فضاء الشعرية الإفتراضية في "غازات مضحكة"

 

 

شريف الشافعي شاعر مصري ، يحمل الكثير من القلق الفني ، والتجريبي داخل نصوصه الشعرية ،التي تحتفي بقصيدة النثر العربية ، فعندما صدرت أولى أعماله الشعرية (بينهما يصدأ الوقت ) في منتصف التسعينيات (1994) من القرن الفائت ، وهو يحلم  بكسر نمطية العالم داخل قصيدة النثر العربية ، فجاءت دواوينه الشعرية مرتكزة على جوانب فنية غير مسبوقة في عالم قصيدة النثر المصرية، من خلال استطاق الإنساني الآلي نفسه الذي يخترع الحياة التي يعيش بداخلها ،وقد لاحظتُ ذلك في دواوينه الأخرى التي جاءت بعد ديوانه الأول ، مثل (وحده يستمع لكنشرتو الكيمياء ( 1996 )، الألوان ترتعد بشراهة( 1999)  الأعمال الكاملة لإنسان آلي 1 ــ" البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" ( 2008 ) ثم أخيرا ديوانه (غازات ضاحكة "الأعمال الكاملة لإنسان آلي ــــ  2" )  .
فقد طرح الشافعي في جل هذه الأعمال الشعرية مجموعة من المشاهد الشعرية العنكبوتية / الدرامية ، التي تجعل من الإنسان الآلي رمزا للعالم الذي لم يأتِ بعد ،بل تتمسح الذات بعالم شعري أكثر انفتاحا على الآخر الفاعل بشكل كبير في حياتنا ، وأكثر تخيلاً مما تعيشه وتلمسه الذات بجوانحها ؛لأنها تحاول الاقتراب من عوالم الآخرين المحرمة أيضا ، وقد أصبح ذلك جليا في ديوانه الأخير غازات ضاحكة  " الأعمال الكاملة لإنسان آلي ، الجزء الثاني  الذي صدر عن  دار الغاوون للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى  ــ لبنان ــ 2012  ، وكان قد سبقه الجزء الأول قبل أربع سنوات . وفي هذا العالم المتشابك يبدو الشافعي مسيطرا على عالمه الإلكتروني / الفضائي الذي يمنحه الكثير من العلاقات النصية المتداخلة / المتشعبة ، فيما بينها ، حيث إنه ينطلق من العالم الأرضي البسيط بكائناته الحية إلى عالم أكثر تعقيدا ، وانغماسا في كينونة الذات الأحادية التي تغني لنفسها على طول الخط ،ومن ثم فهو يصدر ديوانه  بمقوله وضعها بين قوسين ،جاء فيها : ( دُوِّنتْ هذه التجارب في غرفة مجهَّزة بالقرية الكونية ، في الفترة من مطلع الألفية الثالثة إلى نهاية عصر الورق )  تبدو هذه العبارة السابقة مفتاحا  مهما للدخول إلى شعرية الديوان غازات ضاحكة ، لأنها تنطلق من الماضي المجهول  الذي جاء في صيغة الفعل المجهول (دُوِّنتْ ) مصوبة أشعتها النصية إلى المستقبل الذي لم يأتِ بعد ، فهي شعرية تنتمي إلى الزمن الافتراضي  الذي لايخضع لاعتبارات أو معايير محكمة  ،ومن ثم فإن النص يلتحم بنهايات الأشياء التي تبدو في الوقت نفسه بدايات لبزوغ عوالم جديدة ، أعني نهاية عصر الورق ،سيتبعها بداية الفضاء الإلكتروني الذي لايكترث كثيرا بصخب الأوراق . صحيح  أن الشافعي اتكأ على فضاء الشعرية الافتراضية ، فإنه لم يتخلَّ عن موقفه إزاء العوالم الذاتية المتنوعة ، فعلى سبيل المثال يقول الشاعر:
"إلى أنا ، حينما أنظر إلى المرآة ،
بعيون زجاجية  ، فلا أرى أحدا ".
يبدو المقطع الشعري والدرامي القصير ــ في الوقت نفسه ــ  مضيئا ، من حيث انفتاح الذات الشاعرة على حقيقتها ، واعترافها بأن العالم الأرضي لايشعر بها ، ومن ثم فهي تغني لنفسها كي تستمر الحياة بلا مشكلات نفسية أو تطمينات كهنوتية مجانية ،لا تصل إلى نتيجة تكاد تقترب من الحقيقة المتوهمة، ومن ثمَّ فيقول الشافعي بصورة عكسية  على لسان المرآة ، وكأنَّ المرآة هي التي تخاطب الذات ، وليست الذات هي التي تخاطب المرآة :
"إلى أنا  ،
حينما تنظر إليَّ المرآة
المتهشمة ،
بعيون بشرية ،
فترى كل شيء ،
 ويعود العالم ."
يتشابك المقطع الأول مع المقطع الثاني في معركة شعرية ، وهي معركة الحضور الحي داخل العالم الذي لايشعر بالذات رغم اتساع حضورها ، وكأنَّ العالم هو الميت الذي لايشعر بالذات التي تحاول الاقتراب منه ، وكأنها أنثى آلية تقدم مسوغاتها الشعرية من أجل العودة إلى رحم الحياة مرة أخرى ، ونلاحظ في مقطع آخر بروز اللعب الآلي والدلالي المتشعب داخل العالم الشعري نفسه في قوله :
"المرأة الشجرة ،
التي اشتهيت هزها ، وتسلقها ،
 تمكنتُ أخيرا من اصطيادها ،
بالشبكة العنكبوتية "
يبدو اللعب الشعري واضحا في نص الشافعي من خلال إعمال مناطق التخييل المغموسة بأصابع الحاسوب ،بل أصبحت الذات تمتلك القدرة على اصطياد فريستها / الآخر من خلال الشبكة العنكبوتية (الإنترنت ) بكل بساطة ،وليس الأمر بسيطا كما يزعم النص الشعري لدى الشافعي  ، لكن هذا الأمر الأكثر تعقيدا في نظرنا ، لأنه يخترع العالم بواسطة العالم الوهمي الذي نعيش داخله دون أن نضجر أو نشعر بالملل . ويقول أيضا :
" المرأة الشجرة 
مغروسة  الآن في ذاكرتي  الصلبة ،
محفورة كالوشم ،
على سطح أسطوانة مدمجة ،
 بحجم قبضتي  الحجرية المتشققة ،
المرأة الشجرة ،
طوع يميني  ،
 أستدعيها  وقتما أشاء ،
أهدهد الفأرة ، فأدغدغها في الحال ،
أداعب لوحة المفاتيح الحساسة ،
فتنتفض نقاطها الأنثوية الحسَّاسة ."
        يضيء النص بنفسه من خلال ذاكرة صلبة تحتفظ بجل الرسوم التي تشبه الإنسان الطبيعي ، لأن الإنسان الآلي يحاول أن يتصدر الحدث الشعري في كل قطعة شعرية داخل الديوان ، وكأن العالم الآن أصبح ملكا للآلات الفنية فقط التي تمدنا بقوتها التخيلية كي نقتحم المستقبل البعيد الذي ممكن أن تسهم الذات في نسجه ، فهي التي نتحرك من خلالها .  يبدو ديوان غازات ضاحكة " الأعمال الكاملة لإنسان آلي 2 "، من الكتابات الشعرية الطويلة جدا فقد جاء في خمسمائة واثنتين وثلاثين قصيدة ،اعتمدت القصائد أيضا على شعرية المفارقة الدرامية التي تتجلى من خلال الصراع النفسي للذات فيقول : " صرْتِ شجرتي ،
فقيلَ لي: لاتقرب هذه الشجرة ،
صرتِ ثمرتي ،
فقيل لي: لا تذق هذه الثمرة ،
 صرتِ أنا ،
ماذا سأفعل حين يُقال لي : (لاتكن أنتَ ؟) ."

        تطلُ المفارقة الدرامية برأسها في نهاية النص ، مجسدة الصراع المأساوي بين الأنا والأنا من ناحية والأنا والآخر من ناحية أخرى ،  متناصا مع القرآن الكريم في قصة خروج آدم وحواء من الجنة بسبب الشجرة التي أكل منها آدم . وكأن الشاعر يسألُ الوجود ، ماذنب آدم ؟ وآدم هنا تعني الإنسان المعاصر / أبناء آدم ، ويقول أيضا في مقطع آخر :" في الحفل التنكري ، أردتُ ألا يعرفني أحدٌ ، فذهبتُ عاريا تماما" تبدوالصورة المفارقة جلية من خلال السخرية ،من الواقع المزيف الذي يختفي فيه الناس وراء ملابسهم ،وعندما تلقي الذات بهذه الأقنعة ،تتجرد من الزيف ،لنصبح غريبة طريدة في هذا العالم ، لأنها ذات مثالية تعرَّتْ / تخلصت ْمن التناقض الفج الذي يعيشه ذلك الآخر ، سعيدا بنفسه ، وساخرا من العالم ، وفي الوقت نفسه لايعلم أن العالم كله يُخْرج له لسانه .