إحياء ذاكرة الحرب الفيتنامية في الشعر الأميركي المعاصر

 

د.صديق محمد جوهر

لقد رفض معظم الشعراء الأمريكيين تناسي التداعيات المأساوية للحرب  الأميركية  على فيتنام (1964-1975). ومن أجل مقاومة حالة النسيان والتناسي الجماعية التي تسعى الآلة الإعلامية ، في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تدعيمها فقد أعطى الشعراء المناهضون للحرب الأولوية في قصائدهم إلى مواد وعناصر وأفكار من شأنها إثارة وتأجيج أوار الذكريات المريرة للحرب الفيتنامية من قبيل الفظائع التي وقعت والعنف الذي مارسه الجيش الأمريكي والشعور بالذنب والإحساس بالصدمة والألم لدى الذين اكتووا بنار الحرب وذاقوا مرارتها . ويعتقد هؤلاء الشعراء أن تعافي الولايات المتحدة الأمريكية أمة وأفرادًا من جراح الحرب الفيتنامية لا يتأتى بانخراطها في المزيد من الحروب كما يؤمن الساسة الأمريكيون، وإنما بمواجهة نتائج وحقائق الحرب ووضع كافة القيم والأساطير الأمريكية الموروثة على محك المراجعة والنقد.
ولقد مكن هذا التركيز على تلك  العناصر والأفكار هؤلاء الشعراء من عرض الآثار الكارثية والمَرَضية لتلك الحرب الضروس على الوجدان الأمريكي القومي. وعلاوة على ذلك، وردًا على أشعار الشعراء الذين ظاهروا الحكومة الأمريكية والذين شاركوا بصورة غير مباشرة وبغير عمد في حملة التعتيم على حقائق الحرب عن طريق تمثل تجربة الحرب في فيتنام على أنها تجربة رعوية تفيض جمالاً وبراءة وشاعرية، فإن الشعراء المناهضين للحرب – مثل الشاعرتين  دينيز ليـﭬرتوﭪ و كاي بويل وغيرهما   – لم يجدوا مناصًا  إلا بإبداع قصائد تعد بمثابة شهادة دامغة وناطقة بكل الفظائع التي أوقعتها آلة الحرب الأمريكية بأمة صغيرة مسالمة جراء إستراتيجية سياسية أنانية واستعمارية.
و في الفصل المعنون بـ"الشعر، النبوءة، البقاء" من كتاب دينيز ليـﭬرتوﭪ (مقالات جديدة مختارة)، ترى الشاعرة ليـﭬرتوﭪ أن هذا اللون من الشعر المناهض للحرب يمنح الناس القدرة – ضمن اعتبارات أخرى – على المشاركة في صنع التاريخ. تقول ليـﭬرتوﭪ: إن شعرًا ناطقًا بكل مخاوف وأهوال عصرنا لَهُوَ ضرورةٌ ثقافيةٌ تتيح للقراء أن يلموا بما يجري حولهم وأن يفهموه حق الفهم، لا أن يعرفوه مجرد معرفةِ تحصيلِ حاصلٍ، بل أن يتغلغل في وجدانهم فيما يتعين أن يُلازم هذا الشعور الواعي القوي إرادةٌ لا تلين في اتخاذ ما يجب اتخاذه من إجراءات وفعاليات لوضع حدٍّ للمآسي والنوائب التي يوثقها هذا الشعر (ليـﭬرتوﭪ 1982: ص147)  (1).
وسعيًا منهم لإبراز دروس الحرب الفيتنامية وعِبَرِها وهي الحرب التي جهل الأمريكيون حقيقتها، وأنكروا فظائعها، وتأسفوا لما جرى فيها، و أدركوا أنهم تورطوا فيها إلى النخاع، وأخيرًا، حاولوا جهدهم نسيانها بأسرع ما يكون، كما كان شأن الأمريكيين تجاه كافة الحروب في الماضي، فقد عمد الكُتاب  المناوئون  للحرب إلى اعتماد إستراتيجيات روائية ودرامية وشعرية تتوخى دحض وزعزعة أساطير الحرب المعهودة التي طالما اتخذها الأمريكيون ذريعة لتبرير استخدام العنف تجاه الأمم والأقوام المختلفة بما فيها، وعلى رأسهم الهنود الحمر والزنوج الأفارقة. وفي سعيهم  لتحدي تلك الأساطير، فإن الشعراء  المناهضين  للحرب قد أبدعوا فضاءً اجتماعيًّا تسبح فيه بكل حرية ذكرياتُ الحرب ومشاعر الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير؛ لأن هؤلاء الشعراء لا يعتبرون الحرب الأمريكية في فيتنام فشلاً  تكتيكيًّا مرده إلى الصدفة وإلى القرارات السياسية الخاطئة، كما يزعم السياسيون الأمريكيون، بل ينظرون إليها باعتبارها  عملاً  غير أخلاقي من أعمال الوحشية والهمجية.
في كتابه (الحرب الموصومة)، يناقش الناقد لويد،  ب. لويس الفظائع التي اقترفها الجنود الأمريكيون ضد الشعب الفيتنامي، فيقرر ما يلي:  لم يكن ثمة أي مبرر أو مغزى إستراتيجي لشن تلك الحرب، ما جعل حسم المعركة على أرض ميادين القتال أمرًا متعذرًا. وقد فرضت هذه الحرب على الجنود الأمريكيين أن يواجهوا الموت والتشوه والإذلال يوميًّـا على يد عدوٍّ مراوغٍ لم يكن ثمة سبيلٌ للنيلِ منه. ولم يجد غضب الجنود أمامه سوى متنفسٍ وحيدٍ متاحٍ: هو أولئك الفيتناميين الذين بسببهم يتجرع الجنود الأمريكيون كل ألوان الهوان والعذاب (لويس 1985: ص104)(2). وعلى ذات الشاكلة، يشدد الروائي تيم أوبرايان على الطبيعة العشوائية الغاشمة للحرب الأمريكية في فيتنام. ويرى أوبرايان في روايته التاريخية (السعي في أثر كاشياتو) أن الجنود الأمريكيين قد افتقروا معنويًّـا إلى أدنى ما يمكن أن توفره تجربة الحرب، فليس ثمة إحساسٌ بالنصر ولا شعورٌ بالرضا ولا موجبَ لأي تضحية.فهم لم يجربوا الإحساس بالاستيلاء على موقع والاحتفاظ به طويلاً ، ولم يعرفوا طعمَ تأمين إحدى القرى ورفعَ العلم الأمريكي فوق ساريةٍ بها واعتبار ذلك نصرًا عسكريًّـا. لم يكن ثمة شعور بالضبط والربط ولا بأي قوةٍ دافعةٍ حافزة. فلا جبهةَ قتالٍ محددةٍ تتولاها أمامياتُ الجيش ولا مؤخرةٌ للقوات تحمي ظهورها ولا خنادق تنتشر متوازية وفقًا  للأصول العسكرية. لم يكن لديهم أهداف معادية ينطلقون لتدميرها شأن كل حرب. ولم يأتوا من أجل غاية سامية أو قضية عادلة. فلم يكونوا يعرفون ما إن كانت تلك حربًا عقائديةً مذهبية سياسية أم أنها حربٌ ذات أهدافٍ اقتصادية أم أنها حربُ سيطرةٍ وهيمنةٍ أم، في الأخير، أنها حربٌ تغذيها الضغينة وتدفعها الكراهية (أوبرايان 1983: ص272) (3).

. وقد شارك بعض الشعراء  المجندين في المعارك  ، كما سافر آخرون  إلى فيتنام للزيارة والتفقد وتسجيل وتوثيق الآثار المدمرة  للحرب على البشر والأرض والطبيعة. وكانت الشاعرة  دينيز ليـﭬرتوﭪ تراقب الموقف عن كثب وقد عارضت الحرب الفيتنامية، ومثلها في ذلك مثل شعراء أميركيين آخرين؛ فقد تنقلت عبر أرجاء فيتنام، وشاهدت عن قرب الخراب والدمار اللذين حلا بهذا البلد الزراعي الفقير جراء العدوان الأمريكي المُسلح عليه. وبالرغم من انتقاد بعض النقاد لها مثل: ساندرا غيلبرت، وكاري نيلسون وغيرهما بدعوى فشلها "في فهم حقيقة الحرب الفيتنامية  (نيلسون 1981: ص89) "(4)، فإن شعر ليـﭬرتوﭪ هو شهادة ناصعة ودامغة ومهمة على مدى فظاعة تلك الحرب. أما نيلسون فتدعي  "أن أشعار الحرب عند ليـﭬرتوﭪ هي محاولة للجهر بآلام الفيتناميين، مدفوعة في ذلك بهمٍّ خاص وشخصي ما جعل  هذه المحاولة - ويا للمفارقة–  تبدو كأنها  نوع من الاستعمار الشعري (نيلسون 1981: ص18) (5).

في قصيدتها "استراق السمع من فوق سماء جنوب شرقي آسيا"، تجسد ليـﭬرتوﭪ أهوال القصف بقنابل النابالم الحارقة عبر محادثة تخيلية تقصي فيها الرعب جانبًا، وتستخدم خلالها أسلوب الإزاحة والإحلال بغية عرض الطبيعة المشئومة للتورط الأمريكي في الحرب:
أيها الفوسفور الأبيض
أيها الفوسفور الأبيض اللعين،
أيها الثلج الآلي
أين تتساقط ؟
إنني أساقط دونما تمييز
فوق الطرقات والأسطح
على أجمات الخيزران،
وعلى رؤوس الناس
اسمي يثير في الأذهان صورة البحار الزاخرة
في الليالي المطيرة
كل قطرة مني تضرب صفحة البحر تستثير
ردَّ فعلٍ وهَّاجٍ من ملايين الطحالب والأُشنات
اسمي هو همس النثار الوامض، واعجباه !
وكل نثرةٍ  وامضةٍ منها
هي قُرصٌ من النار الحارقة.
أنا الثلج الآلي الحارق
أسقط حيثما وجهني البشر للسقوط
لكنني أُفَضِّل اللحم الحي،
البالغ النعومة، الشديد الكثافة
وأظل أُفحِّمه وأفحمه حتى أبلغ العظام
(ليـﭬرتوﭪ 1972: ص8 ) (6).
في هذه السطور - من القصيدة الآتية من ديوان (آثار أقدام) - تعرض الشاعرة للقارئ صورة مرعبة للأثر المدمر الذي تحدثه قنابل النابالم الحارقة – السلاح الرئيسي للقوات الجوية الأمريكية آنذاك- على الطبيعة والبشر في فيتنام. وتستعين الشاعرة في تصويرها ذاك بصور من الطبيعة مثل صورة "البحار الزاخرة في الليالي المطيرة"، وصورة مثل: "رد الفعل الوهاج من ملايين الطحالب والأُشنات" ، وهي بذلك تضع حدًّا  فاصلاً بين ما تثيره في الخيال صور الجمال والتوالد الطبيعي في وحدتها الأصلية الطبيعية، وبين تحطم هذه الوحدة الأصلية الطبيعية على يد قوى الموت والإبادة الوحشية.
إن تفشي صورة قنابل النابالم الحارقة في شعر الحرب الفيتنامية على ذلك النحو المخيف  ليس مرده فقط سعي الشاعرة  إلى هتك ستر أسطورة الحرب الأمريكية وفضح فظائع الحرب وأهوالها، ولكنه يرجع أيضًا إلى تأثير قنابل النابالم المروع حين استعملها الطيارون الأمريكيون في إبادة الشعب الفيتنامي وحرق المزارع والغابات وتدمير الطبيعة. يستشهد المفكر نعوم تشومسكي في كتابه (على طريق إصلاح الدولة)  باعتراف لأحد الجنود الأمريكيين يميط اللثام عن السياسة غير الأخلاقية التي حبذت استخدام قنابل النابالم الحارقة ضد البشر فيقول: "لم يكن منتج النابالم الأصلي حارقًا بالمعني الأتم للكلمة – ولو أن هؤلاء الفيتناميين النحاف القذرين أسرعوا بإزالته لأزالوه؛ لذا بدأ جنودنا بإضافة مادة البوليستيرين – التي لا يمكن محوها أو إزالتها. لكن أولئك الفيتناميين النحاف القذرين كانوا يقفزون في مياه الأنهار فيبطلون مفعول الاحتراق؛ لهذا لجأ جنودنا إلي إضافة الفوسفور الأبيض ماركة ويللي بيتر حتى يزيدوا من قوة اللهيب والحرق (تشومسكي 1970: ص4) (7).
ومن ناحية أخرى  فإن "الاستعارات التي تصف خصائص النابالم"  في قصيدة ليـﭬرتوﭪ ، طبقًا لرأي  سوبارنو تشاترجي  تسلط الضوء بقوة على ذلك التمايز والانفصال الكائن في الأجندة الأمريكية تجاه فيتنام: على صعيد مجازي، يأتي النابالم من ناحية أولى "كعنصر محايد "يعكس التزام الولايات المتحدة الأمريكية غير المنحاز بتشجيع وتنمية الديمقراطية في آسيا، وهو من ناحية أخرى، يمثل القوى غير السوية ذات الخيالات المريضة (داخل الإدارة الأمريكية) التي تتقاذفها الأهواء  بما يعكس التناقضات الكامنة في التزام أمريكا بالديمقراطية الحقيقية (تشاترجي 1997: 146) (8).
وحتى يبرر العسكريون الأمريكيون استخدام قنابل النابالم الحارقة، فقد عمدوا إلى تصوير العدو الفيتنامي في هيئة غير إنسانية؛ فالفيتناميون ليسوا غير "أقوام قذرين هزيلي الأجسام" يتوجب إبادتهم بقنابل النابالم الحارقة. وخلال الحرب، عمد الساسة الأمريكيون عبر آلتهم الإعلامية القديرة إلى ابتداع صورةٍ شيطانيةٍ مجردة من الإنسانيةٍ للفيتناميين بحيث لا يراهم الرأي العام إلا في صورة الشيوعيين الأشرار الذين لا يزيد الواحد منهم عن أن يكون شيطانًا فاحم اللون، أو "أقوامًا قذرين قبيحي الهيئة"، أو نوعًا بشريًّـا منحطًا طبقًا للمعايير الأمريكية. وكان سفك الدماء  يشار إليه إعلاميًّا  ضمن منظومة معايير تكتيكية وعبر لغة مموهة كاذبة تلافيًا لجعل الجنود الأمريكيين يشعرون بوخز الضمير وتلاشيًا لأي ريبةٍ أو شكٍ في طبيعة ما يقومون به من أعمال عسكرية.
وقد راحت الآلة الإعلامية الأمريكية الجبارة تصور القرى والمراكز الآهلة بالمدنيين التي تم قصفها وتدميرها على أنها "مناطق هادئة لا تبادل لإطلاق النيران فيها"، أما المذابح فهي مجرد عمليات "بحث وتدمير". أما وسائل "التهدئة" المتبعة إزاء مقاومة قوات الـﭬيت كونغ الفيتنامية الشيوعية المناهضة للوجود الأمريكي في فيتنام، فكانت تعني "إبادة الجنود الفيتناميين بقنابل النابالم الحارقة". أما مصطلح "إعادة توزيع" السكان المدنيين الفيتناميين، فكان يعني "إخلاءَ قرى بأكملها من سكانها" وصنعَ أزمةِ لاجئين مشردين خانقة. أما "القتل الصريح"، فكان يشار إليه ،في اللغة العسكرية الكودية المستخدمة على جبهات القتال، على نحو مُمَوَّهٍ مثل: "الضغط على الزناد"، أو "تفادي شخص ما"، أو "تأديب الأولاد الأشقياء"، أو "تقييد حركة الخنزير البري"، أو "إعطاب شخص ما"، وأخيرًا وليس آخرًا ،" تدويخ شخص ما بِذَرِّ الرماد في عينيه".
وحتى الفظائع الجنسية وعمليات الاغتصاب وانتهاك الأعراض التي اقترفها الجنود الأمريكيون بحق النساء والفتيات الفيتناميات، وهي فظائع تتصف بالوضاعة والخسة، فقد  كان يشار إليها في لغة مهذبة مصطنعة بمفردات مثل: "الوثوب على"، أو "الاندساس في"، أو "الولوج داخل"، أو "التعميد". لقد أقرت المؤسسة العسكرية الأمريكية هذه اللغة الكودية  المموهة المشتقة من معجم الألفاظ المنحطة واللغة القذرة الخاصة والرطانات البذيئة التي أبدعتها الخدمة العسكرية في فيتنام؛ لكي يألف الجنود العنف ولا يأنفون منه، وحتى يأخذ الانحراف والشذوذ هيئة طبيعية تتطلبها ظروف الحرب.
إن هذا الاستخدام المنحرف للغة الذي كان همه الرئيس مساواة الفيتناميين الأعداء بالبهائم والحيوانات إنما كان يهدف إلى تهيئة الأجواء لوقوع الجنود الأمريكيين في براثن النزوع إلى العنف خلال الحرب حيث يصير ما لا يقبله العقل أو يتصوره عاديًّا مألوفًا وجذابًا. وهكذا، فإن الربط بين العدو الفيتنامي وبين الحيوانات صار مجازًا شائعًا في شعر الحرب الفيتنامية لتبيان مدى وحشية الحرب ومدى الشعور بكراهية الحرب ومعاداتها.  وفي خضم  الحرب الفيتنامية تُناجي الشاعرة كاي بويل  في قصيدتها "كلاب بنوم بنه الضالة"(9) مجموعة من الكلاب الشاردة المصابة بالحروق من جراء القصف بالنابالم و المواد الكيماوية التي كانت الطائرات المقاتلة  تُسقطُها فوق المزارع و الحقول من أجل تدميرها وتجويع الشعب الفيتنامي الفقير ، لقد رصدت الشاعرة معاناة الكلاب الضائعة في شوارع تلك المدينة الآسيوية؛ لتحمل القارئ على الإحساس بالمعاناة التي يكابدها كل  ضحايا الحرب من الآسيويين الفيتناميين والحيوان والنبات. تلك الحرب التي تسببت فيها حواجز ثقافية وتباعد المسافات وتراكم الصمت بما يتخطى كل حدود "قدرة العقل على الفهم والاستيعاب". وتصل الشاعرة في مناجاتها تلك إلى ذروة الإحباط الدرامي جراء الطبيعة المحجوبة للحرب وهي تحث الكلاب على "أن تطلق الصرخات كما يطلق الناس صرخات الاستغاثة / لتعبر حدود فيتنام الشائكة / فيتنام المهيضة الجناح /  القوية الإرادة  القادرة على  الانطلاق / ليستصرخوا العالم وهم تحت قبة سماء تتلألأ  بذات النجوم المتوهجة" (بويل 1991: ص118)(10).
و مما لاشك فيه ، فإن الشعر المناهض للحرب  الفيتنامية يمثل تحديًّا  للمؤسسة العسكرية الأمريكية والمؤسسات السياسية في الولايات المتحدة وكذا لإعلام الدولة الأمريكية الذي دأب على تبرير تلك الحرب وتجميل وجهها القبيح بتحويلها إلي مادة إعلامية وأخبار تساق إلى الرأي العام بلغة ممنهجة، منتقاة وملطفة قدر الإمكان، أو باللغة التي أسماها توماس ميرتون "نتف النفايات اللغوية" (ميرتون 1969: ص99 (11) في دراسته  "الحرب وأزمة اللغة". فحديث تلك الوسائل الإعلامية عن "النابالم" كسلاح "لتهدئة" الشعب الفيتنامي، والإشارة إلى مواضع القتل الجماعي باعتبارها "مناطق آمنة هادئة" هو جزء لا يتجزأ من الاستعمال المشين للغة مموهة غايتها الأساسية هي حجب فظائع الحرب وتجميل وجه العنف القبيح. ولقد امتد نطاق هذه الإستراتيجية اللغوية إلى خطب كبار المسئولين السياسيين الأمريكيين وصناع القرار السياسي الأمريكي مثل: روبرت ماكنمارا (وزير الدفاع الأمريكي آنذاك) الذي اعترف بأن الحرب كانت تقديرًا خاطئًا، لكنها لم تكن عملاً  شريرًا أو غير أخلاقي، بل إن بعض مستشاري الرئيس الأمريكي، ممن عارضوا الحرب الفيتنامية مثل: جورج بول، نبعت معارضتهم لها من كونها حربًا خاسرة لن تربحها الولايات المتحدة الأمريكية بحال.
ولا أحد فيما نظن – عدا المفكر اليهودي نعوم تشومسكي على الأرجح – تساءل عن مدى أحقية الولايات المتحدة الأمريكية في غزو فيتنام وعما إن كان من الممكن تبرير وتسويغ هدم وتخريب فيتنام عسكريًّا ومدنيًّـا بصورة لا تبقي ولا تذر،  وهو نفس الموقف المعادي للإدارة الأمريكية الذي اتخذه تشومسكي إبان حرب احتلال العراق عام 2003. ومن المثير للأسى، أن هذه السياسة الإعلامية قد تواصَل الأخذ بها كنموذج إعلامي يحتذى ويعتد به خلال سنوات الحرب الفيتنامية إلى الحد الذي أصبحت فيه الهوة واسعةً بين واقع الحرب وبين التقارير الإعلامية واللغة المستخدمة في وصف الواقع العسكري في فيتنام حتى بلغت تلك الهوة مداها بأن أصبحت تلك التقارير بلغتها تلك ممجوجة من كل ذي عقل سليم؛ لافتقادها أدنى شروط الاتساق والتماسك المنطقيين ولابتذالها وتفاهتها.
وبالرغم من ذلك، فقد نهض الشعراء الأمريكيون المناوئون للحرب - المجندون منهم وغير المجندين  في الجيش الأمريكي – بإخلاصٍ وتجردٍ مصممينَ على إماطة اللثام عن الحقائق الوحشية لتلك الحرب الضروس، وتنبيه الضمير الجمعي الأمريكي إلى ما تمثله تلك الحرب من ذكريات مريرة مؤلمة مخزية، وذلك لمواجهة  "لغة النفايات" أو " القاذورات اللغوية"  وفق تعبير توماس ميرتون، علاوة على اللغة الكودية  المموهة المخادعة التي درج الساسة الأمريكيون والقادة العسكريون على استخدامها، وتعضدهم في ذلك آلة إعلام الدولة الأمريكية التي دأبت على تصوير حرب فيتنام كأنها حملةٌ صليبية أميركية في سبيل تحرير فيتنام و نشر ألوية الديمقراطية ورفع راياتها في بلاد سعت إمبراطورية الشر السوفيتية- وفق التصورات الأميركية – إلى نشر عقيدتها الشيوعية في ربوعها.

المراجع

  1. ليـﭬرتوف، دينيز. مقالات جديدة مختارة. نيويورك. نيو دايركشنز للنشر. 1982. ص147.
  2. لويس، لويد، ب. الحرب الموصومة: الثقافة والهوية في روايات الحرب الفيتنامية. ويست بورت. كونيكتيكت غرين وود، 1985. ص104.
  3. أوبرايان، تيم. السعي في أثر كاسياتو. نيويورك: دِلْ، 1983. ص272.
  4. نيلسون، كاري. آخر شعرائنا الأوائل : الرؤيا والتاريخ في الشعر الأمريكي المعاصر. إيربانا، إيلينوي: دار نشر جامعة إيلينوي 1981. ص89.
  5. نيلسون، كاري. آخر شعرائنا الأوائل. ص18.
  6. ليـﭬرتوف، دينيز. آثار أقدام. نيويورك: دار دايركشنز للنشر، 1972. ص8.
  7. تشومسكي، نعوم. على طريق إصلاح الدولة. نيويورك، بانثيون بوكس، 1970. ص4.
  8. تشاترجي، سوبارنو. "شعر فيتنام". المجلة الأيرلندية للدراسات الأمريكية 6 (1997) : 139 – 179. ص146.
  9. بنوم بنه هي عاصمة فيتنام الموحدة الآن وكانت إبان الحرب عاصمة فيتنام الشمالية المعادية لأمريكا والتي كانت تتلقى الدعم من الصين والإتحاد السوفيتي السابق بينما كانت سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية التي كانت الولايات المتحدة تساندها إبان الحرب.
  10. بويل، كاي. مجموعة قصائد كاي بويل. بورت تاونسند، دبليو أيه: كوبر كانيون 1991. ص118.
  11. ميرتون، توماس. "الحرب وأزمة اللغة". في نقد الحرب. تحرير: روبرت جنزبيرج . شيكاغو: هنري ريجنري كومباني، 1969. ص99.