التبدلات القيمية والأخلاقية المعاصرة
وآثارها على تربية أولادنا

      «عبد العزيز الخضراء»

 

 

 

تساءَل أحد الفلاسفة المعاصرين: «هل الإنسان موجود حقاً؟..» وكانت إجابته: «على الأَرجح الإنسان ليس موجوداً، وإنناً لا نزال حتى اليوم في طور ما قبل تاريخ الإنسانية».
ونحن لا نوافق الفيلسوف المذكور رفضه لوجود الإنسان المعاصر، نظراً لكون مختلف المعطيات الحياتية تثبت وجوده , لكننا، مع ذلك، نرى أَن هنالك أَزمة قيم في العالم المعاصر الطافح بأَمور عجيبة جعلت إنسان هذا العصر يرزح تحت وطأتها، ويعجز عن التنفيس عنها بطريقة إِبداعية جديدة خلاَّقة، لأَن حريته أُثقلت بالعديد من المقتنيات والآلات التي لا نفع فيها في الكثير من الأَحيان، لدرجة أَنه أَصبح يعكس كوناً لا إنسانياَ بدلاً من أَن يضفي طابعه الإنساني على الكون المحيط به كما كان يفعل سلفه في العهود السابقة.

الحضارة المعاصرة وقلب المعايير والقيم:

إن إنسان اليوم ضحية أحداث ناظمة آلية وُلدَتْ من ذكائه العلمي لتشرف على كون أَرضي هو من نسيج خياله، فأصبحت تحركه تلقائياً بدلاً من أَن يبقى محركها الأَساسي، وتعقيباً على ذلك نقول: يعتبر العلم والتكنولوجيا ركيزة أساسية لانطلاقة حركة التطور والتقدم البشري والتقدم الإنساني ـ وهذا واقع يستحيل تجاهله ـ لكنهما حين ينفصلان عن وحدة الإنسان الشاملة، يبقيان منكفئين على ذاتهما ، ويضعا القواعد الإنسانية (الخلقية والجمالية و....) على صورتهما الذاتية، وهذا ما حصل بالفعل لإنسان اليوم الذي جعل من العلم ميدان إِنسانيته الوحيد فجرَّه ذلك إِلى «النفعية اللامحدودة»(1) .
يصدق هنا، وبحق ، ما قيل عن إمكانية تحول العلم إلى قوة شيطانية قادرة على إتلاف الحضارة البشرية بأكملها بمقدار ما يكون منفصلاً عن القيم الأخرى داخل حضارة معينة كما يصدق بالنسبة للعلاقات الداخلية القائمة بين الحضارات، حيث تتضخم الحقيقة العلمية فتنقلب عند ذلك ضد القيم.. هذه هي حال الحضارة المعاصرة، حيث يبدو العلم من خلالها بمثابة (السلطان الأوحد) المسيطر على العقول والنفوس معاً.
وقد ساهمت أسباب عديدة في نشوء الأَزمة المعاصرة، ويبقى أَهمها اضطراب الحسِّ الشخصي بـ (المسؤولية) التي يفترض أن يتحملها كل فرد .
والحقيقة تقال : يبدو هذا الحسُّ بـ (المسؤولية) ، المنبثق عن تطور المشاعر وعن يقظة الضمير، شبه معدوم في ظل التطور البشري المنقوص الذي يلغي العناصر الروحية ويرفع من شأن العناصر المادية ، ما جعل قدرة الإِنسان المعاصر على ضبط أَنانيته والتغلب على ذاته  دون قدرته في التغلب على الطبيعة، وتبدو المفارقات بين فدرتيه هاتين مرتفعة جدا .(2)

آثار الحضارة المعاصرة على العالم العربي:

جولة سريعة في عالمنا العربي تبدو كافية لإدراك مدى القصور والعجز (الفرديين والجماعيين) عن كل ما يتوجب على الأَفراد من مسؤوليات تجاه أَنفسهم وتجاه مجتمعهم، ولو اقتصر الأَمر على بعض الشرائح الاجتماعية لما كانت جسيمة لكن واقع العجز والقصور أَصاب  المثقفين الحاصلين على أَعلى درجات العلم، وللتخلص من أَي إحساس بالذنب تجاه هذا القصور تجدهم يلجؤون للتبرير الواعي بإلقاء المسؤولية على الآخرين: على الدولة، على المجتمع، أو المؤسسات (العائلية والتربوية والاجتماعية مع العلم أنها كلها في ضمير كل واحدٍ منهم لأَنه يحمل مقوماتها ومسبباتها على حد تعبير منير معلولي) .(3)
هذا ويتمثل ثاني المواقف السلبية الشاملة المسيطرة على العالم العربي بظاهرة (النقد للنقد) لا (للنقد البناء)، فكلٌ منا ينتقد الجميع: الدولة، المجتمع، العائلة الآخرين.. ويتهرب من تحميل ذاته أَية مسؤولية.
ونتيجة لهذا نرى العالم العربي يعيش هزيمة نكراء تغزو كل مجالات   حياته:  الفكرية والسياسية والاقتصادية والأَخلاقية.. هزيمة أَفقدته ذاته بما في ذلك قيمه وتعاليمه الروحية والإنسانية، وهكذا انخرط بما أراد له رواد النهضة ومفكروها، عالم غربي أجنبي يعيش حياة أَهل الغرب بكل معطياتها المادية والآلية، ما جعل الأََخلاق الحميدة والقيم الأَصلية البناءَة من جهة والتقدم العلمي والتقني من جهة أُخرى يسيران في طريقين متوازيين متباعدين لا تلاقي بينهما، والواقع يكذب هذا، فهو يعيش تراجعاً مذهلاً للقيم والأَخلاق, ولم يحقق التقدم العلمي والتقني الذي وُعِدَ به إن خرج عن ذاته واستسلم لسيل الحضارة الغربية، ذلك (الاستسلام ) الذي دعا له خير الدين التونسي ، قبل قرن ونصف، وأكده بعد ذلك غيره مثل الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين وزكي نجيب محمود وغيرهم من سلسلة طويلة...
فعالمنا العربي اليوم يعيش تراجعاً معنوياً ـ قيمياً وأخلاقياً ـ أذهل الكثيرين ما جعل أَحدهم يقول:
«أشاهد كيف أَصبح المال عنوان الهوية، وكيف أَصبح المال الحرام عنوان الفهلوية ! أشاهد كيف فقد المجتمع ألوانه الأَولية ونسيجه الذي يبني صفاته، وكيف تبعثرت جيناته الأَساسية، فلم يعد الآباء ينتجون جيلاً ثانياً.. بل جيلا آخر...».
أُشاهد وأَنا لا أُصدق ما أشاهد، كيف اختلفت أَخلاقنا وتعاملاتنا مع بعضنا.
أُشاهد كيف اختفى الحياء، وأكثر من هذا كيف لا غضاضة من قلة الحياء، وكيف غاب احترام النفس للنفس، وكيف اختفت الكلمة الصادقة التي كان آباؤنا يعتبرونها صكاً مكتوباً .
وفي غاية الحزن أراقب كيف حفر الفقر في نفسياتنا ألماً وخوفاً، وكيف طمس الفقر الفكر في عقلنا.. والعاطفة في قلوبنا.. أُشاهد كيف لَوَّن الجشع نفوس بعضنا.. وكيف نكذب لحل مشاكلنا.. وكيف نضخم عن طريق الكذب والخيال حجمنا...
أُراقب كيف خف اهتمامنا، وضعف انتماؤنا، وماتت نفوسنا، فأَصبحنا نتحمل غير آبهين ما لم نكن نتحمل... نرى المصيبة فلا نهتز.. نتلقى الهوان ولا نثور، نحسُّ بالضرب ولا نتألم!!
ماذا حلَّ بتفكيرنا، وبأخلاقنا، وبسياستنا، وتوجهاتنا، واقتصادنا؟...
ماذا حلَّ بتركيبتنا الداخلية؟.. هل نحن، نحن.. أم أَصبحنا ما يريد لنا البعض أَن نكون؟..
إنني أشعر أَن هناك تحولاً، وأن هناك توجهات ومصائر قادمة ستجعلنا ننظر إلى
الأَيام التي مرت وكأنها كانت أَحسن أَيامنا... (4)
يقف المرء مشدوهاً أَمام ما يجري حولنا سياسياً واجتماعياً وعلى كل صعيد، ويحتاج لقدر هائل من الجهل لكي يتأقلم مع منطق معكوس عرباته تقود خيوله...
عرب الإنترنت أشد تخلفاً وفقراً وفقداناً للأَمان من عرب البعير، فالتفاوت كارثي بين الأَداء والوسيلة، وبين المقدمة والحصيلة.. أَما اللغة.. هذه المسكينة التي حسدتها أَلسنة الأَرض، فإنها اليوم مجرد رغوة طافية على سطح المشهد، يتم جلدها وتعذيبها لتقول ما لا تعني، فتسمي الشجرة حجراً والماء دماً.
إن آخر ما تبقى للعقل, وهو يشهد عمليات اغتياله المتلاحقة أن يأمر اليد التي تكتب بأن تبصم بالعشرين على تاريخ أَرعن وثب فألقى بحمولته كلها في الوادي، ولم يخطر ببال فقهاء الاقتصاد وجهابذة (تقريد) الإنسان أن زمناً سيأتي يضيق العارف بما يعرف، ويود أن يفقأ عينه كما قال طه حسين ذات يوم.. أو يُفجِّر نفسه كما قال أحمد بن بله في عام 2001م وهو يرى ما حدث وما يحدث من استهانة بالعالم العربي، واستلاب لم يسبق له مثيل...
ذلك ببساطة لأَن الوعي غدا عبئا على حامله، فهو يرى ما يشتهي أَن يفقد بصره كي لا يراه، ويسمع ما يود الصمم أَن يصون نفسه منه، ولغتنا التي اقتصرت على وصف العالم بالضليع نسيت أن زمناً سيأتي يصبح فيه للجهل مريدوه فهو وقاية من الأَلم، ودريئة ضد الحزن، وصدفة سميكة لمقاومة الإحساس .(5)
(ونعى محمد عابد الجابري آخر العقل العربي، وأَدان عملية اغتياله فقال: إِن العقل العربي في الحقيقة لا ينتج اليوم شيئاً بل نقول يستهلكه).(6)
والمؤسف فعلاً أَن صغارنا ومراهقينا وشبابنا وحتى كبارنا يعيشون في مأساة إذ لم يعودوا يجدون في مجتمعاتهم إلا النادر من الأَفراد الذين يمكن اعتبارهم قدوة في أفعالهم وأَقوالهم، فقد ساد التفكك والانحلال الخلقي والقيمي، وانتشرت عوامل التغريب والظلم وضعف الضمير وسوء السلوك وضحالة الفكر لدى كثير من الكبار قبل الصغار والمراهقين، حتى أننا نجد بعض رجال الدين تخلوا جزئياً أو كلياً عن رسالتهم، فحللوا ما حُرِّم، ولم يعد السلوك الديني أو العبادات إلا مجرد عادات خالية من كل قيمة أو معنى، وغدت الطقوس الدينية بمثابة ستار لإخفاء سوء السلوك والنوايا الخبيثة...

وقد أجاد أحد الشعراء في الوصف إذ قال:


ما كان في ماضي الزمان محرَّماً

 

للناس، في هذا الزمان مباح

صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم

 

فتعذر التمييز والإصلاح

فالفتك فنٌّ والخداع سياسة

 

وغنى اللصوص براعةٌ ونجاح

والعريُ ظرف والفساد تمدنٌ

 

والكذب لطف والرياء صلاح

وعندما يفكر المرءُ فيما حدث، ولماذا حدث؟ وكيف حدث؟ لا يجد أَمامه إلا النظامَ التربوي بكل مؤسساته، الذي نقل كل تقنياته الآلية والفكرية عن الدول المتقدمة صاحبة الأهداف التوسعية الساعية إلى السيطرة على دول العالم الثالث ومنها بلادنا... فَيُحَمّله المسؤولية، فهو الذي ادعى أَننا لا نحقق التقدم إلا من خلال اتباع خطا الدول الغربية المتقدمة، لا بتطوير العلوم والتقنيات محلياً ووفق إمكاناتها، كما فعلت هي وكما فعلت بعد ذلك اليابان والصين، وإنما بنقل العلوم والتقنيات الغربية الجاهزة ـ المادية والمعنوية ـ إلى بلادنا..
وهكذا تعلَّم الإنسان العربي النقل من غير جهد سوى النقل، فأَصبح كسولاً متواكلاً عديم الثقة بالذات وبالاعتماد عليها، وهو الأَمر الذي يحتل موقع الصدارة في أسباب ما نحن فيه اليوم، وهكذا أَصبح مفهوم التحديث والتقدم والتنمية كلها مصطلحات تعني تقليد الغرب ونقل أَساليبه، فصار الاِتباع بل الانصياع لهذه الدول المتقدمة طريقة للحياة في المجتمعات العربية، وشكلت نظمها الاقتصادية والقضائية والسياسية.. الخ حتى فقدت ذاتها، ولم تحقق ما كانت تسعى إليه وانتهى الحال إلى وصلت إليه.
وجدير بالذكر أَن التربية الحديثة التي سادت في الغرب ونقلناها (نحن والعالم الثالث ككل) قد أوجدت مشكلات كثيرة في موطنها، ولم تحقق سوى تقدم مادي كبير أَغنى المنتجين من أَصحاب المصانع ورؤوس الأَموال على حساب الشعوب التي أفقرها وزاد في استعبادها من خلال استهلاك المواد التي ينتجها الأَغنياء في مجتمعها،ولذلك قال«جارودي» في معرض الكتاب في القاهرة عام 2000م.
«إننا في الغرب نعيش حالة انحطاط رغم زعم (كلينتون) ـ رئيس الولايات المتحدة الأميركية حينذاك ـ المستمر بالازدهار، فالولايات المتحدة هي أكثر البلاد مديونية في العالم، وديونها أكبر من ديون العالم الثالث، وميزانها التجاري هو أكثر الموازين اختلالاً في العالم، كما أنها تحقق الرقم القياسي في استهلاك المخدرات وانتحار الشباب... وهناك خمسة ملايين شخص مراقبون بوليسياً، وواحد بالمئة من السكان يمتلكون نصف ثروة أمريكا ».
وعلى المستوى العالمي (فإن هناك ما لا يقل عن بليون إنسان يعاني من نقص التعليم، ولذلك لا يستطيعون الإسهام بفاعلية في حياة مجتمعاتهم، ولا أن يؤدوا دوراً في نشاطات التطوير. وهناك بليون شخص يعيشون تحت خط الفقر إذ إن 20% من الناس يمتلكون80% من ثروة الأرض ما جعل 75% من دول الأمم المتحدة يصنفون من الفقراء، وهناك بليون ونصف ممن يحتاجون خدمات طبية، وخمسة وسبعون مليون إِنسان يموتون مبكراً، ومنهم خمسون مليوناً يموتون من الجوع، والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يمثلون 2.2 بليون في الثمانينات من القرن العشرين. (7)

التناقض الوجداني والفكري والسلوكي في الشخصية المعاصرة:

الإنسان كائن زمني متغيِّر ومُتَقَلِّب ومتحوِّل، ، إِلا أن المشكلة تكمن في معاناة الصراع والقهر بين الفكر والشعور والواقع، أو الصراع بين العواطف والسلوك، أُريد ولا أُريد، أُحب أَو أكره، أفعل أَو لا أَفعل.. الخ.
ومنذ القديم أشارت جماعة الطب والتحليل النفسي، إِلى التناقض أو الصراع بين رغبات الأَنا (the ego
) والرغبات المكبوتة أو الخفية (the id ) وبين رغبات المجتمع والرقابة (ego super ) كما أشار هؤلاء إلى آلية الدفاع النفسية المسماة (realtion formation ) بردود فعل معاكسة لما يدور داخل النفس أو الفكر حيث يظهر الفرد في أقواله أو أفعاله عكس حقيقته أو تفكيره أو مشاعره، وهذا دليل العجز وضعف الإرادة(8)، وعندما يكون للفرد وجهان وصورتان متناقضتان فهذا مخالف للقيم والدين والأَخلاق، جاء في القرآن الكريم:  )كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( [الصف ، 3]، وهذا التناقض في المشاعر والأَفكار والسلوك يسبب قلقاً وتوتراً وآلاماً لدى الفرد، َو يشكل قيوداً للمشاعر والعواطف..، ومثل هذا التناقض المؤلم غالباً ما يُتكون ُجزئياً وبصورة مؤقتة عن طريق التجنب والكبت والقهر، وإظهار سلوك المسايرة، وأحياناً سلوك المجاملة أو الرياء أو النفاق أَو الكذب... وهذه كلُّها أَصبحت من خصائص الشخصية العربية في وقتنا الراهن، وأصبحت من الأُمور اليومية المألوفة، وخاصة لدى بعض الإِداريين أو أَصحاب السلطة الذين يمارسون القهر على الآخرين، ويضاف إلى ذلك أن الشخصية العربية في صراع بين أَمجاد الماضي وآلام الحاضر، بما فيه من علمنة وعولمة، وصراع بين التراث وبين الأَصالة والحداثة، وصراع بين مخلفات النقل وبين قضايا المنطق والعقل، وصراع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون... وصراع بين أصالة الثقافة،  ومستحضرات التطبيع، وما تقدمه من تقنيات ووسائل اتصال اخترقت كل المحظورات، وتجاوزت كل الحدود وأَخذت من القناعات والمعتقدات والفكر والعلم مجالات تأثيرها على عقول الناشئة والشباب وبقية الشرائح لتوجيهها فيما يخدم أهداف دخيلة علينا تريد أن تجتث قيمنا وأخلاقنا ومعتقداتنا وتاريخنا وحضارتنا من جذورها لتُجيِّرها فيما بعد لها على أنها  نتاجاتها ،ومثل ذلك لعدونا غاصب أرضنا...
إن الشخصية العربية مضطربة فكرياً ونفسياً وسلوكياً سواء على مستوى الشعور الواعي أو المستوى اللاشعوري.. وقد ازدادت هذه التناقضات حدَّة في وقتنا الراهن،نتيجة  لعوامل التغريب والازدواجية الثقافية، والازدواجية الفكرية واللغوية، وهذا كله يؤثر على عمليات النمو والتطور، وعلى بناء الفرد الفكري وعلى سلوكه العام... ولا ننسى أن مثل هذه المتناقضات الصعبة، هي التي جعلت مريض الفصام يهرب بهلوساته إلى عالم الخيال ويعاني من تشوش في الوعي والبصيرة.
لقد أَصبحنا نذهب إلى الصلاة أو نستمع إلى حديث ديني فنُظهر تأثرنا واستيعابنا، وفي المساء نشاهد فيلماً إباحياً، ونرى القهر والعهر على قوارع الطرقات ولا نستنكره، وأَلِفَ الشباب كل هذه التناقضات مما أدى إلى الاستهتار بالهوية الذاتية أو القومية، وأَصبح على الإنسان التضحية بالحقيقة أو خيانتها، وانتهت معايير الجرأة الأَدبية أو الشجاعة في قول الحق، أو التصدي للباطل...
وهذا ما عبر عنه الشاعر بقوله :


ذهب الرجال الذين يُعاشُ في أكنافهم

 

والمنكرون لكل أمر منكر

وبقيت في خلَف يُزينُ بعضُهم لبعض

 

ليدفع معّورٌ عن مُعوِرِ

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن في ظل هذه المتناقضات والتبدلات تربية أَجيالنا وتنشئة شبابنا؟..
ولمعالجة هذه المتناقضات وآثارها السلبية لا بد من أن نعيد للشخصية العربية توازنها ووعيها، بحيث نفهم ما يدور حولها من مخططات يستهدف الإنسان والحضارة والهوية والوجود... وإذا كانت التربية الواعية المزودة بكل الإمكانات المعرفية والفكرية والتقنية هي سلاحنا المتوافر لهذه المعركة غير المتكافئة، فلا بد من المضي فيها لتحصين أَبنائنا في مواجهة هذا الخطر الزاحف نحونا...
إن الإعداد التربوي لشبابنا يستوجب منا أَن نُشخِّص مسببات هذا التحول وما طرأ على القيم من تشوه في الغرب، وكيف انتقل إلى بلادنا؟ وتحت أَية مظلات وشعارات ؟ وما هي أَهدافه ؟...

أضواء على تشوه القيم في الغرب:

كانت المجتمعات في الدول الغربية قبل النهضة والثورة الصناعية وما تلاها من ثورات يسيطر عليها تحالف الكنيسة والإقطاع، وكان لهذا التحالف مساوئه على المجتمع وعلى أفراده وفق منظور معين لا مجال لمناقشته هنا، ومع ظهور النهضة ونشوء طبقة جديدة تتبنى أساليب اقتصادية جديدة تعتمد على الصناعة والتجارة، لم يعد من الممكن تحقيق أهدافها ومصالحها دون القضاء على هذا التحالف الذي يحتكر السلطة والتسلط اللذين تريدهما لنفسها، فعملت على تفكيكه والقضاء عليه من خلال الفكر الثوري والتحرر والعلمانية التي تفصل الدين الإلهي عن الحياة العامة، وتجعله علاقة خاصة بين الإنسان وربه لا تخرج عن الطقوس التعبديَّة! وحتى تضمن الناس إِلى جانبها خاطبت غرائزهم وحاجاتهم البدائية باسم الحرية، كالحرية الجنسية وحرية الفرد في اختيار طريقة حياته، دون الالتزام بأية قواعد أَخلاقية سواء أكانت هذه القواعد دينية أَو اجتماعية وضعها المجتمع لتحقيق توازنه واستقراره، والهدف هو تحرير الفرد من كل ما يربطه بقيمه، لتربطه بقيمها المادية، مثل قيم السوق، والعرض والطلب، وزيادة الإنتاج، وزيادة الاستهلاك... الخ، كل القيم التي تحقق مصالح تلك الطبقة وسيطرتها الكاملة على المجتمع من خلال الاقتصاد . (9)

ونتيجة لذلك بدأت الأخلاق تتدهور، وقيم الخير تتراجع لأَنها لم يعد لها مرجعية ثابتة ومحترمة كما هو الحال في القيم الدينية، وحتى القيم الجديدة التي عملوا على نشرها وترسيخها صارت تتلاشى حتى انقلبت إلى ضدها، وذلك لأَنهم جعلوا مرجعيتها بعض الأَفراد من المفكرين ضمن علاقاتهم وحاجاتهم المادية وغرائزهم، وهي مرجعية تختلف باختلاف الأَفراد والمكان والزمان، ما أَفقدها ثقة الناس بها، ومع انتشار القيم المادية وتراجع القيم الروحية، ساد الترف والإِسراف وتكديس الثروات، وانتشر مفهوم الغاية تبرر الوسيلة، وصار (النجاح المادي الملموس دليلاً على صحة السبل المتبعة) ،(10) وصارت كل الأَعمال تقدر بحسب نتائجها المادية، وما تُحقق من مصالح ومكاسب للأَفراد وللجماعات المعنية، وبغض النظر عمن تضره أو حتى تسحقه في الطريق، وكل ما لا يحقق هذه المصالح والمكاسب فهو شرٌّ لا بد من تركه.
يقول: (إدوارد شورت  ـ Edward short
): أما اليوم وبعدما حصل من تشويه للقيم فقد صارت القوانين الأخلاقية يحددها كل فرد بنفسه معتمداً على ما يراه هو إن كان صحيحاً أو خطأ، وصارت عواطف الفرد هي التي تُحدِّد ذلك في الأغلب وليس عقله مما جعله يفسر القيم بالشكل الذي يحقق مصالحه، ويلبي حاجاته الغريزية بغض النظر عما تُلحقه من أذى للآخرين وهذا أَدى إلى قلب القيم والمفاهيم فصارت، على سبيل المثال، الرشوة عمولة مقابل جهد المرتشيِّ بها، أو هدية للمجاملة!! وصارت العفة تحجُّرٌ عقلي أَو عقد نفسية، وصار العنف شجاعة مرغوبة ومطلوبة... الخ.
وهذه القيم المقلوبة جعلت الناس ينعون الأخلاق الضائعة، وتزداد شكواهم من غيابها،وقد عبَّرت عن ذلك (باربرا تجمسن Barbara jhuchman
) بقولها: ((إن المواطن العادي يعيش فترة من التمزق.. أعني فقدنا إيماننا بالمفهوم الأخلاقي للحسن والقبيح...)).

كيف انتقل تشويه القيم إلى بلادنا ؟:

إن ما حدث في الغرب من تغيير كان مبرراً بعض الشيء، فقد نشأت طبقة جديدة تعتمد العلوم والصناعات في تسيير اقتصادها بدلاً من الزراعة والإِقطاع، وأرادت تغيير السلطة وطريقة الحياة السائدة آنذاك،  والتي لم تعد تناسب الثورة العلمية والتقنية التي بدأت ترى النور في تلك البلاد، فانتَزعت السلطة وغَيَّرت الحياة في مجتمعاتها بالشكل الذي يحقق مصالحها، ولكن في بلادنا لم تنشأ طبقة علمية جديدة.. صناعية تريد التغيير، ما يجعلها تضطر إلى تبديل القيم من أَجل إحداث التطوير والتقدم والمدنية، وإنما غُرس التغيير بفعل عملية جراحية مفروضة من الآخر!، وهو حالٌ أَخطر مما كان عليه في الغرب، فالتغيير الاجتماعي في بلادنا، كما يؤكد كثير من الباحثين ومنهم "سعد الدين إبراهيم" تفجَّر خلال القرنين الأخيرين بفعل مبادأة من خارج الوطن، ولم يكن استجابة لحاجة أبناء هذا الوطن ومتطلباته(11).
فالدول الغربية (الاستعمار) هي التي قرَّرت التغيير في بلادنا، وحدَّدت اتجاهاته، وأهدافه، ووسائله، ونفذته مستخدمة طرقاً مختلفة، بالنصح أو بالإقناع أو بالقسر! عارضة نفسها كقدوة للتقدم والمدنية والديمقراطية وللخير كله، وفي حقيقة أمرها كانت تريد تحقيق مصالحها والوصول إِلى السيطرة على العالم، والتي يسمونها اليوم العولمة، فالعولمة التي يدور نقاش كبير حولها اليوم، وينقسم الناس بين مؤيد ومعارض ورافض، كانت وُضِعت أُسسها مِن قبل الدول الاستعمارية منذ القرن الثامن عشر وربما قبله، وسارت في تنفيذها خطوة بعد أُخرى حتى وصلت لما هي عليه اليوم، وما كان هذا ليتم إلا بالسيطرة على حضارات العالم الثالث بعد تغيير قيمهم وإحلال قيمها العلمانية والمادية بدلاً منها، فانتقلت هذه القيم الغربية بكل تشوهاتها إلى الدول التي سيطرت عليها، ومنها بلادنا، من خلال عملية التغريب التي فرضت بالترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى، وهكذا استوردت قيم غريبة ومشوهة، وبدأت تحل شيئاً فشيئاً محل قيم مجتمعاتنا، وطريقة حياتنا ليعيشها الناس هنا كما أراد الغرب ودعاة التغريب في بلادنا.
وكانت قدوة سيئَة أَطلقت عنان الوحش الغربي من مكمنه وبدأ السيطرة على عالمنا، وهو يعمل بمنظورين متعارضين، فهو يُربي أَبناءَه على رفض الآخر واستخدام القوة معه لاستغلاله وتجريده من كل ما يملك من مقومات مادية وروحية ومعنوية، ولكن في الوقت نفسه يُربي عند الآخر قيم الاستكانة والخنوع لقبول الآخر حتى وإن كان محتلاً لأَرضه ومستعبداً إياه ومسيطراً على ثرواته،وذلك باسم الموضوعية والعلمية والواقعية والمصالح المشتركة.. لتربطه الدول الغربية بعمله كخادم أَمين لمصالحها، وتحقيق سيطرتها.. ومن يشك في هذا فليقرأ عن معاناة الهند والجزائر وغيرهما.. من الاستعمار.
وهكذا بدأت تتغير القيم والمفاهيم وتسير في منحى التشويه رغم أنف المجتمعات المقهورة ، فالثورة في هذه المجتمعات تكون وطنية وتحررية وتقدمية وتنال دعم الدول الغربية ومباركتها إِن كانت ضد حكام تلك المجتمعات أو بسبب فتنة داخلية، وتصبح خيانة وإرهاباً وتُعلن عليها الحرب إن كانت ضد سيطرة هذه الدول المحتلة والمستعمرة، والمؤسف حقاً أن يتداعى الموضوعيون والواقعيون من المقهورين لتلبية نداء مقاومة الإِرهاب وكأنهم الصدى... وكما يؤكد "محمد عابد الجابري" أن كل الفصائل النهضوية الليبرالية والماركسية.. الخ تقع تحت سلطة النموذج الأوربي، وهذه السلطة هي التي جعلت كلاً من هؤلاء يفهم النهضة على أنها استعادة واسترجاع لمسيرة النهضة الأوروبية، ويفهمون تجديد العقل على أَنه التقاط "مركبات ذهنية" من قاعدة الفكر الأوروبي، أو تبني تيار من التيارات الفكرية في أوروبا، أو "تأليف" بل تلفيق مزيج منها. (12)
وبذلك صار فكر النهضة مجرد صدىً لما حدث أو يحدث أو يستحدث من أفكار
وممارسات في الغرب، حتى أن "سلامة موسى" على سبيل المثال لا الحصر جعل (رسالة الكاتب المصري في وقتنا هذا أن يُرشد وأن يُكافح) والإرشاد كما يرى هو (توجيه القارئ العربي الذي انقطعت جذوره في الشرق ولم تصل إلى الغرب) وقال: (إن علينا نحن الأُدباء أَن نوجه أولئك الذين لا يزالون شرقيين أولئك المترددين بين الشرق والغرب أو أولئك الزاعمين أن في الشرق روحانية وفي الغرب مادية، علينا أَن نوجههم جميعاً نحو الغرب، أي نحو الحضارة العصرية، بأن ننقل لهم المثل والقيم البشرية كما هي في أوروبا).(13)
وهكذا تغيَّرت القيم وتشوهت في بلادنا، وما كان يمكن لهذه الدول أن تُغيِّر أَخصَّ خصوصيات المجتمعات ، والتي هي القيم، لولا أَنها وجدت من استطاعت أَن تُغريهم بطرق شتى على تنفيذ مخططاتها، سواء كان ذلك بوعي منهم، أو من دون وعي، فشدّوا أَزرها ودعوا دعوتها وعملوا عملها في تخريب قيم المجتمع وإهدار شخصيته مستخدمين النظام التربوي الراهن، مما يضع على التربية اليوم مسؤولية إعادة بناء المثل والقيم العليا، والتي تعيد للأُمة هويتها.

واقع النظام التربوي في بلادنا:

المتأمل للنظام التربوي الراهن في بلادنا يجد أَنه:
1ـ أَهمل مجتمعه وما فيه من قيم وعقائد وفكر... وما آل إِليه من تراث وخبرات... الخ واعتمد التقليد والنقل عن الآخر ما جعله غريباً في مجتمعه.
ورسم "طه حسين" كما فعل من كان قبله طريق التربية في بلادنا والتي أَسموها التربية الحديثة عندما قال: (إِن الطريق واضحة بيِّنة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فليس فيها تعدُّد؛ وهي أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أَنداداً، ولنكون شركاء لهم في الحضارة، خيرها وشرها، حُلوها ومُرُّها، وما يحب وما يكره، وما يُحمد منها وما يُعاب... ومن زعم غير ذلك فهو خادع أو مخدوع، وقال أَيضاً: (والتعليم عندنا وضعنا برامجه ومناهجه منذ القرن الماضي على النحو الأوروبي) .(14)
2ـ صار النظام التربوي نتيجة النقل والتغريب أَداة لتجريد المجتمع من هويته واستبدالها بأخرى غريبة عنه، وبما أن هذا لا يمكن عملياً، فقد شَوَّه الإنسان ومجتمعه وجعلهما من دون هوية محددة أو بهوية مشوهة لا هي غربية ولا هي عربية.
3ـ أساء استخدام التقنيات الفكرية والآلية التي استوردها بشكل أثَّرَ سلباً على التربية ومُخرجاتها, وبخاصة جانبها الأَخلاقي.
4ـ فشل في معالجة الأُميَّة التي زادت تفشياً، وأَضاف إِليها أُميَّة جديدة تمثلت بعجز مخرجات النظام التربوي عن أداء وظائفه بكفاءَة وهو ما يُسمى بالأُمية الوظيفية، بالإضافة لأنواع أُخرى من الأُمية.
5ـ عجز عن تحقيق التنمية البشرية من جميع جوانبها المهنية والثقافية والصحية والأَخلاقية، وأَسهم في زيادة نسبة البطالة بشكلها الحقيقي والمقنع.
6ـ شوَّش القيم والمفاهيم السائِدة فزاد من الفوضى الفكرية والأَخلاقية.
7ـ أسهم في نشر مفاهيم الاستهلاك والحياة الاستهلاكية، وفي تراجع الإنتاجية، وباختصار فقد عجز عن تحقيق حاجات المجتمع وتوقعاته، وهو في شكله الحالي عاجز عن مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية التي تواجه الأُمة ومنها:
1ـ الغزو الثقافي وضياع الهوية.
2ـ التراجع الأَخلاقي بكل أشكاله.
3ـ الاتباع وغياب الإبداع.
4ـ الفقر وعدم تكافؤ الفرص.
5ـ تلوث البيئة مادياً ومعنوياً.
6ـ انتشار الحياة الاستهلاكية وتراجع الإنتاجية.
7ـ البطالة المتزايدة.
8ـ الأُمية بشكلها الحقيقي والمقنَّع.
9ـ الضغوط العالمية السياسية والاقتصادية.
والملاحظ أن الكثير من أسباب عجز النظام التربوي تعود إلى انفصاله عن مجتمعه أو نقله لكل ما يجري في دول الغرب، مع محاولة قلب كل مقومات هذا المجتمع والاستغناء عن عناصر بقائه التي يقدسها ويعتز بها، والتي هي جذوره التي لا يجد نفسه إلا من خلال ارتباطه بها.
ولتصحيح هذا المسار لا بدَّ من اهتمام أكثر فاعلية في التأثير لإعادة بناء المستقبل، ولا بدَّ من إعادة ربط التربية بمجتمعها لتستمد منه عناصر وجودها ومقومات بقائها، وفيما يلي بعض المهام التي على النظام التربوي الاهتمام بها:
1ـ إعادة الاعتبار للتراث الثقافي.
2ـ بناء الهوية الثقافية.
3ـ بناء معيار للتقييم.
4ـ ربط العلم والعمل بالبيئة.
5ـ تحقيق تكافؤ الفرص.
6ـ ربط التقنيات بالمجتمع وحاجاته الضرورية.
7ـ تربية الإبداع .(15)

التربية في مواجهة التحديات المعاصرة:
التربية وسيلة المجتمع لنقل تراث الأُمة من الأَجداد إلى الأحفاد وبواسطتها يُعلِّم المجتمع الجيل الناشئ فيه المعارف والقيم التي يحترمها ويريد تسليمها لهذا الجيل، ما يجعل المجتمع يتوقع من التربية أَن تنطلق من التراث وخبرات الماضي إِلى الحاضر والمستقبل ، وأَلا تهمل الخبرات التي تراكمت عبر الأَجيال، ويتوقع أيضاً ألا تُنقل هذه الخبرات كما يَنقل الأَحبار أسفارهم!  فليس مهمتها فقط عرض التراث على الأَجيال , وإنما عليها نقده أَيضاً وبيان ثوابته ومتغيراته للحفاظ على الأُولى ، وتطوير الثانية وإغنائها بما تضيف إليه من إبداعاتها، ولهذا يؤكد البعض أَن مهمة التربية هي حفظ وإغناء المعارف المتراكمة والمهارات والعقائد والقيم والفضائل التي يَعتمد عليها تماسك المجتمع واستمراره ونقلها للأَجيال المتتابعة ، وبهذا تضمن  للمجتمع الحفاظ على هويته الثقافية وتفرُّده وهوية أَفراده وشخصيتهم بشكل يوافر لهم السعادة والاستقرار النفسي .. ، فمهمة التربية هي مساعدة الإنسان ليعيش حياته الخاصة به, ولكن بالتوافق مع الآخرين الذين يقاسمونه الزمان والمكان ما يفرض على التربية الاهتمام بالفرد والمجتمع. قال "ديكارت" في هذا المجال أن كل شخص منا هو ((منفصل عن الآخرين، مصالحه متميزة عن مصالح سائر أفراد الكون، ولما كان ذلك الشخص لا يستطيع أَن يبقى وحده، فقد وجب عليه دائماً أن يجعل مصالحه تابعة للمصالح المشروعة، مصالح الكل الذي هو جزء منه)).
وحتى ترتبط التربية بمجتمعها وتؤدي مهمتها تجاهه ا في نقل المعارف والمهارات
والعقائد والقيم.. الخ إلى الأَجيال الناشئة لتحافظ على هويته وهوية أفراده وتحقيق مصالحهما التي لا انفصال فيها ، فلا بد، قبل كل شيء ، من الاعتراف بالتراث الثقافي للأُمة والتي هي (التربية) بإعادة الاعتبار له واحترامه، ونقله للأجيال ليس من أجل تمثله فقط وإنما من أَجل تطويره أَيضاً بشكل يجعل الأُمة تتطور وتتقدم من دون الانفصال عن ماضيها وهويتها.

إعادة بناء الهوية الثقافية:

الهوية الثقافية هي العقيدة واللغة والتاريخ ومجموعة القيم والعادات والتقاليد الدينية والاجتماعية وكل ما يكُوِّن ثقافة الأَفراد ويُشكل شخصيتهم ويُحدِّد تفُّردهم، وبالتالي تميز مجتمعهم عن المجتمعات الأُخرى.
ونشير إلى أن مصطلح التراث الثقافي يعني ما انحدر إلينا من الماضي مما تركه لنا الأَجداد. وهو ما يمكن لنا دراسته وتحليله ومعرفة ثوابته لنبني عليها هويتنا الثقافية المعاصرة المطلعة على المستجدات التي يمكن نقدها وقبول ما يناسبنا منها وترك ما لا يناسب قيمنا النبيلة ، أَما الهوية الثقافية فهي وإن كانت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتراث الثقافي إلا أنها تعتمد على ما يمكننا بناؤه وفق ما أسس لنا تراثنا، فعلى سبيل المثال: اللباس أحد مظاهر الهوية الثقافية، وأحد عناصرها المادية، ولكن ليس من الضروري اليوم أن نرتدي ما كان يلبسه أجدادنا، فلباس الأجداد كانت تحكمه قيم معينة، ولكننا اليوم نلتزم حدودا معينة للحشمة، والبساطة وعدم المبالغة في الترف.. لما يترك هذا من أثر كبير على تماسك المجتمع، بسبب عدم التفاوت بين مظهر الأَغنياء والفقراء.. وهكذا يجب أن يكون تعاملنا مع التراث ونحن نبني الهوية الثقافية اليوم، نعتمد الثوابت ونقبل المتغيرات مما يناسب حياتنا المعاصرة، وهكذا نعيش عصرنا بدون أن نفقد ذاتنا، فبناء الهوية يتطلب قبل كل شيء الوعي بالذات ومعرفة ماهيتها، وهذا لن يحدث إلا بدراسة التراث الثقافي والتعرف على ثوابته ومتغيراته التي من خلال تطويرها يعيش الإنسان عصره ويبني لمستقبله ويحتفظ بذاته المتفردة في ذات الوقت.
ومن أجل إعادة بناء الهوية، فإن على النظام التربوي ليس فقط احترام التراث ونقله وبيان ثوابته، والتأكيد عليها وعلى متغيراته لفهمها وتحليلها، وإِنما على احترام هذه الهوية لتكون معياره في تصريف أمور الحياة المعاصرة بكل مظاهرها المادية والمعنوية... ووراء كل هذا تقف قيم معينة تحتاج إلى دعم التربية لها، وتنشئة الأَفراد نشأة تكون فيها هذه القيم  جزءاً من شخصيتهم، خاصة وقد أَصبح اليوم معلوماً أَن الفرد يحتاج لهويته وللثقة بثقافته الخاصة به، وللشعور بأَن هذه الثقافة ليست مصدر اعتزازه بنفسه وبالمجتمع الذي ينتمي له فحسب، وإنما هي أيضاً تنال احترام الآخرين حتى يتكيف مع الحياة المعاصرة بثقة ويتغلب على صعوباتها بكفاءَة.
وبما أَن الهوية تحتاج لثوابت  التراث ، وهذه الثوابت هي قيم ومثل عليا، فلا بد من بناء معيار قيمي يجسد هوية الفرد ويوجه سلوكه في حدود هذه الهوية، فالهوية هي ليست ثوباً وبساطاً وجملاً.. الخ، مما كان يستخدمه الأَوائل، بل هي في الأَساس قيم فاعلة في حياتنا وموجهة لنشاطاتنا، وتحدد الإيجابي والسلبي منها، وما يجب أن نمارسه وما يجب أن نتركه، وما الخطأ وما الصواب.. الخ، مما يضع على النظام التربوي ككل بناء هذا المعيار القيمي الذي يُوجهُ الفرد من خلاله أَنماط سلوكه لتصفيتها وتنقيتها من كل ما يشوبها من كل ما يعود عليه وعلى مجتمعه بالضرر. وكذلك الحال بالنسبة للمجتمع الذي لا بد من اعتماده هذا المعيار في تحديد أَهدافه ووسائله لتحقيقها مما يضمن سداد خطاه نحو التقدم والتنمية بكل أَشكالها .
(16)
لكل ما أسلفنا أَرى أَننا بحاجة لإِحياء السمات الإِيجابية للشخصية العربية، والتي
ترسم أطرها قيم التراث والدين واللغة والتاريخ كماضٍ يعبر عن الجذور والأَصالة والأخذ بعين الاعتبارحركة التاريخ كتعبير عن المعاصرة، وصولاً لشخصية إِنسانية قومية تعتز بقيمها وأخلاقها وشمائِلها وتاريخها، وتدخل المعترك العالمي المعاصر بهامة مرفوعة ومتسامية، وعلى مناهج التربية والتعليم تبنّي منظومة تربوية ذات بعد استراتيجي يحقق هذه الشخصية القادرة على رفض كل ما يمسُّ قيمها وما يهدف إلى إلغاء مقومات وجودها.
ولتحقيق كل هذا نحن بحاجة لتنشئة جيل محصن بقناعات وبإيمان عميق بذاته، قادر على التفكير ومواجهة المشكلات وحلها.. فتربية المستقبل لن تبقى مقصورة على تزويد المتعلم بالمعرفة، بل دفعه إلى الحصول على هذه المعرفة ـ أَي تعليمه كيف يحصل عليها ـ لا أن تُعطى له جاهزة... وهذا يحتاج إلى توفير مصادر المعرفة المختلفة لتساعده على البحث والمتابعة والتمحيص والغربلة وصولاً إِلى الأَخذ بما يفيد المجتمع ويطوره.. وإلى نبذ ما لا يناسبه..

ومن خلال كل هذا يتحقق وجود جيل واثق من نفسه، مقدّر لقيمه، واعٍ باختياراته قادر على تحمل تبعاتها، مدرك لحقائق التغيير العالمي.. يجيد الحديث مع العالم المعاصر بلغته من غير انجراف , ولا استهانة ، ولا استسلام ولا إذعان.. ويبقى محتفظاً بلسانه القومي وبما تسلَّمه وأؤتمن عليه من ثروة تخص تراثه الإِنساني والأَخلاقي والقيمي، فيُحسن تطويرها وحمايتها مما يخطط لها.

الـمـــراجـع

1ـ أزمة القيم في العالم المعاصر ـ رينيه حبشي ـ مجلة الأزمنة، آذار 1987م، صفحة 55 ـ 58.
2ـ كيف نتعامل مع أولادنا اليوم ـ د: كريستين نصار ـ بيروت ـ دار العلم للملايين 1993م صفحة 8.
3ـ من المسؤول ـ منير معلولي ـ المجلة التربوية ـ مركز البحوث ـ بيروت العدد الأول 1980م  صفحة 51.
4ـ جريدة الرأي الأُردنية ـ مقال د/ عبد الرحيم ملحس ـ 1/2/1998م.
5ـ جريدة الدستور الأردنية ـ مقال لخيري منصور ـ 18/6/2000م.
6ـ الخطاب العربي المعاصر ـ محمد عابد الجابري ـ صفحة 54.
7ـ جريدة الرأي الأردنية 16/8/2000م.
8ـ مشكلات المراهقة والشباب ـ فيصل محمد الزراد ـ دار النفائس الطبعة الثانية ـ بيروت 2004م  صفحة 167.
9ـ دور التربية في مستقبل الوطن العربي ـ مفيدة محمد إبراهيم ـ دار مجدلاوي، عمان ـ الأردن 2003م، صفحة 61.
10ـ فلسفات تربوية معاصرة ـ سعيد إسماعيل علي ـ صفحة 49.
11ـ تجسير الفجوة ـ سعد الدين إبراهيم ـ صفحة 17.
12ـ الخطاب العربي المعاصر ـ مرجع سابق صفحة 60.
13ـ مقالات ممنوعة ـ سلامة موسى ـ صفحة 154.
14ـ مستقبل الثقافة في مصر ـ طه حسين ـ صفحة 46، 47.
15ـ دور التربية في مستقبل الوطن العربي ـ مرجع سابق صفحة 31.