معانقة النص وجدلية التأويل

 

 

إنَّ عملية القراءة عملية تفاعل تواصلية بين القارئ والنص, فالقارئ خلال هذا التفاعل يساهم بمجموعة من العمليات الذهنية والنص يقدم مجموعة من العلامات تمثل أدلة وإشارات ومفاتيح تمكن القارئ من فهم النص وتأويله. تمثل عملية الوصول إلى المعنى الجلي والواضح للنص الصيغة الأولية والأساسية خلال عملية القراءة والفهم,
فالحديث عن القراءة والتأويل في النقد الأدبي الحديث يستلزم الوقوف عند تيارات ومدارس نقدية متنوعة وتأثيرات منهجية مختلفة، وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أثر الشكلانية الروسية وخاصة ما يتعلق بعنصر الإدراك والأداة ومفهوم التغريب ثم مفهوم التطور(1)، الأدبي وكذلك الإشارة إلى مساهمة رومان إنكاردن وخاصة حديثه عن بنية اللاتحديد والتحقق والتجسيم، ومساهمة جورج كادامير وخاصة حديثه عن علم التأويل والمنهجية وتاريخ علم التأويل والآراء المسبقة التأويلية والتاريخ الفعلي وأفق الفهم(2).
وبناء تصورجديد لعمليتي القراءة والتأويل عند رواد نظرية التلقي يقتضي رسم تصور مغاير لمفهوم تاريخية الأدب، ورسم الحدود بين المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية، فتاريخية الأدب حسب ياوس لا تنهض على علاقة التماسك القائمة بين الظواهر الأدبية، وإنما تقوم على تمرس القراء أولا بالأعمال الأدبية، وبذلك يتحول مؤرخ الأدب نفسه إلى قارئ قبل أن يتمكن من فهم طبيعة العمل وتحديده تاريخيا، وبالتالي
وضع حكمه ضمن السلسلة التاريخية للقراء المتعاقبين، وفي هذا السياق يرى ياوس أن تاريخ الأدب عبارة عن "عملية جدلية بين الإنتاج والتلقي".(1)
إن تحديد مفهوم التأويل عند ياوس مرتبط بطريقة فهم النص الأدبي وبطريقة تحديد معناه أو معانيه المختلفة. وفي هذا السياق لم يجد ياوس بدا من العودة إلى آراء أستاذه كادامير، وخاصة حديثه عن مراحل فهم العمل الأدبي باعتباره سيرورة هيرمينوطيقية.
يرى كدامير أن فعل القراءة باعتبارها سيرورة تأويلية يرتكز على ثلاث مراحل: هي الفهم والتأويل والتطبيق. ويعني بالفهم كل الأحكام المسبقة les préjugés
التي توجد في وعي المؤول وهو بصدد مواجهة النص لمعالجته.(2) أما التأويل فيعني به(3) ذلك الوجه الجلي،أوالمحك الفعلي لأنه يطرح صلاحية تلك الأحكام مع معطيات النص أوعدم صلاحيتها.
وقد شغل موضوع التأويل في البحث عن المعنى وغموضه ومحاولة كشف ما تحت السطح . سطح النص البصري – وتبينه وفهم دلالاته التي قد تكون غائبة والتي لا تعلن عن نفسها مباشرة . فقراءة النصوص هنا قراءة دلالية في المساحات والأشكال والبنى التكوينية والتي تنتظر من القارئ أن يستوحي المعنى ويؤوله .
فالتأويل هوتوضيح مرامي العمل الفني ككل ومقاصده فهو ينطوي على شرح خصائص العمل وسماته، وعناصره وبنيته . إن الهيرمينوطيقا (Hermeneutigve)
هي نظرية التأويل وممارسته.
ولا يوجد منهج تأويلي محدد ، تؤطر مجال هذا المصطلح سوى البحث عن المعنى والحاجة إلى توضيحه وتفسيره.وتضرب جذور التأويل في التأويلات الرمزية التي خضعت لها أشعار(هومر) في القرن السادس ق.م وفي تأويلات الكتب المقدسة.(1)
والتأويل يشتغل على مختلف الأوجه المعرفية والمنهجية ( الفهم – المشاركة – الحوار) فهو يتمتع بقوة تطهيرية تجعله يحقق ويحدد المعنى في اللحظة الراهنة

 

بأساليب أكثر حيوية وتمويه الحقائق عبر تأريخه المتبعثر والمتشظي .(1)
فعملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويقوم التأويل بدورمهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان.
وبعبارة أخرى فإن "النصوص تمثل، على اختلاف أنماطها طرفا (أو قطبا) واحدا من أطراف العلاقة التي تنعقد أثناء عملية التواصل. فالذخائر (المعطيات) والاستراتيجيات تكتفي من النص برسم خطوطه العامة وإقامة هيكل قواه الكامنة. والقارئ هووحده الذي يستطيع تحقيق كوامن النص وتحيينها في وقائع، ولذلك فإن بنية النص وعملية القراءة يتكاملان في تحقيق التواصل؛ يتحقق التواصل عندما يرتبط النص بوعي القارئ"(2).
ـ في هذا الإطار ولمزيد من تعميق الإشكالية نتساءل :
ـ ما الذي يبحث عنه القارئ (المؤول)، أو ينبغي أن يبحث عنه؟
1 - هل يبحث عن معنى خفي وراء العبارة أوالصورة الأدبية، معنى أخفاه المؤلف عن طريق الإلغاز(سواء في صور النص البلاغية أو في بنيته ككل). هذا التصور يعزوه إيزرإلى القرن التاسع عشر ويربطه بمفهوم للأدب يجعله مطلقا وذا طبيعة كونية في طرح الأسئلة العميقة في الوجود الإنساني، وربما ادعى حتى الإجابة عنها، وهوما دعاه إبش "جمالية متافيزيقية" في حاشية سابقة(1).
وعلى هذا الأساس، فإن القراءة التأويلية هي التي ترفع انغلاق النص وتزيل التعليق الذي يطال إحالة النص على عالمه الخارجي . هذه الإمكانية هي التي تشكِّل الوجهة الحقيقية لفعل القراءة، لأنها هي التي تكشف عن الطبيعة الحقيقية للتعليق الذي يمسّ حركة النص في اتجاه الدلالة. وبهذا المعنى، فإن الأشياء التي يقولها النص لا تنكشف عبر قراءة وصفية لا تتجاوز حدود السطح وما هومعطى بشكل مباشر، بل عبر سبر أغوارانبنائه وأنساقه وتعالقاته، وهي قراءة مُعرِضة عن المقصود والنيات ومتجهة كما يقول ريكورنحوما يقوله النص ونحو العالم الذي يُفتح عليه، أي نحوضرب وجودي آخر غير هذه القصود وهذه النيات، أي نحوالإمكان أوالوجود الممكن .
( أن نقرأ معناه أن ننتج خطابا جديدا وأن نربطه بالنص المقروء، هذا الارتباط بين فعل القراءة وبين الخطاب المقروء يكشف ، داخل تكوين النص ذاته، قدرة أصيلة على استعادة الخطاب ذاته بشكل متجدد، هذه الاستعادة هي التي تعطيه خاصيته المفتوحة على الدوام. والتأويل هوالنتيجة المجسَّدة والاستعادة المتجددة لهذا الارتباط )(1).
إذ أن « فهم نص ما، هو أن نكون مستعدين لتركه يقول شيئا ما، لأن الوعي المشكل في التأويل يجب أن يكون مفتوحا بسهولة على تغاير النّص وتعدده ، يعني أن نضع في اعتبارنا أننا مسبوقين، بكون النّص ذاته يعرض في تغايره، ويمتلك كذلك إمكانية معارضة حقيقته العميقة »(2)، إذن فالنّص يتحول إلى “كائن يقول” وكذا يعبر عن كينونته الخاصة، وهي كينونة العالم الذي تحمله لغته، فالارتباط وثيق بين العالم واللّغة حيث لا يمكن حمل العالم إلى الفهم والتأويل إلاّ وفق مختلف الصيغ التعبيرية الصادرة عنها، فلفهم العالم يجب فهم اللّغة أولا، وإذا كانت اللّغة هي إنتاج ذاتي فإن الأمر يستدعي فهم العلاقة الممكنة بين الذّات واللّغة، وعليه فإن مقاربة العالم هي مقاربة اللّغة التي تفتحه،والاهتمام بالتأويل نابع أساسا من كونه يمثل تقاطع التمثلاّت التي يكوّنها العالم عن نفسه والتمثلاّت التي تكونها الذّات عن هذا العالم، وبالتالي فإن المحاولات التي أرست مفهوم التأويل من خلال البنى الداخلية للنص استطاعت أن تستثمر طاقات المرجعية المعرفية التي تخص كل من القارىء والمقروء، أي الطاقات التي تؤسس للفعل التحريضي للقراءة والطاقات التي تسهم في بناء الرؤية الجديدة للنص من خلال إعادة تفعيل كل المفاهيم المعرفية المختزنة في الوحدات المرجعية بطريقة حيادية تدعم النَفَس التأصيلي لتلك الوحدات وتشيد رؤية تأويلية تستحدث مفاهيم معرفية تسهم في تشكيل الهوية المعرفية للنص المنتَج.
والتأويل بهذا، المتصور، يفترض القراءة السطحية ملغاة، لأنها تخرج بالأدب إلى حيز التاريخ. ولما كان الفهم نفسه مستندا إلى لحظة التأويل، متولدا منها، فإنه بالتبعية لا يمكن أن ينبني على قراءة سطحية يعدها هو بدوره ملغاة، فالنص الأدبي لا يمكن أن يكون ذا وظيفة مرجعية، أو أن يكون محيلا على الواقع، إلا إذا تسلل فهمه عبر المظان الأدبية والجمالية الكامنة فيه(1) ، شرطها العدول من أفانين القول المألوفة.
وإذا كان التأويل عند هانس روبرت ياوس استنباطا للمعنى من خلال العلامة الأسلوبية المشحونة جماليا، فإنه يقيم رأيه هذا بمخالفة مقولة من مقولات أرسطو النقدية، قوامها أن كل قول، أيا يكن نوعه، يعد تأويلا بقطع النظر عن شحن العلامة شحنا مجازيا أو عن إبقائها في مستوى درجة التعبير الصفرية أو الحيادية فمجرد التلفظ بالعلامة عنده، تأويل. ذلك أن العلامة اللغوية تقتضي علاقة اعتباط مع الأشياء التي ترمز إليها في الواقع. ومن ثم، كانت العلامة اللغوية تحريفا للواقع وزيغا عنه، أي في نهاية الأمر، هي تأويل له، إذ تحاول أن تعطي معنى لأشياء الواقع التي تتأبى على التحديد الحقيقي بمفعول الاعتباط. فالعلامة اللغوية، أصالة، هي التي تحمل التأويل، وليس شحنها الأسلوبي هو الحامل للتأويل.(1) والتأويل: هو تحديد المعاني اللغوية في العمل الأدبي من خلال التحليل، وإعادة صياغة المفردات والتراكيب ، ومن خلال التعليق على النص، وهذا يركز على مقطوعات غامضة أو مجازية يتعذر فهمها. وهو: توضيح مرامي العمل الفني ككل، ومقاصده باستخدام وسيلة اللغة، وهو(2) يركز على شرح خصائص العمل وسماته مثل النوع الأدبي الذي ينتمي إليه وعناصره وبنيته وغرضه وتأثيراته.
غيرأن (رولان بارت) يقول بتعدّد القراءات وذلك بتوالد الكتابات لأنَّ "تعدّد الكتابات يؤسس أدباً جديداً بالقدر الذي لا يبتكر هذا الأدب لغته إلا ليكون مشروعاً، فيصبح الأدب أطوبيا اللغة"(1) كما يصبح الأدب نص وقارئ، ولكن النص وجود مبهم كحلم معلق، ولا يتحقق هذا الوجود إلا بالقارئ وهنا، تأتي أهمية القارئ، وتأتي خطورة القراءة، كفعالية أساسية لوجود أي أدب. وعليه، فالقراءة في نظر بارت "عملية تقريرمصيري بالنسبة للنصّ" (2).‏
أمَّا الباحث الألماني (إيزر) فيعدّ القراءة عملية "تدخل في ديناميكية البحث عن مدلول من أجل نصية لا يمكن أن توجد من غير البحث المستمر للقارئ أي إذابة نظرية للنص، هي نظرية القراءة".(3) وهكذا، تتحدّد عملية القراءة لدى (إيزر) كتفاعل بين النص والقارئ، وتغدو عملية الكتابة فعلاً كارتباطٍ جلدي، وكلاهما فعلان يتطلبان شخصين نشيطين بشكل مختلف هما المؤلف والقارئ.‏
فالقراءة نشاط مكثف وفعل متحرك، وتوليد يحاول معه القارئ استكشاف وسبرأغوار النص وهي تسير في اتجاهين: من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص، وبقدر ما يقدم النص للقارئ يضفي القارئ على النص أبعادا جديدة، قد لا يكون لها وجود في النص، وعندما تنتهي العملية بإحساس القارئ بالإشباع النفسي والنصي وبتلاقي وجهات النظر بين القارئ والنص، عندئذ تكون عملية القراءة قد أدت دورها لا من حيث إن النص قد استقبل، بل من حيث إنه قد أثر في القارئ وتأثر به على حد سواء(1). وهذا معناه أن بناء المعنى ناتج عن تدخل القارئ الذي هو "بنية تجريدية" موجودة في النص أصلا. لكن هذا التدخل لا يتم إلا من خلال تشغيل بعض الميكانيزمات النصية مثل "السجل" و"الاستراتيجية" و"مواقع اللاتحديد" و"بناء الإطارالمرجعي".
وعلى كل حال فالقارئ الكفء هوالوريث الشرعي للنص، والنص هو ما يتشكل في فهمه ووعيه، ومن ثم فعملية القراءة البناءة هي عملية استكشاف وتحاوروتعارف وتحريك للإنتاجية والإبداع من خلال التفاعل التوليدي بين إمكانيات النص وقدرات القارئ ومعارفه.
إن عملية القراءة تسير في اتجاهين متبادلين، من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص، فبقدرما يقدم النص للقارئ، يضفي القارئ على النص أبعاداً جديدة، قد لا يكون لها وجود في النص، وعندما تنتهي العملية بإحساس القارئ بالإشباع النفسي والنصي وبتلاقي وجهات النظر بين القارئ والنص، عندئذٍ تكون عملية القراءة قد أدت دورها"(1). أما رحلة البحث عن المعنى داخل النص، فتخضع لتجربة القارئ أيضا "إن المعنى في النص الأدبي، لا يتكون من موضوع محدد، بل هو في حد ذاته عملية مستمرة ومصاحبة لتجربة القارئ المتطورة مع النص  وبناء على هذا فإن القارئ لا يبحث عن معنى، بل عن تفسير موجه للمعنى. ولكي يصل القارئ إلى مرحلة التفسير فإنه يجري عمليتين أساسيتين: العملية الأولى هي صياغة المعنى في إطار تكوين النص، والعملية الثانية هي تحويل المعنى إلى أفكار تقبل المحاورة، كما لو كان المعنى غيرمحدود وواضح في ذاته. وبذلك نقترب من جوهر العملية الجمالية"(2). ثم تطورت النظرة أكثر فأكثرواتجهت نحو القراءة بوصفها فعلاً " تحرك سلسلة كاملة من الأنشطة تعتمد على كل من النص وعلى ممارسة بعض الملكات الإنسانية الأساسية فالنص يمثل تأثيراً محتملاً يتم التوصل إليه من خلال عملية القراءة"(3)، وهكذا، تلعب القراءة دوراً مهمًا في الحصول على المعنى بعد أن كانت بحثاً عن المعنى داخل النص. وأحيل القارئ في هذا السياق إلى دراسة وليم راي (4) التي رصدت المعنى في النظريات الأدبيّة الحديثة على اختلاف مذاهبها بعد الحرب العالمية، حيث تُبرزهذه الدراسة حقيقة مُرّة بالنسبة لأصحاب هذه النظريات، وهي أنه لا يمكن الاعتماد على المعنى الأدبي من مجرد الإشارة إلى مصطلحي البنية والحدث. وتوصل صاحب الدراسة إلى حقيقة أكثرمرارة، وهي فشل هذه المدارس المتصلة في مزج التطبيق العملي بالنظري، قد أدى إلى ظهورحركة ما بعد البنيوية في النقد الأدبي، وتطرق " راي" نفسه إلى مهاجمة تفكيكية دريدا وعدّها تطرفاً أدبياً، لأنها تسعى إلى الجمع بين تعريفي البنية والحدث لتصوغ منهما مفهوماً محيّراً، يصعب تصديقه في بعض الأحيان. ويؤكد في خاتمة دراسته أهمية الحقيقة التاريخية في الحصول على معنى بوصفها سحراً، حين يمتزج التاريخ والنظرية بالتأويل على نحوانتقائي في الدراسة الأدبيّة، ولا يهتم القارئ بالسيطرة على الحقيقة بقدر اهتمامه بطاقته في إثارة لذة الأفكار الجديدة.
يقول ميشال أوتن وهو بصدد الحديث عن سيميولوجية القراءة:« إذا كان النص لا يوجد إلا بوجود القراءة، وإذا كان التأويل يبدأ عندما يستحوذ القارئ على النص، فإنه يصبح من العسيرجدا أن نتحدث عن النص خارج القراءة التي هي من نتائجه. وأغلب الملاحظات التي سنحاول اقتراحها حول النص هي إذن ملاحظات تتحقق بفضل التأويلات »(1).
في نفس السياق، يرى إيكوأن القوانين الداخلية للنص وإن كانت تفتح إمكانية التأويل، إلا أنها لا تفتحها بصورة لا نهائية، كما أن التأويلات المقترحة ليست مفروضة من طرف القارئ، ولكنها ناتجة عن التعاون الذي يحدث بين النص والقارئ، في إطار ما يسميه إيكوبـ " التشارك النصي" (Coopération textuelle )، أي لحظة التفاعل بين النص والقارئ، وتحديدا بين النص وقارئه النموذجي: (Lecteur Modéle ) فالنص يفترض قارئه كشرط حتمي لقدرته التواصلية الملموسة، ولكن أيضا بقوته الدلالية الخاصة. وبعبارة أخرى، إنه منتج لواحد قادر على تحيينه - وحتى إذا كنا لا نأمل (أولا نريد) أن يكون هذا الواحد موجودا ماديا أو تجريبيا»(1)
يقول" ج ب سارتر" :" إن الفعل الإبداعي لحظة غير مكتملة في العمل الأدبي , لأن عملية الكتابة تفترض عملية القراءة كتلازم جدلي. و هذان الفعلان المترابطان يتطلبان فاعليْن مختلفيْن هما المؤلف والقارئ(2)
 " إن القراءة إذن عديلة الكتابة في إنتاج النص و تفعيله , وربما زادت عليها في استشفاف مراميه وتحقيق أبعاده عبرالأزمنة المتعاقبة والثقافات المتباينة لأنها تشرك معرفة القارئ بمعرفة الكاتب , وتسقط خبرات الأول على تجارب الثاني فتُحَصّل تحقيقا ديناميكيا لإنتاجية جديدة ومتجددة . وعليه فالقراءة لـيـسـت هـي مـا يجود به المكتوب فقط , وإنما هي توسعة له وانزياح عن حرفيته وملاحقة لما يندس تحت ثناياه وعبرفضاءاته .
فالقراءة، إذن، تنشيط لإنتاجية النص، وقدح لزناده الإبداعي، وتحقيق لتداو ليته من خلال انخراط القارئ في فعل القراءة، وملامسته لمستويات  النص اللغوية والأسلوبية وتجاوزاكراهاته البنائية، وفك سننه ومعرفة سياقاته.(1)
وتأسيسا على ما سبق، يظهرأن النص يحتاج كثيرا إلى مساعدة القارئ، والى تدخله النشيط حتى يتمكن من ملء فراغاته ومناطق لاتحد يده، والخروج من صمته، وتحقيق جماليته  ما دام النص آلية بطيئة (اقتصادية) تعيش على فائض قيمة المعنى الذي يدخله فيه المتلقي.(2) أكثر من ذلك، لا يكتفي النص بانتظارهذا التدخل فحسب، وإنما يعمل ،من جهته، على خلقه وإيجاده(3) يترتب عن هذا التحرك النشيط لبناء صورة محددة للقارئ، أن كتابة النص، وقراءته، وتأويله، تتم ضمن إطاراستراتيجي يتوقع فيه الكاتب قارئه، ويترقب فيه ردود أفعاله الممكنة ليستبقها ،أو يؤخرها، معتقدا أن القدرات التي تمنح كلماته معناها هي نفس القدرات التي سيلجأ إليها القارئ أثناء عمله التأويلي،(4) وهذا القارئ الذي يسعى المؤلف إلى بنائه (القارئ النموذجي) ليس ذاتا  فردية، وإنما هو إستراتيجية نصية، أي سلسلة من العمليات النصية المرتقبة التي يتعين القيام بها كي"يتم تحيين تام للمعنى الكامل للنص."
 وخلاصة القول نقول لقد أضحى التأويل هاجسا نقديا ذا نزعة عالمية سواء من حيث روافده التأملية والفلسفية ، أم من حيث اتساع وتنوع استعمالاته التي تتعدى حدود النص الأدبي إلى مجالات فكرية وجمالية مختلفة . كذلك يتميز التأويل بمسألتين جوهريتين ، فهو من ناحية يقوم على قواعد منطقية صارمة ، ويستند ، من جهة أخرى إلى إشراقات صوفية. وخلاصة ذلك هي أننا بإزاء ” تصورين مختلفين للتأويل . فتأويل نص ما، حسب التصور الأول، يعني الكشف عن الدلالة التي أرادها المؤلف  أوعلى الأقل، الكشف عن طابعها الموضوعي، وهوما يعني إجلاء جوهرها المستقل عن فعل التأويل. أما التصور الثاني ، فيرى على العكس من ذلك، أن النصوص تحتمل كل تأويل”(1) وتبرزأهمية التأويل إذن، في الطاقة الذهنية، والقدرة على إدراك العلامة، واتساع أفق المؤول، واختلاف مقاصده، ومحاولة ربط أفق النص بأفق القارئ، والسياق، والمرجع. ولعل تفاعل كل هذه العوامل من شأنه أن ينتج رؤية تأويلية مفارقة، وبإمكان هذه الرؤية أن تواجه بعض المعيقات.
فالتأويل يتطوربتطور فعل القراءة ومهما تكن الإجراءات أوالخطوات التي يتبعها فهو يستهدف استخلاص المعنى الذي هوالخطوة الأولى نحوالفهم،وبناء المرجعية الذي هوالخطوة الأولى للتفسيروالتراوح بين الفهم والتفسير هو الحركة الدائبة للتأويل في جميع الأوساط والمجالات.
وإذا كان من شأن المؤول في لحظة بعينها أوفي موقف بعينه أن « يُسَيِّجَ » النص من أجل الوصول إلى معناه أو إلى معنى فيه، فإن من شأنه كذلك أن يتابع حركة انفتاحه وأن يجعل من الحوارالنصي ومن الحوارحول النص جزءاً لا يتجزأ من الإبداع حاضرا واستقبالا ومن هنا فالقارئ يلعب دورا كبيرا في تفعيل النص حينما يخلص العزم في تحديد السياق وفي استخلاص المعنى الذي يعود به إلى العالم المتحرك وعليه تكون نقطة التمفصل بين سميولوجية القراءة وآليات التأويل منبثقة من السعي نحوتحديدالمعنى وتحديد المرجعية الأساس أونحو معرفة المستنبت الفني والمستنبت الثقافي لتشكيل النص.ولقد حاولت الهرمينوطيقا الحديثة أن تتخطى الطريق المسدود الذي وصلت إليه ثنائية الذات والموضوع في فلسفة المعرفة بإمكانية الجمع بين مقولتي التفسير.
المراجع والمصادر:
1 ـ الشكلانية الروسية : فيكتور إرليخ، ترجمة محمد الولي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000.
2 ـ  الرويلي ، ميجان وسعد البازاغي ، دليل الناقد الأدبي ، ط2 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، 2000
3 ـ غادامير ، هانس غيورغ ، التفكيك وفن التأويل ، ترجمة ، محمد شوقي الزين ، مجلة فكر ونقد  الدار العربية للعلوم ،
4 ـ  ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2 2000م
5 ـ رولان بارت: الدرجة صفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، الترجمة المغربية للناشرين المتّحدين، ط 3، 1985 م
6 ـ الله الغذامي : الخطيئة والتكفير، (قراءة نقدية لنموذج لساني)، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، ط1
7 ـ خالدة سعيد : حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث، دار العودة، بيروت، ط1، 1979 م،
8 ـ حافظ إسماعيل علوي: مدخل إلى نظرية التلقي، علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي، جدة – المملكة العربية السعودية، مج 10، ج 34،
9 ـ نبيلة إبراهيم، القارئ في النص، فصول، المجلد الخامس، العدد الأول ( أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر)
10ـ إيزر، فعل القراءة، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة ( القاهرة )( 2000.م)
11ـ راي، المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، ترجمة يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون للترجمة والنشر، وزارة الثقافة والإعلام ( بغداد – العراق ) الطبعة الأولى (1987.م).
12 ـ ميشال أوتن:سيميولوجية القراءة، ضمن كتاب: نظريات القراءة: من البنيوية إلى جمالية التلقـي
13 ـ الجاحظ  البيان والتبيين تحقيق عبد السلام هارون  لجنة التأليف والترجمة والنشر  (1/203  دط)1948  
14 ـ  امبرتو إيكو:التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، تر سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي ط1/2000
المراجع الأجنبية:
1 ـ Hans George Gadamer. verite et Methode : les grandes lignes d une hermeneutique hilosophique.seuil.paris 1976

2 ـ Paul ( Ricoeur ) : Du Texte à L’action

Gadamer (Hans –George) :Vérité Et Méthode les grandes lignes d’une
herméneutique: philosophique”, Trad. pierre fruchon Edit, Seuil, Paris, 199
P sartre : qu’est ce que la littérature ? cité par W . ISER : l’acte de lecture p 199


(1) الشكلانية الروسية : تأليف فيكتور إرليخ، ترجمة محمد الولي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000.

(2) -Hans George Gadamer. verite et Methode : les grandes lignes d une hermeneutique hilosophique.seuil.paris 1976

(1) نفسه، ص 59.

(2) Verite et Methode p104-107

(3) نفسه، ص104-107.

(1) الرويلي ، ميجان وسعد البازاغي ، دليل الناقد الأدبي ، ط2 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، 2000 ، ص47

(1) غادامير ، هانس غيورغ ، التفكيك وفن التأويل ، ترجمة ، محمد شوقي الزين ، مجلة فكر ونقد  الدار العربية للعلوم ، ص99

(2) L’Acte de lecture, p.197

(1) (انظر الفصل الأول من كتابه: (L 'acte de lecture, Théorie de l'effet esthétique ).

(1) Page :15 2 . Paul ( Ricoeur ) : Du Texte à L’action

(2) Gadamer (Hans –George) :Vérité Et Méthode les grandes lignes d’une herméneutique: philosophique”, Trad. pierre fruchon Edit, Seuil, Paris, 1996 , P,290 ,

(1) معجم الموسوعة الكونية (Encyclopaedia Universalis ) بالفرنسية، المجلد العاشر، ص. 49 نشرة باريس.

(1) معجم الموسوعة الكونية (Encyclopaedia Universalis ) بالفرنسية، المجلد العاشر، ص. 49 نشرة باريس.

      (2) ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2 2000م، ص47

     (1) رولان بارت: الدرجة صفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، الترجمة المغربية للناشرين المتّحدين، ط 3، 1985 م، ص 102.‏

    (2) عبد الله الغذامي : الخطيئة والتكفير، (قراءة نقدية لنموذج لساني)، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، ط1 ، ص 75.‏

   (3) ينظر خالدة سعيد : حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث، دار العودة، بيروت، ط1، 1979 م، ص 139.‏

(1) حافظ إسماعيل علوي: مدخل إلى نظرية التلقي، علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي، جدة – المملكة العربية السعودية، مج 10، ج 34، ص 96 - 97.

(1) نبيلة إبراهيم، القارئ في النص، فصول، المجلد الخامس، العدد الأول ( أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر) ص101.

(2)  المرجع السابق ص 102

(3) فولفجانج إيزر، فعل القراءة، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة ( القاهرة )( 2000.م) ص 3

(4) وليم راي، المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، ترجمة يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون للترجمة والنشر، وزارة الثقافة والإعلام ( بغداد – العراق ) الطبعة الأولى (1987.م).

(1) ميشال أوتن:سيميولوجية القراءة، ضمن كتاب: نظريات القراءة: من البنيوية إلى جمالية التلقـي ص59

(1) Umberto Eco : Lector in   Fabula , op. cit p 64

(2) - J P sartre : qu’est ce que la littérature ? cité par W . ISER : l’acte de lecture p 199

(1) الجاحظ  البيان والتبيين تحقيق عبد السلام هارون  لجنة التأليف والترجمة والنشر  (1/203  دط)1948  

(2) U. Eco: Lector in Fabula  P 74

(3) IBID P 76

(4) 25 IBID P 81

(1) امبرتو إيكو:التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، تر سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي ط1/2000 ص 117