رواية الكينونة أم متخيل المنفى

رواية " الجهل" للكاتب التشيكي ميلان كونديرا

ترجمة : محمد الجرطي

 

« Roman de l’existence, ou l’imaginaire de l’exil… »                "L’ignorance" de Milan Kundera. Revue érudit.                                              Par Eva Le Grand

Spirale : arts • lettres • sciences humaines, n° 190, 2003, p. 55-56.

 

رواية الكينونة أم متخيل المنفى

رواية " الجهل" للكاتب التشيكي ميلان كونديرا

 

أصبح بإمكان القراء الفرانكفونيين أخيرا اكتشاف رواية " الجهل " كتحفة جديدة للكاتب التشيكي ميلان كونديرا التي تشكل مع أعماله الروائية " البطء " (1995)           و" الهوية " (1997) ما يمكن اعتباره في الوقت الراهن ثلاثية الكوميديا الإنسانية في تكرار دورتها الفرنسية ما دام فسيفساء موضوع هذه الروايات يرتكز أكثر من أي وقت مضى على قضية جوهرية تسم كل أعمال ميلان كونديرا،كما فسر ذلك في عمله " الوصايا المخونة "   : " كم من الوقت يستطيع الإنسان أن يبقى متما هيا ومتطابقاً مع ذاته ؟ " أو بعبارة أخرى، لكي نصوغ من جديد مغزى رواية " الجهل " إلى أي حد يتعرف الإنسان على نفسه في بيته الأصلي، في وطنه كما في لغته الأم، في صورة هوية شبابه - " مرحلة الجهل "-  حين يجد نفسه في وضع يواجه فيه ضبابية نسيانه...

كُتبت هذه الرواية سنة 2000 ونُشرت أولا بعدة لغات غربية اكتسب فيها الكاتب من قبل نجاحا دوليا ملحوظا، هذه الرواية " الجهل " هي الرواية العاشرة لميلان كونديرا لكنها في الوقت نفسه الرواية الأولى التي، مند أن كتب " خفة الكائن التي لا تحتمل "  تشكل عودة نحو الشخصيات التشيكية، خصوصا الشخصيات المهاجرة، المجسدة في هذا العمل من طرف إيرينا و جوزيف، هذه الشخصيات تعيش للمرة الأولى فرضية " العودة الكبرى " إلى حالة بويهيما وطنهم.

ذاكرة المنفى

بدأت شخصية المهاجر في أعمال ميلان كونديرا تبرز إلى الوجود مع شخصية جاكوب في " رقصة الوداع "، تلتها بعد ذلك طامينا وإيان في " كتاب الضحك والنسيان " ، ثم سابينا، تيريزا وتوماس في " خفة الكائن التي لا تحتمل " نستحضر في هذا الصدد فقط شخصيات المنفى الخارجي. والحالة هذه، يتعلق الأمر بشخصيات تجد نفسها في رواية       " الجهل " عبر إيرينا و جوزيف، في توليفة حقيقية تنم عن تناص داخلي لا مثيل له في كل أعمال كونديرا. في روايته " الجهل " يلجأ ميلان كونديرا إلى أسلوب المقارنة بين رحلة عوليس من موطنه إيتاكا إلى حرب أشعل فتيلها الاغريق. تعثرت رحلة العودة بالنسبة لعوليس فقضى عشرين سنة في المنفى وهو يعاني من حنين جارف إلى زوجته بينيلوب وموطنه إيتاكا. أما إرينا في رواية " الجهل " فقد اختارت المهجر ( المنفى) بسبب الأوضاع السياسية الخانقة في بلدها التشيك الذي يسيطر عليه نظام شمولي وبوليسي.

إذا كان عوليس يراوده حلم العودة لمعانقة الوطن، فإن إرينا كانت تخاف من العودة إلى مدينتها براغ. منذ الأسابيع الأولى لوجودها في باريس راحت إرينا تشاهد أحلاما مرعبة : "  إنها في طائرة بدلت خطها وحطت في مطار مجهول، رجال مسحون ينتظرونها في نهاية الممر، بجبين يتصبب عرقا باردا، عرفت أنهم الشرطة التشيكية ". تُعتبر هذه الرواية انحراف للحلم الشعري لكزافييه، الأنا الآخر للشاعر جاروميل، دون أن ننسى "الحب البريء و الخالص" في "الأربعينيات" كانحراف لاختيار جوزيف.  تعقب رواية "الحياة في مكان آخر" رواية " كتاب الضحك والنسيان " التي يبقى موكبها من الانحرافات حول الذاكرة و النسيان و الموت قائما أيضا في رواية " الجهل " كما هو الشأن لدلالة " الهوية " التي تسم كل روايات كونديرا. تُطور الكثير من التيمات والأفكار في رواية " الجهل " أسطورة الحنين التي تتحول صورتها من خلال أنماطها السردية المتعددة إلى قناع من الألم والمعاناة ملازم لكل مهاجر، انحراف واضح " لقناع الجمال " كاستعارة كونديرية بامتياز عن الفن الرديء.

العودة إلى" إيتاكا" والرحلة الجديدة.

ترتكز رواية " الجهل " على تيمات أساسية كأسطورة "الحنين" و "العودة الكبرى" إلى الوطن الذي يُنظر إليه كفردوس مفقود و مستعاد. تتم مقارنة هذه التيمات بأوديسا هوميروس، الملحمة المؤسسة التي يبقى بطلها عوليس " المغامر الأكبر لكل العصور وأيضا صاحب الحنين الأكبر". يضع الروائي على هذا النحو الخطوة الأولى نحو الاستكشاف المعقد لمعاني الكلمات عبر العصور- الزمن البطولي لملحمة هوميروس، الزمن الشعري للشاعر التشيكي سكاسل والزمن الموسيقي لشونبيرغ- شخصيات أسطورية و تاريخية يجعلها كونديرا في تطابق و تماثل مع شخصياته الروائية فتطفح الرواية هذه المرة بالكثير من الدلائل نتيجة تناص خارجي مكثف (ثمة مجموعة من الشعراء تمت مقارنتهم مع مسار جاروميل في هذه الرواية طوماس مان، غوته، هيمنجواي و هلم جرا...). 

إن أبطال ملحمة الأوديسا كما هو الشأن لأبطال رواية " الجهل " لكونديرا يعودون جميعا إلى وطنهم الأم بعد عشرين عاما من الغياب. لكن في حين أن قارئ هوميروس يتابع بتفصيل مغامرات عوليس في مئات الصفحات، فإن قارئ رواية " الجهل " لا يعرف الشيء الكثير عن سنوات المنفى لإرينا أو جوزيف، لأن هذه الرواية تركز على زمن "العودة الكبرى" أو بشكل أكثر دقة على استحالة (!) هذه العودة. فضلا عن هذا، ألا تغترف بالأحرى مخيلتنا عن المنفى من القصيدة الوجدانية للشاعر الفرنسي جواشيم دو بالي- من  بطله" السعيد الذي قام على غرار عوليس برحلة جميلة...قبل أن يعود "ليعيش بقية عمره بين أهله"-، ألا تغترف مخيلتنا من هذه القصيدة أكثر مما تغترف من قراءة متأنية للأوديسا؟

على غرار عوليس، فإن إيرينا و جوزيف لو أرادوا البقاء في وطنهم الأم، فيجب عليهم بتر عشرين سنة من حياتهم التي قضوها في المنفى !

علاوة على ذلك، لو ألقينا نظرة سريعة على النصوص المؤسسة لحضارتنا- من الكتاب المقدس إلى الأوديسا- فمن السهل أن نرى أن مغامرة المنفى و الحنين إلى الفردوس المفقود هما جوهر الوجود البشري بحيث أن رفض مساءلة هذا الوجود يعني إحالته إلى مجرد ذكريات بسيطة "خارج الزمن" و بالتالي الحكم  على هذا الوجود بالنسيان الكلي، النسيان الذي يتوقف عن التطابق مع الفن الرديء.

هل ننسى بدورنا أن "العدو الأكبر للفن الرديء هو الإنسان الذي يتساءل؟". كيف يتعجب المرء من حالة إيرينا وجوزيف، بعدما اصطدموا بغياب كلي للأسئلة يقرران الرحيل نحو وطنهم الجديد، فضاء من العزلة و السعادة الغير المتوقعة؟.

يغادرون من جديد بكل حزم و تصميم على عدم الاعتراف بوطنهم الذي غزاه الفن الرديء في كل مكان. إيرينا، على سبيل المثال، سرعان ما تدرك أن رفيقاتها القديمات قد استسلمتا أيضا لرمزية الفن الرديء، لو اعتمدنا على العرض المثير للضحك                   والحقير" لدرسهم عن الروح الوطنية " الذي قدموه لإيرينا، وعلى تفاخرهم بالسكر عن طريق شرب الجعة (الرمز المجيد لهذا السائل الذي يميز بويهما الروح التشيكية). ثم لرفضهم تذوق الجعة الفرنسية "بوردو" التي اشترتها إيرينا لتحتفل معهم بمناسبة عودتها...

"العودة" باليونانية      nostos   تعني الرغبة في العودة.         algos    تعني الألم و المعاناة. الحنين هو إذن حالة من المعاناة و الألم تسببها الرغبة الغير المشبعة التي لم تحقق العودة. على ضوء هذه الإضاءة الاشتقاقية، يبدو الحنين كمعاناة من الجهل. من البديهي، أن الحنين هو موطن الإنسان العاطفي بامتياز. وعلاوة على ذلك، فإنه ليس من قبيل الصدفة أن نحاول إدراك القانون الوجودي لشخصياتنا الرئيسية- علة هويتهم- على وجه التحديد من خلال موقفهم إزاء الحنين إلى الماضي.

الحنين إلى الماضي أو التباس الذاكرة

التقت دروب إيرينا و جوزيف-الآن و قد أصبحوا أرامل و أحرار (بالرغم من أن إيرينا مازالت تحمل في ذاكرتها شخصا يدعى غوستاف، صديقها السويدي)- من قبل في براغ سابقا في زمن أمسية و محاولة إغراء.الآن و بعد مرور عشرون سنة، صدفة خالصة تجمعهم من جديد أثناء العودة الأولى و الوحيدة لجوزيف إلى وطنه الأم. إن موضوع         " التباس الذاكرة " المرتبط بطريقة طباقية مع الحنين إلى الماضي يصل في هذه الرواية إلى ذروته. بينما إيرينا لم تنس أبدا جوزيف، إذ أن لقاءهم الجديد أحيا حتى حلمها الرومانسي القديم للحب، فإن جوزيف، من جهته، لم يتعرف على إيرينا كما لم يتذكرها لا هي و لا اسمها. وبالتالي فإن لقاءهما الذي تميز بذروته الجنسية التي يملك كونديرا سر وصفها فإنه لم يكن بالنسبة لجوزيف، و خلافا لإيرينا، سوى مغامرة مع امرأة مجهولة، الأخيرة في حياته كما فكر في ذلك بحزن.

وعلاوة على ذلك، خلافا لعودة عوليس، فإن عودة إيرينا و جوزيف لا تنبع من اختيارهم و لا من الحنين إلى الماضي الذي لا يطاق : إنهم فقط ممثلون لدور مكتوب منذ الأزل كما كان دور لودفيك أو روبنز.

بالنسبة لإيرينا، فإن عودتها فُرضت عليها من قبل سيلفي صديقتها الباريسية، التي قذفت بها في حنين عابر من خلال تكرار عبارات " العودة الكبيرة "... وبناء على هذا القول، فإن إيرينا أبعد ما تكون ضحية للحنين إلى الماضي كما كانت حالة عوليس : تتموقع إيرينا في الحدود القائمة بين مكانين، مكان الوطن ومكان المنفى، هذه الحدود توازي الحنين إلى الوطن الأم مع الحنين إلى المنفى (!). لأن إيرينا كانت تشعر بنفسها ممزقة بين أحلام الهجرة "التي تؤرق لياليها فتكشف لها عن رعب العودة" وبين الصورة المتفرقة لنهارات مدينتها المحبوبة براغ التي تبرز أمامها في صور نادرة شبيهة بالصور التي تحتفظ بها في ذاكرتها. لم تدرك إيرينا أن صديقتها سيلفي لم تكن تحب فيها سوى صورة "المرأة الشابة التي تعاني في منفاها بعيدة عن وطنها". لم تكن سيلفي قادرة على تخيل إيرينا إلا كامرأة محبطة رازحة تحت وطأة معاناة العودة المفترضة للمهاجر". إن صورة الفن الرديء و العاطفي للحنين إلى الماضي فُرضت على إيرينا أيضا من طرف غوستاف، صديقها التافه، الذي أقام فرع لشركته في المدينة التي يصر على تسميتها ب"مدينة إيرينا" رغم أن هذه الأخيرة لم تكف عن تذكيره بإن" براغ لم تعد مدينتها". يجهل غوستاف من جهة أخرى الرغبة الدفينة لإيرينا في أن تستعيد العزلة والاستقلال اللذان عاشتهما في شقتها في باريس، كما يجهل غوستاف حب إيرينا المتأجج لبراغ الخلابة، براغ المتميزة بحدائقها الصغيرة المختفية في الجانب الآخر للقلعة و أحياءها المختلفة كليا عن "مدينة غوستاف" حتى نستخدم اللقب الساخر لإيرينا، عن هذا المجمع السكني المقّنع في صورة فردوس سياحي بواسطة الفن الرديء الحاضر في كل مكان.

أما بالنسبة لجوزيف- الذي لم يعش كبويهيمي إلا ثلاثة أو أربعة أيام كما لن يعود أبدا إلى هذه الحياة- فإن الإخلاص وحده للوعد الذي قدمه لزوجته المحبوبة التي فارقت الحياة منذ مدة هو ما فرض عليه العودة إلى براغ. جوزيف الذي- بخلاف عوليس تماما- يعاني من عدم الشعور بالحنين إلى الماضي، لم يستشعر إلا هبوب خفي لنسمات هذا الحنين، لكن ثمة مفارقة عجيبة، مفارقة الحنين للمنفى المفعم بسعادة غريبة و بحكمة الشيخوخة والرواية بلا شك : سعادة منبثقة من الصور الخاطفة لمسكنه المنعزل في الدانمارك، صور مصباح في النافدة تركته زوجته مشتعلا أثناء عودتهم إلى الوطن. منذ أن بدأ جوزيف يتعايش مع صورة زوجته الميتة أخدت ساعة جديدة تنظم وقته. لهذا السبب، تخلى جوزيف دون تردد عن إيرينا وهي نائمة وسط دموع خيبتها في غرفة بفندق في براغ. في الطائرة التي كانت تقوده نحو الدانمارك، أخد يتخيل بسعادة ممزوجة بالحزن "سياج منخفض من الخشب وشجرة صغيرة أمام المنزل شبيهة بذراع مرفوعة كعلامة على "مصيره المجهول" و"حبه الطاهر والخالص". الحنين للمنفى كسعادة وليس كمعاناة، هذا هو الاكتشاف الروائي الرائع والمفارقة النهائية والأخيرة لسخرية كونديرا العجيبة التي تبعث الحياة في هذه الرواية (رواية الجهل).

فن التأليف

من المستحيل أن نحدد في هذا المقال جميع العناصر المدهشة للبناء الهندسي العام لرواية "الجهل". سواء فيما يخص توزيع الخطوط السردية، الشخصيات الخمس الروائية كما هو الشأن للشخصيات التاريخية أو الملحمية التي ترافقهم، تعدد الأشكال الزمنية أو الخطابية، الإيقاعات و التيمات أو الأفكار، أو التعاقب السريع و الجوهري لهذه العناصر، ناهيك عن الطابع الكوميدي الذي لا يقاوم في العديد من الوضعيات التي تخللت  هذه الرواية. أفكر، على سبيل المثال، في القصة الهزلية (الفصل 31) حول جثة جزار دانماركي دُفن خطأ في مدفن عظماء الأمة في مكان شاعر وطني إيسلندي أو التداخل المتسارع بشكل متزايد(بدءا من الفصل 44) للمشاهد الإيروسية المثيرة بين جوزيف و إيرينا مع مشاهد الإغراء التافهة- كوميديا ساخرة حقا- لأم إيرينا مع غوستاف !.

وهكذا، فإن مغزى الرواية يذكرنا في هذا المقام، أن الجهل هو الذي يضفي طابعا  جماليا على البنية القائمة بين الهوية و الغيرية، بين "الأنا" وصورة "الأنا" البنية التي-كمفارقة أخرى- تكشف في نهاية المطاف هذه المعرفة الروائية الخاطفة على وجه التحديد   التي لا تتوقف ذاكرتنا الضعيفة عن ملاحقتها.

"من فن السوناتة دخلت إلى فن الهروب: الشكل الأكثر قصرا، كتلة واحدة لا تتجزأ من نفس التيمات و الأفكار الحاضرة باستمرار و المتنوعة بلا انقطاع" يقول كونديرا ليسلط الضوء على الفرق التأليفي بين إبداعاته التشيكية و الفرنسية. تؤكد رواية " الجهل" هذا الكلام بشكل أفضل من أي وقت مضى. فن تأليف طباقي و بوليفوني  بامتياز ، الهروب أو الفرار ينتقل في هذه الرواية من مقطع إلى آخر، من نمط سردي إلى نمط تأملي أو حلمي يغني بالإضافة إلى ذلك تعدد أصوات الانفعالات و المشاعر التي تهيكل و تبنين بشكل متناغم هذا الهروب الروائي الرائع : تساؤل معقد عن هوياتنا المتغيرة، تساؤل يكشف على هذا النحو - رغم أنه يحدد التضليل و الوهم الملازمين لكل حنين إلى الماضي- الطابع الكوميدي للتكرار الذي نحن جميعا سجناء له، الطابع الكوميدي للتاريخ كما هو الشأن للجنسية . الطابع الكوميدي للزوال المحتوم للزمن البشري إجمالا الذي نفضل تجاهله...

Eva Le Grand

ترجمة : محمد الجرطي

باحث ومترجم من المغرب