مسرحة القصيدة وفلسفة الحضور عند أحمد سراج

قراءة نقدية لديوان (الحُكمُ للمَيدان)
بقلم | منال الصناديقى

يفاجئنا أحمد سراج فى ديوانه (الحُكمُ للمَيدان) ، الطبعة الثانية - الصادر عن دار الأدهم للنشر والتوزيع عام 2012 - برؤية مغايرة تفصص لنا ما نعانيه فى الواقع وكيف تطورت الأحداث من ظلم بيّن أدى إلى ثورة 25 يناير ثم إنتكاسة ما بعد الثورة فى شكل درامى أشبه بمسرحة القصيدة تتخللها فلسفة ذات حس شعرى رابطاً حياتنا على أرض الواقع بتاريخ السابقين على عدة مستويات فنية :

الأول: فى إنقسام ديوانه إلى مجموعتين إحداهما تحمل عنوان (حالة تحرير) والأخرى تحمل عنوان (من وجع الفتى) .
لاحظ معى عنوانه الأول وكأن التحرير وهو الميدان الشهير والذى قامت فيه ثورتنا العظيمة ثورة 25 يناير 2011 تحول إلى حالة ورمز للدراسة والتأمل.
أما عنوانه الثانى فيشعرنا بأن الفتى وربما يكون الشاعر أو أى إنسان فى مصر تنطبق عليه صفات الفتى أو ربما رُمز به للوطن نفسه ليشعرنا بمرارة ما يعانيه من وجع قد أدى إلى حالة التحرير الأولى.
لاحظوا معى هذا الانقسام الذى اذا جُمِعَ وتكامل بين العنوانين لكان (حالة تحرير .. من وجع الفتى)...

والثانى : حين نطالع الديوان نجد أن مجموعة القصائد الأولى تعبر عن حالة تنازلية للثورة المصرية التى قامت فى عام 2011 أى أن قصيدته الأخيرة فى تلك المجموعة (نشيد الأحرار) تطرح بداية النزول إلى الميدان يوم 25 يناير 2011 ثم تتصاعد الأحداث الدرامية للنزول الفعلى للميدان عبر قصائده إلى أن تصل إلى ذروة نجاح الثورة وهو تفعيل دور المصريين جميعاً برمز الحضور على جميع المستويات فى قصيدته (الدعوة عامة) وهى القصيدة التى بدأ بها ديوانه ليصبح الترتيب الواقعى لقصائد المجموعة الأولى لديوانه عكسياً كالتالى: (نشيد الأحرار الماء والجراد لك الخيار ألبس بلوفرك السميك الساحات الخالية زمن الأساطير طردية الميدان تحرير الحكم للميدان هنا القاهرة يناير العظيم موقعة الجمل أشلاء هامان الدعوة عامة) وهو ما أراه مسرحة للقصيدة حيث تبدأ الأحداث من ذروتها | نهاية أحداث الثورة بتفعيل دور كل أفراد المجتمع المصرى (الشعب) فتنجح الثورة .. ثم تأخذ شكلاً تنازلياً حتى تصل إلى بداية الحدث ثم تعطى أسبابه وتدور فى فلك فلسفى لتعود إلى نقطة البدء وكأن الثورة لم تقم بما تلاها من إرتداد الأوضاع لما قبلها فيصبح (الحُكمُ للمَيدان) .
ولأن الميدان لا يحكم فقد اعتبره شاعرنا هو الرمز للقضاء العادل | الفاعل دائماً والذى يعيد الحقوق لأصحابها وينصر الإنسان المصري على كل المستويات ويصبح حَكَماً عادلاً بين الحاكم والمحكوم ...
فى قصيدته (نشيد الأحرار) التى يصفها بأنها (في مَدِيحِ من يَستَحقُّ المدِيح) ويقصد الثوار الذين ضحوا بحياتهم من اجل نجاح الثورة نجده يُفَعِل دور التاريخ وكاتبه مع الثوار المصريين الذين أعادوا شباب مصر وعزتها وكرامتها ودورها الفاعل | المتألق | المؤثر فى شتى المجالات على شكل نشيد جمعى يغنيه كل الثوار فيقول :
يا كاتِبَ التاريخِ أَقبِل مُسرِعًا
وافتَحَ كِتابكَ فالزمانُ يُغيرُ
مِصرُ التي بَدأ الزمانَ مَدارَهُ
فيها يُراقِبُ خَطَوهُ،... يَتعثرُ
عادَت فكانَ شَبابهُ وتألقَتْ
للحَقِّ تَدُعُو والعَدالَةَ تَنشرُ
يا كاتِبَ التاريخِ كيفَ رأيتنَا؟
أبعِدْ ذهولَكَ؛ فالحقيقةَ تَنظر
أَرأيتَ قَبلاً أمةً هَبت عَزائمُها
بكُلِّ مَدًى تَثُورُ وتزأرُ
حتى إِذا جمعَ النداءُ رَجاءهُ
وتواترَ الفُرسانُ جَيشًا يَعبرُ ص87 : ص 88
وفى قصيدة (الماءُ والجراد) التى أرفق كلمة (اصمدوا) بالعنوان وكأنه يستحضر قوة الإنسان المصرى الثائر بالصمود فى مواجهة الحاكم الذى يعتبر أن البلاد له ولأهله ولأتباعه وأن الشعب لاشئ بل إنه صاحب النعم عليه وزاد الشاعر فى وصفه لطغيان الحاكم بوصفه بالأخضر دلالة على الجراد الذى يحصد كل شئ فيصبح لونه أخضر من كثرة الخير الذى التقمه ؛ ثم يؤكد أهمية هذا الصمود الفاعل بقوله :
يا أيها الثُّوار،
لكم البِدايةُ والنِّهايَةُ فاصمُدُوا
سَيمُرُّ هذا الأخضَرُ الملعونُ
من نَسل الجرادِ فَصَمِّمُوا
من صَبرِكُم فُلكًا يُحِيطُ ولا يُحاطُ
ومن دمِ الشهداءِ طوفانًا عَصيًّا قاهِرًا
وتجمَّعوا من كِلِّ مَلحَمَةٍ فَتاهَا
لَكُم البلادُ ومَا سِواكُم لا يُرى
فلتَصمُدُوا
ولتَصمُدُوا، ولتَصمُدُوا ص82 : ص83
إن تكراره للصمود والتصميم يستحضر قوة الثوار ويحضهم على أهميتهم فى نجاح الثورة ودورهم الفاعل فى ذلك فى مواجهة الحاكم الظالم.
أما فى قصيدة (لَكَ الخِيارُ) والتى وصفها بأنها - النصائِحُ الأخيرةُ لملوكِ الرماد والتى سرد فيها تاريخ الحاكم رابطاً بين ما فعله فى شعبه من ظلم واستبداد وقهر مؤكداً على أهمية رحيله فى شكل نصيحة له ولكل حاكم ظالم ناعتاً إياهم بأنهم ملوك الرماد وكأنهم سيحترقون كالرماد من بعد ما أُنعِمَ عليهم من مُلك وعظمة أو أنهم من يشعلون شعوبهم بظلمهم حتى يصبحون كالرماد ليس له قوة ولا فائدة..
إن الشاعر فى تلك القصيدة يستحضر ذنوب الحاكم فى مواجهة معه وكأنه يريه فعله فى مرآة الحديث فى شكل صور مجازية بليغة المحتوى ..
أنت الذي سلمتَ قلبِي للظلامِ
زَرَعتَ في حرصٍ طُيورَ
الغَدرِ تنهشُ عِرضَنا؛ ص75
موجهاً إياه إلى أن الحل الوحيد فى الهروب | الخروج | الرحيل حتى لا يواجِه شعباً ثائراً لفظه نتيجة لأفعاله الظالمة المستبدة التى جعلت الشهداء دواءً ناجزاً لشفاء مصر بالأنين مما فعله وعشيرته بها وبشعبها ..
شَعبي يُرِيدُكَ خارِجًا
من برِّهِ/ من بَحرِهِ/ من هَمسِهِ المكبُوت
فاخرُج كأنكَ لم تَكُن
وكأنك الداءُ الخبيثُ بِصَدرِها
ودَمُ الشهيدِ دَواؤهَا الموصُوفُ
في باب الأنِين ص76
ولكنه ظل فى عناده وكبره كفرعون موسى فى مواجهة عصا موسى التى تحولت إلى ثعبان بقدرة الله عز وجل والتى اعتبرها الشاعر كثورة الشعب التى تقضى على كل أسلحة الحاكم برمز العصا التى قضت | أكلت ثعابين | عصى السحرة ؛ ولكن الثورة هذه المرة أكلت قسوة الحاكم وأتباعه وكلامهم بل وحتى رصاصهم..
ما زِلتَ يا فرعونُ في الصَّلَفِ العَنِيد
وعَصاهُ تأكل سِحرَكَم وكلامَكم ورَصاصَكم ص77
حتى اللافتات كان لها دوراً حاضراً فى لفظ الحاكم فى تلك القصيدة فى شكل فنى عالى المغزى..
اللافِتاتُ... اللافِتاتُ... اللافِتات...
اللافِتاتُ تَدُكُّ قلعتَكَ الحَصِينَة،
اللافِتاتُ تُزيلُ صُورتَكَ الكَبِيرَة،
اللافِتات تُزيحُ نظرتَكَ العَجِيبة،
اللافِتات تُميتُ بسمتَكَ اللعينَة،
تَدنُو من القصرِ المنِيفِ، زئيرُها: ص76
وكأن اللافتات قوة خارقة وأسد صاحب صوت هادر يرج القلوب وهذا يدل على ضعف الحاكم الظالم ومن حوله وقوة شعب مصر العظيم حين يثور.

وتأتى قصيدة (البِسْ بلوفرَكَ السَّميك) والتى وجهها إلى رَسُولِ الديكتاتُورِ المخلُوع ليتحدث فيها عن تفعيل المخادعة فى هيئة رسول للحاكم يجيد تمثيل دور الحريص على الشعب فيكشفه ذاك الشعب العظيم ويعرف خبايا نفسه الخبيثة.
أنعشْ حضورَكَ بالإشارةِ
والعِبارةِ والدُّعابةِ والهُجُوم
بالِغ كثيرًا في الوعُود
بَطِّن قليلاً بالوعِيد
أبقِ البلاءَ مع الولاء
اترك جمالَ الذِّئبِ تفري
لَحمَنا ولتصطنِع مَنعَ البكاء ص69
وقد استخدم شاعرنا هنا موائمة فنية بين خديعة الحاكم وحاشيته ولعبة الشطرنج | لعبة الحضور الذهنى والتى تحتاج لذكاء من نوع خاص وتعتمد على خداع الآخر للفوز ونرمز لها بالجيوش المحاربة وكأن الحاكم وحاشيته اتحدوا ليكونوا جيشاً معادياً لشعب مصر مستخدماً رئيس وزراءه ليخدع الشعبى المصرى كما يموه اللاعب بالوزير فى لعبة الشطرنج ليخدع خصمه..
قَد كانَ دَورًا وانتهَى؛
إذ غامَرَ الملكُ المحاصَرُ بالوزير مموهًا
لِتطيحَ خيلٌ بالبيادِقِ إذ تُحِسُّ
النصرَ مقتربًا وبرَّاقًا؛ فَضَحَّى
أولاً بالفيلِ أَردَفَ قلعةً
وهنا تَماوتَ واضعًا
إياك في ظهر الخُصوم
قَد كانَ دَورًا وانتهَى؛
فهنا تَماسَكَ دافعًا
إياكَ في قلبِ الهجُوم
الشّاهُ ماتَ فَمن ستحمِي
لا تَعتَرف
أخُدِعتَ أم كَشفتْكَ
- يا سُمَّ السِّياسَةِ - نَقلةٌ
فيها البيادقُ حرةٌ تلهو ص70
كما قدم رموزاً ضمنية بتحدثه عن البلوفر الذى يلبسه رسول الحاكم والذى يوحى بأنه واحداً من أبناء الشعب فى حين أن الشاعر يوجهه للإحتفاظ به لاستخدامه فى أوقات عصيبة فى المنفى الذى سيحيله إليه الشعب ويشتد فيه البرد فى دلالة على ما سيلقاه من مصير سيعانى فيه مما عاناه الشعب من وحدة وعذاب .. ثم يستخدم لفظ (البس) عدة مرات فى قصيدته وهى لفظة لها معنيان أحدهما يدل على ما يرتديه الإنسان ليستر جسده والأخرى معنى عامى يدل على الإصطدام بشئ بقوة وهى تورية تفيد بأنه سيعود عليه خداعه بالسوء وكأنه يقول له سيرتد إليك مكرك علينا بأشد منه لأنه لا يحيق المكر السيئ إلا بصاحبه ..
فاخلع قِناعَكَ واصطَحِب
عَهدَ الخداع
واحفظ بُلوفَرَكَ السَّمِيك
فشتاؤكم آتٍ
والبردُ في المنفَى صَقِيع
وخَريفُكُم دانٍ
والجوعُ في المنفى عَجيب
البِسْ بلوفرَكَ السَّميك
البِسْ بلوفرَكَ السَّميك
البِس
البِس ص70 : ص71
وفى قصيدته (فُرسان الساحاتِ الخالية) والتى وجهها - إِلَى لصوصِ الثورَة ينصح الحاكم بعدم إستحضار ذكاءه لخديعة الشعب الذى اعتبره كغرس الأرض بكراً دلالة على طهارته ونقاءه..
لَكن بربكَ لا تَخُن
شَعبًا كَغرسِ الأرضِ
بِكرًا ص62
ثم يستعين مرة اخرى بالتاريخ بتشبيه الحاكم الظالم بفرعون الذى يعتبر نفسه كما يصوره شاعرنا منسوجاً فى رحم السماء فى صورة ساخرة من حكام اعتبروا أنفسهم لا يخطئون ولا يعاد عليهم كلم وكأنهم آلهة على الأرض ومنبهاً على أهمية الإتعاظ من التاريخ الذى يوضح أن الرحيل نهاية كل حاكم ظالم..
رَحَلَ الطغاةُ ولن يَكُونَ
لمصرنا فرعونُها المنسوجُ
في رَحِمِ السماء ص61
ثم يُفَعّل دور الشعب ولا ينسى لغته المسرحية حين يصفه بالجماهير الأساطير فى حين يستخدم النقيض فى إلغاء دور الملك الفرد ..
ما عادَ عَرشٌ للملِيكِ الفَردِ
في زَمن الجماهِيرِ الأسَاطِير ص61
وهاهو يستحضر المصرى الثائر فى صورة من أبهى الصور فى ديوانه حين يقول :
للثّائرِ المصريِّ رائحَةٌ تُكَرِّرُ ص65
وكأن الثائر المصرى كالورد الذى يستنسخ نفسه كناية عن بهاء الثوار وجمالهم وعظمتهم وانتشارهم فى مصر على مر العصور.
ويكمل صوره بين حضور سلبى لمن يؤذون الثوار :
غازَهُم وفِرارَهُم وركوعَهم ص65
وحضور إيجابى للثوار :
بِنِدائِهِ
وأنينهِ
ودمائهِ
وصُمُودِهِ
تُقصِي روائح زيفِكُم ص65
ويستحضر الأسطورة فى قصيدته (زَمن الأساطِير) التى يفسرها بمقولته (ورأيت الشهداء) وكأنه يستحضر شهداء الثورة فى تلك القصيدة بالتواجد برغم غيابهم بالموت موحياً بقوله عز وجل : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) سورة آل عمران الآية (169) - كما يستحضر كل فئات الشعب فى الميدان..
ورأينا
في الميدانِ:
الأبناءَ الفقراءَ الأمراءَ الملاكَ الأجراءَ صفُوفًا ص57
متحدثاً بالرمز عن تاريخ مصر فى حقبة حكم المخلوع وكأن مصر أميرة مسجنونة يحررها الثوار الذين إذا احترقوا زادوا ألوفاً ثائرة مطببين جراح أميرتهم | مصر بالبسمات رامزاً للثوار بالأحرار وللحاكم الظالم بالتنين ولحاشيته بالغيلان - ومدرعاتهم وأسلحتهم بالسِّعلاةَ ومسترسلاً بالصورة الشعرية وبالرموز التى توحى بقوة الإيمان حتى النصر ..
ورأينا التنين
جَبّارَ ثلاثين
حَرَّاقَ مَلايين
زَرَّاعَ سَراطِين
ينفثُ نِيرانًاً ومَلاعِين
ورأيتُ الفتيانَ يحترقونَ فينتفضُون ألُوفا
ورأيتُ أميرتَنا الحلوةَ حُلوة
تَنجُو من يَدِّ السجان
تَلهُو بمسوخِ التنينِ وأبناه
وتُطبِّبُ بالبسَماتِ
جراحَ عِجافِ سِنِين
ورأيتُ السِّعلاةَ تسقطُ
في شَرَكِ الأحرار
ورأيتُ الغيلانَ تَقفِزُ صارِخَةً
من قُنبِلَةِ الغازِ إِذ نلقاها
تتبعُها صَرَخاتُ الجَرحَى
تَسجنُها أَفئِدَةُ الثَّكلَى في الجُبٍّ المختوم
ورأيتُ التنين
مأسُورًا مَدحُور
يَبكِي جَبرُوتَ ثَلاثِين
ورأيتُ الشهداء
بالسيفِ المسحُور
والوعدِ المنثُور
والقلبِ المنصُور
ورأيتُ الشهداء
ورأيتُ الشهداء ص57 : ص58
إن تكرار لفظة رأيت هنا تؤكد المعنى وصدق الحديث الذى انتهى بالنصر المبين على سالبى الوطن من شعبه.
ثم يوصّف للنقيدين فى قصيدته (طرديَّة) التى يعطيها عنواناً فرعياً يؤكد المفارقة فى التضاد بقوله - يا أيها الصَّيادُ، كيف تفر؟! حيث يطرح لدى المتلقى معنى عكس اسم القصيدة تارة ومع الاسم أخرى فالشئ الطردى هو الذى يسير متوازياً مع الآخر ولكن واضح أنه كان يقصد بها أن الفريسة هى التى تطارد الصياد فعدة الصياد كل آلآت القتل ولكن الفريسة كانت تملك سلاحاً أقوى من الصياد ألا وهو القلب الجرئ الذى يمتلأ بالحق بينما فقد الصياد أهم مقومات القوة ألا وهو الحق مما جعل العلاقة الطردية بين قوة إيمان الثوار الممثلين للفريسة وفرار القائمين على السلطة المرموز لهم بالصياد ، وهذا يظهر جلياً فى فلسفة المفارقة فى هذه الصورة الشعرية ..ٍ
... وتزلزَلَ الصيادُ يَرقبُ خَطَونا
حتى إِذا مَلَّ التجبَّر من وراءِ دُرُوعِه
حتى إِذا ألقَى رَصاصَ الخوفِ والخذلان
رَفضت قَنابله التفجرَ والتَقَت برَصاصهِ
واخضَرَّ من وجَعِ الفرارِ خيالُنا:
... ص53
لاحظ معى ثلاث نقاط فى البداية ومثيلاتها فى النهاية وهذا الرمز من علامات الترقيم يدل على أن هناك كلاماً كثيراً ممتداً لم يقال وهذا يوحى بأن الأحداث ممتدة ومؤثرة وفيها الكثير من القول والفعل بل والأمور المحسوسة والغير منظورة إلا لأصحاب البصيرة النافذة.
ثم تأتى الصورة الشعرية فى تصوير الصياد ببناء يتزلزل وهو يرقب خطو الثوار وكأن الثوار خطوهم زلزال والتعبير كناية عن قوة الثوار وضعف السلطة التى تواجههم.
ثم يواصل وصفه الشعرى فجعل التجبر انساناً يمل بالرغم من أنه متحصناً بالدروع فألقى رصاصه الذى ليس رصاصاً عادياً بل هو رصاص خوف وخذلان عندئذ كان للقنابل موقفاً فاعلاً ككل الأشياء لدى شاعرنا مما جعلها ترفض التفجر وتلتقى برصاص الخوف والخزلان مما دعا بالصياد أن يفر من فريسته عندئذ أصبح خيال الثوار | الفريسة أرضاً خصبة تخضر فرحاً من وجع فرار الصياد .. والصورة الشعرية هنا ممتدة وعالية الرمز وتوحى بمدى خزلان وهزيمة المعادين للشعب المصرى.
ثم يستمر فى دلالات الحضور لديه باستدعاء الظالمين فى الحاضر والذى يكنيهم بصفات مختلفة من ضمنها شخصيات تدل على الظلم والجور فى التاريخ (قارون هامان فرعون) أو صفات لأشخاص أو أجهزة فى الدولة تدل على الظلم وقلة قيمة الظالم فى مجتمعه فى الحاضر ( زوار قتل الفجر المصفح المروج المدجن المرافع المخادع المخاتل الطبال الهوال الهوان) فيقول :
يَا أيها الصيادُ لا تَرتَد؟
أَينَ المصَفَّحُ والمروِّج والمدجِّن؟
أَينَ المرافِعُ والمخادِع والمخاتِل؟
زُوارُ قتلِ الفجر أَين؟
الطبالُ أَين؟
الهوالُ أَين؟
الهوانُ أَين؟
قارونُ أين؟
هامانُ أين؟
فرعونُ أين؟ ص54
ثم يتمسك بكل الحسيات التى تشكله ليصبح قوياً بالحضور الفاعل فى قصيدته (الميدان تحرير) فيقول:
... ولأنَّ صوتي لم يزَل صوتي
ولأنَّ صوتي لم يكُن صوتَك
ويَدَيَّ طاهِرَتانِ من ذَهَبِ المعزِّ وسَيفهِ
ويَدَيَّ عامِرَتانِ من كَنزِ الحقيقة
فأَنا سيوفٌ في حصونٍ من أَمَل ص47
------
ولأنَّ قلبِي لم يزل قلبي
ودِمايَ مهرٌ للتِي خُلِقَ الفُؤادُ هَوىً لها ص47
---------
ولأنَّ حُلمي لم يَزَل حُلمي؛
رُؤيايَ ظافِرةٌ تُرفرِفُ في المدَى: ص48
------------
ولأنَّ حُلمي لم يَزَل حُلمي؛
راياتنا راية
أحلامنا غاية ص49
------------
ولأنَّ جرحي لم يَزَل نَزِفا
فَدِمِي دَمِي
ولأنَّ رسمك لم يَزَل وسمَك
ولأنَّ قلبَكَ لم يَزَل لَقَبَك
أبناؤنا الأبناءُ، ثوارنا الثوارُ، شهداؤنا الشهداءُ،
فرساننا الفُرسانُ، ميداننا الميدانُ، ميداننا التحرير ص49
ثم يتكامل الحضور فى قصيدته (الحُكمُ للمَيدان) وهى القصيدة الرئيسية التى يحمل عنوانها الديوان بتواجد الحقول والجوامع والكنائس وكل الكلام..
كُلُّ الحقولِ هنا
كُلُّ الجوامعِ والكَنائِسِ... هنا
كُلُّ الكلامِ هنا ص39
ويستمر فى تفعيل حضور مصر لتصبح وردة ناجية من القبر الذى حفر لها يوماً ..
قُولي لنفسِكِ لا سِواها لا سِواك:
إنا هنا كي نشنقَ الطغيان
إنا هنا كي نقرعَ الأجراس
مصرُ التي في خاطرِ
الأحلامِ تنمُو وردَةً
بالروحِ تُسقَى
بالحنينِ الصادقِ الألوان
مِصرُ التي في سالِفِ
الأزمانِ تنجُو حُرَّةً
فكأنها لم تَحتَفِر
قَبرًا لها وكأنه ما كان ص40
ثم يختتم قصيدته بتفعيل أهمية رحيل الطغاة ووجوده كثائر فى كل الأشياء المعنوية التى تحرك النفس البشرية وتفعل وجودها لتعود إلى الميدان لإنجاح الثورة.
فَلترحَلُوا
فَلتَرحلُوا
إنّا هنا
في ثَورَةِ الميدان
إنّا هنا
في صَرخةٍ/ في بَسمَةٍ/
في هَمسَةٍ/في دَمعَةٍ/ في غنوةٍ
وسنشنقُ الطغيان
الحُكمُ لِلميدان
المجدُ لِلميدان
المجدُ لِلميدان
عُودُوا إلى الميدان
عُودُوا إلى الميدان ص43
ثم يستمر على نفس المنوال فى تفعيله لكل الكائنات والمخلوقات والمشاعر والأحاسيس والإنسان ذاته بالحضور ايجابياً كمؤيد للثورة او بإنتكاسة الخاذلين لمصر وشعبها والمنهزمين والفارين من جام غضبهم وثورتهم المجيدة فى باقى قصائده فالقاهرة حاضرة لأنها أساس الثورة والمدينة التى بها ميدان التحرير الذى فجر الثورة فى قصيدة (هنا القاهِرَة) ولكن فلسفة الحضور السلبى يكون لها نهاية بأوآن كعجب من عجائب بلادنا كما يقول شاعرنا..
لَها شغَفٌ بالعجائِب؛
ثلاثون عامًا خريفًا وراءَ خريف
وفرعونُ ينمُو وينمُو
ففي كل دارٍ
على كُلِّ شِبر
وفي كُلِّ بثٍّ
على كُلِّ نَبر
كأنَّ البلادَ سواهُ خواء
يقولُ الحكيمُ: دَعُوه
سيأتي أوانُ الحَصاد دَعُوه
رأيتُ مَناجلَها في القلوب
دَعُوه
فضمُّ الغِلالِ بِوقت
ونَحرُ الفَسادِ بِوقت ص34 : ص35
وتاريخ مصر كله حاضر فى قصيدة (يَناير العَظِيم) والتى إنقسمت إلى ثلاث مقاطع حَمَلَ أحدها عام 1968 والثانى عام 1972 والأخير عام لثورة 2011 لتدلل على أن كل إنتكاسة حدثت لمصر لها نهاية ونصر ..
هادِن عداها واستَرح
في قَصرِكَ العالي البعِيد
قد ماتَ شعبٌ أنت حاكمُه الرَّشيد
ما بينَ إغراقٍ وإمرَاضٍ وإحباط
سارَ القطارُ يَدوسُ أعناقَ
البلادِ، مضى القطارُ يَدُوسُ
أَحلامَ العِبادِ يكسِّرُ القُضبان
خَرَجَ القطار
خَرَجَ القطار
سَقَطَ القطار
سَقَطَ النظام ص30 : ص31
ثم يواصل فى قصيدته (موقعةُ الجمل) سرد ما حدث فى ذلك اليوم الذى هاجم فيه أتباع النظام السابق الثوار عَقِب خِطَاب خادع من المخلوع للشعب المصرى واستشهد الكثير من الشباب مما أثار الشعب المصرى فأيد الثورة فى كل ميادين مصروقد ربط سراج بين تلك الأحداث وما حدث لسيدنا على بن الخطاب فى حربه مع معاوية بن أبى سفيان حين رفع أتباع معاوية مصاحفهم على أسنة رماحهم فى معركة صفين عام 37 هـ فأنخدع أصحاب على كرم الله وجهه وطالبوه بالكف عن قتال معاوية وأصحابه وقد حذرهم بأنها خدعة منه مع عمرو بن العاص وابن أبى معيط ولكن عشرين ألف مقاتل من جيشه وعلى رأسهم الخوارج حملوا سيوفهم على عواتقهم وصمموا على وقف القتال والإحتكام إلى التحكيم الذى خدع فيه ابن العاص أبى موسى الأشعرى لتثبيت معاوية وخلع على / وبنفس الخديعة قُتِلَ الثوار.
رفَعُوا المصاحِفَ والأناجيل
فتحُوا المطابقَ والزنازين
وتَجمعَ الخُطباءُ يحتَطبُون:
عُد يا أمير
هذا كلامُ اللهِ في السِّفرِ الجَليل
ورأيتُ في وجهِ الصباحِ بَيارَقَ التَّحكِيم
...!
لَكِنَّ شَيئًا لم يكُن:
أنَّ الخوارِجَ لم يَكُونوا بينَنا، أن لم يَعُد
غيرُ القصاصِ وغيرُ مَلحَمَةِ الشهيدِ الحَيِّ
تتلُو نارَها:
لا بد من نَصرٍ وإِن طالَ المقام
لا بد من فجرٍ وإن عَمَّ الظَّلام
لا بد من جملٍ لينتصرَ الإِمام ص26

وتطورت الأوضاع بين ليلة وضحاها فتم مهاجمة مقرات أمن الدولة التى عُذِبَ وقتل فيها الكثير من الأبرياء والتى وصفها شاعرنا فى قصيدته (أشلاء هامان) التى قسمها إلى ثلاثة مقاطع (سريٌّ وخطِير | طلليِّة | اعترافٌ بِالموت) واستطاع ان يصف فيها بشكل فنى موجع كل ما شاهده فى مقر أمن الدولة من آثار وبقايا لبشر عذبوا بشتى الأساليب الغير آدمية حتى حللوا بل وأذيبوا فاستحضر شاعرنا البكاء من قسوة ما شاهد وشدة تأثره به وصعوبة وصفه ووصف القائمين بهذا الفعل المشين فيقول :
ابكِ أشلاءَ مَن
لن تدرِي مَن؟
أو لِمن؟
واربعْ عندَ أقباءٍ مُطبِقاتٍ عمَّارُها
حُلِّلوا أو أُذيبُوا وامنَحْ رَوائحَها
حبَّكَ المحفُوظَ - كأسرارِ طفلٍ -
ما بينَ همٍّ وغَم
سَترى ما لن يُحكَى
مَن يُصَدِّق؟
فابكِ
وابكِ
وابك
نَحنُ لا نَبكِي أيامَكِ
يا صاحبةَ الطلل
ما رأينَا غيرَ التَّقطيعِ والتَّذبيحِ
ومَحوِ الأمَل
لَكِ نَحنُ نَحِن؟!
إنَّما وَترٌ هزَّنا
فجَرَى رَغمَنا دَمعٌ ص16 : ص17
ثم يواصل وصفه لتلك القبور | الزنازين التى القبر أرحم منها بصاحبه ومستحضراً كل قطعة فى جسده لتشاركه آلآمه وأوجاعه وكأن كل قطعة تحولت إلى كائن حى فاعل له دور يقوم به حتى الوصول إلى لحظة الموت | الراحمة لهذا الإنسان المعذب والصورة توحى بشدة العذاب والتنكيل الذى لا يطاق والذى كان يتعرض له الإنسان المصرى فى المعتقلات حتى الموت ...
مترٌ في مترٍ يا زنزانة
يا للإيمانِ
القَبرُ كَذلِك لَكني حي
ما أدراك؟
حَقّا ما أدرانِي؟
فلَعلِّي إذ همَّ القلبُ
- في لحظةِ طيشٍ مَخبولٍ-
أن يذكُرَ سلطاني
أبلغَ شريانٌ عَن شريانِ
فانسحَبت أَوردَتِي من عَصياني
نَصحَ الكبدُ الموتورُ بخلعٍ فوريٍّ
أوصَى ببيانِ:
إنَّ الخارجَ مَدسوسٌ
من قِبلِ الشَّيطانِ
قَد ثَبتَ لَدَينا أَنَّ أجندتَه
عَمَلٌ عدواني
وتقدَّمَ أربعةُ الأطرافِ
ووقَّع وفدُ الأمعاءِ
مَنشُورًا إِنسانِي
فَتَوفَّانِي أمرٌ نوراني
مترٌ في مترٍ يا جبَّانة
يا للإيمانِ ص18 : ص19
ثم كانت نهاية النظام السابق فى قصيدة (الدعوةُ عامَّة) بتفعيل دور الحضور الرامز للشعب المصرى أى ان كان دوره فى الحياة والتى رمز لها شاعرنا بقوله -عن صعودِ الأبطالِ إلى مِنَصَّةِ المسرَح - لتكتمل الثورة المصرية ويبدأ عهد جديد وقد تكررت لفظة الحضور ثلاث وعشرين مرة لتدلل على أهمية رأى كل فرد فى الشعب المصرى للعودة بمصر كبلد فاعل فى العالم بأسره والقضاء على كل ظالم حتى ولو كان الحاكم نفسه .. والتى تظهر جلية فى مقطعه الأخير بالقصيدة ..
زامَ الحضُور
صرخَ الحضورُ: نريدُ نَصًّا متقنًا
لم يكتَرِث أَحدٌ؛..
ما بين رَكلِ الشيخِ في
أذنِ الملقِّنِ:لا تُقللْ مَشهدِي أبدًا؛..
ما زلتُ نجما مُفعَمًا
ما بين جَهرِ الغِرِّ في جَيشٍ
مُحِيطٍ: جاءَ إِرثِي زاحِفًا؛
فأنا الممثلُ والنُّصُوص
هاجَ الحضور
صَعدَ الحضور
دُفِعَ الممثلُ عَنوةً
وتبخَّرَ الولدُ الدَّمِيم
ملكَ الحضور
فَتَسابقَ الكُورالُ يَسرقُ ودَّهُ
ثَبَتَ الحضورُ مع الحضورِ
على المنصةِ يرتجل:
قَد عادَ نَصِّي
قَد عادَ نجمي
وليَبدأ العرضُ الجديد ص10 : ص11

ثم تأتى مجموعة قصائده الثانية التى أسماها من وجع الفتى وتضمنت قصائد : (عن شوارع الحصار الآن تسقط .. من قرون تغريبة السندباد نغنى مع السندباد وصية) قبل الثورة وهى تمهيد لتلك الثورة نفسياً ومعنوياً وروحياً حين أنتُهِكَ الإنسان حتى إنقسم على نفسه فأصبح موجوداً وغير موجود | حاضراً غائباً أو حاضراً غير فاعل .. ولأن شاعرنا وضع ما مهد للثورة داخل نفس الانسان المصرى عقب القصائد التى تحكى الثورة ولأننا أمام شاعر يعى ما يقول فهذا معناه أن هذه المجموعة من القصائد تحكى ما قبل الثورة بتأريخها منذ عام 1997 وحتى عام 2003 - وما بعد الثورة - بترتيبها الطبيعى داخل الديوان - أى أن الأحداث السابقة للثورة أعادت نفسها مرة أخرى بعد الثورة فحدث الإنقسام للنفس البشرية لتدور حول نفسها فى وجع مضاعف وهذا يُفعّل دور الميدان الذى جعله احمد سراج فاعلاً بوضع الحُكم فى يديه كما قلت من قبل - وكأنه القاضى الذى يعيد بالعدل الحق لأصحابه.
يقول سراج فى قصيدته (عن شوارع الحصار) :
جمرٌ على زَهرِي وظِلُّ غُبارِهِ لَيلٌ...وسُنبَكَةٌ تَدُكُّ صَباحَنا هذا أَنا ص95
هكذا يصف شاعرنا ما آل إليه الإنسان المصرى زهره الدال على نضارة الشباب يحتويه جمر ، والظل وهو ما يظهر من الإنسان نتيجة لإنعكاس الضوء على جسده أصبح غباره ليل أى دقائقه مُظلِمة ، حتى السُنبَكَةُ أصبحت تدك الصباح أى تحطمه وحين تصبح لقمتنا سبباً فى تحطيم الصباح فهو الوجع ذاته الذى يعبر عنه شاعرنا فى صورته الشعرية السابقة والتى تصبح حال المصريين الذين انكفوا على لقمة عيشهم حتى ضاعت منهم حريتهم .. والصورة الشعرية المركبة التى أنهاها بقوله هذا أنا دلالة ناجزة على المعاناة الشديدة التى كان يعيشها الإنسان قبل الثورة والأنا الشاعرة قد تعبر عن الشاعر أو جيله أو وطنه .
ثم عبر عن إغترابه داخل وطنه وإنكاره لموقف عروسه | مصر التى تريد إبعاده عن غبار الخيل | الرامز للمواجهة والحروب مما يجعله يأكل فحش الكلام وهى صورة تدل على الإنكسار والمهاناة المسكوت عنها ، ورفض حضنها له وإستنكاره لدموعها | سلاحها التى شبهها بالغيم الغزير مبشراً إياها بفارس لا ينكسر ولا يُهزم يشب على صخور الليل فى صورة شعرية تؤكد على المعاناة والألم والأمل فى القائد المخَلـّص للوطن من معاناته وهو ما عبر عنه فى نفس القصيدة بقوله :
لا تُبعِدِينِي عَن غُبارِ الخَيلِ أَقتاتُ الخَنا
ما عادَ حِضنكِ يَبتغِيني، صُونِي دموعَكِ عَن
ثِيابيَ وارحَمِيني.
لا غيمَ أغزرُ من عُيونِك يِا عَرُوسُ فَكَفكِفي...
فغَدًا يشبُّ على صُخورِ الليلِ فارسُناَ العَصِي، ص96

والثالث : فى تلك القصائد التى اتخذت من التاريخ وحكاياه وصوره المختلفة رموزاً لواقع نعيشه ولم يتعظ منه الحاكم فأدى لشعور شعبه بالإغتراب فاصبح الواحد اثنين : إنسان يبغى العيش فى وطن عشقه ويريد له أن ينصفه | وفى ذات الوقت يريد البعد عنه للبحث عن نفسه فى مكان آخر فهو كالسندباد تارة وأخرى يموت ويترك وصيته وهو فى عنفوان شبابه متمثلاً المثل الشعبى القائل (مايقعد ع المداود إلا شر البقر) ؛ كما أن إهداءه فى بداية ديوانه الذى وجهه إلى ثورة يناير المجيدة وروح شهدائها وعبق كرامتها الذى غمر العالم وإلى ميدان التحرير والعزة والكرامة يؤكد المعانى التى طرحناها سلفاً فى قراءة الديوان.
وأخيراً : تأتى صور سراج الشعرية المعبرة عن هذا الإنقسام الذاتى الموحش مكثفة وفاعلة كما فصلناها فى متن القراءة وهذا يضيف للديوان بعداً إنسانياً يجعلنا نقف أمام شاعر يمتلك أدواته الفنية بحنكة علاوة على كونه شاعراً ترموترا لوطنه يقف على وجعه ويوصفه كالطبيب من مريضه وهذا يُحسب للشاعر بالرغم من كونه الديوان الأول له عقب ثلاث مسرحيات وهذا يجعلنى استبشر خيراً له فى كتبه الشعرية القادمه حيث سيتمكن أكثر من أدواته ورؤاه الفلسفية التى تظهر بوضوح فى ديوانه متمنية له المزيد من الرؤى الفاعلة على المستوى الإبداعى والفنى للقصيدة.
منال الصناديقى.