وساطة الترجمة الأدبية في حوار الثقافات 
(التجربة الشعرية الرّومنطيقيّة مثالاً)
د/ أنور محمود زناتي
جامعة عين شمس

 

كانت الترجمة دائما جسراً للتواصل بين الثقافات المتعددة والمتنوعة على مر التاريخ وتعزز التلاقي والتلاقح وترعى التقارب الثقافي بين الشعوب وتدحض الصدام وتدعم الحوار والتبادل الثقافي بين أمم الأرض وتفتح النوافد على الثقافات الأخرى للشعوب الأخرى ما دامت معرفة الآخر تقود تدريجيا إلى معرفة الذات عن طريق "المقارنة" و"التواصل"، كما كانت تغني اللغات وتجعلها "حية" على الدوام، وتوفر الأرضية للبحث والإبداع .
والترجمة تعد أرقى هذه الطرق إذ من خلال ترجمة ثقافة الآخر تنساب أفكاره ومعتقداته وتجاربه بسهولة ويسر. والترجمة تنهض بأبجديات التواصل الثقافي الكوني، بل إن الترجمة  تشكل  "حافزا للإبداع الحضاري "( )  فمن المؤكد أن للترجمة دور فعال في حوار الثقافات وتلاقح الأفكار، وفي التعرف على و ثقافات و تجارب متنوعة و جديدة  ، وهي مقوم رئيس في مد جسور التواصل بين الشعوب والمساعدة على إزالة أسباب الصراع بين الثقافات، فبالترجمة تتواصل الثقافات "وهذا الدور لم ينقطع على مر الزمن.
وفي التجربة الشعرية الرومنطيقية كان حوار الثقافات  أوضح مثالاً باعتبارها مذهبا أدبياً قائما بذاته، انتشر في أوروبا في القرن التاسع عشر، ورفع راياتها في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا، وغيرها من بلدان العالم، وامتدت إلى العالم العربي، وتهتم الرومنطيقية بالنفس الإنسانية وما تزخر به من عواطف ومشاعر وأخيلة أياً كانت طبيعة صاحبها من الشرق أم من الغرب ، مؤمناً أو ملحداً، مع فصل الأدب عن الأخلاق. وتتخذ موقفاً معيّناً من الحياة والواقع، قائم على ضرورة وجود انسجام كونيّ ومن هنا كانت الترجمة خير مثال للتعبير عنها .
والترجمة بصفة عامة تلعب دوراً مهماُ في الحوار الثقافي وفي نقل الحضارة والثقافة والفكر وهي في جوهرها عملية‌ مقاربة‌ ومقابلة‌ بين‌ طرائق‌ وأساليب‌ لغوية‌ مختلفة‌  قد تتشابة‌ حيناً وتختلف‌ أحياناً أخرى. وهي وسيلة انتقال المعلومة من مكان الي آخر، أيا كانت أداة هذا النقل‏.‏  ومن‌ هنا فان‌ أنماط‌ الترجمة ‌وأنواعها تختلف‌ باختلاف‌ الغاية‌ من‌ الترجمة‌، وتتراوح‌ من‌ التركيز علي‌ فحوي ‌ ومضمون‌ النص‌ النواحي‌الجمالية‌ والفنية‌ فيه‌. ولكن‌ الغاية‌ الاساسية‌ من‌ الترجمة‌ بلا شك‌ هي‌ ايجاد مقابل‌ دلالي‌ طبيعي‌ في‌ اللغة ‌المترجم‌ اليها. وهذا ما  يميز الترجمة‌ عن‌ سواها من‌ النشاطات‌ اللغوية‌ الاخرى كالاقتباس‌.
الترجمة وسيلة تواصل بين الشعوب من خلال المساهمة في ترويج الفكر الإنساني عبر نقله إلى لغات غير لغته. كما انها عامل إنقاذ للثقافة من الغرق والحرق والإتلاف والضياع والتهميش والإقصاء من خلال إيداعها بنوك المعرفة الإنسانية والتاريخ الثقافي. فلولا الترجمة، لضاعت أعمالاً رفيعة المستوى إلى الأبد .
وترى المترجمة والأديبة الهندية مريم كريم-أهلوت Mariam Karim-Ahlawat   أن الترجمة والعمل بين اللغات يقومان بإنجاز الوظيفة السفارية  ambassadorial المتمثلة في خلق الاعتناق والفهم بين الثقافات، لكن فقط حين نكون مستعدين لإقرار وتقييم الاختلافات، ( الآخرية Otherness) ) من أجل تقبلها حسبما هي عليه، و لرؤية كيف أن هذه الاختلافات ذاتها تُغني و تقوّي المجتمعات .
وهو ما ذهب إليه المستعرب والمترجم الإنجليزي روبن أوستل( ) الذي يرى ثمة روحا خاصة للثقافة تتضافر فيها كل العناصر مما دفعه إلى العمل المستمر في الترجمة . ويرى "فرانتشيسكو ليجيو"،الترجمة شكلاُ من أشكال اقتسام الثروة المعرفية وشكلا من أشكال ممارسة الحق في المعرفة والعلم والفكر والمعلومة ؛ أما  فردينادند دو سوسير Ferdinand de Saussure  في كتابه "محاضرات في اللسانيات العامة " ( )، يؤكد على قيمة الترجمة وتنوع اللغات وتعدد التنوع الجغرافي، وتعايش اللغات، وتخطي اللهجات للحدود الطبيعية، وانتشار الموجات اللغوية( ) .
ووساطة الترجمة الأدبية في حوار الثقافات  (التجربة الشعرية الرّومنطيقيّة مثالاً )  تعمل على تأكيد قيمة ودور وتأثير الترجمة الأدبية في حوار الثقافات  وإسهامها في إيجاد تواصل وتماذج بين الثقافات وهذا التواصل سيؤدي إلى بناء علاقات وتفاعلات فكرية وأدبية تقرّب بين الأطراف المختلفة . وتتضمن إشارات ودلالات تبرز ترابط الشعوب وثقافتها، فتكون بمثابة جامعاً تواصلياً يؤلف بين البشر، ويهبهم شعورا بالانتماء إلى الإنسانية العالمية. والعمل على توكيد التفاهم المرجو بين الشعوبّ لتكون بارقة أمل لمستقبل آمن، لا تُنتهك فيه كرامة الإنسان، ولا تهدر حقوقه، ولا يطغى فيه القويّ على الضعيف .
أما التجربة الرّومنطيقيّة فيمكن اعتبارها ظاهرة حضاريّة واسعة انتشرت تدريجيّا منذ نهاية القرن الثّامن عشر انطلاقا من بريطانيا العظمى وألمانيا في أوروبّا كلّها وتكاد تكون إرهاصاً لعولمتنا الرّاهنة . خاصة وأنها تنطوي على أبعاداً إجتماعية وفكرية وفلسفية واسعة ومن سماتها أنها متعدّدة الأشكال وتطال جميع وجوه الحياة. وفي الشعر أكدت الحركة الرومنطيقية على التعبير الإبداعي للفرد والحاجة إلى العثور على أشكال جديدة للتعبير وصياغتها .
وسوف نأخذ على سبيل المثال الشاعر الانجليزي وليم وردثورث William Wordsworth  (1770 - 1850) وجون كيتس John Keats   ( 1759 - 1821م) من الغرب، وأبي قاسم الشابي (1909-1934 م) وجبران خليل جبران (1883-1931م) من الشرق.  وبينهم جميعاً قواسم مشتركة منها: التعبير في العديد من أعمالهم الشعرية وقصائدهم عن فكرة الإنسانية العالمية والتأمل في الكون والتعمق في أسرار الوجود . والاتجاه نحو الذات ودراسة عميقة للنفس البشرية بأمزجتها وطاقاتها الفكرية. وأثاروا في دواوينهم الشعرية، جملة من القضايا الوجودية، التي تهمّ الكائن البشري، لكونها على صلة وثيقة، بالطبيعة البشرية ذاتها.
فالشابي وجبران من رواد مدرسة أبوللو والديوان وهي حركة تجديدية في الشعر العربي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين . ، وأقرب ما يميز فكرهم أنه مذهب إنساني يدعو إلى التأمل في الكون والتعمق في أسرار الوجود. وكان من أبرز اتجاهاتها الجمع بين الثقافة العربية والإنجليزية .
أما وليم وردثورث فكان الشخصية المركزية في ثورة الشعر الرومانسي الإنكليزي( ). وأوجد بأسلوبه ونظرياته الشعرية مدرسةً جديدة في الشعر العالمي . وأغلب قصائده يتخللها إحساس بوشيجة إنسانية عميقة مع الطبيعة الخارجية تصل أحيانا الى درجة التعبد حيث يتحد الجميع : الخالق والإنسان والطبيعة في إيقاع منسجم متناغم. وكان يشعر بصلة رحم لا انفكاك لها بين الطبيعة والروح البشرية .
أما جون كيتس الشاعر الغنائي الإنكليزي فيعد النموذج الأمثل للكاتب الرومانسي وفي أعماله نجد أعمق معاني الحياة متجسدة في إدراك الجمال المادي، وفي أعماله استخدم الشاعر مصطلح القدرة السلبية لوصف إنفتاح الفنان على العالم وعجائبه الطبيعية، وكذلك لنبذ أولئك الذين حاولوا صياغة النظريات أو المعرفة المطلقة. وفي إطار هذا المفهوم، افترض كيتس أن العالم والبشر يتميزان بعمق لا نهائي. إن مثل هذا الموقف قد وضع كيتس في طليعة الحركة الرومانسية( ).
ويعتقد كيتس أن الحزن يجعل الشخص أكثر إنسانية وشفافية وأكثر إحساسا بإيقاعات الحياة المختلفة من فرح وترح ورجاء ويأس وحياة وموت . وتحدث كيتس كثيرا عن فائدة الألم. قال ذات مرّة: الحزن لا يمكن تجنّبه، وهو ليس ضعف إرادة ولا مرضا نفسيا بحاجة إلى علاج". كيتس اكتشف أيضا أن الحزن يلهم الأفكار العظيمة. "ما يجعلنا نحزن هو معرفتنا بأن كلّ شيء مصيره إلى زوال. لكن عندما نحسّ بدنوّ الموت فإننا ندرك كم هو جميل هذا العالم ".
أما فلسفة الجمال عن كيتس تتبلور في أن "الجمال هو الحقيقة،  والحقيقة هي الجمال". هذا كل ما تحتاج إلى معرفته على الأرض . فالحب استمرارية ونقاء، والكراهية موت وشقاء . والألحان المسموعة عذبة، لكن الأعذب هي تلك غير المسموعة . والمناظر الطبيعية جيدة، لكن الطبيعة الإنسانية أفضل .
أما أبو القاسم الشابي  فيمكن أن نطلق عليه شاعر الإنسانية وهو أحد أهم رواد الشعر في العصر الحديث ، كما يعتبر أجمل تعبير عن أعظم شخصيات في تونس والمغرب العربي ، لن يقل في الأهمية عن ابن خلدون أو الحصري أو القيرواني أو ابن رشيق ، ويعتبر أيضا الجسر بين الغرب والشرق. وفي الوقت نفسه، هو شاعر الحبّ المصفّى، والعشق المعنّى، والعاطفة الدفّاقة الملتهبة الحميمة.. شاعر الخيال المجنّح الطليق، والوجدان المرهف.. والأحاسيس والمشاعر التي تفيض سمواً وروحية ورومانتيكية.. والشابي كمعظم الرومانسيين، يعانق معاني الأشياء بالحلم والرؤيا، ينفعل ويتولى خياله إظهار انفعالاته، موحداً بين الشيء وما يماثله، ناسباً ما لأحدهما إلى الآخر، وكما يقول الكاتب إيليا حاوي، فإن «خيال الشابي هو خيال مبدع، مصوّر، يحتضن الانفعال، يتغذى منه ويغذيه ويتقوى أحدهما بالآخر، ليطلّا على تخوم الحلم الشعري الكبير الذي تشف به طينة الأشياء والعالم، وتطالعنا فيما وراء كثافتها أطياف روحية لطيفة حية.
ومن مظاهر التجديد أيضا عند أبي القاسم الشابي، أنه انطلق من قضية وطنه الصغير، ومن موقف ذاتي، يمس شعوره الشخصي، إلى مجال أوسع وأرحب من ذلك، فقد تجاوزه ووصل بقضيته الوطنية إلى قضية إنسانية، لا تخصه لوحده ولشعبه فقط، فقد أضفى عليها صبغة إنسانية عالمية. وصاغها في أفكار تتجاوب معها كل الضمائر الحيّة في العالم، ويتردد صداها عند جميع الشعوب المغلوبة على أمرها، التي تشعر في كل زمان ومكان بمرارة الظلم والحيف والاستبداد، وأشعاره لها صبغة إنسانية عالمية .
أما جبران خليل جبران فهو عبقرية أصيلة، استطاع إعادة إنتاج الأفكار الكونية وطرحها في أشعاره، وأضاف إلى الموروث، الذي اطلع عليه، إضافات نابعة من الموروث الثقافي العالمي( ).    وفي كتاب جبران "النبي" على سبيل المثال يعبر عن آرائه في الحياة عن طريق معالجته للعلاقات الإنسانية التي تربط الإنسان بالإنسان( ) . ولدى جبران شيوع النزعة الإنسانية و في بعض المرات نجد النزعة القومية - استعمال الرمز في الشعر. - الإغراق في العاطفة( ).


( ) العيسوي ، بشير : الترجمة إلى العربية قضايا وآراء - دار الفكر العربي ، القاهرة ،1996م، ص 72.

( )في حوار نشرته جريدة الشرق الأوسط (المنتدى الثقافي) في عددها (10494) بتاريخ الأربعاء 22/8/2007م. أجرته معه الزميلة صابرين شمردل.. تضمن الحوار على حد تعبير المستعرب الإنجليزي روبن أوستل الذي يزعم.

( )Lecture notes from Saussure's Lectures on General Linguistics ، Source ،             Saussure's Third Course of Lectures on General Linghuistics (1910-1911) publ. Pergamon Press ، 1993.                  

( ) نقلاً عن ماريو باي : أسس علم اللغة، ترجمة وتعليق أحمد مختار عمر ، عالم الكتب 1983م ، ص 183.

( )ومساهمته في تلك الثورة ذات أبعادٍ ثلاث؛ فلقد بلور في شعره ومقالاته موقفاً جديداً إزاء الطبيعة لم يقتصر على إدخال صور شعرية مستوحاة من الطبيعة، بل سما نحو نظرةٍ جديدةٍ للعلاقة العضوية بين الإنسان وعالمه. وهو، من ناحية ثانية، سعى الى الغوص عميقاً في عالم أحاسيسه وتجاربه الذاتية في قصائد تواكب التطور الروحي والعقلي للشاعر في خطوةٍ مبكرة نحو الفهم السايكولوجي الحديث لطبيعة الشعر والإبداع بل وطبيعة الإنسان نفسه. وهو، من ناحية ثالثة، قد وضع الشعر في مركز التجربة الإنسانية مؤكداً ، بحسب كلماته، على أن الشعر ليس إلا "البداية والنهاية لكل معرفة- إنه خالدٌ خلودَ قلب الإنسان ". .

( )Li Ou, Keats and Negative Capability. Continuum International Publishing Groupm2009. p. ch. 4.

( )الحاوي(إيليا):  في النقد والأدب، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1979، ج4، ص222.

( ) النبي، تحقيق وترجمة: نازك سابا يارد، مؤسسة بحسون للترجمة والنشر، 1992م، ص 18.

( )جرداق (جورج) : الإمام علي صوت العدالة الإنسانية  ، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2005م، ص 73.