بين الفلسفة والأدب

سعيد بوخليط

 

 

يندرج هذا العمل في إطار اشتغال الكاتب محمد بوغالي على مجموعة من التجارب النظرية والمفاهيمية، التي تخترق ميادين متعددة، منتقلا بين حقول الفلسفة والنقد الأدبي وعلم  الاجتماع والاستشراق. من رولان بارت إلى الشاعر الزنجي سنغور مرورا بجاك بيرك وصولا إلى دولوز. تتشكل أرضية فلسفية متينة، تستقي رافدها المعرفي أساسا من التأمل الفلسفي.
كتاب ،"جيل دولوز والأدب" الصادر بالفرنسية عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، يسعى بالأساس إلى صياغة نظرية متكاملة للفيلسوف الفرنسي جيل دولوزبخصوص بعض الميكانيزمات المفاهيمية مثل : اللغة/ المعنى/ الكتابة...، والتي يمكن أن تؤسس لنا  نظرية للأدب عند دولوز Deleuze
بالرغم من ارتباط هذا الأخير بالدراسات الفلسفية المجردة، التي قد لا تلتفت كثيرا إلى استعارات ومجازات وكذا انطباعات الأدباء. مع العلم أن هذا التصور فيه شيء من الحيف والتقصير، على اعتبار أن ارتباط الفلسفي بالأدبي والعكس كذلك، لا مناص منه سواء للفيلسوف أو الأديب.
يتكون هذا العمل من مقدمة وثلاثة فصول تحمل العناوين التالية :
ـ  آلة الأدب.
ـ الكتابة، العزوبة، الصحراء.
ـ الوعود بأدب قاصر.
ـ مستحضرا في ذلك المقاربتين الأساسيتين لدولوز ، فيما يتعلق بالنصوص والمتون الأدبية. ونقصد بذلك كتابيه :
ـ بروست والعلامات.
ـ كافكا.
بالإضافة إلى التقاطه لنصوص أخرى ترد هنا وهناك بين ثنايا وأعمال الفيلسوف الفرنسي.
بالرغم من أن جيل دولوز ، يصنف ضمن الفلاسفة، فإن هذا لا يمنع من وجود  اشتغالات نقدية وأدبية عنده، كرس لها كتابات نظرية ومفاهيمية ذات أصالة حقيقية. لهذا، فإن عمل محمد بوغالي بقدر ما يتوخى البحث عن حدود هذا التقاطع بين الفلسفي والأدبي عند دولوز ومماهاة مفهوم الأدب عنده، يسعى كذلك إلى تأكيد ما يلي :
1 ـ ليس فقط الفصل بين الأدب والفلسفة، من الأمور التي أصبحت واهية وقديمة إن لم تكن باطلة. فإنه كذلك مجحف وضار بهذين النمطين من الكتابة، وكذا التأمل الذي يؤسس معرفة  عن الإنسان والعالم في نفس الآن. في هذا السياق، سيرتبط مفهوم دولوز  للأدب أساسا بفلسفة تقوم على صياغة علاقة الإنسان بالآخر ثم العالم.
2 ـ لم يكن الأدب بالنسبة لدولوز ، مجرد نشاطا تكميليا لممارسة فلسفية، لكنه في الجوهر مقاربة ثانية وبشكل آخر للوضع الإنساني.
من خلال ذلك، يجب إدراك الوظيفة النوعية والخاصة لنشاط لغوي يحمل خطأ إسم : أدب. إذ وضح دولوز مفهومه للغة في كتابيه :

  • Différence et Répétition.
  • Logique du sens.

فالأمر هنا يتعلق بإظهار الحيثيات والشروط التي توافق وضعا للأدب، من خلال كون هذه اللغة تشتغل دائما وفق منطق الاحتمال واللاتوقع. بالنسبة لدولوز، الأدب : (مفهوم خاص لإنتاج العلامات والوقائع (...). سينتمي إلى الأدب كل استعمال مقصود للغة، يتوخى إنتاج مجموعة علامات ووقائع، ينظمها تلاحم جوهري يعطي حيزا لمعنى) .
إن أدبية  كتابة ما، تتأتى من هذا التوتر الدائم للغة وهي تبحث عن مماهاة المحتمل، فهي تحول المجهول إلى علامات. النشاط الأدبي يوظف اللغة قصد الوصول إلى شيء آخر غير هذه اللغة ذاتها، يصبح معها المعنى احتمالا لم يتحقق بعد. تقوم اللغة داخل الأدب، انطلاقا من عشق دائـم للرحيل في أفق بلورة  وعد بالتحقق يقول : (أن تكتب لا علاقة له بأن تدل على شيء. لكن الأمر يتعلق بمسح ورسم خرائطي حتى لبقع منتظرة) . الأدب ليس ذلك النظام الرمزي الدال، لكنه بالأحرى وظيفة ديناميكية للغة ترسم معالم جديدة مجهولة، وتستحضر حمولات دالة أخرى. إنه يقوم دائما على التجاوز وتجاوز التجاوز من خلال الخاصية التوقعية للغة باعتبارها : (الثنائي الأخير، الذي يجسد كل الثنائيات، أقصى سيمولاكر) .
اشتغال إذن على اللغة كسيمولاكر Simulacre
، وما دام الأمر كذلك فإن لعبة الرسالة « Message  » تصبح باطلة. لأن اللغة الأدبية تنفلت من ذاتها باستمرار مع إبداع إمكانات جديدة تصبح بالأساس حقيقة للممكن. إنه نفس التصور الذي جاء به أدباء ونقاد أمثال : كافكا وموريس بلانشو ورولان بارت ... . حيث  ستتحول مهمة الأدب من لحظة إنتاج  رسائل واضحة ومباشرة، كما هو الحال مع التصور المؤسساتي القديم إلى آلة إنتاج ل : السيمولاكرات / الاحتمالات / الآثار.
تصور دولوز للأدب، ينطلق من النظر إليه باعتباره (مسألة إبداع عالم موعود ومنتظر كأفق وحيث لا ننشغل معه بالحقيقة. فإنه قضية إنتاج لغوي مبتكر كليا، ومهتم تماما ب "كيف نفعل"؟) . و مادام الأمر كذلك فإن مقاربة دولوز ، ستقطع مع موقف التحليل النفسي وكذا المنحدر الإيديولوجي عبر افتراض مفهوم أصيل للأدب.
فإذا كان التحليل النفسي ينظر إلى العمل الأدبي بحتمية ميكانيكية، متوخيا إعادة بناء حقائق الشخصية المكبوتة داخل هذا العمل. في مقابل ذلك يهدف الأدب، حسب دولوز  بالأساس إلى  إبداع إمكانات واحتمالات فهو : (توتر دائم اتجاه اكتشاف آثار داخل الفضاء المفتوح للمحتمل الوحيد) .
من خلال الاهتمام بالأدب، يطرح دولوز بثقابة فكر  التساؤل الثنائي التالي :
1 ـ على أي شيء ترتكز هذه الحياة المتواصلة، التي تتمظهر في اللغة ؟
2 ـ كيف يتأتى لهذه اللغة إدراك غاياتها ؟
ذلك أن مفهومه للأدب (يبقى  بعمق متشبعا بهذا النزوع "الحيوي" الذي يضمن في الآن نفسه الرغبة اللغوية المبدعة ثم حرية الكاتب المطلقة) . يخلق الأدب عوالم بقدر ما هي حية فإنها كذلك مستحدثة، إنه يشتغل بديناميكيته الذاتية كأنه آلة . لماذا هو كذلك ؟ يجيب  دولوز قائلا : (يفهم عمل الفن هكذا،  لأنه بالأساس منتج، محدث لبعض الحقائق. لا أحد أكثر من بروست Proust
قد ركز على النقطة التالية: أن الحقيقة نتاج، قد ظهرت بسبب أنظمة الآلات التي تشتغل فينا، ومستخلصة  انطلاقا من انطباعاتنا، محفورة في حياتنا، تسلم  نفسها إلى نتاج أدبي) .
في إطار ذلك،  يبحث  دولوز في كيفية التعامل مع الأدب كحضور، وتحريره من كل مرجعية اختزالية، وكذا الأنظمة الماقبلية الحصرية ليتم  التركيز على : سلطته الوظيفية و إنتاجيته غير المرتبطة ماهويا بمفرد معين.
إن الوظيفة الديناميكية للغة،  حيث تعطي حقائق ووقائع جديدة. هو ما يخول لمفهوم الأدب كآلة، حدوده القصوى وتجاوز كل نزعة تأويلية. لذلك فإن علاقة الكاتب بعمله تقوم بالأساس على الاغتراب والتجاوز. ذلك، أن فكرة العمل لا تكتمل وتتأسس بمجرد معانقتها بياض الورق، لكنها بالعكس من ذلك، تبقى منفتحة على تحققات متوالية. فالكاتب يكشف كل لحظة حقيقة عمله.
يؤكد دولوز دائما على أهمية استحضار هذه الطبيعة الخاصة للغة في النتاج الأدبي. الأدب هو هذا الكلام الذي نأخذه من الجسد العام للغة، ثم ننتقل به إلى اللغة المبدعة انطلاقا من إمكانياتها الواسعة. خصوصية، تتأتى لها كذلك من هذه الفوارق التفاضلية التي تحققها انطلاقا من اللغة العامة. تماما مثلما  يخلق  الجسد  تعابيره الخاصة التي لا يمكن  أن تختلط مع أعضائه.
إن رؤيته  لإبداعية اللغة الآلية Machinique
، تفترض  بالأساس التركيز على الحمولة المكتفة، مع وضع التأويل التيماتيكي جانبا : (من غير المجدي حتما إحصاء تيمة عند كاتب، إذا لم نتساءل عن أهميتها بالضبط في عمله، أو بشكل دقيق كيف تشتغل "وليس معناها") . أو بالأحرى لا يهم حضور التيمة داخل العمل، قدر الاهتمام بالتقاط الجوانب الديناميكية في اشتغالها. هنا يبتعد دولوز مرة أخرى عن التأويل  النفسي، الذي يلاحق بالأساس تواتر التيمة في العمل دون ربط ذلك بحركيتها النوعية.
تتحول ماهية الأدب إلى قدرته على خلق مجال للاختلاف مع ذاته وإيجاد مكان للتعدد والتغير، بخلقه لسيمولاكرات جديدة. في هذا السياق يطرح دولوز من جديد مسألة الأسلوب، منطلقا من كونه ليس فقط مجالا لاشتغال الخيال البلاغي، لكنه أيضا إجراء للذكاء المبدع والحيوي في أفق خلق عالم جديد يقول : (الماهية ولادة دائمة للعالم، لكن الأسلوب هو الولادة المتواصلة والمنكسرة. الولادة التي نعثر عليها ثانية في مواد تتطابق مع الماهيات، وتصبح تحولا للأشياء. ليس الأسلوب هو الرجل، إنه الماهية ذاتها) .
لا يتأسس الأدب قبل الكتابة. ومادة العالم، الذي يتأتى إبداعه تسير تدريجيا ك "نتيجة" لأسلوب يقدم نفسه من أجل تقويم الفضاء الذي يبدعه المؤلف.
لقد جاء مفهوم دولوزللأدب، ليحل هذا الإشكال الكلاسيكي المتمثل في التناقض داخل الأدب بين المادة والكيفية. وذلك لمحاولة التقاطه الصيغة التي يتم بها توظيف التزامن الأنطولوجي بين الطريقة التي تعطى بها مادة العالم، ثم كيفية تقديمها كمجال اشتغالي للأدب. في هذا الإطار يمكننا أن نستحضر تعريف وتصوره للماهية: (الماهية في ذاتها اختلاف. لكن ليس لها القدرة على أن تنوع وتتنوع دون أيضا القدرة على التكرار، ومطابقتها ذاتها) . لا تدرك الماهية هنا في إطار المرجعية المفهومية الأفلاطونية، أي ذلك النمط المثالي، لكن باعتبارها تماثلا واختلافا.
يصبح التغاير والاختلاف، مكونا جوهريا لهذه الاستمرارية والديمومة المتطورة، أو بعبارة أخرى فإن  الأدب يخلق مغايرته  بقدر تكراره. يتساءل دولوز (ماذا يمكننا أن نفعل بالماهية التي هي اختلاف أخير، غير تكرارها، مادام أنها لا تستبدل ولا شيء يمكنه أن يقوم مقامها ؟.  لذلك، فإن موسيقى  عظيمة لا يمكن إلا أن تعزف  ثانية،  واستظهار قصيدة في إنشادها. لا يتناقض، الاختلاف والتكرار إلا مظهريا) .
يشتغل النشاط الأدبي وفق منطق ثنائي يحافظ على الخصيصة النوعية لماهيته، وفي نفس الآن يجعلها منفتحة على قدرة تكرارية لا نهائية، والتكرار لا يقصد به المعاودة وتحصيل الحاصل ولكن  بالتأكيد  تحت صيغة التعدد. يعطي الأدب، إحساسا وانطباعا باجترار ذاته، إلا أنه يؤسس دائما شيئا جديدا . الأداة الممكنة لذلك، هو الأسلوب باعتباره ولادة أخرى للغة، المجال الإبداعي والاجتماعي لكاتب منا. صحيح أن هذا الكاتب يكرر شيئا اسمه اللغة، لكنه تكرار يشكل عتبة  للجديد والمفاهيم، يقول دولوز : (الأسلوب، هو جعل اللغة متبدلة، متغيرة ونزوع لكلية هذه اللغة نحو الهناك) .
إجمالا تقوم رؤية  هذا الفيلسوف لحداثة الأسلوب، وإبداعية التوظيف الفردي للغة،  انطلاقا من تصور للكتابة ينهض على كل دواعي ومبررات الانفلاتات الدائمة والمستمرة (نكتب دائما من أجل إعطاء الحياة، وتحرير هذه الحياة مما يعتقلها. نرسم خطوطا للانفلات. لذا، لا يجب أن تكون اللغة نسقا متجانسا، ولكن فاقدة للتوازن ومتغايرة دائما : يحفر فيها الأسلوب اختلافات محتملة، حيث يمكن لشيء أن يمر).
لقد اهتم دولوز بالأدب من خلال  رافدي : اللغة والأسلوب.بالتالي ، لم يكن غريبا أن يشتغل على كاتب ك : فرانز كافكا. حيث بلور بذلك  نظريته، التي تدافع عن الأدب باعتباره قطعا بلا مؤلف، مقتربا من أطروحة موريس بلانشو التي أعلنت عن موت الكاتب. بذلك، يتموضع دولوز ضمن تيار يدافع عن إمكانية وجود أدب بلا مؤلفين، باستحضار مناخ  نفسي يقوم بالدرج الأولى على العزلة والموت يقول : (عزلة كافكا، تفتحه على كل ما يجتازه التاريخ اليوم. حرف "ك" لا يشير إلى راو أو شخصية، بل إلى ترتيب هو  بالأحرى أكثر آلية) . إنها عزلة وموت خيال الأدب نفسه، من هنا تبدو القيمة  الإجرائية لمفهوم الإنتاج الآلي، الذي يترتب عنه ما يلي :
1 ـ النظر إلى الإنتاج الأدبي كمعطى، بلا أصل أو هوية ثابتين.
2 ـ ليس هناك علاقة وصاية، بين المؤلف وعمله.
3 ـ يتحول الكاتب إلى مجرد عامل ضمن عناصر الآلية الأدبية، التي هي بلا وجه أو إسم أو هوية.
تستند مرجعية دولوز في كل ذلك، على الاستيهامات الكافكاوية: (لقد عرف كافكا دائما  الإنتاج الأدبي، كما لو أنه لعالم صحراوي ، حيث تكون ساكنته إخوة ويتمتع بحرية حركة لا نهائية) . فالكاتب لا يمكنه تمثل ماهية الأدب إذن، إلا شريطة الانتشار في هذا الصحراء، التي تعطيه إحساسا قويا ومطلقا بالحرية. بين العزلة والحرية، توجد علاقة  انعكاس وتجل، ذلك أن الواحدة تحيل إلى الأخرى. ربما يتصور دولوز الأدب هنا، بتأثير من ليبنيتز Leibniz
من خلال مفهوم "المونادولوجيا". ذلك أن العالم الصحراوي الذي يشكل  فضاء للأدب، تغمره في حقيقة الأمر مجموعة من المونادات تعيش منغلقة على ذاتها.
يقدم نموذج كافكا، بشكل دائم لدولوز تطبيقا موحيا ومعبرا يقول : ( لم يتمكن أحد أفضل من كافكا، تعريف الفن أو التعبير، دون الإحالة على أية جمالية مهما كانت. إذا توخينا اختزال طبيعة هذه الآلة الفنية حسب كافكا، يمكننا القول : بأنها آلة عازب).
أصبح النشاط الأدبي وفق المنظور الجديد ، يعالج  باعتباره  وعي  منعزل ووحيد، لا يبحث  عن أي اتصال مع الآخرين، إلا بشكل  صوري. ليس المهم الرسالة والشفرة التي ينطوي  عليها الأدب، لكن بالأخص هذا الاشتغال الآلي، الذي تتمخض عنه حقيقتان أساسيتان :
ـ عدم امتلاك الكاتب لهذا المعطى، الذي هو من إنتاجه أولا وأخيرا.
ـ غياب حيز للأدب، حتى اللغة فإنها ليست إلا السيمولاكر الأخير.
وفق هذه الثنائية، سيشتغل الكاتب، كأنه في صحراء اللغة. لا بؤرة مركزية له في ذلك، غير الوعي بهذا الوضع. فاللغة تعمق إحساسه المريع بالاغتراب والعزلة والحياد.
انطلاقا من كافكا، سيعلن جيل دولوز تجاوز أسطورة "المؤلف" الكلاسيكية موظفا مفاهيم  جديدة : آلة، عازب، صحراء ... .
ودائـما في إطار البحث  عن الروافد المعرفية لمفهوم تحرر وانعتاق الأدب، استحضر الفيلسوف علاقات كافكا بالرسائل. ذلك أن وضعية الرسائل التي  يكتبها كاتب ما، تطرح إشكالا في هذا السياق، من خلال التساؤل  عن احتمال كونها جزءا من عمله وبالتالي نتاجه الأدبي بالمعنى الحقيقي للكلمة. يقول : (ليس  هناك من مقام للتساؤل عما إذا كانت الرسائل تشكل جزءا من العمل أو ليست كذلك، أو كانت مصدرا لبعض تيماته : إنها قسم متمم لآلة الكتابة أو التعبير).
من خلال ذلك، نفهم أن :
ـ الرسائل المكتوبة لكاتب ما تشكل جزءا من نتاجه.
ـ أن يتم الاقتراب من هذه الرسائل في إطار سياق كلي لمقاربة الآلة الأدبية. بالتالي، تتموقع ضمن هذه اللعبة المستمرة لملاحقة دورة المعنى الفالتة باستمرار. يكتب  دولوز: (بالتأكيد لم يخطر ببال كافكا نشر رسائله. لكنه على النقيض، فكر في إتلاف كل  ما كتبه كما لو كانت رسائل. إذا كانت الرسائل تشكل  كليا جزءا من العمل، فذلك لأنها  دولاب أساسي، وقطعة محركة  للآلة الأدبية كما تصورها كافكا).
إن الأدب لا يبحث إلا على الاختفاء، مشروع منفتح على الموت، كأنه ينسج عالمه من خيوط الريح. تلك  حقيقة لا يمكن إلا أن نستشفها ضمنيا من رؤية دولوز ، وهو يلاحق آلة الإنتاج الأدبي، التي تشتغل بنظام ذاتي، يقف المؤلف حياله موقف الحياد. يقول : (أقصى  رغبة تبتغي  في الآن ذاته العزلة  ثم الارتباط بكل آلات  الرغبة. إن آلة بقدر ما تكون اجتماعية وجماعية فإنها كذلك عازب ووحيدة. وبرسمها لخط الانفلات، تتوخى حتما ذاتها من أجل وحدة لم تقم بعد فعليا شروطها : ذلك هو التعريف الموضوعي لآلة  التعبير التي تحيل على الحالة الواقعية لأدب  قاصر، حيث لا توجد "قضية شخصية") .
حينما يضع دولوز مفاهيمه عن الأدب من خلال حديثه عن كافكا ، فإنما يفترض  ضمنيا الأسس المفاهيمية لما سماه ب : أدب قاصر. يتميز بثلاثة خصائص هي : (لا- موطنية اللغة، وربط الفرد بالمباشر السياسي ثم التنظيم المشترك للتعبير).
الفهم الأول  لذلك، يتأتى من دعوة الأديب القاصر إلى تأسيس جديد للغة وترويض  قوالبها، بشكل  يسمح معه السياق الاستعمالي لها من العمل على نحت تعابير جديدة.
والفهم  الثاني لمشروع اللغة اللاـ موطني، هذا يدخل في إطار ثأر سياسي حقيقي، حينما يتعلق الأمر بكاتب ينتمي إلى أقلية اجتماعية.
لكن رغم ذلك، فالأدب القاصر ليس : (ذلك المتعلق بلغة قاصرة، لكنه بالأحرى قصور يقوم داخل لغة راشدة) . بمعنى، أن  هذا الأدب المدعو كذلك ،هو الذي يقوم بتفعيل  وتشغيل لغة تفترض  في نفسها النضج والاكتمال، ويدافع عن الاختلاف والتأسيس لمسار لغوي جديد وتشكيل  فضاءات أخرى. يحول الأدب إلى قضية فردية، ويصبح مثل السياسة شأنا يوميا ومهمة للجميع.
إن دفاع دولوز عن هذا الأدب الجديد، يهدف  بالأساس إعطاء الآلة الأدبية بعدا أكثر إبداعية وإنتاجية من خلال خلخلة  العادات والتأسيسات، وجعل الكاتب أكثر قدرة على التعبير. خلفيات هذا التحفيز،  تبقى  سياسية في أفق بلورة صيغ تعبيرية أخرى : (تكسر الأشكال، وترسم القطائع والتشعبات الجديدة. ومع تكسير الشكل يتأسس المحتوى ثانية، الذي  سيقع حتما مع نظام الأشياء) . ثم يضيف : (هكذا تنوب الآلة الأدبية عن الآلة الثورية القادمة، ليس من أجل مبررات إيديولوجية، لكن لأنها وحدها معينة لكي تملأ شروط تعبير جماعي ينتفي من كل مكان في هذا الوسط : الأدب قضية الشعب).
نظرية دولوز عن الأدب القاصر، تلامس بالأساس المعطيات الثورية التي تسكن قلب كل أدب يفترض في ذاته كونه كبيرا  أو قائما. إنه القدرة على البحث في اللغة وتجاوز وضعية المهزوم أو المستلب من قبل هذه اللغة يقول : (مسألة أدب قاصر، هي كذلك بالنسبة لنا جميعا : كيف نقتلع من لغة خاصة أدبا قاصرا، قادرا على حفر اللغة، والعمل على غزلها وفق خط ثوري رزين ؟ ثم كيف تتحول إلى بدوي ومهاجر وكذا بوهيمي، للغة الخاصة) .
كل ذلك في أفق إعادة مماهاة الفن والأدب بالحياة.

 

-  Ibid, P 6.

- Ibid, P 9

– Ibid, P 1 0 .

- Ibid,  P.13.

 -Ibid, P. 14.

- Ibid, P. 25.

- Ibid, P. 26/27.

ـ Ibid, P. 34.

-   Ibid, P.39.

-   bidem.

-  Ibid, P. 41.

- Ibid, P. 44.

- Ibid, P. 46.

-  Ibid, P. 51.

-  Ibid,  P.53.

- Ibid, P. 54.

-  Ibid, P. 58.

-  Ibid, P. 60.

-  Ibid, P. 73.

- Ibid,  P. 80.

- Ibid, P. 81.

- Ibid, P.88-89.

- Ibid, P. 90.

- Ibid,  P 94.