حلم الأسفار

      شعر راشد محمد ثابت*

 

كنت أحلم
كنت لا أدري
بأن ضمة الأشتات
بأن يوماً سوف تُسْقمْ
كان حلمي
يقتفي الأشواق
في أفق المسارات
ويستجلي نزيف العمر
أسفار التوثب...
هكذا كانت
أماني الحلم تمضي
شغفاً يرنو إلى عضد التَّآخي
أو إلى مجد التلاحمْ
يستحث الوصل عشقاً
حين كان الوصل سفراً
وخطى الأحلام والأشواق تطوى
تتجلى في خبايا الصدق
أو صفو المشاعر
يتمطَّى الأفق حلمي
يقطع المشوار في مجداف أرباب المآثر
ويصيخ لأنين الدهر
من مقت التـَّنافرْ
ينبذ الفرقة والتشطير
من إرث لغاصب
أو لحكمٍ طاغيٍّ من عهد غابر
***********
كان لي في العمر حلماً
وعلى أسفار دربي
ألق الزحف تعثَّرْ
واستفاق الضيم
يطوي العمر كداً
ويزيد حالك الليل عتامة
لا نرى فيه وميضاً
أو نذيراً
لتباشير الندامة
بل توارت عن شفاه القوم
ومض الابتسامة
حين صار الحلم
رَجْع القهقريِّ
ورواقاً
للتراخي والملامة
***********
عندما الحُلم تهاوى
واستشاط الصبر من غدر الفُجاءة
وانتضى حقد التنكر
لربيع الزهر
أسفار العزيمة
حين كان الذَّود
في عقم الفحولة
وحنيناً لشغاف النوم
أو بؤس الرجولة
ويداري رعشة الجلاد
حكماً ...
كان زحف الاعتلاء
نحو إيثار العروش
أو إلى ومض الغنيمة
يستحث الهمةَ العرجاء
كي تردي الضميرَ
يتهادى للتواكلْ
بائحاً للأرض أوجاع التشظي
وهوانا يتغذَّى ...
من شروره
يتعرى الكاهن المزروع
من نبض الرذيلة
ويغوص الخنجر المسموم
في قلب البطولة
***********
ديْدَنُ الغبن يلوذُ بتباريح السياسة
والسياسة في مجاهيل النهى
من عماها...
بينما فقه السياسة
وانجلاء الطُّهر ... في محرابها
إنها عمق الحصافة
والنباهة...
والكياسة ...
تزرع البسمة في حقل الصغار
تقدح الاشراق في وجه الأنام
والسياسي الفذ من عادته
أن لا ينافق...
أو يجافي الاستقامة
أو ترى وجهاً تخفَّى باللثامة
قط إن خارت نزاهات السياسي
يتردى
تحت إسراف المذابح
في التخندق
وسط تيار الاعاصير
ينفث الخبثَ
إلى عضد الصفوف
يعتني الفتنة والتخوين
أو زرع الشقاق
يتثعلب
يرتدي صنف الريادة
في السفالة
حين وعياً يتصلَّب
لظلال السيف يرغب
للصغائر يتعصَّب
في المواقف يتقلَّب
والحصيلة:
ذلك العذر القبيح
يوصم الآخرْ بهتان العمالة
***********
جفت الاشواق
من أفنان عمري
وتجلى حلمي حُزن التباكي
واستحال الوجد سيفاً
حين أضحى الحلم وشماً...
في جبين الطهر تهمة
حين يأتيني نذيرا
عن وميض الفجر
نقمة
حين يصحو سادتي الاشباح
عن عتقٍ لذمة
داعبوا رعب الوحوش الكاسرةْ
واستمالوا دورة الحرب
لواد الخير...
من فيضٍ لنعمة
هتكوا سحر وميضٍ
في مسار الأفق بسمة
فتهاوى وطني المغدور
كان يطوي صيف مجد
يستقصي التناهي
يتأهب...
في ذرى الغايات نصراً...
أو سواري تعتلي في كل قمة
صار رجع الحلم مشنوقاً
على أعتاب فجر العصر
قبح الأمس
أسراب المذمة
واستحال الرسم
مرثية أرضٍ لتنافِ
يسطر التاريخ وصمة
في متون الإمتهان
ويغير بسيوفٍ
من خوى زند المهمة
يتعامى عن أنين الأرصفةْ
حيث بات الجوع يتمدَّد
على خطَّ المدى
يستبيح الخطوَ
أسفار القوافلْ
في مدى عشق الحوافرْ
غاية ترنو إليها
كل أمة
***********
ظل حلمي تحت أنواء التشظي
فاستنالت قبضة القرصانِ
من عزم التحدي
وكلاب الحقد تعوي
تقذف الرعب على سفح الدروب
من كهوف الأمس
أشواك الخطوب
وتبَّدى أملي أضحوكةً
بل وأضحى لعبةً
يتعاطى الانكسار
فن تذويق الكلام
دهشةَ التَّضليل
تفتيت الحياضِ
ودنى النخَّاس يفري لهْفَته
حين حادي الدار
أرخى همته
وتمادى في التعرِّي
بقي القبح يداجي حلمنا
يبحر الإعصار في أحواشنا
يتشهَّى للخرائب
وعلى مجرى شرايين المدى
يتغشاه صعيقاً من دبيب
وخبا الحلم وهيجاً
فانبرى العزم ينافح
وهنا سر الأماني
إِذْ غدت سكْنَ الإباءِ
أو ملاذاً يوْرقُ النبض عليها
بل سفينا للتناهي
وعلى أجفان حلمي ..
تربض الأسفار...
توحيد المفاخر.


* الشاعر كان وزيراً لشؤون الوحدة اليمنية في جمهورية اليمن الديموقراطية حتى يوم إعلان الوحدة في 22 مايو 1990، وقيام الجمهورية اليمنية.