الصيام.. وسيكولوجية المجموعات

وائل يوسف

 

 

الصيام من الفروض الأساسية في الإسلام، ويقوم الصيام على التكافل بين الأفراد بعضهم البعض وكذلك الشعور بالفقراء والمحتاجين وغيرها من الأمور الأخرى سواء على المستوى الديني أو الدنيوي.

وأود هنا أن ينظر القارئ لهذه الفريضة الأساسية من منظور آخر؛ منظور سيكولوجي تنموي يصنع حضارات شعوب وأفراد، ولهذا لابد من عرض لبعض العلاقات بين المجموعات والأفراد، في إطار تعاون الفرد مع مجموعة ما أو الدخول لهذه المجموعة ودوره فيها، ودور المجموعة في تنمية المجتمع، ودور الفرد داخل كل مجموعة في ذلك.

المجموعة من منظور سيكولوجي
تتمثل المجموعات أو الجماعات من اتحاد بعض الأفراد في إطار منظم لهدف معين، يسعى أفراد هذه المجموعات إلى الوصول إليه سواء كان هذا الهدف هدف عام أو هدف خاص. فمثلا هناك مجموعات تقوم على لعبة معينة مثل كرة القدم والهدف هنا فوز الفريق، وهناك مجموعات تقوم من أجل هدف سياسي مثل الأحزاب وهكذا. ولهذا تكمن أهمية المجموعات في تحقيق الهدف الأساسى لها، وهذا يدخلنا إلى دور المجموعة ككل في تحقيق هذا الهدف، وكذلك دور كل فرد من أفراد المجموعة كوحدة مستقلة بذاته في خدمة الهدف العام للمجموعة في إطار عمله كوحدة من وحدات المجموعة.

البحث عن المجموعة
هناك من الأفراد يبحثون عن المجموعات والانضمام لها بدون هدف واضح، إنما هو يظل يبحث عن أى تجمع من الممكن أن ينضم إليه خوفا من الوحدة بدون السعي لمعرفة الهدف الأساسى لهذه المجموعة على الرغم من أن الهدف هنا قد يكون اللهو والمرح فقط، ولكن هؤلاء الأفراد لا يسعوا إلى الهدف وإنما هم فقط يخافون الوحدة، وفى الغالب يقع هؤلاء الأفراد تحت ضغوط وتكون نسبة القلق لديهم عالية نسبيا ويكون تأثيرهم في المجموعة بسيط وغير فعال ودائما تابعين لآراء الغير. ولهذا نعرض لسيكولوجية مجموعتان لكي نوضح خصائص كل منهما وكيفية تطبيق آلية الصيام في تكوين المجموعات.

مجموعة المتبلدين
وهذه المجموعات كل عضو بها يحمل العضو الآخر المسئولية دائما، فلكل هنا يتواكل على العضو الآخر في أبسط المهام، قد يكون لهم هدفاً واضحاً ويسعون إلى تحقيقه ويضعون خطوات وخطط لتحقيق هذا الهدف ولكن تصبح النتيجة ضعيفة جدا، لأن كل فرد من أفراد هذه المجموعات يعتمد على مجهود الآخر بشكل كلى أو جزئي ويصبح الوقت لديهم ليس له قيمة أو حساب ومع الزمن تفقد المجموعة الهدف الأساسى لها وتصبح كل شغلها الشاغل هو تحميل الأعباء على الأعضاء داخل المجموعة بمعنى أن كل عضو يتهم الآخر بالتقصير والإهمال فتصبح النتيجة أشبه بالعدم، وفى الغالب تفتقد هذه المجموعة للانسجام بين أعضائها ويكثر فيها الخلافات والاتهامات المتبادلة طول الوقت ويكون تأثيرها ضعيف جدا ويكاد يكون معدوماً.

مجموعة الوعي الذاتي الموضوعي
وهى من أنجح المجموعات في آداء الأعمال والمهام مهما كانت صعوبة هذه المهام، ومن سمات هذه المجموعات الاقتناع بهدف المجموعة، ووضع خطة لتنفيذ الهدف المطلوب من المجموعة مع خطة زمنية محددة، التقييم الذاتي لأفراد المجموعة في كل خطوات تحقيق الهدف، التقييم الكلى للعمل لكل مرحلة من مراحل تحقيق الهدف العام للمجموعة، يتحمل كل فرد من أفراد المجموعة مهام معينة في وقت زمني محدد بخطوات معينة، الكل يعمل كوحدة واحدة لخدمة الهدف العام في إطار عمل المجموعة ككل، وهذا هو سر نجاح هذه المجموعة بشكل جاد ومتقن.

الصيام وتنمية الشعوب والمجتمعات
إذا تأملنا فريضة الصيام نجد أن "مجموعة الوعي بالذات الموضوعي" تعمل بآلية الصيام. لأن الصيام يلزم الشخص القادر على الصيام كوحدة مستقلة بالذات، بمعنى أن ليس هناك من يستطيع الصيام بنيابة عن شخص ما "كما يحدث في مجموعة المتبلدين"، وهذه أول خبرة من الصيام وهى الاعتماد على الذات. كما يعمل الصيام في إطار مجموعة صغيرة وهى الأسرة والأحباب وهم يعملون في إطار مجموعة أكبر وهى الوطن وكل ذلك يعمل في إطار مجموعة أكبر وهى الامة الإسلامية بأسرها، والمدهش هنا هو أن الكل يعمل كوحدة واحدة في إطار مجموعة كبيرة تحتويها مجموعة أكبر في توقيت زمني واحد في أماكن مختلفة ولكن لخدمة هدف واحد ومشترك بين كل هؤلاء الأفراد على رغم اختلاف اللهجات والطباع واللون والنوع والوطن والثقافة وغيرها من الاختلافات الأخرى. استطاعت هذه الفريضة الأساسية في الإسلام أن تحقق اتحاد الامة الإسلامية في إطار مجموعة كبيرة بشكل منظم غاية في الروعة والتأمل كوحدة واحدة في زمن واحد.

لهذا تكمن عبقرية الصيام كفريضة تعمل على انصهار الفرد في خدمة المجموع بشكل منظم وهدف محدد، والكل يعمل كوحدة منفصلة بذاته؛ يدرك مهامه وأعماله، حتى تتجمع هذه المهام والأعمال في وقت واحد لخدمة هدف واحد.

نهضة الشعوب
على مر الزمان تنهض الشعوب بأبنائها ورجالها ونسائها، حين يعمل كل فرد من أفراد الشعب على خدمة الهدف العام، حينما يدرك ويحدد كل فرد مهامه ويعمل بجد دون التواكل على الآخر، ويأتي هذا بشكل تلقائي نابع من الإيمان بفكرة ما والإصرار على تحقيق هذه الفكرة أو الهدف –كما يحدث في الصيام - هنا تنهض الشعوب وتقوى، هذا ما أخذوه الغرب وتعلموه؛ العمل في مجموعات والإيمان بأهداف وإيجاد طرق لتحقيقها على أكمل وجه ممكن.

أردت في هذه المقالة أن أثبت أننا نستطيع أن نتحد على هدف واحد ونحققه ببراعة إذا توافر لدينا الإيمان والدافعية الجادة للعمل والإنجاز والعمل على أن الكل وحدة واحدة تعمل على تحقيق هدف واحد؛ نعم نحن نستطيع.