ابن الفارض (سلطان العاشقين)

 

 

محمد عبد الشافي القُوصِي

 

قصائد (ابن الفارض) موشّاة برموز وإشارات لا يفهمها إلاَّ العارفون!
معانيه احتجبتْ وراء بلاغة العبارات والألفاظ ذات المعاني البعيدة!
 جعل ألفاظه مستبهمة غِيرةً على أسراره أن تشيع في غير أهلها!

  • هو أبو حفص شرف الدين (ابن الفارض) أشعر المتصوفة، يُلقَّب بـ"سلطان العاشقين"! درس الفقه الشافعي بالأزهر، وأخذ الحديث عن ابن عساكر، ثم زهد في الحياة وتجرد، وسلك طريق التصوف، فكان يأوي إلى المساجد المهجورة في أطراف المقطم، ويقيم فيها ليالي وأياماً طويلة صائماً ومعتكفاً. عندما زار مكة نظم معظم أشعاره في الحب الإلهي، وعاد إلى مصر بعد خمسة عشر عامًا قضاها طوافاً حول الحرم!
      وصفه معاصروه كالذهبي، والزركلي، وابن خلكان، وابن حجر، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم؛ بأنه كان جميلاً نبيلاً، حسن الهيئة والملبس، حسن الصحبة، رقيق الطبع،  سخياً جواداً، عليماً بأسرار اللغة، وعاشقاً للحسن والجمال المطلق. وقد عكفوا على شرح ديوانه وتأويله، وكشفوا عن الرموز والإشارات التي احتجبت وراء العبارات والألفاظ ذات المعاني البعيدة! لاسيما أن أشعار المتصوفة تتكئ على الإشارة والتلميح الذي يعمدون فيه إلى المواربة والإغراب، كما يعولون على أساليب المجاز والاستعارات والكنايات وغير ذلك من ألوان البلاغة التي من شأنها أن تزيد الأمر خفاء، وتُحوِجك إلى إعمال العقل –كما يقول الجرجاني!
    لقد التمس الصوفية ألفاظهم وعباراتهم في التعبير عن حبهم الإلهي والنبوي من معجم الشِّعر الغزلي أوْ الخمري، مما خلفه الشعراء العذريون كقيس وجميل وكُثيِّر، وغيرهم! حيث تكثر عندهم مفردات (الحب، الصبابة، الأسى، الجوى، وحان، ألحان، طاس، خمر، مدامة، نشوة)! ومن شعراء المتصوفة من يسرف في اصطناع هذه الألفاظ الغزلية والخمرية مثل: ابن عربي، وابن الفارض، وجلال الدين الرومي!
      وقد ظنَّ البلهاء وذوي العاهات العقلية؛ أن الألفاظ الغزلية تدل على معانِ مادية بحتة؛ فالحب حسي، والخمرة  خمرة مادية! ولضيق أفقهم وعجزهم عن فهم الرموز وفك مغاليقها؛ سارعوا إلى التشنيع على المتصوفة والغض من القيم الروحية التي تنطوي عليها قصائدهم، وفسروها! الأمر الذي اضطر ابن عربي -مثلاً- أن يضع بنفسه شرحاً لديوانه "ترجمان الأشواق". وعن سبب اللجوء إلى الألغاز والرموز يقول القشيري في كتابه (الرسالة): "لقد قصد الصوفية أن تكون ألفاظهم مستبهمة على الأجانب غيرةً منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، فهي معانِ أودعها الله في قلوب قوم، واستخلص لحقائقها أسرار قوم".
    ولهذا؛ ورد عنهم قولهم: "لا يغشى مجالسنا من ليس منا"! وقد كان لي شرف أنْ أستهل المجموعة القصصية (سجادة الخضر) بالجملة التالية: "لا يقرب قصصنا من ليس منا"!
    يقول العارفون: إنَّ (الحب الإلهي) عند المتصوفة، معناه الحب الخالص لله، وهو المحور الرئيسي الذي تدور عليه رياضة النفس ومجاهدتها، وهذا ما أشار إليه "ابن الفارض" في  قصائد كثيرة مثل "التائية الكبرى"، كقوله:

    وعن مذهبي في الحبِّ ما ليَ مذهبٌ
    وكل الجهات السِّتِّ نحوي مشيرةٌ

     

    وإنْ مِلتُ يوماً عنه فارقتُ مِلَّتي!
    بما ثَمَّ من نُسْكٍ وحَجٍّ وعُمرةٍ!

     وقوله في قصيدة (زدني بفرط الحب) التي يقول فيها:

    زِدْني بفَرْطِ الحُبّ فيـك  تَحَيّـرا   
    وإذا سألُـتـكَ أن أراكَ حقيـقـةً   
    يا قلبُ أنتَ وعدَتني فـي  حُبّهـمْ صَبراً    
    إنَّ الغرامَ هوَ الحيـاةُ فمُـتْ بِـهِ صَبّاً    
    قُل لِلّذِيـنَ تقدَّمـوا قَبلـي ومَـن بَعدي    
    عني خذوا وبي اقْتدوا وليَ اسمعوا
    ولقد خَلَوْتُ مع الحَبيـب  وبَيْنَنَـا سِرٌّ   
    وأبـاحَ طَرْفِـي نَظْـرْةً  أمّلْتُهـا
    فَدُهِشْـتُ بيـنَ جمالِـهِ وجَلالِـهِ  
    فأَدِرْ لِحَاظَكَ في محاسنِ  وجْهـه
     لوْ أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُـلُ صُـورةً     

     

    وارْحَمْ حشىً بلَظَى هواكَ تسعّـرا
    فاسمَحْ ولا تجعلْ جوابي لنْ  تَرى
    فحاذرْ أن تَضِيقَ  وتَضجرا
    فحقّـك أن تَمـوتَ وتُعـذرا
    ومَن أضحى لأشجاني يَرَى
    وتحدّثوا بصَبابتي بَيـنَ  الـوَرى
    أرَقّ منَ النسيـمِ إذا  سـرى
    فَغَدَوْتُ معروفـاً وكُنْـتُ مُنَكَّـرا
    وغدا لسانُ الحال عنّـي مُخْبِـرا
    تَلْقَى جميعَ الحُسْنِ فيـه مُصَـوَّرا
    ورآهُ كـان مُهَـلِّـلاً  ومُكَـبِّـرا

     وينظر ابن الفارض -والصوفية عامة- إلى حب الله على أنه أصل وجود الخلق، وواسطة سريان الحياة والحركة في المخلوقات استناداً إلى الحديث القدسي: "كنتُ كنزاً مخفياً، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقتُ الخلق، فبه عرفوني".  
    وتتجلى مقامات الحب الإلهي الكوني، في قصيدته "الميمية" وذلك من خلال حديثه الرمزي عن هذا الحب، وكنى عنه بالمدامة من حيث هي كناية عن وجود المحبة الإلهية منذ الأزل، ولا تدخل في قيود الزمان والمكان، يقول في قصيدة (شربنا على ذكرِ الحبيبِ مُدامةً):

    شربنا على ذِكْرِ الحبيبِ مُدامةً
     لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ
    يديرها
    ولولا شذاها ما اهتديتُ
    لحانها
    فإنْ ذُكِرتْ في الحيِّ أصبحَ
    أهلهُ
    وإنْ خَطَرَتْ يَوماً على
    خاطِرِ امرِئ
    ولو نَضَحوا مِنها ثَرى قَبْرِ
    مَيتٍ
    ولوْ عبقتْ في الشَّرقِ أنفاسُ
    طيبها
    ولوْ خضبتْ منْ كأسها كفُّ
    لامسٍ
    تُهَذّبُ أخلاقَ النّدامى،
    فيَهْتَدي
    يقولونَ لي صفها فأنتَ
    بوصفها
    صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطْفٌ
    ولاهَواً،
    تقدَّمَ كلَّ الكائناتِ
    حديثها
    وقامَتْ بِها الأشْياءُ، ثَمّ،
    لحِكْمَةٍ
    وعنديَ منها نشوة ٌ قبلَ
    نشأتي
    عليكَ بها صرفاً وإنْ شئتَ
    مزجها
    وفي سكرة ٍ منها ولو عمرَ ساعةٍ
    فلا عيشَ في الدُّنيا لمنْ عاشَ
    صاحياً
    على نفسهِ فليبكِ منْ ضاعَ
    عمرهُ

     

    سَكِرْنا بها، من قبلِ أن يُخلقَ الكَرمُ
    هِلالٌ، وكمْ يبدو إذا مُزِجَتْ
    نَجمُ
    ولولا سناها ما تصوَّرها
    الوهمُ
    نشاوى ولا عارٌ عليهمْ ولا
    إثمُ
    أقامَتْ بهِ الأفْراحُ، وارتحلَ
    الهَمُ
    لعادَتْ إليهِ الرُّوحُ،
    وانْتَعَشَ الجسْمُ
    وفي الغربِ مزكومٌ لعادَ لهُ
    الشَّمُّ
    لما ضلَّ في ليلٍ وفي يدهِ
    النَّجمُ
    بها لطريقِ العزمِ منْ لا لهُ
    عزمُ
    خَبيرٌ، أجَلْ! عِندي بأوصافِها
    عِلْمُ
    ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا
    جسمُ
    قديماً، ولا شَكلٌ هناكَ، ولا
    رَسْمُ
    بها احتجبتْ عنْ كلِّ منْ لا لهُ
    فهمُ
    معي أبداً تبقي وإنْ بلى َ
    العظمُ
    فعدلكَ عنْ ظلمِ الحبيبِ هوَ
    الظُّلمُ
    تَرى الدَّهْرَ عَبداً طائِعاً،
    ولَكَ الحُكْمُ
    ومنْ لمْ يمتْ سكراً بها فاته
    الحزمُ
    وليسَ لهُ فيها نصيبٌ ولا
    سهمُ!

       فالله جميلٌ، وجماله حقيقي ومطلق، ويستغرق هذا الشعور بالانجذاب إلى جمال الذات الإلهية عند ابن الفارض استغراقاً جعله يشهد محبوبه الحقيقي في كل معنى من معاني الحياة، وفي كل مظهر من مظاهر الكون .. حتى في نغمة العود وألحان الناي، وفي مسارح الغزلان، وفي مساقط الغمام، وبين الأزاهر والورود، يقول: 

    تـراه إنْ غـاب عني كل جارحةٍ
    فـي نغمة العود
    والناي الرخيم إذا
    وفـي مسارح غزلان الخمائل
    في
    وفـي مـساقط أنداء الغمام على
    وفـي مـساحب أذيال النسيم إذا
    لم
    أدرِ ما غربة الأوطان وهو معي

     

    فـي كـل معنى لطيف رائق بهج
    تـآلفا بـين ألـحان مـن الهزج
    برد الأصائل والأصباح في البلج
    بـساط نـور من
    الأزهار منتسج
     أهـدى إلـي سحيراً أطيب الأرج
     وخـاطري أيـن كنا غير منزعج!

       وقد اشتاق (ابن الفارض) إلى الحجاز وأهله، فمن تلك البقاع الطاهرة، ينحدر أصله، فكانت أسرته تفتخر بنسبٍ متصلٍ ببني سعد، قبيلة السيدة/ حليمة السعدية –مرضعة الرسول الأعظم! فكتب قصيدته الشهيرة (أرَجُ النّسيمِ سرَى) :

    أرَجُ النّسيمِ سرَى مِنَ الزّوراء
    صبٍّ متى قفلَ الحجيجُ
    تصاعدتْ
    يا ساكني البَطحاء، هلْ مِن
    عَودَةٍ
    وحياتكمْ يا أهلَ مكَّة َ وهيَ
    لي
    ولِفِتيَة ِ الحَرَمِ المَريعِ،
    وجِيرَة ِ الـ
    وهُمُ عِياذي، حيثُ لم تُغنِ
    الرُّقى
    وهُمُ بِقلْبي، إنْ تناءَتْ
    دارُهُمْ
    وعلى محلِّي بينَ
    ظهرانيهمِ
    وتذكُّري أجيادَ وردي في
    الضُّحى
    وعلى مُقامي بالمَقامِ، أقامَ
    في
    أسْعِد أُخَيَّ، وغنّني بحَديثِ
    مَنْ
    وأَعِدْهُ عِنْدَ مَسامِعي،
    فالرّوحُ، إنْ
    واهاً على ذاكَ الزَّمانِ وما
    حوى
    وكفى غراماً أنْ أبيتَ
    متيَّماً

     

    سحراً فأحيا ميِّتَ الأحياءِ
    زفَراتُهٌ بتَنَفُّسِ
    الصّعَداءِ
    أحيا بها يا ساكني
    البطحاءِ
    قسمٌ لقدْ كلفتْ بكمْ
    أحشائي
    ـحَيّ المَنيعِ، تَلَفُّتي
    وعَنائي
    وهمْ ملاذي إنْ غدتْ
    أعدائي
    عنِّي وسخطي في الهوى
    ورضائي
    بالأخشَبيْنِ، أطوفُ حَولَ
    حِمائي
    وتهجُّدي في الَّليلة ِ
    الَّليلاءِ
    جِسمي السّقامُ، ولاتَ حينَ
    شِفاءِ
    حلَّ الأباطحَ إنْ رعيتَ
    إخائي
    بَعُدَ المَدى، تَرتاحُ
    للأنْباءِ
    طيبُ المكانِ بغفلة ِ
    الرُّقباءِ
    شَوقي أماميَ، والقضاءُ
    ورائي

    لمّا حجَّ ورجع، لمْ يمكث طويلاً، حتى عاوده الشوق أكثر وأكثر! ولا عجب في ذلك، ففي تلك الديار تفجرت قريحته بأعذب القصائد، وأرق الأشعار، فكتب قصيدته الشهيرة (هلْ نارُ ليلى بَدت ليلاً؟)

    هلْ نارُ ليلى بَدت ليلاً بِذي سَلَمِ    
    ناشَدْتُكَ اللَّهَ إنْ جُزْتَ العَقيقَ ضُحًى
    وقُلْ تَرَكْتُ صَريعاً، في دِيارِكُمُ   
    فَمِنْ فُؤادي لَهيبٌ نابَ عنْ قَبَسٍ   
    وهذهِ سنَّة ُ العشَّاقِ ما علقوا   
    يا لائماً لامني في حبِّهمْ سفهاً   
    وحُرْمَة ِ الوَصْلِ، والوِدِّ العتيقِ  
    ما حلتُ عنهمْ بسلوانٍ ولا بدلٍ 
    آهاً لأيّامنا بالخَيْفِ، لَو بَقِيَتْ 
    عني إليكمْ ظباءَ المنحنى كرماً  
    طوعاً لقاضٍ أتى في حُكمِهِ عَجَباً 

     

    أمْ بارقٌ لاحَ في الزَّوراءِ فالعلمِ
    فاقْرَ السَّلامَ عليهِمْ، غيرَ مُحْتَشِمِ
    حيّاً كميِّتٍ يُعيرُ السُّقمَ للسُّقمِ
    ومنْ جفوني دمعٌ فاضَ كالدِّيمِ
    بِشادِنٍ، فَخَلا عضْوٌ منَ الألَمِ
    كُفَّ المَلامَ، فلو أحبَبْتَ لمْ تَلُمِ
    وبالعهدِ الوثيقِ وما قدْ كانَ في القِدَمِ
    ليسَ التَّبدُّلُ والسُّلوانُ منْ شيمي
    عشراً، وواهاً عليها كيفَ لمْ تدمِ
    عَهِدْتُ طَرْفيَ لم يَنْظُرْ لِغَيرِهِمِ
    أفتى بسفكِ دمي في الحلِّ والحرمِ

    وهكذا؛ يظل شِعر ابن الفارض موضع الإعجاب والحفاوة عند الأدباء والباحثين عرباً كانوا أوْ عجماً، شرقاً قطنوا أوْ غرباً .. ومن أصدق ما قيل عنه تلك الأبيات التي كتبها سبطه (عليّ) فوق ضريحه:

    جُزْ بالقرافةِ تحت ذيْل العارضِ
    أبرزتَ في نَظْمِ السلوكِ عجائباً
    وشربتَ من كأس المحبةِ والوَلا

     

    وقُل: السلامُ عليكَ، يا ابن الفارضِ
    وكشفتَ عن سِرٍّ مصونٍ غامضِ
    فرويتَ من بحرٍ محيطٍ فائضِ!