وعنترة وعيرهم من الجمهرة ،مقارنة
بحسان والحطيئة إلى جرير والفرزدق ،ذلك أن أولئك لم يشهدوا عهد الإسلام حيث وحد القرآن اللغة فجاء بلسان قريش ،وقد قال بن خلدون في ذلك : ( ..وكلام الإسلاميين من العرب أعلى
طبقة في البلاغة من كلام الجاهلية، لأنهم سمعوا القرآن وحفظوه وهو في أعلى طبقة من البلاغة وحفظو الحديث أيضا ) .
شهادات عربية عن الإلياذة :
كانت الإلياذة معروفة لدى العلماء والخاصة من العرب في عهد الدولة العباسية ،بيد أنها كانت
معروفة بلغتها اليونانية التي كتبت بها ، فكانت تقرأ وتدرس في بيوت الخلفاء.
أما عن أهميتها للعرب فقد قال فيها البيروني: (إن أميروس المتقدم عند اليونانين كشأن إمريء
القيس عند العرب ) ، كما قال بن خلدون ( إن الشعر لايختص باللسان العربي ،فهو موجود لدى
الأعاجم من فرس ويونان ،ثم ذكر هوميروس في كتاب المنطق لأرسطو ) .
فقد افتقد المسلمون وجودها
مترجمة في المكتبة العربية ، ذلك في عهد الدولة العثمانية عندما قال
جمال الدين الأفغاني للبستاني نفسه ،ومنيف باشا وزير المعارف بالدولة  : لو أن النقل والترجمة توقفتا عند الإلياذة لإكتفينا .  
معارضة الإلياذة :
لم تضاه الإلياذة ملحمة في الشعر اليوناني سوى الأوذيسة ،وهي ملحمة تقصر عنها في الأبيات
إلا أنها لاتقل عنها في الأهمية .
أما خار ج اليونان فهنالك شهمانة الفرس ،كما للعرب المعلقات .
مسك ختام : جدير بالذكر أن الإلياذة كتبت بعد مضي أكثر من مئتي عام من نظمها , إلا أن ترجمتها ونقلها إلي العربيه قد أغنى وأفاد , ذلك لقيمتها العلمية , كما أن تعدد المترجمين والنقلة يفيد الباحث والقاريء على حد سواء ,حيث أن التنوع في الجنس الواحد أو    المادة  مطلوب . هكذا نجد أن ملحمة طروادة ،رائعة هوميروس ،إستطاعت أن تقف وتصمد أمام التغيرات ،رغم الآف
السنين وإندثار لغتها التي كتبت بها ، ذلك أنها علقت بالقلوب ، فحفظها المنشدون ورددها السامعون وترجمتها الألسن لتكن بذلك تحفة الأدب العالمي .
ملاحظة:
هنالك ترجمة لأمين سلامة لم أحصل عليها , وأخرى لممدوح عدوان صدرت تقريبا في عام 2007