أحمد الطراونة:
وادي الصفصافة
روح الصحراء!

 

 

بقلم
سليم النجار

 

 

 

 

 

العلاقة بين الشكل والمضمون في الرواية، كالعلاقة بين الخيط والإبرة، لذا فالرواية الحديثة تتركز على هندسة المكان، وعلى محطات كثيرة، تبرز بروزا ًواضحاً في معظم الأبحاث النقدية التي كتبت في هذا المجال، ولعل أبرز هذه المحطات:
- أن الرواية الآن بالنسبة للعالم الثالث، تعتبر أقوى سلاح في أيدي مبدعي هذا العالم، إن هم أحسنوا استعمال هذا السلاح، فقد أغنت تجربتهم الإنسانية كثيرًا، واستطاعوا من خلال هذا الفن، أن ينفذوا إلى سمع وأبصار العالم الآخر.
ومن خلال ذلك نرى، أن هناك اعتبارات فنية على كافة الروائيين في العالم الالتزام بها، ومن ضمنهم روائيو العالم الثالث بشكل خاص، وعلى رأس هذه الاعتبارات:
- إننا بحاجة إلى أدنى حد من الكلمات، واقصى حد من الفن.
- إن الرواية، هي الفن الذي لا يمكن، ولا يجب ان نثرثر فيه.
- إن الكلمة التي ليس لها وظيفة في الرواية، مثلها كمثل قشة التبن في وسادة القطن، فلا هي أراحت النائم، ولا هي استراحت في مكانها.
- إن التجربة الشخصية هي أهم ما تعالجه الرواية الحديثة، والتجربة الشخصية ـ كما يقول هنري جيمس- يجب الا تنقل نقلا ًمباشراً سطحياً، وإنما الاساس هو تحويلها الى رواية فنية، وهنا تكمن مزية الفنان وعبقريته، وذلك في كونه ينقل الانطباع الشخصي المباشر ويحوله الى نمط يتجاوز كل ما هو فردي وذاتي، ان الفنان يحول الافكار إلى صور ملموسة، تنتج الحقيقة، ومن هنا كانت العلاقة بين الرواية وموضوعها علاقة عضوية، فكلاهما يتمازجان في كيان عضوي واحد.
فأين موقع رواية "وادي الصفصافة" لأحمد الطراونة مما سبق؟
بسبر القيم الفنية للرواية، نستطيع ان نحلل الهندسة الروائية التي أخذ بها الطراونة في روايته، فمن هذه القيم:
- جماليات المكان.
- تشكيلات الزمان.
- معمارية الخلايا التعبيرية.
- بنائية الملحمة الروائية.
- مواجهات الانسان (الانسان في قلقه، وفي غربته) (1).

  1. جماليات المكان وتشكيلات الزمان

الأمكنة هي البشر، والناس هم الزمن، والحركة هي المكان والزمان.
اذن، فالإنسان هو المكان، والزمان، والحركة، وقبله وبدونه، لا مكان ولا زمان، ولا حركة.
يمثل المكان والزمان في الرواية وحدة عضوية لا تنفصم، ثم تأتي الحركة بعد ذلك، لتكمل هذه الوحدة، وتضفي عليها الحياة.
فالمكان بدون حركة لا يصبح مكانا ًوإنما قطعة ارض صماء. فالذي يعطي المكان حياته هو الحركة، والمكان هو تلك البقعة من الارض او المبنى الذي يمكّن الإنسان على الأرض، أي يجعله مكانا قادرا ًعلى الحياة على الارض.
واذا كانت هناك علاقة قوية بين المكان والحركة من جهة، وبين الزمان والحركة من جهة اخرى، فإن هناك علاقة قوية أيضًا بين المكان والزمان. فالمكان لا يمكّن إلا بالزمان، والزمان لا يزمّن الا بالمكان، بمعنى ان المكان الذي لا يزمّن، لا يعد زمانا، والمكان يكتسب كينونته من الزمان الذي تدب فيه الحركة، والزمان يكتسب زمنيته من المكان والحركة التي في داخله.
يلعب المكان في رواية أحمد الطراونة، دور البطل، ويقوم بالمساعدة على التشكيل العام للحدث الروائي، سواء كان هذا المكان مخلوقا ًاو مختلقاً، وهما نوعان وحيدان من انواع الأمكنة في رواية الطراونة، فإما ان يكون المكان مخلوقا اصلا قبل كتابة الرواية، فيأتي الروائي ويحدد ديكوراته من جديد، بما يتناسب واحداث روايته، وإما ان يكون المكان مختلقا، غير موجود في الواقع، ولكنه من صنع المبدع من ألفه الى يائه، يهندسه، ويبنيه، ويزينه، ويؤثثه، بما يتفق وأحداث روايته، مثله في ذلك مثل المخرج في الفيلم السينمائي، الذي يختار من واقع النص اماكن تصوير فيلمه، وديكورات هذه الاماكن.
ثمة ملاحظة نود من قارئ رواية احمد الطراونة ان يلتفت اليها، وهي أن الطراونة، كان قروي الاماكن، فقد انصب اهتمامه في وصف القرية، دون الاماكن البيتية، فقد كانت معظم اماكنه، بلا حدود، واسعة الفضاء، ممتدة متغيرة.
(عادت الارض تجتر احزانها، كما الشاة في ليل كان الطويل.
تسللت الى تلك الصخرة الكبيرة التي تمتد على وجه القرية البائس، جلست وحيدا حينها اسرح في وجه الشرق مع بعض ذكريات، لمحته يخرج كعادته يلف يديه خلف ظهره وهو يمسك عصاه.... الرواية، ص 197).
من خلال الاشارة السابقة، نستطيع استخلاص التجليات التالية للمكان في هذه الرواية:
- ان رواية (وادي الصفصافة) رواية ذهنية، غايتها الكشف عن وجوه قمع الفقر، والاضطهاد الذي يعاني منه الانسان في مجتمعه.
لذا، فإن الطراونة لم يكن بحاجة الى رسم الامكنة في روايته على النحو الذي يفضله الروائيون الواقعيون، لا سيما وانه يكتب رواية ذهنية ليخدم وصف المكان فيها أي جانباً من الجوانب الفنية الاخرى، فيما لو أصرَّ الروائي على وصفه وصفاً تاماً أو تخيل هذا الوصف تخيلاً تاماً.

إن الروائي يقدم لنا المواصفات اللازمة للمكان بما يتناسب وموضوع الرواية وطبقاً لما تحتاجه تقنيات الرواية نفسها، وبالقدر الذي تستطيع هذه المواصفات المكانية ان تخدم الرواية.

  1. تشكيلات الزمان.

إن ظاهرة الزمن المرتبطة بالمكان والحركة في رواية الطراونة ظاهرة زمنية من النوع البسيط، وليست من النوع المركب، ونعني بالزمن البسيط الزمن الذي يقسم الى مستويات اربعة:
ـ الزمن الاسترجاعي الذي يعود دائماً من الحاضر الى الماضي.
ـ الزمن الاستباقي، وهو الزمن الماضي نحو المستقبل والذي يتقدم مع تقدم الاحداث، ويطلق عليه بعض النقاد الزمان المتقدم او العائد.
ـ الزمن المتنوع، وهو الزمن الذي يجمع عدة ازمنة في حدث واحد، وينوع بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويخلط بينها ولا يخضع لزمن الساعة الذي يتقدم دائما الى الامام.
ـ الزمن النفسي وهو الذي يلغي الازمنة التقليدية الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل كما يلغي تكتكات الساعة، ويحل محلها تكتكات القلب، وتجليات النفس.
وفي (وادي الصفصافة) كان الزمن زمناً استرجاعياً في معظم الاوقات. فقد كان الروائي يعود من الماضي الى الحاضر، ومن الحاضر الى الماضي، لكي يساعد الحدث على النمو والتقدم. ويستطيع القارئ، ان يكتشف اشارات كثيرة لهذا الزمن الاسترجاعي في الرواية، فهو زمن بسيط وواضح.
(توالى النهار، وتوالت الاستفسارات، وتوالى دخول الثوار الى المحكمة، وما ان غابت الشمس حتى سقطت اوراق المحكمة واحكامها في جرابها لتحمل في اليوم التالي مع اجساد المحكومين الى دمشق مودعين ارواحهم التي لم تفارق المكان...الرواية، ص211).

 

3 ـ معمارية الخلايا التعبيرية
الخلية التعبيرية هي وحدة بناء جسم الرواية، وتتكون من قول وفعل مسرود.
من اهم عناصر الهندسة الروائية (الخلية التعبيرية)، والتي هي وحدة البناء الهندسي في جسم الرواية الذي يتكون عادة من عدد من هذه الخلايا على اختلاف انواعها وأشكالها، والخلية التعبيرية تتكون من قول وفعل.
فإما ان يكون هذا الفعل مسرودا أو ان يأتي على شكل فردي او ثنائي تناوبي او ثلاثي.
والخلايا التعبيرية في رواية الطراونة تنقسم الى قسمين:
1 ـ الخلية التعبيرية الجوانية الكاملة، وتأتي على شكل حوار جواني فردي مع (الانا) وتقوم ببنائها احدى شخصيات الرواية ووظيفتها اتاحة الفرصة للشخصية للتعبير عن افكارها وبث مشاعرها.
2 ـ الخلية التعبيرية النصف جوانية وتأتي على شكل حوار جواني ولكن ليس مع (الانا) الانسانية وانما مع الحيوان او النبات او الجماد الذي يعتبر (انا) خارجية، ووظيفتها تفريغية اي تفريغ المشاعر والاحزان المكنونة داخل النفس.
(كم بنت عندك؟)
ـ (خمس بنات)
ـ (كم ولد ؟)
ـ (سبعة)
ـ (وين هم)
ـ (مع هالناس اللي وراك)
ـ (قلت لك كم واحد فوق العشرين سنة؟)
ـ (ولا واحد)
(أنت كذاب يا حماد)
يقترب حماد من الكاتب رافعا يده: (احترم حالك يا أفندي عشان نحترمك ونكون صادقين معك)...(الرواية، ص 113).
ونخلص من هذا كله إلى أن أحمد الطراونة جرب واستعمل معظم الخلايا التعبيرية التي من الصعب لأي روائي أن يستعملها.

 

4ـ بنائية الملحمة الروائية
الملحمة هي شعر القلب ونثر العلاقات الاجتماعية.
السؤال الذي نبحث عن إجابة له هنا هو:
ـ هل أحمد الطراونة في روايته (وادي الصفصافة) روائي ملحمي أو في بعضها توجد تجليات ملحمة معينة؟
هناك مفهومان للملحمة: الأول قديم والثاني حديث، أما القديم فكانت الملحمة في البدء تؤرخ لانتصارات وأفراح النبلاء والطبقة الارستقراطية وتسجيل أيامهم السعيدة وبطولاتهم الخارقة لذا فقد كانت الملاحم القديمة تحقق تحالفاً عفوياً بين نظامين ـ كما يقول أراغون ـ هما الأرضي والإلهي. والنظام الإلهي لم يكن منفصلاً عن النظام الاجتماعي، ومن هنا كان أبطال الملاحم القديمة إسقاطا ميثولوجيا للحياة، والجماعة، وكانوا يجسدون أخلاقاً عالية لكي يعترف بطابعهم البطولي الخارق.
والملحمة الحديثة حافظت على هذه الروح وأصبحت عبارة عن حدث واحد تتولاه أجيال متعاقبة، وربما ينتهي أو لا ينتهي بانتهاء الرواية الملحمية ولكنه غالباً ما لا ينتهي، إذ يظل ينتظر الأجيال القادمة لكي تكمله، فالإنسان كالشجرة، يروي مستقبله على أمل البقاء والعطاء، ومن هنا يتخذ هذا الحدث طابعه الملحمي.
(لم تختف ظلال الأشياء بعد .
ما تزال الشمس تغذ الخطى نحو منتصف السماء
تمتمات نساء طاعنات في السن.
أطفال علت الأحزان وجوههم يجوبون باب الدار العتيقة يمتطون خيالات جياد من خشب يقصفون أعمارها من شجرة (أم احمد). كان الجميع يرحلون إلى الماضي) ص223.

5 ـ مواجهات الإنسان في قلقه وغربته
إن الإنسان وقضاياه هو البداية والنهاية في رواية (وادي الصفصافة) لأحمد الطراونة. وهو العنصر المستهدف في هذه الرواية التي هي عبارة عن سفر للإنسان في غربته، وجنونه، وفي حزنه، وفي قلقه وفي رفضه، وفي أحلامه وفي آلامه وعذاباته، في طموحاته وخيبة آماله، في جلد ذاته، في حاضره وماضيه ومستقبله، وهكذا تظل إشكالية الغربة سمة من ابرز سمات الحياة العربية المعاصرة التي تناولتها الرواية العربية تناولا جادا وهادفا.

بلاغة الحزن في الرواية
مفهوم الحزن في الرواية العربية شديد القصر، فمفهوم الحزن في الرواية أرحب من اختزاله في جملة مقولات مجردة تحمل بوصفها معايير تقليدية تنفي حق الباحث في إخضاعها للمقارنة النقدية المستجيبة للتبدلات في المواقف الجمالية تجاه هذا الفن.
فعلينا أن نتعامل مع روايتنا العربية بوصفها إنتاجاً إبداعياً يحمل قيماً تتفق مع القيم الجمالية للرواية المعاصرة في بعض جوانبها وتفارقها في جوانب أخرى، كحال الرواية نفسها في مراحل تطورها المتعددة دون أن تتخلى عن انتمائها المفهومي إليها لتغدو هذه الأحزان إحدى حلقات الفن الروائي الحاضر بحضور الإنسان الساعي إلى التعبير عن ذاته والتواصل مع الآخر والتأثير فيه التي تمد الحيوية في شرايين هذا الفن وتحفظ له شبابه الدائم.
ونلاحظ أن الشخصية الحزينة في رواية "وادى الصفصافة" ذات طابع نمطي، بمعنى أنها عملية ترميز تضع صفة ما بطريقة مكثفة في هيئة إنسانية، أي عين الراوي تتحول إلى عدسة تسلط الضوء على خطوط محددة في ملامح ذات فتبرزها كما يحدث في "الكاريكاتير" المرتبط بمصطلح الشخصية. ويبدو طبيعياً تجلي الحزن في أفق المجال المفهومي للنموذج المحتال مع ملاحظة أن ((البحث عن النموذج الإنساني يعني أن السرد العربي قد وصل إلى مرحلة عالية يستطيع القاص فيها أن يشكل شخصياته لتعانق التصور الذهني للمتلقي في عصره وفي كل العصور))"6".
ويصير استقطاب قطب الضحية للشخصية التي تتعرض للخداع من قبل الحزين أمراً متناسقاً مع الطبيعة البنائية للنص وبوصفنا متلقين في مواجهة قرائية مع بنية مكانية تتأسس روافدها الدرامية على الصراع الذهني بين هذين القطبيين أو بالأحرى تستند كفاءتها السردية إلى المواجهة بين الخصوبة الذهنية الاحتيالية لشخصية الحزين والممارسات الدفاعية الارتدادية للشخصية المستقبلية لحيل الحزين:
((فنوم الظالمين عبادة ونوم المظلومين راحة...))
أسئلة تسقط دونما وعي بها أم أنه الوعي المطلق؟... لا يعرف ما الذي أنساه اجتماع المزار وقد ساقته الخطى نحو العرب دون أن يشعر حين قابله حسين قال ذلك هو يرمي برأسه فوق يديه على حبل البيت الطويل.
((يا حسين يا ا خوي حامل هم ها الدنيا .. إن شاء الله اجتماعكو اليوم خير)) .
((ومن وين يجي الخير يا حسين))"7".
تطرح شخصية حسن الحزين نفسها داخل نص أخبار الرواية بوصفها شخصية ملتبسة ويتأسس هذا الطابع الإلتباسي عندما يجد المتلقي نفسه مضطر إلى عقد مقارنة بين المساحة التي تشغلها الشخصية داخل النص السردي والمساحة التي تشغلها داخل وعي السياق المحتضن لها على المستوى المرجعي فإذا كانت شخصية الحزين حاضرة في وعي جماعته الإنسانية بوصفها شخصية هامشية يتم التعامل معها عبر منظور استعلائي تسليبي ـ والتسليب ((عمل ذهني قوامه رفض قضية أو فكرة))"8".
فإن الأمر يتباين على مستوى وعي النص الإبداعي ـ الأكثر بقاء وخلود ـ الذي يمنح الأفضلية النصية لكي يغازل وعي المتلقي وينتهك بسلاسة الرؤية النمطية النافية له والمتعاملة معه بدونية لا تتوازى مع إمكاناته المميزة وقدراته الحقيقية فالإشكالية هنا تتبدى((بالمطابقة بين الشخصية التي هي كائن اجتماعي يتمتع بوجود واقعي وبين الشخصية بما هي تشيد نص أو بنية جزئية ضمن مكونات البنية الكلية للخطاب)) "9".
" و" تلاشي هذه الإشكالية الالتباسية بممارستها التشريحية التي تقربنا من "شخصية الحزين"مما يسهم في الكشف عن تواطؤ النص معها وعن تعمد السارد نحيل هذا التباين/ المفارقة بين مظهري حضور الشخصية على المستويين الواقعي والمتخيل بغية إحداث خلخلة في مرتكزات الوعي المستقبل كخطوة مهمة في سبيل تصدير رؤاه الأيديولوجية عبر شفرات إبداعية تنطوي على مؤشرات دلالية ذات أبعاد منفتحة تحقق هذا التماس بين المرجعي والفني دون أن تتخلى عن دورها في إعادة تشكيل وعي جماعتها ((فتحويل الحكايات المتداولة ذات الأصل الواقعي حيناً والمتخيل حيناً أخر إلى تشكيل ممعن في مفارقته للتجربة المباشرة أدخل في الميثولوجيا والوعي الجماعي المتوارث))"10".
ومن ثم ينبغي التعامل مع هذه الصورة المفارقة للشخصية الحزينة باعتبارها صورة مفعمة بالخصوبة الدلالية الكاشفة عن معطيات المنظور الأيديولوجي للنص ((ويمثل هذا المنظور بناء القيم التحتي الشامل للعمل الأدبي الذي يبرز من خلال مستويات القيم المختلفة التي تطرح فيه))"11".
وعندما نتعامل مع الحزن بوصفه شخصية محتالة فإن هذا التعامل يكتسب مشروعيته التداولية من الاتساع الدلالي لمفهوم الاحتيال المستقطب للعديد من ممارسات الحزن هذه الممارسات المنبثقة من بؤرة مفهومية ثابته وإن تباينت مظاهر حضورها فالشخصية الحزينة قد تحتال بغرض الدخول إلى البيت أو بغرض الإستزادة في الطعام أو بغرض الاستطالة في مدة الإقامة أو غيرها من الأغراض التي ينظمها خيط تحقق أكبر قدر ممارسته الاحتيالية المتعددة ومن ثم يمكن القول إن شخصية الحزين تحركها في الفعل الدرامي ((الرغبة في اختيار العالم وقراءته)) "12".
((انفرجت أسارير الحج وراح يلظم ما تهاوى من عمره ويرمم ما تشظى من ذاكرته.. فقد أعاد حديثها ذاكرته إلى أكثر من عشرين سنة.. ويبدو أن الليل قد أطال الفراق لتبدو مشرقة كالشمس ورغم بعض خصل من الشيب تسللت من تحت عصابة رأسها ورغم سني عمرها التي تجاوزت الأربعين إلا أنها بدت في ذلك الصباح في زهوها تتهاوي كما لغزال في عين أبي محمد على الأقل.
مد يده إلى غليونه المركون بجانب النار وهو ينظر إلى أم محمد أخرجه من لجة الذاكرة التي اشتاقت فجأة صوت القهوة التي اندلعت على النار وأفسدتها.))"13".
يبدو النص مفعماً بالحس الحزائني الذي هو استجابة معقدة لا يمكن اختزال مسبباتها بسهولة لتكون سمة واحدة أو مجموعة صغيرة من السمات الناتج عن الحالة الانفراجية التي تطرح نفسها على النص كفعل ختامي لحالة التوتر الدرامي الناتجة عن تباين مصالح الشخصيات الحكائية وتعارضها فالحزن يتولد من حالة التوتر في المواقف الهزلية التي عادة تتصاعد حتى تفرج فجأة عن طريق الانفجار مصحوبة بالحزن بصفة عامة فالشخصية الحزينة التي تتفيأ التذكر بغية إشباع رغبته في جسد زوجته يجد نفسه في صراع مع الزمن ووهن الجسد هذا الصراع الذي يسهم في تكوين الموقف الدرامي الناضج الذي يمثل أعلى درجات التوتر للشخصية الحزينة فتأتي تصرفاته منفعلة.
فالسارد هنا يستغل العلاقة الطردية بين التوتر والانفراج فكلما تضاعف الإحساس بالتوتر نتيجة ما يحيط بالشخصية من خطر كانت الحالة الانفراجية التابعة لحالة التوتر هذه ذات تأثير فعال على مستوى استقبال المتلقي لها كأحد حوافز الحزن واستطاع الطراونة تحقيق التناغم بين المأساوي والفعل المتوتر إذ من خلاله تدمج المأساة بالحزن ويحدث انقلاب في الدلالة وتؤدي هذه المفارقة دوراً بالغ الأهمية على صعيد جماليات التلقي وتجسيد رؤية الراوي.
وهكذا يتبين لنا النضج الفني الذي وصل إليه السارد ووعيه شبه الكامل بمقتضيات فعل السرد ومفرداته مما مكنه من توظيف الحزن في النص بهذا الشكل البارع.
المثقف والاستبدال الوظيفي
واليوم إذ نعيش تراجعاً في الفحولة وضموراً في الجسم الثقافي وحيرة في التفكير وقلقاً وتلعثماً في العبارة نصف حالتنا بأمانة ليست تلتبس على لبيب على ما يحاول المثقف من إبداء مكابرة سياسية هي ممانعة لغوية في المقام الأول والاعتراف بهذه الحالة هو سعي إليه أحمد الطراونة في روايته "وادي الصفصافة" التي سلط الضوء على تلك الشريحة من المثقفين التي التزمت طويلاً خط التنوير الثقافي فانقسمت شريحتهم إلى أبعاض: بعضٌ يشايعها على ما هو عليه أمرها من سوء حال مصراً على تعطيل حاسة النقد في رؤيته إليها وبعضٌ يشيعها إلى دار البقاء فيرتجل مقالة من الشماتة فيها وبعضٌ ثالث عنها بتقديم خبرته لولي نعمته ابتغاء مرضاته والتماساً لشفاعته يوم لا يشفع إلا من اشتدت وطأته! هذا الرهط من تلك الشريحة. وكلما أمعن أحمد الطراونة في الكتابة البوح إنفرط عقد الأسرار الثمين ودخلت الحقيقة طور الكشف فهذه "الصفصافة" لم تبقى سر في سرد أحداثها وسر أمدادها وأهلها من قبلها.
إذن هو النبض الكركي وأشجان "الأرواح المضطربة" في ليالي إلهية التي تمردت على الحكم العثماني الجائر. لقد تعدّدت عملية نسج الأسرار ومن ثم تفكيكها أحداث الرواية لتطال عملية الكتابة الروائية نفسها فـ "الصفصافة" تقدم كل أسرارها إلى الصحافي أحمد الطراونة لكي يبوح بها بوحاً ينتهي إلى الثورة أو الموت أو الكتابة الأدبية الملتزمة لصحافي مثقف.
وهكذا تصبح حادثة السرد نفسها وعملية الكتابة أخر مراحل الدعوة الباطنية وأولى علامات ظهورها إلى العلن.
لقد جعل الكاتب الداعية أحمد الطراونة الباطنية تنفي نفسها وأراد بالسر أن يهتك بمثله كاتبنا إذن كان في الرواية ما أرد أن يكون في الواقع: مئذنة الوعي التنويري الممنوع وجدانه المبتور. وكان من أهم ما حققه الطراونة أن أظهر لنا ألية الاستعمار العثماني الداعي إلى "تغييب" الأماكن والتواريخ التي قامت بها الثورة الكركية:
((القرية يا بن أخوي ما عادت قرية والناس ما عادت ناس كل واحد بنهش في لحم أخوه وأنت العين عليك..)) "14".
كان أقصى غاية الكاتب أن يعطي قراءة الشجاعة لنشر دعوة واقعية ذات رؤيا إنسانية لا تتناقض مع التجربة الإنسانية لأهل الكرك لكن تهزأ من أوهام البطولات في مخيلة البعض كما صوّرها الكاتب في رواية "وادي الصفصافة" يقول في الرواية ((ترك الشبان وراءهما ضجيج وأصوات الاتهامات المتبادلة في من هو المسؤول عن الهزيمة النكراء وكان احميده منتشياً)).
لقد صارت رواية "وادي الصفصافة" مسودة لرؤيا جديدة وبسيطة: الذات الجماعية تؤكد ديمومتها ليس ببطولة خارقة بل بشيء من الصمت أو الألم أو التمرد .. الذاكرة المشتركة للكركي باقية عن تماسكها الوجودي تحت مطرقة التغيب العثماني الذي قام به وجعل أهلها يعيشون على ذاكرة الأوجاع يقول في الرواية:
((تغفو الحياة على وجع أهلها وهم يبحثون عن ظلال الفرح على وسائدهم وسجن الظلام تتساقط من جوف السماء لتجهز على ما تبقى من ضوء وتغادر الأرواح أجسادها .. وكلما اذلهم الظلام زادت فرص التعارف والالتقاء بين هذه الأرواح))"16".
تعرب ظاهرة الأرواح عن نفسها في شكل انتاج متواتر لنمط من "النقد الذاتي" يفيض عن أية وظيفة طبيعية محتملة من جنس تلك التي تجند موضوعات ذلك النقد الذاتي في مشروع تصحيح معرفي لمنطلقات التفكير أو في مشروع تزويد الممارسة الفكرية بفرضيات وإشكاليات جديدة يعتقد في أنها تفيد "مغامرة التفكير" أو قد تفتح أمام الممارسة مجاهل كانت ممتنعة كما فعل الطراونة في بوحه عن الأرواح المهزومة.
يسعى الطراونة في هذا البوح الكشف عن انحياز المثقف التائب انتقاله الفجائعي من توسل المعرفة إلى تسول ولي " النعمة " بكثير من الادعاء وقليل من الحياء: لا يجرؤ أن يقول لجمهوره الجديد أنه يقدم نفسه له مجدّداً في صورة رسولٍ صاحب رسالة فلا يخجل من أن يكرر في الحاضر ما ادعاه في الماضي وثبت بطلانه! لقد كان بالأمس داعية للثورة أو للفكرة القادرة على إلهاب النفوس وتجييش الناس أما اليوم فهو فقيه ولي النعمة الذي يؤجر لساته لتحصيل عائدات ذلك بعض مالٍ وجاه ونفوذ. هل تغير شيء إذاً ؟ نعم تغير المعنى وإن ظل المبنى على حاله ظل في الحالين يقدم نفسه أسطورياً : مالك الحقيقة الذي تنغلق المجاهل انغلاقاً أمام ضربة عالمه السحرية فيقشع الناس أسراره المكنون بفضله: شعباً كانوا أم أهل مدينة وولي نعمة ! غير أنه ـ وهنا المتغير ـ لم يكن يطمع في ما مضى من أدوار إلى أكثر من الشعور المريح بأداء الواجب التاريخي وحتى في الأحوال التي يقع فيها تحت وطأة الشعور بالذات وهي في أخلاقه السابقة ورمٌ خبيث وفعل شائن ممجوج لم يكن يطمع إلا في رضا الجمهور وثنائية. أما اليوم فهو لا يقبل من وظيفته تأجير اللسان أقل من ثمن مجز يبرر "تضحيته" الجسيمة بالتخلي عن ملكوته "الجماهيري" ثمن الدور الأول رمزي أما الثاني فمادي ثمنه بلا زيادة ولا نقصان! عند هذه النقطة بالذات يدخل أهل خطاب التوبة بضاعتهم الثقافية مجال السوق فيتقاسمون مع أهل التجارة قيمهم مع حفظ القارئ بين أخلاق الفريقين.
هل في وسعنا أن نفكر في الأسباب التحتية العميقة التي تصنع ظاهرة التوبة لدى المثقفين بعيداً عن حكم القيمة الأخلاقي؟ يقول في الرواية:
((المتصرف يقول لصالح أفندي وشاكر بك: حانت ساعة المتردين. اراهم يندحرون.. انظر واسمع فزع الأهالي أمام القلعة.
شاكر بك: هذا ولا سيدي مجرد حشرات ورايحين يندعسوا بالرجلين.
ـ الرجل حين خدرنا كان صادقاً لكن إحنا تخاذلنا))"17".
لم يخرج خطاب المهادنة للسلطة العثمانية من جوف الفقر فحسب وعلى نحو حصري بل خرج أيضاً من جوف ضعف وهشاشة المقاومة المعنوية لدى قسم من الأهالي لم تكن تحصيناته ودفاعاته الأخلاقية من القوة بحيث تزوده بأسباب الحماية من غارات الجاه والمال والنفوذ واغراءات التسلق والوصول السهل ! ولا يعتقدن أحد أن الفاقة والحرمان ما صنعا حالة الرضاوة المعنوية تلك.
خطاب المهادنة هو اليوم أعلى مراحل الانفضاح في الثقافة العربية هو لحظة الاختبار المثلي لقدرة المثقف على أن يكون ما يعنيه حدُّه: مثقفاً من سوء حظنا أن قسماً من الممتحنين ما زال يقاوم .
قد يكون قليل الأفراد، واحداً من هذه القلائل وغريباً في مجتمع الاستهلاكي الثقافية الجديدة ليكن طوبى لغرباء "وادي الصفصافة" .
أزمة الحداثة في الرواية
الحضارة الحديثة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والفن أدباً ورسماً وموسيقى ونحتاً وعادات وتقاليد كلها ذات منشأ غربي . هذا ما قرره التاريخ رغماً عنا يوم خرج العرب من التاريخ "18" وقضوا مرحلة "الكمون" في سبات من الانحطاط والحكم العثماني حتى قرعت طبول الحرب ودوت مدافع نابليون في أسماعنا واستيقظنا مذعورين ولا نزال حتى اللحظة نعيش الوهلة وكأنها الغزو الثقافي والحضاري ونمضي في مواجهة الغزو هنا بعدة طائفية في قيمها ورباط خيلها عدة التشرنق على الذات طوائف ومذاهب وبطوناً وأفخاذاً؟!
والغرب قال : كل فات فات وكل ما هو آت آت. شرّع الابواق على المستقبل لكنه بنى لكل عبقري قديم تمثالاً وأسس باسمه مدرسة ومركزاً للبحث العلمي وفي محراب عقله القديم صلى بإيمان راسخ بالعقل لا يوازيه فعل الخمول. ولأنه فعل ذلك أبدع لم يوصد الباب على مسرح راسين وشكسبير لكنه افتتح حقلاً جديداً من الكتابة فقامت الرومنطيقية كتعبير سياسي عن وجع العصر في الشعر كما سائر في الفنون وخرجت الرواية بمثابة ملحمة للبرجوازية حسب تعبير لوكاتش وتناسلت من هذه وتلك أشكال من الإبداع لا نعرف مآلها.
نسوق هذا القول لأن الروائي أحمد الطراونة في روايته "وادي الصفصافة" يتفتح على سؤال كبير هو: أين نهضتنا نحن من هذه النهضة الغربية؟
الطراونة في نصه الروائي أكد، لقد نهضنا وقدمنا الشهداء، والنهضة لغة نقيض العقود ودماء الشهداء خير دليل على هذا النهوض. واستيقظنا واليقظة لغة نقيض النوم وهذا ما حصل معنا فقام أهل الهية في الكرك واستيقظوا لكن ماذا حصل؟ بعد استيقاظنا من النوم ما زلنا نتنقل إلى أخرى قبل أن نستوعب سابقاتها فلم يمضى وقت طويل على مدافع نابليون حتى جاء الاستعمار في صورته الأولى ثم تلته صورة جديدة قد لا يكون آخرها الربيع العربي ولا السلام القادم.
كل نص جميل يثير فينا غبطة نسميه حداثياً، الحداثة تاريخنا ومجدنا، فالرواية وحدها بوسائل دفاعها الذاتية تتقن نحت التماثيل للخالدين في "وادي الصفصافة" وصياغة التاريخ من نصوص الذين صنعوا تاريخه.

 


الهوامش
2 ـ وادي الصفصافة ـ أحمد الطراونة ـ أزمنة ـ عمان ـ ص "197" عام 2008
3ـ مصدر سبق ذكره ص "211"
4 ـ مصدر سبق ذكره ص "113"
5 ـ مصدر سبق ذكره ص "223"
6 ـ بناء الشخصية في القصص التراثي: د. سيد محمد السيد قطب ـ ود. عيسى مرسي سليم ـ ود. جلال أبو زيد ـ كيلوباترا للطباعة ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ 2001 ـ ص"96"
7 ـ مصدر سبق ذكره ص"89"
8ـ معجم المصطلحات العربية في الأدب واللغة : مجدي وهبة ـ كامل المهندس ـ مكتبة لبنان ـ بيروت الطبعة الثانية ـ 1984م ص "285"
9ـ حي بن يقظان ـ تحليل بنيوي ـ ص" 189" ـ د. علاء عبد المنعم إبراهيم.
10 ـ الرواية الجديدة: د. صلاح فضل ـ الهيئة العامة للكتاب ـ مكتبة الأسرة ـ القاهرة الطبعة الأولى ـ 2002 ص"87"
11 ـ بناء الرواية ـ دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ: د. سيزا قاسم ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ مكتبة الأسرة ـ القاهرة ـ 2004م ص" 188"
12 ـ الذات والعالم ـ دراسات في القصة والرواية ـ د. صلاح السروي ـ سلسلة كتابات نقدية ـ العدد 126 ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ 2002م ـ ص "129"
13 ـ مصدر سبق ذكره ص "67"
14 ـ مصدر سبق ذكره ص" 75"
15 ـ مصدر سبق ذكره ص"75"
16 ـ مصدر سبق ذكره ص" 77"
17 ـ مصدر سبق ذكره ص" 162"
18 ـ انظر كتاب ـ د. فوزي منصور: "خروج العرب من التاريخ " ـ دار الفارابي ـ بيروت 1991 ـ وفيه يفسر الظروف التاريخية التي حالت دون قيام الرأسمالية في الشرق العربي بدل قيامها في الغرب.