يوم العطلة

قصة بقلم / أميمة عز الدين
( مجلة الرافد )

للتو قفز قلبى من صدرى وسكن بقلب الشجرة التى زرعها أبى منذ عشرين خريفا
.

و كنت أنا ذلك ( الفواعلى ) الذى يعمل بالفاعل من الصبح الى المغرب و أحيانا الى منتصف الليل

، أشتهى لقيمات مغموسة بالثريد و بالليل أبحث عن ضفة امرأة تؤينى ..كنت أنا ذلك الفواعلى الذى يحمل الطوب والحصى والرمل وقدميه حافيتين و ملابسه مرتقة بعرق العمل و ندى الصباح .
حينما كان يزرع ابى شجرة ويرويها بالماء يقف على ناصيتها يقول :
نحن الخطاؤن نتتبع اثر الماء لنغسل قلوبنا ونعمر بيوتنا الباردة بخشب الحنين .
ثم لا يلبث أن يربت على جذع الشجرة الصغيرة وكأنه ( يطّيب خاطرها )

وكنت أسمع أمى تقول فى وحدتها بالليل بعد موت أبى ( الفواعلى القديم )
ذات موت ، سأكون محبوسة بصورة يعلوها شريط أسود
يقف أحدهم أمام الصورة ، يهندم ربطة عنقه و يشهق من الحر الشديد
ويتلمظ ببضع كلمات للذكرى
ذات موت لن ألوح لأحد ولن يبتسم لى أحد
فقط يلملون بعضى كى يفسحوا مكانا لأخرى بعيدا عن

( عين الرجال ) .
زوجتى لا تحب وجودى بالبيت ، وتمتعض كثيرا فى يوم اجازتى الأسبوعية رغم قضائى معظمه نائما بالسرير ، تشكو من صوت شخيرى الذى يأتيها حتى فى المطبخ ، ولما ضحكت ساخرا : كلامك هذا سأعتبره مثل رسالة ملك الهكسوس بشمال مصر الى ( سقنن رع ) يخبره بانزعاجه من أصوات فرس النهر التى بجنوب البلاد .
ابتسمت زوجتى وبانت أسنانها الصفراء قائلة : فيلسوف عظيم أنت !
ولما نهضت من سريرى واقتربت منها قائلا ( و أنا ألملم ثيابى على جسدى النحيل ) : اذن اعتبرها اشارة للهجوم على بجحافلك من صغارنا !
تنهدت فى عصبية قائلة : الرحمة !
ثم تركتنى وأنا أتخيلها وهى تنقض وتهجم بسكاكين المطبخ و الأوانى فى حركة مباغتة قد أدفع حياتى ثمنا لها مثل أخى فى الغدر ( سقنن رع ) والذى قتله ملك الهكسوس لعلمه بتنظيمه كتائب سرية لمقاتلته وكان فرس النهر مجرد ( سين ) حتى لا يأخذ احتياطاته فى الدفاع عن ملكه المسلوب .
جلست أتصفح الجريدة على الأريكة أنتظر قهوتى التى وعدتنى بها منذ ساعة و أكثر ، حتى شعرت بالخمول والكسل يسرى بكل مفاصلى ، بالفعل كنت مثل الفواعلى الذى عمل طيلة الأسبوع لكنه لا يعثر أبدا على ضفة امرأة تؤيه .
فجأة وجدتها تقف أمامى وبيدها ( المنفضة الضخمة ) تلوح بها حتى أرحل من الغرفة ليتسنى لها الاستفراد ( بالسجادة العجمى العتيقة التى ورثتها عن أمى الله يرحمها )
نظرت للسجادة فى اشفاق قائلا : سأرسلها للتنظيف بالبخار غدا ، لأنها لن تتحمل ضربات المنفضة القوية الشرسة .
كان الجو غائما ، يكتسى بالصفرة الباهتة و أنا ألملم قطع السجادة أسفل الشرفة ، غير بعيد يقف جمع من الرجال بملابسهم المنزلية مثلى يبحثون عن مكان مثالى لقضاء يوم العطلة .