صورة المرأة في شعر حميد بن ثور الهلالي

 

 

مدخـل : ـ


ينتمي حميد بن ثور الهلالي ـ مكانًا ونسبًا ـ إلى قبيلة بني عامر  وهي من القبائل العربية المشهورة بقول الشعر ؛ فقد كان منها : لبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي ، وعامر بن الطفيل والراعي النميري ، وتميم بن مقبل ، وغيرهم من الشعراء المبرزين ، ووضعه ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الإسلاميين ، وهو ينتمي ـ زمنيًّا ـ إلى طبقة الشعراء المخضرمين إذ يرجع مولده إلى ما قبل غزوة حنين [ السنة الثامنة للهجرة النبوية ] بما يقرب من عقدين من الزمان ، وامتدت حياته إلى ما بعد تولي الوليد بن عبد الملك بن مروان خلافة الدولة الأموية في السنة السادسة والثمانين من الهجرة النبوية ، حيث يفترض أنه عاش إلى سنة تسعين ، أو ثلاث وتسعين للهجرة .

مفهوم الصورة الكلية :


أما عن صورة المرأة التي نعنيها ، فإنما هي الصورة الكلية التي يقوم الشعراء برسمها في أشعارهم ، فالصورة الشعرية كما يقول سي دي لويس : " رسم قوامه الكلمات " ( ) الصورة الشعرية الكلية التي برزت بشكل لافت للنظر في شعر حميد بن ثور  وتعد " أشبه بلوحة كبيرة تضم داخلها صوراً صغيرة لا تستقل بنفسها ، ولكنها تكون جزئيات هذه اللوحة الكبرى ( ) ، وهي عادة ما تتكون من عدة أبيات شعرية ، أو قصيدة كاملة تدور في جملتها حول موضوع واحد ، وحالة وجدانية تئول في أصلها إلى مشاعر وأحاسيس ثابتة واحدة مما يسم القصيدة آنئذ بسمت الوحدة العضوية ؛ لأن الصورة الكلية تعد عاملاً من عوامل الوحدة العضوية التي تجعل من القصيدة كياناً واحداً . لقد تجسدت الوحدة العضوية عند حميد بن ثور في نمط من أنماط الصورة الكلية ، هو الصورة القصصية ذات الإيحاء الرمزي الذي يلمح إلى ما وراء التصوير من دلالات وإيحاءات يعمد المبدع إلى تجسيدها من خلال هذا الأسلوب القصصي المظهر للوحدة العضوية خاصة في الشعر الوجداني ( ) .
وربما تعددت الصور الكلية في القصيدة الواحدة ، ولا يغض ذلك من ظهور الوحدة العضوية فيها ؛ ذلك أن هذا التعدد قد ينطلق من شعور ذاتي واحد آثر الشاعر أن يعبر عنه بأكثر من صورة كلية ، وقد كان لمثل هذا التعدد في الصور الكلية عند حميد حضوره في بعض قصائده ، ومع ذلك فهو لا ينفي وجود الوحدة العضوية التي تربط القصيدة كلها برباط وجداني واحد ألح الشاعر على إبرازه بأكثر من صورة كان أبرزها حضوراً الصورة الكلية القصصية ؛ إذ كان الأسلوب القصصي أبرز مظاهر تميز حميد وفنه الشعري ( ) وإلى جانبها كان هناك نمط من التصوير الكلي هو الصورة الكلية الوصفية التي يقوم فيها الشاعر بوصف موضوع الصورة وصفًا خارجيًّا ، أو داخليًّا يحاول فيه أن يستجلي موضع الصورة من خلال الوصف الذي يُعد " نزعة فطرية ملازمة لطبيعة الذات الإنسانية بها يكتشف الإنسان العالم ( ) ، وهي تلي سابقتها حضوراً في شعر حميد ، وقد آثرت دراسة الصورة الكلية بنمطيها : قصصية ووصفية ، دراسة موضوعية مع الإشارة إلى نمط الصورة عند تحليلها ؛ وذلك بسبب التداخل بينهما ـ موضوعياً ـ إذ نجد صورة المرأة ـ مثلاً ـ مرسومة من خلال الأسلوب القصصي والوصفي .

صورة المرأة :
مثلت المرأة محوراً بارزاً من المحاور الفنية التي ارتكزت عليها التجربة الشعرية عند حميد بن ثور ، شأنه في ذلك شأن غيره من الشعراء الذين اهتموا بالمرأة ، وخاصة الجاهليين اللذين اهتموا بالمرأة اهتماماً شديداً يكاد يصل بها إلى شيء من التقديس المرتبط بالمعتقد ، ومما يؤكد ذلك كثرة تشبيههم المرأة بالشمس والغزالة والمهاة ( ) ، وهي وإن كانت صوراً جزئية لا تتعدى البيت أو الجزء من البيت ، فإن تكرارها عند عدد كبير من الشعراء الجاهليين مما يلفت النظر إلى ذلك الحضور البارز للمرأة في شعرهم ، وذلك من الأمور البدهية فالمرأة كانت ملهمة الشاعر ، ومحبوبته التي يبذل في سبيل إرضائها كل غالٍ ثمين . 
اتخذ تصوير حميد للمرأة نمطين من أنماط الصورة الكلية ، أولهما : الصورة القصصية التي تحيل إلى عدد من الرموز والإيحاءات التي يمكن تعليلها في ضوء التجربة الشعرية التي مر بها ، والتي ترتبط بموضوع الغزل بصورة أو بأخرى ، فقد تفوق الموضوع الغزلي على غيره من الموضوعات الأخرى ، وأما النمط الثاني ، فهو الصورة الوصفية التي تهتم بالأوصاف الظاهرية أو المعنوية للمرأة الموصوفة ، سواء أكان السياق غزلياً أم غير غزلي .

1ـ الصورة القصصية :
بدت المرأة في الصورة القصصية المحور أو المركز الذي ارتكزت عليه أحداث القصيدة القصصية ، من ذلك لاميته التي يديرها بعناية فائقة حول امرأة تمثل الشخصية المحورية ، وما حولها من شخوص إنما يوظفها لتفعيل دورها في رسم ملامح الشخصية المحورية ودورها ، هذه المرأة التي لم يرد لها اسم يعينها ، ولا زمان أو مكان يحدها .
يبدأ الشاعر القصيدة بداية تنم عن أهمية ما وراءها ، وذلك من خلال أسلوب القسم المؤكد للمقسم عليه ( ) :

حَـلَفْتُ بِـرَبِّ الرَّاقِصَـاتِ إِلَى مِنىً

زَفِيفًا وَ رَبِّ الْوَاقِفِـينَ عَلَى الْحَبـْلِ

لَـوَانَّ لِيَ الدُّنْيـَا وَمَـا عُـدِلَتْ بِهِ

وَجُمْلٌ لِغَيْرِي مَا أَرَدْتُ سِوَى جُمـْلِ

أَتَهْـجُرُ  جُمـْلاً أَمْ  تُلِمُّ عَلَى جُمْـلِ

وَجُمْلٌ عَيُوفُ الرَّيْقِ جَـاذِبَةُ الْوَصْل

البداية أو المقدمة تنم عن تجربة عاطفية صادقة ، ينفق الشاعر جهده اللغوي والبلاغي على تأكيدها بما لا يدع مجالاً لشك متشكك في صدق ما يشعر به من عاطفة نحو تلك المرأة ، إذ يبدأ القصيدة بفعل القسم المسند إلى ضمير المتكلم الذي يشير إلى أثرة الشاعر بالحديث ؛ لأنه يريد أن يكشف عما بنفسه ، وإيثاره مادة الحلف على غيرها من دوال القسم قد كان بدافع من رغبته في التأكيد على أن علاقته بهذه المرأة إنما هي علاقة متبادلة ، فمادة الحلف تستدعي معاني : الحليف والمحالف ، وكلتاهما تؤكد على توحد الأمر والمصير بين طرفين يربطهما الوفاء ( ) ،وجاء المقسم به رب بدلالتها على الربوبية المالكة والعارفة خبايا ما تملك لتدل على صدق ما يقوله ،بل قدسية وشرف المقسم عليه ـ جواب القسم ـ لكنه يستدعي جوًّا من القداسة الدينية في رحلة لا يقوم بها إلا كل مشتاق ، إنه مشهد الإبل الراقصات في طريق تأدية مناسك الحج ، حيث يقف الحجيج على الحبل ـ الجبل ـ يناجون ربهم ، وتتأخر جملة الجواب إلى البيت الثاني لتخلي المساحة الكلامية لتلك الدلالة التي ينتجها جو الحج ، وليأتي التأكيد على عدم ارتضاء الشاعر الدنيا كلها عوضًا عن محبوبته جمل التي يكرر اسمها متلذذًا به خمس مرات في الأبيات الثلاثة السابقة هذا الاسم الذي يستدعي بدوره عددًا من المعاني التي تدور في مجملها حول ما يتعلق بجمال المرأة وهيئتها ، وهي المعاني التي يريدها الرجل في المرأة ( ) .
ويعود الشاعر ليمسك بطرف الحوار مرة أخرى ؛ لكي يقترب من موضوع قصته التي يريد سردها ؛ ليصور حبه لهذه المرأة ( ) :  

فَوَجْدِي بِجُمْلٍ وَجْدُ شَمْطَاءَ عَالَجَتْ

مِنَ الْعَيْشِ أَزْمَانًا عَلَى مِرَرِ الْقـُلِّ

فَعَاشَتْ مُعَنَّـاةً  بِأَنـْزَحِ  عِيشَـةٍ

تَرَى حَسَنًا أَلاَّ تَمـوُتَ مِنَ الْهـُزْلِ

إن أثرة الشاعر الكلام بضمير المتكلم حتى هذه اللحظة دليل على أنه لا يريد الاختفاء من ساحة القصيدة ، إلا لكي يلفتنا إلى ما يربطه بالأحداث التي سوف يسردها فيما بعد بضمير الغائب الذي يلتفت إليه وهو يوهمنا باختفائه هو ، بينما يحرك شخوصه من وراء حجاب ، يقص علينا الأشياء التي لا تعرفها شخصياته من منطلق علمه بها ، خاصة وأنه الذي صنعها .
إنه يحدِّث عن الآخر هذا الحديث الذي يربطه به من خلال توظيف الصورة الجزئية ـ التشبيه البليغ المتكئ على طرفيْ الإسناد : وجده = وجد شمطاء في صدر البيت الأول ـ ، وفي هذه اللحظة يختفي ضمير المتكلم ليحل محله ضمير الغائب الذي يعني بدء القص ، قصة هذه المرأة الشمطاء البائسة التي مضى بها قطار العمر ، ولم تتزوج حتى هذه اللحظة ، ومما يزيدها بؤسًا هذا الفقر المطبق عليها أزمانًا لا تعرف عدتها ، وغاية أملها أن تعيش على الكفاف ، فلا تموت من الضعف و الهزال .
ولا يقنع الشاعر القاص بهذا الوصف الذي يلفت المتلقي من خلاله إلى صورتها ، وإنما يفاجئه ببعض المفاجآت القصصية التي تجذبه إلى النص ، وأول هذه المفاجآت : أن تتزوج من رجل كفءٍ ـ حليل ـ برغم فقرها وتقدم سنها ( ) :

قَضَى رَبُّهَا بَعْلاً لَهَا فَتَزَوَّجَتْ

حَلِيلاَ وَمَا كَانَتْ تُؤَمِّلُ مِنْ بَعْلِ

وبالرغم من غرابة هذه المفاجأة التي لا شك أنها قد أحدثت تغيراً كبيراً في حياة المرأة وحالتها النفسية ، فإن الشاعر يتناسى هذه الأمور  إيماناً منه بأن لغة القص الشعري " تنأى عن الجزئيات والتفاصيل التي تصرف الفكر عن التدبر والاعتبار " ( ) ليتابع مفاجآته التي تعمل على تنمية الحدث القصصي ، وإثارة المتلقي ، فهو يقطع هذه التفاصيل والأحداث ، ويمد في أمل المرأة في الحياة عن طريق مخلوق جديد ينمو في أحشائها ، ثم هو يتغاضى عما وراء هذا المولود الجديد من أثر قلب كيان المرأة وحياتها رأساً على عقب ( ) :

وَعَدَّتْ شُهُورَ الْحَمْلِ حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ

وَجَـاءَتْ بِخِـرْقٍ لا دَنِيءٍ وَلا وَغـْلِ

فَهـَفَّ إِلَيْهَا  الْخـِلُّ و َاجْتَمـَعَتْ لَهَا

عُيُونُ الْعُفَـاةِ الطَّامِحِينَ إِلَى الْفَضْـلِ

لقد انتصر للمرأة على الزمن والفقر والعزوبة ، والإهمال وجعلها محط أنظار الطامحين إلى الفضل ، ثم راح من جديد يتناسى أمرها ليدير الحوار حول ولدها الذي تجاوز مرحلة الطفولة إلى حيث الرجولة ، ومن خلال أسلوب القطع والاستئناف ، أو الحذف ـ القفز الزمني فوق التراتب الزمني ـ الذي يجسد الرغبة في تسريع الحدث القصصي يتناسى الشاعر ما بين فترة الميلاد والرجولة في حياة هذا الابن ليصل بالأحداث إلى لحظة التثوير التي تعترض حياة المرأة وحياة ولدها الذي صار رجلاً ، وأصبح قائد قومه بعدما أبدى من البطولة ما جعله جديراً بالقيادة ، فهذا فارس غريب يغزو قومه ، ويدعو فرسانهم إلى منازلته ، فيجيبه هذا الولد/الرجل ويهزمه ومن معه من الفرسان ( ) :

إِذَا رَاكِـبٌ تَهـْوِي بِـهِ شَمـَّرِيَّةٌ

غَرِيبٌ سِوَاهُمْ مِنْ أُنَاسٍ وَمِنْ فَضْلِ

فَقَـالَ لَهـمْ كِيـدُوا بِأَلْفَيْ مُقَنَّـعٍ

عِظـَامٍ طـِوَالٍ لا ضِعَافٍ ولاَ عُزْلِ

فَشَكُّوا طَبِيقًا أَصْلَهُـمْ ثُمَّ أَسْلَمُـوا

بِكَفِّ ابْنِهـَا أَمْرَ الْجَمـَاعَةِ وَالْفِعْلِ

ثم يخطو الشاعر بالحدث القصصي خطوة أخرى في سبيل تنميته ، والاقتراب به من منطقة الأزمة التي ستؤذن بالنهاية ، فيرسم صورة لهذا الفارس القائد ، وهو يخرج على رأس جيش من قومه ليقاتل الأعداء ، ويثبت بهم في معركة حامية الوطيس ، تدور فيها الدائرة على جنده الذين يفرون فرار المنهزمين ، في حين يحاول هو أن يثبت ؛ ليثبت جنده من خلال نبرة فخرية تنم عن شجاعة مستميتة في وقت باتت الهزيمة فيه أمرًا محتومًا ، نبرة تجعل من صوت الفتى الصوت الأوحد في مسرح القتال ، والجنود مجرد مستمعين لما قاله لهم من قبل ـ حملتموني أمركم ـ ، وها هو يقول لهم في هذا المشهد العصيب ما يثبت به أفئدتهم الوجلة ، والنهار يطول من بين أعينهم ليزيدهم وجلاً فوق وجل  ( ) :

فَلَمَّا الْتَقَى الصَّفَّـانِ كَانَ تَطَـارُدٌ

وَطَعْنٌ بِهِ أَفـْوَاهُ مَعْطُوفَـةٍ  نُجْلِ

نَهـَارًا طَوِيـلاً ثُمَّ  دَارَتْ هَزِيمَةٌ

بِأَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ وَ لاخَذْلِ

فَقَـالَ لَهـُمْ وَالْخَيْلُ مـُدْبِرَةٌ بِهِمْ

وَأَعْيُنُهـُمْ مِمـَّا يَخـَافُونَ كَالْقُبْلِ

عَلَى رِسْلِكُمْ إِنِّي سَأحْمِي  ذِمَارَكُمْ

وَهَلْ يَمْنَعُ الأَحْسَـابَ إِلاَّ فَتًى مِثْلِي

ولكن الفتوة التي ارتبطت بها فكرة البطولة ،وما تستدعيه من شجاعة واعتداد بالنفس ( ) لم تكن حائلاً يقف أمام مصرع هذا الفارس المعتد بنفسه /فتىً مثلي ، ففي اللحظة التي شغل فيها بحماية جنده تأتيه طعنة نافذة يخر على إثرها صريعًا في مشهد درامي بالغ الدلالة على مأساة تنتظرها أم غائبة عن مسرح الحدث بيد أنها حاضرة بروحها المرفرفة حول ابنها ، مشهد يظن فيه أتباعه لقياه مصرعه ، فيفرون إلى قومهم يندبونه ممتدحين شجاعته وشدة بأسه ( ) :

فَبَيْنَـاهُ يَحْمِيهُـمْ وَيَعْطِفُ خَلْفَهُـمْ

بَصِيـرٌ بِعَوْرَاتِ الْفَوَارِسِ وَالرَّجْـلِ

هـَـوَى ثَـائِرٌ حَـرَّانُ يَعْـلَمُ أَنَّـه

إِذَا مَا تَوَارَى الْقَوْمُ  مُنْقَطِـعُ النَّبْـلِ

فَلَمْ يَسْتَطِـعْ  مِنْ نَفْسِهٍ غَيْرَ طَعْنَـةٍ

سُوًى فِي ضُلُوعِ الْجَوْفِ نَافِذَةِ الْوَغْلِ

فَخَـرَّ وَكـرَّتْ خَيْــلُهُ يَنـدُبُونَـهُ

وَيُثْنُونَ خَيـْرًا فِي الأَبَاعِـدِ وَالأَهْـلِ

لقد كان هذا المشهد بما يحمله من درامية مؤثرة حلقة الوصل إلى صورة المرأة الشمطاء ، الذي يعيدها الشاعر مرة أخرى إلى سياق القص بعدما تناساها طيلة تلك الأبيات ، فقد تركها في لحظة ارتفعت بها الفرحة برجولة ولدها الوحيد إلى القمة ، ثم ها هو يعيدها إلى مسرح الحدث وهي تستقبل النبأ الفاجع بمصرع ولدها ، وبين قمة الفرح وقمة الحزن ترسم المفارقة مشهد العقدة الدرامية الكبرى في القصيدة القصصية ، إنها ـ وهي المولهة بحب ولدها ـ لا تملك من تصرف وقد بلغها خبر الفاجعة إلا أن تعمد إلى سكينها لتذبح نفسها في مشهد دراميًّ بالغ الأثر ، مشهد يصور طقساً من طقوس الحزن على الفقيد ، حيث الانتحار الذي يعني ارتباط حياة الأم بحياة ولدها وجوداً وعدماً ( ) :

فَلَمـَّا دَنَوْا لِلْحَيِّ أُسْمِـعَ  هَـاتِفٌ

عَلَى غَفْلَةِ النِّسْوَانِ وَهْيَ عَلَى رَحْلِ

فَقَـامَتْ إِلَى مُوسَى لِتَذْبَحَ نَفْسَهَـا

وَأَعْجَلَهـَا وَشـْكُ الرَّزِيئَةِ وَالثُّكـْلِ ( )

ولكن القدر الذي حباها غير مرة بأنعمه لا يريد أن يفقدها حياتها ، وهي في غمرة فرحتها ، إذ أعاد إليها ابنها في مشهد يجمع مفارقة صارخة بين الموت ـ موسى تذبح بها نفسها ـ والحياة التي استمرت مع عودة الابن المثقل بالجراح ( ) :

فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى أَتَاهَا كَمَا بَدَا

وَرَاجَعَهَا تَكْلِيمَ ذِي حُلُقٍ جَزْلِ

تستوقف هذه القصيدة القصصية ـ بعناصرها الدرامية ـ الباحث في محاولة لاستكناه هذا المنحى الشعري الذي ربما يكون له نظائره في الشعر العربي القديم ( ) مع ملاحظة صورة المرأة في حالات فرحها وترحها أمام تقلبات الدهر ومفاجآته لها ، والعلة التي من ورائها حكى الشاعر قصتها .
لقد فقد الشاعر محبوبته ووجد بها وجداً شديداً ناسبه أن يقسم على صدقه بهذا القسم المشعر بجو القداسة الدينية المصاحبة موكب الحجيج ، وذلك في بداية القصة القصيدة ـ على نحو ما مر ـ واستقطاب صورة هذه المرأة لم يكن إلا محاولة منه لإحداث معادلة بين حبه وحب تلك المرأة لولدها ، ويغدو هذا الحب الذي شهد تحولات من القوة والوهن ، الفرح والحزن ، الأمل واليأس  معادلاً موضوعياً لحبه  والولد نفسه المعادل الموضوعي لعلاقته بمحبوبته ( ) ، والقصيدة بهذا البعد الرمزي من خلال الأسلوب القصصي تلفت الباحث إلى أمر ذي بال هو أن  ذوبان الحدود الفارقة بين الأجناس الأدبية في الشعر العربي لم يكن وليد العصر الحاضر بل هو قديم قدم هذا الشعر نفسه ؛ فالشعر العربي القديم شأنه شأن أي شعر " يبدأ غنائياً مطلقاً ، ثم غنائياً مقيداً بحدث ، ثم يميل إلى الحكاية والحبكة والسرد ، والروح القصصي والملحمي  ثم يقترب من الدراما عفوياً ، فتتولد فيه جذور تعد النواة الدرامية الأولى " ( ) .
جعل حميد من المرأة الشمطاء صورة نموذجية للمرأة الأم التي قطّب القدر لها جبينه غير مرة ، ثم عاد يهش لها في مفارقات متوالية بدت فيها رمزاً مثالياً للأم التي اقترن إعزازها وتقديسها بتقديسهم للشمس رمز الأمومة في الديانة العربية القديمة، وفي غيرها من الديانات ، وإن اتخذ هذا التقديس صوراً مختلفة نابعة من اختلاف البيئة التي ينتمي إليها هذا المعتقد أو ذاك ( ) .
وفي قصيدة قصصية أخرى جاءت المرأة فيها محورية ، تتكشف أحداث القصيدة القصصية عن نفسية هذه المرأة التي تبدو بخيلة حريصة ، يدخلها الشاعر في صراع غريب مع ذئب جائع لا يجد من طعامٍ سوى ما تملك من بهْمٍ وشياه ، وهو يحاور ويداور طوراً ويجري طوراً  ويتخفى متربصاً طوراً آخر في صورة ليست ببعيدة عن الشعر العربي القديم ؛ إذ " قد عني شعراء الجاهلية بحركة الذئاب حتى شبهوا بها حركة جيادهم ، وحتى سموا الذئاب باسم حركتها ـ العُسْل ـ وصوروها في حلكة الليل وهي تعسل على أطراف الماء تبحث عن فرائسها " ( ) وذلك على نحو ما تظهره القصيدة القصصية التي يبدؤها الشاعر بوصف المكان الفلاة الواسعة التي تدفع الناقة إلى إلقاء ما في رحمها من جنين ، أو دم من علقة فحل ؛ حتى تواصل السير ولا يهلكها الحمل ، فهي تضن بنفسها على الهلاك ، ولا تضن بما تحمل في رحمها ، والفلاة من سعتها لا تستطيع الرياح الشديدة أن تصل إلى نهايتها ، وهي مقفرة لا ماء فيها مما يدفع القطاة إلى ترك وليدها كاليتيم الذي جفته المراضيع لتبحث الأم عن ماء تحفظ به حياة الوليد ، في صورة مفارقة تمامًا لصورة الناقة  يقول الشاعر ( )  :

وَأَغْبَرَ يَمْسِي الْعِيسُ قَبْلَ تَمَامِهَا

تَهَادَى بِهِ التُّرْبَ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ

يَظَـلُّ بِـهِ فَرْخُ الْقَطَـاةِ كَأَنَّـهُ

يَتِيمٌ  جَفَتْ عَنْهُ الْمَرَاضِيعُ رَاضِعُ

وفي الأبيات الثمانية التالية للبيتين السابقين يتابع الشاعر حديثه عن تلك الفلاة ، وحيواناتها من النعامة وولدها والأمهات من الوحش ، والظبية وولدها ، والثور والنوق وهنا يلاحظ الجمع بين الأم وولدها لما له من دور في قصة المرأة حيث تدرك كل أمٍّ مخاطر هذه الفلاة الواسعة ، فترشد ولدها ، أو ترعاه بما يحفظ حياته ، ثم ينتقل الشاعر إلى الحديث عن المرأة مستخدمًا  ضمير الغائبة الذي يشير إلى إدراكه ومعرفته بكل صغير وكبير في حياة تلك المرأة ( ) : 

تَرَى رَبَّةُ الْبَهْمِ الْفِرَارَعَشِيَّـةً

إذَا مَا عَدَا فِي بَهْمِهَا وَهْوَ ضَائِعُ

تَلُومُ وَلَوْ كَانَ ابْنَهَا قَنِعَتْ بِهِ

إِذَا  هَبَّ أَرْوَاحُ الشِّتَاءِ الزَّعَازِعُ

فَقَامَتْ تَعُسُّ سَاعَةً مَا تُطِيقُهَا

مِنَ الدَّهْرِ نَامَتْهَا الْكِلابُ الظَّوَالِعُ

ويتبدى هذا الإدراك لدقائق أمور هذه المرأة ـ لغويا ـ في تقديمه جواب الشرط على الفعل والأداة في البيت الأول ، إذ تهرع إلى فُرارها ـ بضم الفاء ـ ( ) ، هي أولاد الضأن الصغار وواحدها فرير ـ حتى لا ينال الذئب الجائع منها شيئًا ، وأخر الأداة وجملة الشرط إلى المصراع الثاني ليكشف عن طبيعة هذه المرأة ، وشدة حرصها على بهمها الذي يفوق حرص الذئب على النيل منها بل ربما لو كان ابنها لكان أهون عليها من فقدان شيء من الشياه ، ولذلك لم تنم ليلتها ، فقد ظلت ترعى بهمها ؛ حفاظًا عليها ، خاصة وأنها قد رأت الذئب الأطحل يربض بوضع قوائمه فوق بعضها ، وهو يراعي بهمها أنى تيممت ( ) :

يَظَـلُّ يُرَاعِي الْخُنْسَ حَيْثُ يَمَّمَتْ

مِنَ الأَرْضِ مَا يَطْلُعْ لَهُ  فَهْوَ طَالِعُ 

رَأَتْـهُ فَشَكَّتْ وَهْوَ أَطْحَـلُ مَائـِلُ

إِلَى الأرْضِ مَثْنِيٌّ إلَيـهِ الأكَـارِعُ

ثم يتناسى الشاعر أمر هذه المرأة الحذرة ـ مثلما تناسى من قبل أمر المرأة الشمطاء ـ ويركز حديثه على أوصاف الذئب الجائع البعِل ـ الخائف ، في صورة وصفية لجوعه وخوفه وأطرافه التي تعسل ، وجريه من مكان إلى آخر ، ومكره وحيله ولونه فيقول ( ) :

طَـوِي الْبَطْـنِ إلاَّ مِـنْ مَصِيـرٍ يَبُلُّهُ

دَمُ الْجَوْفِ أَوْ  سُؤْرٌمِنَ الْحَوْضِ  نَاقِعُ

هُوَالْبَعِـلُ الدَّانِي مِنَ النَّـاسِ كَالَّـذِي

لهُ صُحْبـَةٌ وَ هـُوَ الْعَـدُوُّ الْمُنـَازِعُ

تـَرَى طَـرَفَيْهِ يَعْسِـلانِ  كِلاهُمَــا

كَمَا اهْتـَزَّ عُـودُ السَّاسِمِ  الْمُتَتـَايِعُ

إذا خَـافَ جَـوْرًا مِنْ عَدُوٍّ رَمَتْ بِـهِ

مَخـَالِبُـهُ وَالْجـَانِبُ الْمُتَـوَاسِــعُ

وَإِِنْ بَـاتَ وَحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِهَـا

ذِرَاعًا وَلَـمْ يُصْبِـحْ لَهَا وَهْوَ خَاضِعُ

وَيَسْرِي لِسَاعَـاتٍ مِنَ الَّليْـلِ  قَـرَّةٍ

يَهَابُ السُّرَى فيهَـا الْمَخَاضُ النَّوَازِعُ

إِذَا  احْتَـلَّ حِضْنَيْ بَلْدَةٍ  طـُرَّ مِنْهُمَا

لأُخْرَى خَفِيُّ الشَّخْصِ لِلرِّيـحِ  تَابِـعُ

وَإِنْ حــَذِرَتْ أَرْضٌ عَلَيْـهِ فَإِنَّــهُ

بِغُـرَّةِ أُخْـرَى طَيِّبُ النَّفْـسِ قَانِـعُ

يَنَـامُ بِإِحْـدَى مُقْـلَتَيْـهِ وَ يَتَّــقِي

بِأُخْرَى الْمَنَـايَا فَهْـوَ يَقْظَـانُ هَاجِعُ

بدا الحوار في هذه القصيدة القصصية داخليًّا ، إذ لم يبد أثر للحوار الخارجي من مادة القول ونحوها ، وإنما لأن القصيدة مكاشفة لنفسية تلك المرأة ، فلم يحرك الشاعر لسانها بكلمة ، وإنما جعل السياق دالاً على هذه الحوارية الصامتة في نفسها ، وهي تلومها على مجرد التقصير في رعاية بهمها ، وهي تحدث نفسها مقارنة بين مكانة ولدها ومكانة بهمها التي يبدو أنها كانت ميالة لهذه الأخيرة ؛ ولذلك قدم بين يدي قصته ما يدل على علاقة الأم بولدها في نطاق الحيوان الأعجم ، أما هذه المرأة البخيلة فقد كانت لها رؤية أخرى ، وقد يكون في الأمر مبالغة من الشاعر المأزوم بقضية البخل والتحريض عليه ؛ لذا كان البخل سببًا في مفارقته البائنة زوجته في الصورة الوصفية التي سأشير إليها فيما بعد .
وإذا كان الشاعر قد جعل الحوار داخليًّا ، ولم يعطه مساحة لفظية تشير إليه بوضوح ، فإنه عمد إلى تصوير الزمان والمكان بما يخدم الصورة ، ويكشف عن خباياها ، فمن المتيسر على المتلقي أن يربط بين سعة الفلاة ، وطبيعة حياة الذئب والبهم ، والمفارقة بين حرص الطيور والحيوانات على أولادها ـ كما رأينا في موقف القطاة والنعامة ـ ، وحرص المرأة على مالها قبالة ولدها ، وأما الزمن فقد بدا عند الشاعر عاملاً من عوامل تنمية الأزمة التي تعيشها المرأة ؛ لأن زمن الحدث قد كان الليل بكل ما يستدعيه من معاني الخوف والرهبة والظلمة والمخاطر والهموم التي لا تجتمع على صاحبها إلا فيه  والذئب لم يفكر في الاعتداء على بهم المرأة إلا فيه ، وإذا كان الليل بطبيعته الزمنية قصيرًا ، فإن ليل تلك المرأة قد كان من الطول بحيث أخذت تراقب فيه الذئب ، وتطعم بهمها ، فلا يقرب منها ؛ بسبب وجود الحركة التي يخشاها .

2ـ الصورة الوصفية :
كانت الصورة السابقة نموذجاً للمرأة الحريصة ، أو البخيلة في شعر حميد ، وهناك نماذج أخرى للمرأة بدت فيها سلبية بسبب الأسلوب التصويري الذي لجأ إليه حميد ، وهو أسلوب التصوير الكلي الوصفي ، حيث ينزع الشاعر إلى ذكر مجموعة من الأوصاف الحسية ، أو المعنوية المرتبطة بهذه المرأة ، ويعد هذا الوصف نوعاً من أنواع التصوير ( ) ، وقد ارتبطت الصورة الكلية الوصفية عند حميد بفن الهجاء ، وكانت إحدى مهجواته زوجته التي لم يكن معها ـ كما يقول الرواة ـ على وفاق ، فهو يقدم لها في مقطعة شعرية من أربع أبيات صورة وصفية مال فيها إلى " التصوير الكاريكاتوري الهزلي " ( ) يقول حميد :

لَقـدْ ظَلَمـتْ مِرْآتَهـَا ابْنَةُ  مَـالِكٍ

بِمَــا لامَتِ الْمِــرْآةَ  أَلاَّ تُجَـدَّدَا

أَرَتْهَـا بِخَدَّيْهَـا غُضـُونًا  كَأَنَّهـا

مَجَرُّغُصُونِ الطَّلْحِ صَادَفْنَ فَـدْفَـدَا

رَأَتْ مَحْجِرًا تَبْغِي الْغَطَـارِيفُ غَيْرَهُ

وَفَرْعـًا أَبَى إِلاَّ انْحِـدَارًا فَأَصْعَـدَا

وَأَسْنـَانَ سَوْءٍ شَاخِصَـاتٍ كَأَنَّهَـا

سَــوَامُ أُنَاسٍ  سـَارِحٍ قَـدْ تَبَدَّدَا ( )

تتضافر الأبيات الأربعة على تقديم لوحة وصفية ساخرة لهذه المرأة ، يبدؤها الشاعر مقدمًا المفعول به على الفاعل ، ليلفت المتلقي إلى أهمية المتقدم ( ) ، وأن ما وقع عليها من ظلم كان محض افتراء من الفاعل ـ ابنة مالك ـ التي تلوم المرآة ظانة أن ما لقيته على صفحتها من علامات مقبوحة وشائهة لها ، إنما كان من سوء حالة المرآة .
والحق أن ليست هذه الصورة الوحيدة التي برزت فيها المرأة عند حميد في صورة مقبوحة منفرة ، سواء أكان قبحها بسبب صفاتها الشكلية كالذي رأيناه من هجائه زوجته في الأبيات السابقة، أم كان قبحها بسبب بعض الصفات الخُلُقية التي تسمها ، وكانت صفة البخل أساسية في هذا الهجاء الذي لقيته المرأة من حميد ( ) ، كما جمع بين صفة البخل وقلة الحياء في هجائه لامرأة نزل عليها ضيفًا هو وصديق له يدعى أبا الخشخاش ( ) في قصيدة جمع فيها بين أسلوب القص ، وأسلوب الوصف .
ويرسم حميد صورة أخرى لامرأة مأزومة نفسياً ؛ بسبب وضعها الاجتماعي ، وهو يميل في رسمها إلى المزج بين الأسلوب الوصفي والأسلوب القصصي ، موظفاً ما عرف في الأدب القصصي بالفلاش باك ، أو الردة الخلفية ، حيث إنه يرتد من اللحظة الحاضرة إلى حيث الماضي الذي عاشته هذه المرأة ( )  :

حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ  ضُحًى

بِفِنَاءِ زِمْزَمَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ

قَسَمًا لَنَـا مَا بَاتَ  مِنْ أَحَـدٍ

مِنِّي عَلَى طَمَـعٍ وَلا يَأْسِ

أَمـَّا  لَيَـالِيَ  كُنْتُ  جـَارِيَةً

فَمَشَيْتُ بِالرُّقَبَاءِ وَ الْحَبْسِ

حَتَّى إِذَا مَـا  الْخِدْرُ  أَبْرَزَنِي

نُبِذَ  الرِّجَـالُ بِزَوْلَةٍ جَلْسِ

وَ بِجَـارَةٍ  شَوْهَـاءَ  تَرْقُبُنِي

وَ حَمًـا يَخِرُّ كَمَنْبِذِ الْحِلْسِ

إن أزمتها قديمة ،يؤكد قدمها سيطرة أفعال الزمن الماضي ، وتحديد المرحلة العمرية ـ جارية ـ حيث القيد وسلب الحرية ، والرقابة الصارمة :الأهل في الصغر ،والحمو والحماة بعد الزواج ، ولم يعد يلقى من يريدون رؤيتها إلا امرأة ذات فطنة وذكاء ، معهما نفس مأزومة ألقت بظلال أزمتها على لغتها الوصفية التي وصفت بها الحمو والحماة التي وصفتها بأنها شوهاء ،وهو وصف يستدعي أحد أمرين ، أو كليهما معًا ،أما أولهما ،فهو تشوه الخِلقة وقبحها ،وأما ثانيهما ،فهو حدة البصر ( ) وهو معنى يتفق ودلالة البيت الذي ختم به المصراع الأول - ترصدني - وأما الحمو فقد وصفته وصفًا منتزعًا من البيئة ،حيث حِلْس الناقة أو البرذعة التي لا تفارق ظهرها ،في إشارة إلى طول الملازمة وديمومتها ،وهكذا كان الحمو ملازمًا هو الآخر للبيت ،ليزيد من أزمتها بسبب فرض الحراسة الشديدة عليها .
ويستعين الشاعر بضمير الغائب ؛ ليبدأ في وصف هذه المرأة وصفًا شكلياً يدل على جمال قديم ، وقبول حسن ، فيقول ( ) :

وَبِعَيْنِهَــا رَشَـــأٌ تُرَاقِبُـهُ

  مُتَكَفِّتُ  الأَحْشَــاءِ  كَالسَّلْسِ

مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ أَوْ ظِبَاْءِ خُلائِلٍ

  ضَمَرَتْ عَلَى الأَوْرَاقِ وَالْخَلْسِ

لَيْسَـتْ إذَا سَمــِنَتْ بِجَابِئَـةٍ

  عَنْهَــا الْعُيُونُ كَرِيهَةَ الْمَسِّ

مُسْتَأْثِرٍ بِالَّلحْمِ كَاهِلُهَـا وَقْصَاءُ

  مِنْطَقُهَــا عَــلَى  حِــلْسِ

يصفها بروعة المنظر ، ولين المس فلا تنفر منها العيون ، وليست بكثيرة لحم الكاهل ، و لا قصيرة العنق بل إن عنقها من الطول والجمال ليشبه عنق الظبية إذا ما وضعت عليه قلائدها ، ولها ثياب طويلة تغطي ما سفل من جسدها ، واللافت في هذه الصورة الوصفية أن صاحبتها تُعد ـ بما جمعت من تلك الصفات ـ نموذجاً لامرأة مثالية يُشغف بها الرجال شغفاً ربما يصل بهم في بعض الأحيان إلى حد التقديس ، أو العبادة ومما يؤكد ذلك الصورة التشبيهية الجزئية التي تجمع بين المرأة والغزالة والظبية والمهاة ، وغيرها مما حفل به الشعر العربي القديم    .
وبعد فتلك صورة المرأة في شعر حميد وقد تفنن في رسمها بريشة وصفية نأى فيها عن الإسفاف في الوصف ، ولم يتطرق إلى ما يتنافى والذوق الشعري ، أو العرف الاجتماعي بحيث يمكن تصنيفه بين طبقة شعراء الغزل العذري الذين يكلفون بإظهار العاطفة نحو المرأة التي تتخذ على ألسنتهم هالة قدسية تلمح إلى مكانتها من نفوسهم ، ولم تكن أوصافهم المادية مما يشين المرأة  أو يخدش حياءها .
افتن حميد كذلك بالأسلوب القصصي وهو يرسم صورة المرأة ، وقد مال الأسلوب القصصي إلى التوظيف الرمزي ـ كما ظهر من قصة العجوز ـ أو التوظيف الحقيقي الذي اهتم فيه بسرد قصة واقعية لامرأة بخيلة ، ويبدو البخل صفة محورية للصفات التي اتخذ منها تكأة لهجاء المرأة سواء أكانت زوجته ، أم غيرها ، ولذا كثرت النماذج السلبية للمرأة ، في حين كان النموذج الإيجابي هو المعادل الموضوعي لعلاقته بمحبوبته ـ جمل ـ التي ورد ذكرها غير مرة في شعره  وليست تعني النماذج المعروضة أن ليس غيرها ؛ فقد كانت هناك نماذج أخرى للمرأة وردت في سياقات جزئية ، وقد تم التعرض لها في مبحث الصورة الجزئية .
لم يهتم حميد كثيرًا بالحوار الخارجي الذي بدا في صورة باهتة ؛ للاعتماد على دلالة السياق القصصي ، مع الإعلاء من شأن الحوار الداخلي ـ المونولوج ـ الذي يكشف خبايا نفسية المرأة ، خاصة تلك المرأة البخيلة ، بينما اهتم بعنصري الزمان والمكان اهتمامًا واضحًا ففي قصيدة جُمل ، أو المرأة الشمطاء بدا الزمن واضحًا في سطوته على المرأة ـ الكبَر والضعف والفقر والعوز إلى حليل تأنس إليه ، هذا بالنسبة للشخصية المحورية ، أما زمن القص ، فبرغم طوله المترتب على طول الحدث المسرود ، فقد نجح الشاعر في اختصاره ببعض الوسائل الفنية كالحذف والوصول إلى الخلاصة ، وقد أديا إلى تسريع السرد ، ثم يجعل من الزمن موطن قلق ، وألم وخوف ، وذلك عندما جعل الزمن في قصيدة المرأة والذئب الليل الطويل عليها برغم القصر الطبيعي لزمن الليل .
وأما المكان ، فقد ارتكز على أمرين : أولهما : الصحراء الواسعة التي كانت مسرحًا للحرب عند المرأة الشمطاء ، ومرآة تكشفت على صفحتها الطبيعة الذاتية لبعض الحيوانات ، إذا ما وضعت في موقف اختيار بين النفس والولد ، وثانيهما : البيت الذي بدا عند المرأة المأزومة ، وكأنه قيد جديد أضيف إلى ما علق بها من قيود : الأهل والأصهار والزوج ، وقد ترك كل من المكان والزمان أثرهما على الشخصيات التي أدار الشاعر حولها أحداث قصائده .

1ـ سي دي لويس : الصورة الشعرية – ترجمة د/ أحمد الجنابي ورفيقيه ص 21- دار الرشيد – بغداد 1982م .

 2ـ د/ صلاح عبد الحافظ : الصنعة الفنية في شعر المتنبي ص  174 /دار المعارف/ ط1/1987 م  ، وحول مفهوم الصورة الكلية ومجازيتها : كتاب بنية القصيدة الجاهلية ـ د/ ريتا عوض : الصورة الشعرية لدى امرئ القيس  ص40 ـ ط1 دار الآداب بيروت 1992م  .

 3ـ د/ محمد غنيمي هلال : النقد الأدبي الحديث ص249 ، دار نهضة مصر ، ب.ت

 4ـ د/ شكري فيصل : تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام ص 250- ط7/ 1986م – دار العلم للملايين .

 5ـ الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس ص23- ط1/ 1982م – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر

 6ـ حول تقديس الجاهليين للمرأة يمكن مراجعة : التفسير الأسطوري للشعر القديم د/ أحمد كمال زكي ، والتفسير الأسطوري للشعر الجاهلي د/إبراهيم عبد الرحمن : مجلة فصول مج1/ ع3 أبريل 1981م ، وكتاب الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث د/ نصرت عبد الرحمن ص 115،106 - مكتبة الأقصى – عَمّان 1976م  0 وكتاب الصورة الفنية في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري د/علي البطل – ص 49 وما بعدها - ط2/ 1981م – دار حراء للنشر والتوزيع .

 7ـ ديوان حميد بن ثور الهلالي : جمع وتحقيق د/ محمد شفيق البيطار ص 187 ،188- ط1/ 2003م - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – السلسلة التراثية رقم 23 – الكويت  .

 8ـ لسان العرب لابن منظور 9/54 مادة حلف  .

 9ـ انظر دلالات مادة جمل في لسان العرب 11/123  .

 10ـ الديوان ص 188 .

 11ـ الديوان ص 188 .

 12ـ د/ أحمد إسماعيل النعيمي : الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام ص308 – ط1/ 1995م- سينا للدراسات والنشر والتوزيع – القاهرة . 

 13ـ الديوان ص 189  .

 14ـ الديوان ص 189 .

 15ـ الديوان ص 190  .

 16ـ د/ ميَ يوسف خليف : العناصر القصصية في الشعر الجاهلي ص 40 ـ دار الثقافة ـ 1988م ـ القاهرة .

 17ـ الديوان ص 191 .

 18ـ حول طقوس الحزن على الميت عند العرب انظر : الصورة الفنية د/ علي البطل ـ سابق ـ ص 179،176 

 19ـ الديوان ص 191  .

 20ـ الديوان ص 191 .

 21ـ الصورة الفنية في الشعر العربي د/ علي البطل ـ سابق ـ ص 178  .

 22ـ حول مفهوم المعادل الموضوعي انظر :  م . ل . روزنتال : شعراء المدرسة الحديثة - ترجمة جميل الحسني ص 123 – 124 – المكتبة الأهلية بيروت 1963م .

 23ـ د/ صلاح رزق : معلقة امرئ القيس وقصائد أخرى : التشكيل الفني وملامح الرؤية ص7 مكتبة الآداب 1997م  

 24ـ د/ جلال الخياط : الأصول الدرامية للشعر العربي ص 57 – دار الرشيد – العراق 1985م  .

 25ـ د/ نصرت عبد الرحمن :  الصورة الفنية في الشعر الجاهلي – سابق - ص84 .

 26ـ الديوان ص 145 .

 27ـ الديوان ص 148،147  .

 28ـ وردت كلمة الفرار بكسر الفاء ، إشارة إلى معنى الهرب ، وهي أكثر دقة لدلالتها على المعنى من نفس الكلمة بضم الفاء .

 29ـ الديوان ص 149  .

 30ـ الديوان ص 149 – 152  .

 31ـ د/ شكري عياد : مدخل إلى علم الأسلوب ص 46 ـ ط4/1985م ـ جماعة أصدقاء الكتاب  .

 32ـ الصورة الفنية في الشعر العربي د/ علي البطل ـ سابق ـ ص 68   .

 33ـ الديوان ص 71  .

 34ـ وردت كلمة مرآة في نسخة الأستاذ الميمني مرفوعة ص 79 ، ورفعها على الفاعلية مجسد لنبرة السخر المسيطرة على الأبيات ،  في حين أن الرواية هنا بفتحها على المفعولية ، وهو ما يعني انتصار الشاعر للمرآة عندما أوقع عليها الظلم  - ديوانه وفيه بائية أبي دؤاد – تحقيق عبد العزيز الميمني – الدار القومية للطباعة والنشر 1965م – القاهرة  .

 35ـ انظر الأبيات الأربعة في هجاء زوجته ص 74،73 من الديوان .

 36ـ انظر القصيدة رقم 16 من الديوان ص 55ـ 64 .

 37ـ الديوان ص 123 – 124   .

 38ـ لسان العرب 13/509،508 مادة شوه  .

 39ـ الديوان ص 125،124 .