المسرح والبيئة الاجتماعية
التأثيرات في جمهور المسرح
إسماعيل عبدالله
من المعروف والبديهي لدى الجميع أن المسرح يستنبط أحداثه وموضوعاته من المجتمع، فهو عين الكاميرا التي تصوّر المجتمع بمشاهد تعرضها للجمهور على منصة العرض لكي يحكم عليها ويرى الصالح والباطل منها فيجد الحلول المناسبة لواقعه المعاش وطراز حياته اليومية، كنتيجة لعملية الانتقال الحاصلة بين طرفي العملية المسرحية (الممثل والجمهور)، وفي الوقت نفسه يمثل المسرح جانباً حيوياً مهماً من جوانب الحياة الاجتماعية إذ إن اغلب الصراعات الإنسانية والأمور الحياتية تُمثل على خشبة المسرح، ليس لمجرد التسلية والترفيه بل من أجل اكتشاف الذوات ومن أجل التطهير الذي دعا إليه أرسطو، لتوليد طاقة محفزة على التغيير الاجتماعي بدءاً من التغير الفردي لدى كل فرد من أفراد المجتمع، فقدرة المسرح على التأثير الفردي والاجتماعي هي من الأمور التي لا نجد فيها أدنى شك في المجال المسرحي، إذن هناك الكثير من المعارف التي يمكن للمسرح أن يقدمها للمجتمع بطرحه (تقديمه) المواضيع والمشاكل الأساسية على منصة العرض وإيجاد الحلول المناسبة لها، وكلما كان المسرح متوغلاً في هذه الأمور يكون من البديهي أن يُمثل المرآة التي تعكس صورة المجتمع أو واجهته التي ترتقي بها إلى مصاف التعبير الإنساني ليجتذب الاهتمام والإثارة باعتبار أنه ينجح في أغلب الأحيان في الوصول إلى هدفه المنشود في التأثير في المشاهدين أو المجتمع ككل.
المسرح يحتاج إلى بيئة صحية ونقية كي ينمو ويتطور، بيئة تتوفر فيها الكثير من العناصر الأولية والأساسية، يتنفس من خلالها المسرح وكذلك المسرحيون هواءً نقياً ينعش الأفئدة ويطهر النفوس ويحرك الدورة المسرحية الصغرى والكبرى من جديد وعلى الدوام، ولأن المسرح يتأثر بالبيئة المحيطة به وبالمجتمع تأثراً كبيراً لأنه ملتصق به ووجد من أجله، لذا تأثر المسرح بالتغيرات الاجتماعية التي طرأت على الإمارات في الفترة المصاحبة لولادة المسرح وبدايات الحركة المسرحية فيها وإلى يومنا هذا.
فالمجتمع ـ وهو مجموعة من الناس تعيش سوية في شكل منظّم وضمن جماعة منظمة ـ دائم التغير بتغير المفاهيم وتغير الأفراد، والدافع وراء هذا التغير هو أن النظام الاجتماعي الموجود لا يعبر عن إرادة الأفراد المكونين للمجتمع ،فطالما أن هناك فجوة بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون يحدث التغير للوصول إلى مجتمع يعبر عن إرادة أفراده.
ويعرف التغير الاجتماعي في أي دولة (Social change) بأنه التحول أو التبدل الذي يطرأ على البناء الاجتماعي في النظم والقيم والأدوار الاجتماعية خلال فترة محدودة من الزمن، وعوامل هذا التغيير تكون: جغرافية، وسكانية وتكنولوجية وكذلك فكرية. وطرأ على الإمارات تغييرات كبيرة قياساً بالفترة الزمنية الذي حدث خلالها هذا التغيير، إذ لعبت عائدات النفط دوراً هاماً في عملية التغير الاجتماعي من خلال استخدام عائداتها في مشاريع التنمية مما ساعد على تحول كبير في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فمثلاً زاد عدد السكان وعدد العاملين وارتفع مستوى دخل الفرد وزاد عدد المتعلمين. وكذلك يعتبر رحيل الإنجليز واستقلال الإمارات كوحدات اجتماعية في العام 1971 من أهم العوامل التي أظهرت رغبة التغيير ودعت له، ليشكل قيام دولة الاتحاد في نفس العام الانطلاقة الحقيقية للتغير في المجتمع خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط في العام 1973 التي فتحت الباب على مصراعيه للتغيير.
وبدا واضحاً التغير الذي حدث في الإمارات في الجوانب المادية (التكنولوجيا– النقل– الإسكان... إلخ) وبصورة سريعة جداً ومتلاحقة ، أما في عناصر الثقافة اللامادية (القيم والمعايير والأعراف والقوانين) كانت بطيئة كغيرها مما سبب ما يعرف باسم (الهوّة الثقافية) أي الصراع بين القيم القديمة والقيم الجديدة. لتطفو على السطح إشكاليات عديدة أحاطت بمجتمع الإمارات.. وانقسم المجتمع جرّاءها إلى ثلاث طبقات: متمسك بالقديم، وآخر متحرر نسبياً مع التمسك بالقديم في بعض الجوانب، والثالث قسم مؤيد للتغيير بكافة أشكاله.
وبما أن المسرح مرتبط بمجتمعه الذي يحيط به ويتأثر بمتغيراته، فقد ولد المسرح في نهاية الخمسينيات وبالتحديد في العام 1958 محاولاً أن يتلمس طريقه وسط حقول الألغام التي تشكلت شبكات عنكبوتية فولاذية كبّلت حركته بقيود العادات والتقاليد والجهل والفكر الديني والقيم الاجتماعية المتوارثة، ولكنه استطاع مع كل هذه المتغيرات وباقتدار أن يشق طريقه وسط الألغام ويحقق لنفسه تواجداً مهماً في الساحة الاجتماعية والثقافية.
وعلى الرغم من مروره بعدة محطات بين نجاح وإخفاق وتألق وخفوت استطاع أن يصمد ويخرّج أجيالاً تعاقبوا على حمل مشعله والسير به بعيداً إلى آفاق أكثر رحابة.
ولعل المتابع للحراك المسرحي في الإمارات سيتلمس العديد من التجارب والمحاولات التي اتسمت بنصيب وافر من النضج والتكاملية الفنية التي تؤكد وتقدم دلائل ملموسة على أن الساحة المحلية باتت قادرة على أن تقدم نفسها من الساحات المسرحية الرئيسة في منطقة الخليج إن لم نقل على مستوى الساحة المسرحية العربية.
ولكن المتغيرات تسارعت وتيرتها بشكل مدهش ومذهل منذ بداية عقد التسعينيات وإلى يومنا هذا، مما أربك العديد من المشاريع الثقافية التي أُسقط في يدها ولم تعد قادرة على التواصل بحميمية وشفافية وموضوعية، مع مجتمعها وقضاياه الآنية الملحّة. ولعل المسرح أكثر المتضررين من هذه المتغيرات التي جعلته بعيداً عن السرب مغرّداً خارجه.
ومرَّ المسرح الإماراتي بفترات عصيبة، نتيجة الخلل الذي أصاب علاقته مع جمهوره، وخشي أهل المسرح من ابتعاد الجمهور عن المسرح وانشغاله في أمور حياته اليومية والمعيشية، وسط المتغيرات التي طرأت على المجتمع الإماراتي، إثر الطفرة النفطية مصحوبة بمشاريع تنموية في الجوانب الاقتصادية والعمرانية والتجارية، إلى جانب ما أفرزته بعد ذلك رياح العولمة من ضبابية اكتنفت مستوى القيم والعادات والتقاليد، ومعايير السلوك والأفكار.
ذلك على الرغم من أن المسرح في الإمارات بدأ جماهيرياً «في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات» من القرن الفائت بسبب الخط الوطني والقومي الذي انتهجه، وقيامه بتوعية سياسية وقومية خاطب من خلالها وجدان وطموحات المواطن في الإمارات، والذي كان على قدر كبير من الوعي القومي، وانشغل حينها الكتّاب والمخرجون بقضايا مجتمعهم الإماراتي والعربي، نتيجة المد القومي الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم العربي، ما جعل الجمهور يتفاعل مع المسرح وما يطرحه من أفكار وقضايا تتعلق بالوحدة ومواجهة الاحتلال والتمسك بأم القضايا العربية المصيرية فلسطين. هذا إلى جانب القضايا الاجتماعية التي كان يصر على طرحها، وكشف سلبياتها ومحاولة معالجتها وفقاً للمعايير والمفاهيم التي كانت سائدة وقتذاك.
من هنا تظهر على السطح بعض التساؤلات التي تفرض نفسها على كل متابع لواقع الحركة المسرحية في الإمارات، هل يصح القول إن المسرح في الإمارات لازال بعيداً عن الوصول إلى الجماهير العريضة، وبالتالي لا يتسنى له التعاطي والتأثير والتأثر ويصبح كما هو المسرح في حقيقته، وفي علاقته الطبيعية بالبيئة التي ينشأ فيها؟
هل استطاع مسرحيونا أن يكونوا مرايا ولسان حال واقعهم؟
هل استطاع مسرحنا حقاً أن يدخل كترسٍ في عجلة التنمية؟ هل تشكل صوته المؤثر في الجماهير؟ هل استطاع حمل رؤى وأحلام وطموحات وآلام وأوجاع بيئته والتحم بالمارة في عرض الطريق؟ وبالتالي بلغ هويته؟
مثل هذه الأسئلة تثير الحفيظة في الحالتين، حالة الدفاع عن منجزات المسرح المحلي، وحالة الشعور بأن هذا المسرح يصرخ وحيداً، أو مع نفر قليل، فوق خشبة مركونة في طرف المدينة؟
كيف يتحقق لمسرحنا المحلي الضدان؟ نجاح كبير ومشهود له على صعيد التقانة والصنعة والفكر، وإخفاق في الوجود في حياة الناس ويومياتهم؟
المجتمع - التركيبة السكانية:
إن الأرقام الإحصائية في الإمارات، وفي واقع سكاني غريب ومرير ، تعترف بأن المسرح الإماراتي لا يزال يتعاطى مع ما نسبته أقل من 10 في المائة من المتلقين، من الجمهور.. أي أن مسرحنا في الأساس هو متوجه بموضوعاته وأطروحاته إلى فئة قليلة من مجمل السكان.. فالسكان في غالبهم لا يتحدثون لغة المسرح الإماراتي، وبالتالي فإن إمكانية تأثير المسرح في بيئته لا تتحقق لمسرحنا، الذي هو غريب ويتيم وسط طوفان من الثقافات الأجنبية والوافدة.. وهو بذلك أيضاً لا يمثل الشارع العام، ولا ينطلق منه، ولا يتصل به، ربما يتأثر به وهذا التأثر يسبب زيادة في غربته،. فطوفان التركيبة السكانية الذي عصف بجميع تفاصيل البيئة وثقافتها، لم يُبق للمسرح إلا حيزاً صغيراً متمثلاً في تلك النسبة الضئيلة من الناس الذين يعنيه أمرهم. وهو واقع مؤلم ومخيف أيضاً، أو عليه أن ينتحر في سبيل ان يقدم نفسه ويثبت وجوده.. والانتحار هنا ليس بمعنى الفناء الاختياري، ولكن بمعنى أنه بحاجة إلى تجاوز قدراته وإلى أقصاها، وهذا يحمّله ما لا يحتمل.. فصناعة المسرح عندنا لا زالت ضعيفة الإمكانات نتيجة لفقر الدعم وفقر التمويل.. فمهمة مثل هذه، تكاد تكون مستحيلة تتطلب إمكانات هائلة.. وإذا ما كنا نريد لمسرحنا أن يحمل مشعل بعث الهوية وسط طوفان من الهويات الغازية، فعلينا أن ندججه بالإمكانات التي يحتاجها.
فمسرحنا إذا أراد ان ينتصر لهويته وخصوصيته وأصالته وعروبته وإنسانيته فأول ما عليه فعله هو الوقوف في وجه هذا الطوفان الذي يراد له ان يستوطن ويصبح جزءاً من الواقع، ولأن المسرح لا يتعاطى إلا مع الواقع، فإنه لا مجال له سوى حتمية واحدة، وهي النضال وبشراسة للقبض على هذا الواقع والتمكن منه.
فكيف سيكون ذلك؟
كيف سيتمكن مسرحنا من القبض على الهوية وتعزيزها بما يتأتى له من فن وفكر وإبداع؟ كيف له أن يسير في جموح الخيال وشطح الإبداع دون أن ينزلق في تيار الاستهلاك ودون أن يتلاشى في دوامة طوفان التركيبة السكانية، ولكي يتمكن أهل المسرح من ممارسة لعبتهم التي يحبون، عليهم أولاً مراجعة الكثير من أوراقهم، وتأمل تجربتهم بعيون ثاقبة وناقدة، وعليهم أن يذهبوا بعيداً في علاقتهم بالمسرح باعتباره فناً صعباً وليس سهلاً، وباعتباره أداة تنوير لا أداة تخدير..هناك حاجة ماسة جداً لكي يستوعب قطاع كبير من مسرحيينا أهمية المسرح، كلغة مقاومة للجهل، وأنه ليس فناً ترفياً، بل هو رسالة، وله دور فاعل في الحياة. هناك حاجة ماسة لإعادة تثقيف المسرحيين وربطهم بقضايا وطنهم وهموم مجتمعهم، إذ علينا أن نعترف أن كثيراً من أفراد القطاع المسرحي يتغافلون المهمة الكبيرة الملقاة على عاتق هذا الفن في علاقته ببيئته وعلاقته بالإنسان.. فهم بحاجة إلى دعم ، واستراتيجية عمل مؤسسة على الوعي بالظروف التي تمر فيها الهوية والأصالة..
المجتمع - العادات والتقاليد
يولد الإنسان بلا خبرة، ثم يبدأ في التأثر بمن حوله، فيأخذ عنهم عاداته وتقاليده، وبذلك تنتقل العادات والتقاليد من جيل إلى آخر. وتظهر العادات والتقاليد في الأفعال والأعمال التي يمارسها الأفراد، ويعتادونها، وتمثل برنامجاً يوميّاً أو دوريّاً لحياتهم.
والعادات هي ما اعتاده الناس، وكرروه في مناسبات عديدة ومختلفة. أما التقاليد فهي أن يأتي جيل، ويسير على نهج جيل سابق، ويقلده في أمور شتى. والعادات والتقاليد سلسلة تنتقل حلقاتها من جيل لآخر، وقد يصاحب هذا الانتقال بعض التغيرات بالزيادة أو النقصان، سلباً أو إيجاباً، بما يتفق مع ظروف وقيم كل جيل، وقد تتلاشى الوظيفة الاجتماعية للعادات أو التقاليد، أو تنتهي نتيجة تغير الظروف الاجتماعية، إلا أنها تبقى بفعل الضغط النفسي الذي تمارسه على الأفراد الذين اعتادوها، وشعروا أنها تمنحهم الأمن والاطمئنان، وتضمن تماسكهم في مواجهة أية تغيرات جديدة.
وقد تأثر المسرح بعادات وتقاليد المجتمع السائدة الذي نشأ فيه، فقد بدأ المسرح يمد جذوره بصعوبة في التربة الثقافية المحلية، حيث كانت التقاليد والعادات القبلية والبدوية القديمة تقاوم بضراوة رياح التمدن، وكل الجديد في الحياة الذي هبّ عليها من كل جانب.
حيث واجه المسرح ومشتغلوه معضلات كبيرة ومؤزمات جمّة تجلت في انقسام المجتمع حياله بين رافض كلياً للمسرح وبين مؤيد له وبين فئة وقفت على الحياد. وبين هذه الأضداد تولدت العقبات في طريق المسرح نتيجة ارتباط المجتمع بحبل موروثه السري من العادات والتقاليد، فعلى سبيل المثال، وقف حجر العادات والتقاليد عثرة في طريق العنصر النسائي الذي رفض رفضاً قاطعاً تواجده على خشبة المسرح، أو حتى مجرد دخوله للمسرح أو الاقتراب منه حتى ولو من بعيد.. مما أدى بدوره إلى اقتصار المسرح في الإمارات على الرجال، ممثلين ومخرجين ومؤلفين وفنيين، الأمر الذي انعكس بالسلب على واقع الحركة المسرحية الفتية وقتها، وتقدمها وتطورها، فالمرأة نصف المجتمع، والمسرح في ذلك الوقت تحول إلى مرآة مشوهة أو مكسورة، تعكس الحياة بجانب ذكوري بحت.
هذا الأمر، جعل المشتغلين بالمسرح ينقسمون إلى قسمين.. قسم فضل الاعتماد على المسرحيات التي لا تحوي عناصر نسائية في شخصياتها، وبهذا فهو يوفر على نفسه الكثير من المصاعب والانتقادات والمشاكل التي هو وفريقه في غنى عنها، أما القسم الآخر فقد قام باستحداث ظاهرة انتشرت في الإمارات وفي الخليج وفي معظم البلدان العربية التي بدأت ملامح الحركة المسرحية تظهر فيها، فكان تشخيص أدوار النساء من قبل الممثلين الرجال أنفسهم، وذلك بارتدائهم العبايات ووضع الباروكات أو أغطية الرأس النسائية على رؤوسهم، والتليين من أصواتهم وترفيعها من أجل الوصول إلى حالة قد يقتنع الجمهور بها. ومع أن هذا الأسلوب انتشر وأخذ حيزاً كبيراً في معظم الأعمال المسرحية التي ترتكز على شخصيات نسائية، إلا أن المجتمع أيضاً استهجن هذا الأمر ورفضه، باعتباره يدعو إلى استمراء الرجل، الرجل الذي هو عماد المجتمع وعموده بحكم العادات والتقاليد.
كما أثرت العادات والتقاليد وخصوصاً القبلية منها، بعدم انضمام أو التحاق الشباب بالفرق المسرحية، أو بالمجموعات الهاوية للمسرح من أجل تقديم مسرحية هنا أو هناك، حيث إن مبدأ الرفض يتمثل في أن المسرح بيئة غير صحية – باعتقاد هؤلاء – وأنه مكان للفجور وملهاة عن العمل والأمور الحياتية الأخرى، بالإضافة إلى نظرة السخرية التي يتحصل عليها المشتغلون بالمسرح وخاصة الممثل، باعتباره يقف على الخشبة والناس ينظرون إليه ويتابعون حركات جسده وتقلبات الكلام بين شفتيه.
فالعادات والتقاليد الاجتماعية فرضت قيوداً حديدية على ممارسي المسرح، وقد أدرجتهم ضمن قائمة الرعاع من الناس، حتى إنه حين يتقدم مسرحي لخطبة فتاة ما، من عائلة فقيرة أو غنية، ذات أصل عريق أو متواضعة، فإنهم يرفضون ذلك الشخص رفضاً قاطعاً لا لشيء سوى أنه يعمل في ذلك المشؤوم الذي يسمى المسرح.
وكذلك، وقفت العادات والتقاليد سداً منيعاً أمام تمثيل بعض الممثلين الأدوار الحقيرة والشاذة على الخشبة من وجهة نظر المجتمع المتعصبة، كشخصية السكير أو شخصية الرجل المتشبه بالنساء أو شخصية اليهودي الحقير، كون أن مجتمعاتنا العربية مجتمعات يغلب على أحكامها صوت العاطفة، فتلاحظ أن ندرة من الممثلين يقبلون بتمثيل هذه الأدوار خشية النقد والموقف السلبي الذي يتخذه المجتمع منهم.
وعلى الرغم من التطور الموجود وزمن العولمة الذي نعيشه بالتكنولوجيا التي جعلت العالم قرية صغيرة متقاربة، ما تزال تلك النظرة الدونية لمشتغلي المسرح قائمة وواضحة ومستخدمة، بل هي في بعض المجتمعات المغلقة أكثر مما كانت عليه في بدايات المسرح، لذلك لم يتم التغلب على ظاهرة عزوف الجمهور عن المسرح إلى الآن، ومرد ذلك ـ كما أسلفنا ـ إلى تلك النظرة الدونية ذاتها، بالإضافة إلى أن المسرح لم يتغلغل في الحياة الثقافية للمجتمع ولم يصبح جزءاً لا يتجزأ منه، وكذلك لجهل بعض المشتغلين في المسرح بما يصح تقديمه على الخشبة وما هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه، عدا أن النظرة السائدة إلى يومنا هذا إلى المرأة التي تتعاطى مع خشبة المسرح.
بما أن المسرح مرتبط بمجتمعه الذي يحيط به ويتأثر بمتغيراته، فقد ولد المسرح في نهاية الخمسينيات وبالتحديد في العام 1958 محاولاً أن يتلمس طريقه وسط حقول الألغام التي تشكلت شبكات عنكبوتية فولاذية كبّلت حركته بقيود العادات والتقاليد والجهل والفكر الديني والقيم الاجتماعية المتوارثة
المجتمع – المد الديني
إن المتتبع لمسيرة التطور الثقافي في المجتمع الإماراتي يلحظ الأثر الكبير لقادة الرأي غير الرسمي ، وهم العلماء و الدعاة في تشكيل المواقف الشعبية والتأثير في توجهات فئات المجتمع المختلفة. وسبب ذلك ظاهر وجلي، وهو أن المجتمع الإماراتي مجتمع متدين ومحافظ. والتنشئة الاجتماعية والسياسية لأفراده قامت على أسس من العقيدة والشريعة في كل مجالات الحياة. ولذلك كان للدعاة القبول من الرأي العام باعتبار ما يحظون به من مصداقية وثقة. فهم المؤثرون الذين يخرجون من أنساق المجتمع، المرتبطة جميعها بالعامل الديني المهيمن على ثقافة المواطن.
فارتفعت عالياً من كل مكان نداءات تندد بالمسرح وتشجبه، وتدعو لمقاطعته، إن هذا الفكر كان له التأثير الكبير والمؤثر سلباً في واقع الحركة المسرحية في الإمارات، فتحول المسرح لدى دعاة هذا المد ومتبعيه، إلى شيطان يغوي كل من يلتحق به أو يدخله، حتى عند غير المتطرفين دينياً، بات يندرج عندهم ضمن قائمة المشبوهات والمكروهات التي يفضل الابتعاد عنها.
المجتمع – الرقابة
تعتبر الرقابة هاجساً مؤرقاً للمسرحيين العرب منذ نشأة المسرح العربي حتى اليوم. فالرقابة تشكل طرفي صراع بين المبدع وسيف الرقيب. ولعل المسرح واحد من أخطر مناطق الاحتكاك المتوتر بين هذين النقيضين، لأنه جماهيري يعمل على حشد مئات الناس في مكان واحد ثم يوحدهم في بوتقة المقولة الفكرية والسياسية التي يوجهها العرض المسرحي الذي ينفذ إلى العقول والقلوب ولأنه يعاد يوماً بعد يوم يزداد التوحد مع تلك المقولة مما يمهد للنقمة التي قد تتصاعد إلى الذروة حتى تصل إلى التحرك الجماعي. فالمسرح ماكر لأنه يتحايل على ما يريد قوله، فلا يكاد الرقيب يتمكن من القبض على أقواله وأفعاله إلا بصعوبة.. لهذا كانت مراقبة المسرح من أشد أنواع الرقابة.
وتتعدى مراقبة المسرح إلى أصحاب التزمت الأخلاقي والديني، وبهذا الشكل تتسع جبهة خصومه الذين يتكاتفون عليه ومن وراء الطرفين يقف رجال المال يمولون الحملات على المسرح ورجاله. وفي المسرح العربي وحتى منتصف القرن العشرين اعتبرت الحالة الرقابية محيطة بالمسرح العربي منذ نشأته وليس المحلي فقط ، فمارون نقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنوع لم يسلموا من الرقيب و أوقفت بعض أعمال لهم لكثرة الناقمين عليهم، سواء كان المستعمر تركياً أو فرنسياً أو إنجليزياً. حيث إن المسرحيين أنفسهم كانوا يستفزون المستعمر إذ جعلوا من فتح البلدان الإسلامية ومن الحروب الصليبية مادة أساسية لموضوعاتهم المسرحية وكان خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي أبرز الشخصيات التي دارت حولها المسرحيات التاريخية. ولم تسلم الإمارات من أذى المحتل وتعنته وتسلطه، ففي بواكير الانطلاقة الأولى للمسرح المحلي أوقف البريطانيون عرض مسرحية وكلاء صهيون والتي خرج المشاهدون بعد عرضها في مظاهرة احتجاج طافت شوارع المدينة. فالمسرحيون كانوا يقدمون النص إلى قلم الرقيب فيعود النص وقد حفل بالحذوفات والتغييرات. وكثيراً ما قدم الممثلون النص على خشبة المسرح بشكله الأصلي مما شحن الأمور من جديد بينهم وبين ذلك الرقيب. وهذا الأمر كان يجري في معظم الأقطار العربية الأخرى مثل ليبيا وتونس والجزائر والأردن ولبنان وغيرها والملاحظ أن المسرحيين لم يكونوا يعبؤون كثيراً بحدود الرقابة عليهم، بل كانوا شديدي التحايل على الرقيب والمكر به وتقديم ما يريدون وسبب ذلك أن قضيتهم الوطنية والاجتماعية كانت من همومهم الأساسية التي لا يمكن أن يتخلوا عنها..
ثم بدأت بعد ذلك مرحلة جديدة من التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي انبثق عنها فهم جديد للمسرح فعاد إلى الحياة..لكن هذه العودة كانت شبه مقطوعة الجذور عما سبق. ولكي يبقى المسرح تحت عين الرقابة فقد عملت الأنظمة العربية بعد الاستقلال على جعل المسرح رسمياً في أكثر الأقطار العربية ودعمه مادياً وتقنياً لكن رغم هذا الدعم لم يفلت أي عمل مسرحي من الرقيب. وفي خارج المسرح الرسمي صار النشاط المسرحي مرتبطاً في أكثر الأقطار العربية بالمنظمات الشعبية والتجمعات الفنية كالأندية ومنظمات الطلاب والعمال وغيرها. بهاتين الوسيلتين حققت الدولة سيطرتها على الحركة المسرحية في الأقطار العربية.
إلا أنه في مرحلة الانقلاب على الشعارات التي طرحت سابقاً لجأ المسرحيون إلى التاريخ والرمز وأساليب العبث لطرح الأمور التي تعتبر هاجسهم، وهذا ما أدى إلى اختفاء المسرحية الواقعية إلا ما ندر. حيث مال المسرحيون نحو الشكلانية تحت حجة التجريب فهجروا ما يمس الحياة، ولم تعد الدولة بحاجة إلى مراقبة المسرحيين. ففي الإمارات مثلاً، وعلى الرغم من أن هناك فسحة من الطرح بحرية وبعيداً عن سيف الرقيب، إلا أن الأمر لا يخلو من منغصات ذلك الرقيب نفسه بين حين وآخر، مشهراً سيفه الرسمي والمدعوم بالسلطة التنفيذية، لإيقاف عمل ما هنا وهناك، بدافع الحفاظ على الموروث أو الدين أو أنه خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو حتى الوقوف عليه. هذا الأمر، جعل من المسرحيين رقباء على أنفسهم، وعندما يعود المسرحيون إلى خوض معاركهم القديمة على الخشبة ومناقشة الحياة بوضوح وجرأة وواقعية فسوف يجدون وجهاً جديداً من الرقابة يتلوّن ويتبدل وفقاً لمتغيرات وضرورات وجوده. فالحرية شرط لازدهار المسرح، وهذا حق شرعي لكن هذه الحرية لا تعطى هدية وإنما تنتزع انتزاعاً.. وحين يحصل المسرحيون على هامش كافٍ من الحرية يستطيعون أن يقدموا أعمالاً إبداعية ترضي أنفسهم وترضي الجمهور.
خاتمة: ولأن السؤال عن المسرح والبيئة الاجتماعية التي تحيط به، هو سؤال صدامي واستفزازي، فقد أسس حوله نقاشاً واسعاً وعريضاً، وأنشأ الاختلاف، سواء في الرؤية، أو في الرأي، أو في الموقف، وتعددت بشأنه الأفكار، وتداخلت، وتناقضت، وتضاربت. وبقي هنا أن نشير إلى أن المسرح لا تقوم له قائمة إذا لم يلتصق بالمجتمع وينصهر فيه، محلقاً في سماوات الجمال الذي أوجد المسرح من أجلها فتستطيع وحدها تشجيع الجمهور لوصل القطيعة مع المسرح، باعتبار أن الجمهور هو المجتمع المسرحي الذي يتصدى له جميع المشتغلين في المسرح.
لقد أدرك بريخت الوظيفة الاجتماعية للمسرح كقيمة، ولم يهمل المتعة كقيمة إنسانية أيضاً، فهو يربط جمال المسرحية بفائدتها، وكما ورد في كتاب «مسرح التغيير»: «ليس هناك من قيمة للفن الذي لا يهدف سوى التعليم، ويعتقد أنه سيفعل ذلك باستعمال العصا، متجاهلاً كل الأساليب المختلفة الموضوعة تحت تصرف الفنون، وهذا لن يعلم الجمهور بل سيضجره، إن للجمهور الحق في المتعة».
|