رسالة الغفران ورسالة الزوابع والتوابع
ابن شهيد وابي العلاء : من تأثر بمن ؟
ظفر الادب العربى بعدة رسائل اخلدها " رسالة الغفران "   التى تعتبر من مفاخر الأدب العربي , وتنفرد  بمكانة خاصة نقلتها من ميدان الأدب العربي الى النطاق العالمي . وهى فى الاصل جواب المعري ردا على رسالة وردت اليه  من على بن منصور الحلبي الملقب بدوخلة و والمعروف بابن الفارح , خلاصتها أنه  يحييه , ويعتذر له عن ضياع  رسالة كان يحملها اليه , ويعتذر له أيضا  عن هجائه لأحد أصدقائه بعد موته ( وهو ابو القاسم المغربي ) ثم يثير عدة موضوعات  أدبية وعقائدية.  ولم يكن بين الاثنين سابق تعارف او لقاء , فأحب ابن الفارح أن يقدم نفسه الى أبي العلاء , في رسالة اخوانية مطولة  , يبدو فيها الحرص على الاعلان عن بضاعته من اللغة والأخبار , ومحفوظه من الأشعار , والتحدث عمن لقى من اعلام العصر وشيوخ العربية .وذلك يفسر لنا حرص ابى العلاء, على التفنن في اماليه اللغوية والأدبية , جريا على عادة ادباء عصره في رسائلهم الاخوانية التى تجري مجرى الكتب المصنفة , وردا على ابن الفارح بما يبهره ويرده الى شيء من التواضع (على حد تعبير الدكتورة بنت الشاطئ) . ورآها فرصة سانحة ان يكتب آراءه الصريحة فى البعث و النشور ، فى الشك و اليقين , فى اخلاق الناس و طباع البشر ، و فى الكثير من نوازع نفسه التى انطلقت ترسم فى هذه الرسالة الخاصة رحلته الفريدة الى الجنة و الى الجحيم يلقى فى جنباتهما المؤمنون و الجاحدون ، من فازوا بالمغفرة ومن حرموها بالدار الاخرة . ورسالة الغفران امليت في أخريات الربع الأول من القرن الخامس الهجري فهي من اثار ابي العلاء في الشطر الثاني من حياته , أملاها في صميم عزلته بمعرة النعمان و وقد بلغ الستين من عمره , ومضى على عودته من بغداد مهزوما مهيض الجناح, نحو ربع قرن من الزمان , انطوى  فيه على نفسه مهزوما, يروضها على الصبر والاحتمال , ويغريها براحة اليأس بعد أن تعب من الدنيا .
رسالة الغفران ورسالة الزوابع والتوابع
وقد أتي بعض الباحثين المحدثين وجوها من الشبه بين رسالة  التوابع والزوابع لابن شهيد وبين رسالة الغفران لابي العلاءورأي البعض ان ابا العلاء قد حاكى ابن شهيد, وقد جعل ابن شهيد وادى الجن مسرح رسالته , أما ابو العلاء فجعل مسرحها الجنة .وكلاهما قد عنى باظهار ثروته اللغوية وقدرته الانشائية .
وقد ذهب احمد ضيف في كتابه بلاغة العرب في الاندلس الى ان ابن شهيد في التوابع والزوابع كان يقلد ابا العلاء في رسالة الغفران وكانت حجته في ذلك ان شهرة ابي العلاء كانت زائعة في المشرق والمغرب و وان اهل الاندلس كانوا يقلدون المشرق في كل شيءورجح زكى مبارك  ان ابا العلاء هو الذي حاكى ابن شهيد في رسالته , وحجته ان رسالة ابن الشهيد كتبت قبل الغفران بنحو عشرين سنة وفق راي بروكلمان.
وفي رسالة التوابع والزوابع اشارة الى انه كتب هذه الرسالة حينما ودع نضارة الشباب وهي سؤال الاوزة له , ما ابقت الايام منك ,ولكن بها نص اخر حمل بعض الباحثين على الاعتقاد بانه كتبها وهو شاب فقد حدثنا ان الجن قالوا له قد بلغنا انك لا تجارى في ابناء جنسك , ولا يمل من الطعن عليك ,والاعتراض لك¸فمن اشدهم عليك ؟ اجاب جاران ..الخ.واستنتج مبارك من النص انه كتب الزوابع قبل الغفران بعشرين عاما
وقالت بنت الشاطئ في كتابها عن الغفران: " ونحن في الواقع لا ننكر ان في الرسالة ما يدل على انه كتبها في شبابه ولكن هذا لا يبيح لنا بحال ان نرجع بهذا الشباب الى  بعيد العشرين  لان في الرسالة نفسها ما يدل على انه كتبها  بعد ان قطع شوطا غير قليل  في نضاله الادبي والمادي في الحياة , ثم يبقى بعد ذلك ان ابن شهيد مات وعمره اربعة والربعون عاما فحسب , أي قبل أن تدركه الشيخوخة الواهنة , فحديثه عن الشباب يمكن ان يمتد الى قريب من عهد الغفران .وبعد تحليل لقصيدته التى كتبها في السجن يمكن استخلاص ان رسالة التوابع والزوابع  كتبت بعد  414 هجرية ". وقد لحظ  بطرس البستاني  في دراسته القيمة التى قدم فيها لطبعته  وتحقيقه لتلك الرسالة قول ابن شهيد في مدخ صديقه ابي محمد حزم في الرسالة واطراء شافعياته  بقوله عنه :
قل من التاويل فيها مهندا
اخو شافعيات كريم العنصر
وراي " مدح ابن شهيد له بشافعياته ينبغى ان يكون  خلال تلك السنوات لان ابن حزم عدل  بعد ذلك عن المذهب الشافعي بعد شدة دفاعه عنه وتحول الى الظاهرية وواضح ان التوقيت الذي حدده المستشرق بروكلمانوان التقدير السليم ان الرسالة كتبت بعد سنة 414 ه وان ابا عامر حين كتبها كان قد جاوزالثلاثين وقد نضجت شخصيته , و اكتمل ادبه فاشبع اهل عصره سخرية وتنقصا وجعل الاوزة الحمقاء تابعة لشيخ من شيوخ النحاة وقال لبغله من اخوانك من بلغ الامارة وانتهى الى الوزارة" .
ويرى احمد هيكل  : "ان رسالة ابن شهيد سبقت رسالة ابي الغلاء بنحو تسعة اعوام , وعلى هذا يترجح تاثر ابي العلاء بابن شهيد, برغم شهرة ابي العلاء في المشرق والمغرب".
واللافت انه لم يشر الأدباء والنقاد ومؤرخو الأدب القدامى الى هذه المشابهة بين رسالة التوابع والزوابع ورسالة الغفران , والواقع أن فن كتابة الرسائل المطولة كان قد شاع في القرن الرابع الهجري, مثل رسائل ابن العميد والصاحب بن عياد وابي بكر الخوارزمي, كما ظهر اسلوب الحوار وخلق الشخصيات في مقامات بديع الزمان الهمزاني, أما إرسال الحكمة على ألسنة الحيوانات فقد قدم ابن المفقع نموذجاعنها في القرن الثاني الهجري حيث قام بترجمة كليلة ودمنة , وقد اقتصر ابن شهيد في رسالته على مناقشة مشاكل الادب والنقد وعرض أشعاره ومختارات  من رسائله ,  أما أبو العلاء فأنه عنى بذكر الزندقة والملحدين , والمتأهلين , وأخبار الشيعة والامامية والصوفية  والباطنية والهنود والفرس وقد حمل ذلك الذهبي ان يقول عن رسالة الغفران: " وقد احتوت على مزدكة واستخفاف, كما أخذ عليه ياقوت الحموي ما سماه استلذاذه رواية اشعار الزنادقة . أما رسالة التوابع والزوابع فلم تعرض بشيء للعقائد والمعتقدات , ولا يمكن البت  في أن ابو العلاء قد اطلع عليها وأفاد منها الا اذا ظهرت شواهد ووثائق أدبية تسند هذا الرأي وتؤيده .
د. عبدالعظيم محمود حنفي