غياب دوريس ليسنغ

حوار مع دوريس ليسنغ

ديدييه جاكوب
ترجمة : أحمد عثمان

 

ولدت الروائية البريطانية دوريس ماي تايلر، الشهيرة باسم دوريس ليسنغ، في الثاني والعشرين من أكتوبر 1919 في قرمنشاه بإيران.
كتبت أكثر من عشرين رواية حيث اشتهرت برويتها "الكراس الذهبي" التي حققت أعلى المبيعات عن عام 1962، مما ساعد على التعرف إليها على أساس كونها كاتبة ملتزمة وأيقونة الحركات المناهضة للكولونيالية والمضادة للتمييز العنصري والحركات النسوية. فضلا عن كونها آثر من آثار الأدب الآنجلوسكسوني المعاصر.
نتاج دوريس ليسنغ، في جوهره، أوتوبيوغرافي، يستلهم وجوده من تجربتها الافريقية وطفولتها والتزامها الاجتماعي والسياسي. الموضوعات التي تتبناها تتمثل في صراعات الثقافات والظلم العرقي والتناقضات القائمة بين الوعي الفردي والوجود وكذا العنف ومآسي الأطفال. على وجه التحديد، أدركت موضوعات الخيال العلمي (شيكاستا في عام 1981) أو الروايات النفسانية مع "الصيف قبل الليل".
حازت ليسنغ "الحكاءة الملحمية عن التجربة النسوية التي نظرت بارتياب وحدة وقوة تنبؤية إلى الحضارة المتشظية" على جائزة نوبل للآداب عن 2007.

 

* طفولتك استثنائية. في عمر الخامسة، تعارفت إلى نصف العالم.
- ولدت في إيران، في قرمنشاه. والدي وأنا، انتقلنا إلى طهران، ثم اجتزنا روسيا بالقطار، بالضبط بعد الثورة. ظللنا ستة أشهر في بريطانيا، قبل أن نستقل باخرة بطيئة إلى جنوب إفريقيا، ومنها بقطار بطئ أيضا إلى سالزبوري، روديسيا، حيث اشترى والدي مزرعة. اختراها، كانت جميلة وكانا رومانطيقيين.
* أ لم يخافا من الدغل، الأمراض، الحيوانات المتوحشة ؟
- الثعابين، بالأخص. نشأت في أحد الأقاليم الثرية بهذا النوع. وان كنت وأخي، طوال اليوم، كنا حفاة إلا أن ثعبانا لم يلدغنا. اعتدنا على أن نقفز إلى الصخرة بدون النظر إلى موطئ أقدامنا. حينما كانت الثعابين تدخل إلى المنزل، تأخذ أمي بندقية والدي وتسدد نحو الرأس.
* كما في أقصى الغرب !
- كانت لدي الفرصة في رؤية كافة هذه الحيوانات تحيا في حرية تامة، وها هي اليوم تحيا في محميات. كان هناك فهود على الروابي، عصافير نستطيع أن نتخيلها. اليوم، الدغل خال. الأمر يدعو للبكاء.
* بعد ذاك، حينما غادرت روديسيا، عانيت كثيرا من عدم العيش داخل الطبيعة المتوحشة؟
- نعم، هذا ما ينقصني.
* لماذا قرر والداك الإقامة في الدغل ؟
- كان والدي موظفا بأحد المصارف. وفي نهاية العشرينيات، تبدل الحال إلى الأسوأ. كانت روديسيا بلدا جديدا. الرجال الذين فقدوا أعمالهم اتجهوا إلى الدغل ببندقية ومجرفة بحثا عن الذهب. عاشا والداي سنوات عدة في ظل هذه الأحوال. كانت الحياة قاسية.
* لاقيت مبكرا مشهد البؤس. في روسيا حينما اجتزت البلد صحبة والديك، وبعد في إفريقيا.
- صحيح، غير أن كان لدي الحظ أن والدي شرحا لي كل شئ. كنت ؟ أعرف أن هناك ثورة في روسيا. هناك بؤس شامل. الناس تحاول أن تبيع بعض البيضات، شئ من الخبز، واليتامى يتسولون. كان الفقر مثيرا. لا يدعو إلى الأمل.
* هل عاني والداك أيضا من شح المال ؟
- كانت هذه مشكلتهما الجوهرية. كان والدي دوما مريضا . كان من مصابي الحرب العالمية الأولى، أبتر وبساق اصطناعية، ليست كما أجهزة اليوم التعويضية. بالنسبة لأمي، كرهت هذه الحياة، ولكن إلى حد معين ! كان لها وجود مرعب. لزمني الأمر سنوات حتى أفهمها. كانت بورجوازية صغيرة، غادرت لندن وتزوجت من طبيب. حتى سقطت في شرك هذا الدغل بدون إمكانية العودة إلى إنجلترا لأنها لا تمتلك فلسا. كانت كما المسجونة.
* رويت في سيرتك الذاتية أنك رأيت والديك ذات مساء يستنشقان الهواء البارد تحت الشرفة، منهكين، شائخين ومرهقين. في هذه اللحظة قلت : "لست أنا" وقررت أن تحي حياة أخرى.
- نعم، أقسمت على الخروج. أريد أن أقول أن لا أجد نفسي أبدا واقعة في شرك كما وقعا.
* ظاهريا، هل نجحت ؟
- هذا ما أراه.
* هل أنت متأكدة ؟
- لا نخرج منها ألبتة.
* ومع ذلك اتجهت إلى حياة المرأة الحرة ؟
- أفضل أن لا أتكلم عنها. هل تعتقد بأنه من الممكن أن نعرف حرية معينة ؟
* بيد أنك بينت استقلالا فكريا استثنائيا. أصبحت كاتبة، شيوعية، وتزوجت من مهاجر ألماني بعد الحرب العالمية الثانية، المناضل غوتفريد ليسنغ. طلقت مرتين. كنتما بعيدين عن هذه الحياة الصغيرة.
- نعم أدرت الظهر إلى كل ما أكرهه. زوجي الثاني كره هذه الحياة مثلي تماما. عرف في برلين نموذجا حياتيا متكلفا للغاية، وعاش - المسكين - مع فتاة من المستعمرات غير متمدنة. اليوم، أتحسر على زواجي منه.
* في هذا الوقت، قررتما العيش في لندن.
- نعم، هذا ما جرى في عام 1949. كان كل شئ رماديا، والمنازل خرائب. المدينة مرعبة. لم تكن هناك مقاهي والملابس قبيحة والجميع ينام مع العاشرة مساء.
* أسوأ من الدغل.
- نعم ! وعلى وجه الخصوص، كنا نلاقي رجالا كثر عائدين من الجبهات. تسريح الجيوش أخذ وقتا طويلا. ولكن فجأة مع نهاية الخمسينيات كل هذا تلاشى. الجيل الجديد لا يود سماع شيئا عن هذه الحرب والآن في الشوارع طوال الليل نلاقي شبابا لا ينامون. رائع.
* من بين التزاماتك، ما هي التزاماتك الهامة التي تضعك في حالة من الغضب ؟
- ما يثير غضبي، أن لا أحد يغضب ! اليوم تهيأ الجميع على ابتلاع كل شئ. وافقنا على كافة أشكال الفساد وهذا خطير.
* كنت شيوعية، لفترة غير طويلة.
- ليس هناك أحد شيوعي طوال الوقت، ولكن كان الجميع شيوعيين في لحظة من حياتهم. كان هذا هو الحزب الوحيد الذي انضممت إليه. اليوم، اهتم بالأشياء البسيطة.
* إفريقيا طفولتك لم تعد موجودة اليوم. ولكن أوروبا النصف الأول من القرن العشرين، أليست حضارة متلاشية ؟
- لديك الحق. عرفت الإمبراطورية الإنجليزية، كافة الإمبراطوريات الأوروبية، باستثناء الألمانية والسوفياتية وعاصرت موسوليني وهتلر، فكرة التفوق الأبيض، وأستطيع أن أسرد إلى ما لا نهاية. كل هذه الأفكار والنظم، في وقته، تتبدى أبدية. لذا أعتبر بعض الأشياء مؤكدة.
* بنية بعض كتبك، "الكراس الذهبي" مثلا، معقدة نوعا ما. وفي كتابك الأخير (طفل الحب)، كان الأمر مختلفا.
- أحب التاريخ. من المهم قراءتها في طفولتك، لأنه لا يمكن نسيانها.
* هل حكتها والدتك لك ؟
- نعم. ولذا أنا عارفة بالجميل. كانت تبتكر الحواديت.
* هل تسافرين كثيرا ؟
- حاليا قليلا. سافرت كثيرا لما كنت شابة إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة. لم أتوقف أبدا. ذهبت إلى نيوزيلندة منذ سنوات خمس، غير أنني كنت متعبة إلى درجة أنني لم أستطع أبدا مغادرة غرفتي. هكذا توقفت عن السفر. لكن كثيرا من الناس يكاتبوني، من أرجاء العالم.
* هل تردين عليهم ؟
- نعم. أرسل اليهم بطاقات. ليس لدي سكرتيرة.
* لنابوكوف كثير من الرسائل، غير أن زوجته كانت تكرس وقتها لهذا .
- مثل الكونتيسة تولستوي، التي أعادت كتابة روايات زوجها ثلاث عشرة مرة. غير أنك تعرف النكتة القديمة : زوجة جيدة، ما يلزم امرأة مثلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) Didier Jacob, Entretien avec Doris Lessing, Le nouvel Observateur, 11 Octobre 2007.