شجرة الأمنيات

ستستهلكون أوقاتكم في رأب الصدوع و لا تمدون أيديكم إلى منشئها، و هذا غاية الفهم السقيم. لعلكم تتساءلون الآن ما الذي يجمجم به هذا الغطريف الثعل؟
أمسكوا عني و اعذروا غُمرا أراد الحياة لكم، فبحياتكم يحيا و بالهلاك المستحق لجنسه يهلك.
هذه الشجرة، نفضت أوراقها فانتشرت و توزعت و على إثره حملتها الرياح إلى مثاويكم و مثاوي أهليكم و خلانكم، فكان في كل مثوى منها ورقة مكتوب عليها باليراع الذي لا يدرك بالحواس إجابة الدعوة و تحقيق الأمنية المربوطة في غصن من أغصان الشجرة.
الاستجابة يا أحبابي مشروطة بشروط تكادون جميعا تخفقون في تحقيقها على بساطتها المتناهية، و هي تنسجم مع ما تدعو إليه كل ديانات الأرض و السماء. و لنٌعرض عن ذكر هذه الشروط الآن و لنقف عند قصة الورقة اليتيمة التي تبقت في فننها دون أن تنفصل عنه، ففي ذكر هذه القصة عبرة و عظة لأولي الحجى.
هذه الورقة، كانت أكبر من غيرها لأنها نيطت بأمنية كبيرة، لو تحققت لنال المجتمع منها الخير العميم. تدلت إلى أسفل لثقل هذا المناط و لم تستطع بعدها الاعتدال. و لو اعتدلت لكانت أقرب إلى الطيران و الانفصال عن الشجرة، و متى انفصلت كان ذلك تحقيقا للأمنية المنوطة بها.
لماذا إذن لم تنفصل؟
إن الانفصال مرده إلى تحقق الشروط التي ذكرناها آنفا، و لو كانت الأمانة أخف ما تكون على الورقة، لما كان بإمكانها أن تنفصل على اعتدالها الكامل و انبساطها و تعرضها للريح.
إن الاستجابة إلى الانتفاض لا يكون من كل الأوراق، بل يكون فقط من الأوراق التي نيطت بأمانات و تحققت الشروط في النائط. على هذا فالشجرة تتلبس بالنائط و تسري في أعماقه لتستجلي نياته. فإن كانت خالصة من القذى و الأذى و كانت كالمرآة الصقيلة، تحقق الشرط الأول. و على مبلغ المرآة من الصقل تكون الاستجابة. و لقد ذكرنا النيات بالجمع، لأنها تتعلق بأطراف ثلاثة: بمعبود النائط، و بنفسه و بالأغيار.
أحيانا يتحد الطرفان الأولان، فإن تفانت النفس في المعبود فذلك غاية المأمول، حينها يستجاب الدعاء و تتحقق الأمنية دون النظر إلى الطرف الثالث. لأن فناء النفس في المعبود يوحي بالتوجه له دون غيره، و يبقى الأغيار حينئذ مجرد أشكال باهتة خلقوا لأداء وظيفة غفل الأكثرون منهم عنها. أما اقل الأقل فهم على شاكلة النائط لا يعيرونه التفاتا  و هو بالمثل منحن في تجلي معبوده لا يهمه إلا النظر إليه. و هذا النمط من الناس نادر جدا، و إن وجد فأندر أن يعلق قلبه بشيء غير معبوده و إن كان الشجرة المقدسة.
و في أغلب الأحيان، يتحد الطرفان الأولان، لكن المعبود يفنى في النفس و يصير كالهباء داخلها. حينئذ يصير صاحب هذه النفس عابدا  و مؤثرا لها. بذلك يتضح قول من قال : من لم يعبد ربه عبد نفسه. و هذه الشاكلة من البشر هم الأكثرون، يسعون في تدليل الأنفس و القيام على رغائبها دون التفكر في الغب الذي لن يكون محمودا، و لو تفكروا لسعوا في تذليلها و القيام على تزكيتها و الحؤول دون ما تشتهيه. لذلك كان أكثر النائطين بشجرة الأمنيات من هذا الصنف، فاستشعرت هذا الخواء الجاثم على أنفسهم فتمعر لحاؤها، و بقيت أكثر الأوراق رغم انفصالها عن الشجرة دون استجابة و لا تحقيق.

و استشعار حب الخير للأغيار، من الأشرار أو الأخيار، هو الشرط الثالث. منى تحقق فقد أصبح النائط جديرا بأن يجاب. و هذه الشروط كما ترون يفضي بعضها إلى بعض، و يحصل الأول بتحصيل الآخرين أو العكس.
و لقد طالما نفضت الشجرة الأوراق دون خريف، و بقيت عارية إلا من الورقة الخضراء اليتيمة التي لم تنفصل عن فننها، لعلة عدم تحقق أحد الشروط.
الآن تعرفنا على شجرة الأمنيات التي تقدسها الشعوب و تخصص لها خادما أو سادنا، يقوم على خدمتها و سقيها دون مسها أو تشذيبها، لأن الجسد منها مقدس. و هي بكل الأحوال لا تحتاج لهذا السادن و لا إلى سقيه لها. بل هو المحتاج إليها بمشاركته في نوع من القدرة ليبقى في الخدمة. هذه القدرة تمثلت في تجدد الشباب لديه بعد أن يتجعد إهابه و يثقل سمعه و يخف إبصاره.  
و لقد أخذت الشجرة بما أوتيت من قدرة معجزة تحدث السادن حديثا لا يتبين هو مصدره، بل هو حديث نازل من أعلى لأسفل، يجده في نفسه، و كأن نفسه هي من تحدثه. حدثته عن المستقبل و المآل المخزي لبني جلدته، و أرته نواعير المقت و الغضب و ما تؤدي إليه من حرب و خراب و فتنة لا تنقضي إلا لتبدأ من جديد.
حدثته عن القوة و مصدرها و عن النور و منبثقه و أصرت على تفهمه لمواضيع لم يستطع عقله أن يبلغها.
سأل في براءة ممسكا برأسه، و كأن دماغه في مرجل يغلي:

  • لماذا تكلفينني ما لا أطيق؟ ما فائدة كل هذا البغام داخل رأسي.

حينذاك أدركت ضعفه، ووسعت بقدرتها المعجزة مداركه، ليغتني عقله بما تريد.
فانفتحت له الآفاق فرأى أشكالا من العسف و الظلم و الحيف يأتيها بنو الإنسان ضد بعضهم البعض. و الأدهى أن من يأتيها يتشكل لديه اليقين بأن ما يقوم به هو الصواب و أنه على الحق الذي لا يعلى عليه. فاستبان حقيقة قد خفيت عليه، و هي جواب سؤاله: ما فائدة كل هذا الحديث؟؟
إنها اصطفته من بين البشر ليكون الداعي إلى التوادّ و نبذ التباغض و إعمار خواء النفوس بالمحبة و الدعوة إلى الإخلاص مع المعبود و مع النفس و مع الغير.
و بعد التلذذ بالاحتواء و الاجتواء . و بعد التخلية و التحلية، انطلق المجتبى في مهمته يساوق الزمن لهداية البشر و الرجوع بهم إلى الجادة، حيث هم صنف واحد و جنس واحد، لو نطقت الأرض لسمتهم أولادها، فهم إخوة منبعهم من تراب و ملجأهم إليه.
و بدأ بشعبه يحث على المحبة و إلى قتل البغض و يدعو إلى إخلاص النفس دون شوب، و ترقى وئيدا في دعوته إلى أن شرع في الحض على تفاني القلوب في التوجه إلى النور الأعظم حيث السعادة الكاملة.
لكن أتباعه قلوا بعد الكثرة، و فتروا بعد الفورة، فالتصق بالأرض يطلب المدد، فعلم أنه وحيد و أن مذهبه سائر إلى البلى، و البلاء أنه لم يشف القلوب و لم يقدر على إصلاح شعبه فكيف بالعالمين دونه.
فنضى لبسة المجتبى و عاد خائرا يجر أذيال الخيبة. لم يستطع أن يميل القلوب إلى مذهبه، و لم يقدر أن يبين لهم معنى كونهم سائرين في الظلام، و هو الذي نيطت به أمانة إرشادهم إلى النور، ففيل مراده و خاب مسعاه و اندحرت همته.    
و لما رجع لم يجد للشجرة أثرا، و إنما وجد في المكان الذي كانت تحتله تلك الورقة التي لم تنفصل حينذاك، قد وقعت الآن واصفرت و تعلقت بها أرضة تقضمها. أسرع يستنقذها قبل أن تأتي عليها  فوجد المكتوب فيها كلمات:
" أتمنى أن ينصلح الوطن"

 

          إبراهيم البوزنداكي