عبد القادر الريّس

 

تفرد في الانسياب مع الماء والسيطرة على تقنيات الفراغ

منذ بداياته المبكرة اختار الفنان عبد القادر الريس أكثر الدروب الفنية وعورة وصدقاً من خلال اشتغاله على الألوان المائية وعلى مدى سنوات طويلة، تعبيراً عن إرادة مؤكدة للسير على درب الإبداع الشاق الذي يوصل في نهاية المطاف إلى الاسترخاء في أحضان السرائر الفنية الرفيعة.

ولاستشراف التكنيك الفني عند الريس سنلجأ إلى فنون التصوير المائي عند الصينيين بوصفها المعيار الأكثر حضوراً في فن الأكواريل، وباعتبار أن الريس تفرّد في استخدام الألوان المائية والسيطرة على تقنيات الفراغ، والتداعي مع الانسياب الشفيف للماء، بالإضافة إلى ابتكار أُسلوبية خاصة جاءت عطفاً على امتلاء ودربة مديدين، ودونما قسر وعُسر، وتمثّلت تحديداً في البُعدين اللونيين الذهبي والبنفسجي مما يُلاحظ في أعماله، وفي كلا البعدين نلحظ ذلك التجويز الإبداعي، والاعتلاء بمقام الضوء، واستشراف ما بين المرئي المباشر، والمرئي الحقيقي، بما يذكرنا بمجد التأثيرية الفنية، عندما كان سيزان وفان جوخ ودي تولوز لوتريك وكاميل بيسارو يرسمون ما يرونه وراء الأبعاد اللونية المباشرة، ويتجاوزون المدرسة الكلاسيكية تجاوزاً يتخطّى بالامتلاء، ولا يتنطّع على ما كان، فالتأثيرية جاءت عطفاً على ثورة معرفية، وأحوال وجودية فرضت سياقاً جديداً للنظر والتعبير.

الريس التأثيري الأول في الإمارات، وربما في العالم العربي، ولكن بأدوات تخلقت في مرسمه وترعرعت بين أنامله وتفرّدت بمزاجها الخاص جداً، وانتمتْ عضوياً إلى المكان والزمان وما بينهما من تضاعيف وألوان.

إن مدرسة الريس تذكرنا بالتصوير المائي عند الصينيين، تلك المدرسة التي تعتبر واحدة من أكثر المدارس الفنية استعصاءً وصعوبةً، فالرسم المائي الصيني يعتبر الركن الركين في تأهيل الفنان، ومن لا يجيد الرسم بالماء ليس له أمل في التعامل مع المواد الأخرى، ومن لا يستطيع تمرين عناصر الفعل الفني أثناء تنفيذ الرسم بالماء ليس له أمل في أن يكون مصوراً محترفاً .

مركزية الألوان المائية
تنطلق الرؤية الصينية في اعتمادها مركزية الألوان المائية من مفاهيم "التاو" الفلسفية التراثية والتي ترتقي عند التاوية والبوذية إلى مستوى العقيدة الدينية. تلك المفاهيم التي ترى الماء بمثابة ترميز لعناصر الوجود المختلفة، فالماء قرين البخار الذي بتكثُّفه يتحوّل إلى أصله، وهو أيضاً قرين الثلج الصلب الذي يذوب كيما يصبح ماءًً.

وما الخلق في التمثال إلا كثلجة
وأنت بها الماء الذي هو نابعُ
والماء سمة شاملة في الأثير المرئي، وهو إلى ذلك يتمتّع بخاصية التمازج مع مختلف الألوان والعناصر والروائح. إنه المعادل الكُلّي لبقية التشيؤات والظواهر، فبدون الماء لا تنبت التربة، وبدون الماء لا تستقيم الحياة، وبدون الماء لا مكان للألوان وتمازجاتها.

يعتقد التاوي الصيني أن الأُفق البعيد أقرب إلى الماء، وأن تأثيرات أشعة الشمس في المرئيات البعيدة تجعل منها سديماً أو " سراباً بقيعة يحسبه الضمآن ماء"، وفي مفهومهم أن الماء لا يُعرف إلا بغيره من العناصر، كما أن العناصر المختلفة لا تُعرف إلا بالماء، والحال فإن الماء يتمتّع بخاصية التناغم مع الأوعية الحاضنة، كما أنه قادر على الانسياب في مختلف الاتجاهات، فالثلوج الذائبة تتحوّل إلى مياه جارية، والأنهار تشق طريقها إلى مختلف المسارب والمسارات، والمياه الجوفية تتموضع في طبقات الأرض السفلى بكيفيات متعددة. والماء المقرون بالنماء والحياة والازدهار قادر على أن يكون أعتى قوة مدمرة، وقد أثبتت التجربة أن الماء كفيل بتدمير أكبر القلاع وأكثر السدود قوة، وأنه يستخدم أحياناً في قطع بعض المواد العصيّة على التقطيع بالأدوات الإعتيادية !

لهذه الأسباب مجتمعة كان الرسم بالماء أول اختبار لمن يريد تجاوز عتبة التعليم الفني إلى الاحتراف، وقد تفنّن الصينيون في أدوات الرسم بالماء وابتكروا مناهج ونظريات لونية مغايرة لمألوف النظريات اللونية الأوروبية، فاللون لديهم ليس واحداً بل متعدد، فالأسود ليس لوناً واحداً بل عدة ألوان ، وكذا الحال بالنسبة لبقية ألوان الطيف. وعندهم مفهوم التدرج يحل محل التنوع.

تحولات اللون
ولمزيد من معرفة مفهوم اللون عند الصينيين لابد من الوقوف على الرؤى والمقاربات التي وجدناها في الآداب العربية والأوروبية حتى نتبيّن الفوارق الرئيسية بين ما ذهب إليه الأوروبيون وما يعتقده الصينيون .

وبحسب قراءات سابقة وجدت أن " الفارابي" كان قد وضع رسالة قصيرة عن الألوان واستخدم فيها البرهان العقلي بالتجاور مع الرؤية البصرية، وعندما تحدث الفارابي عن الألوان لم تكن الاكتشافات العلمية قد بلغت مرحلة متقدمة، لكنه توغّل في استنطاق الشواهد وأعمل المنطق الشكلي والعقلي محاولاً إثبات أن الأسود ليس لوناً !! وأنه رديف للظلام أو عدم الرؤية، وقال بأننا نعرف الأسود لوجود ألوان أخرى بجواره بدليل أننا لا نرى أصابعنا في مكان حالك الظلمة .. غير أننا يمكن أن نراها حالما يتسرب الضوء إلى ذلك المكان .

أما بالنسبة لبقية الألوان فإن الفارابي أعطاها حقها الكامل في الوجود الموضوعي والبصري، كما أظهر من خلال رؤيته المقتضبة درجة الشغف العلمي الذي وصل إليه أسلافنا الكبار ممن كانوا يريدون استنطاق المستحيل بالرغم من شحة الأدوات المعرفية والمختبرية .

وبنقلة زمنية واسعة إلى المرحلة التأثيرية في فن التصوير الأوروبي سنرى أن اكتشاف ألوان الطيف أوصل علماء الألوان إلى قناعة بأن الأبيض هو المعادل السحري لبقية الألوان، لأنه الأقرب إلى الشفافية بالرغم من كونه غير شفاف، وبهذا المعنى انعكست المسألة رأساً على عقب، فبدلاً مما ذهب إليه الفارابي حول اللون الأسود، جاء الاكتشاف ليؤكد حيادية ومركزية اللون الأبيض .

وبالمناسبة يجدر بنا هنا أن نعود إلى الفارابي مجدداً، لأنه كاد أن يعتبر الأسود معادلاً لبقية الألوان، ولكن دون التصريح الواضح بذلك .

عند التأثيريين الأوروبيين اللون هو ما نراه لا ما نعرفه .. فإذا اكتسى جذع الشجرة لون الخريف أو الشتاء فإن ذلك هو اللون الأصلي، وليس ذلك الكامن في أذهاننا "اللون البنّي".

هذا المنهج هو الذي حكم النزعة اللونية عند التأثيريين الذين استطاعوا التحرر من الثوابت اللونية للمدرسة الكلاسيكية .. كما استطاعوا توظيف اللون الأبيض كمعادل يتماهي ويحرك إيقاع بقية الألوان .

التحول المطلق والتدرج الدائم
عند الصينيين اللون الأبيض ليس بأبيض .. والأسود ليس بأسود !! ، وكل لون وأي لون هو ذاته وليس بذاته !! ، ويعتقدون أن كل لون يتدرج حتى تنتفي كينونته الأولى، فالأسود يمكنه أن يتحوّل إلى لون آخر بالتدريج، وهذا ينسحب على بقية الألوان !.

هذه النظرية اللونية تنسف من الجذور كامل المذاهب اللونية الأوروبية وما سبقها لأنها تعتقد أن اللون ليس إلا ترجماناً للطبيعة .. والطبيعة بحسب فلسفة " التاو " الصينية التي أسلفنا الإشارة إليها وعاء يتسع لكل شيء ولكل لون، ويرى أنصار هذه الفلسفة أن الماء والهواء هما أصل عناصر الطبيعة، وكلاهما يكتسب ألوان المواد الأخرى، وكلاهما قابل للانسياب في كل الأوعية .
تلك الرؤية التي أشرنا لها ليست فيزيائية فقط بل إنها فلسفية تعتمد على نظرية التحوّل المطلق والتدرج الدائم والانسياب الذي لا ينقطع .

ما كان للعقل البرهاني الأوروبي أن يستوعب بسهولة مثل هذه الرؤية الصينية، خاصة وأن البرهان الأوروبي يستند إلى العلم الصرف، ولا يرى أبعد مما تقدمه المختبرات، وتراه الأعين، وتلمسه الأيدي، وتلك هي المفارقة الأساسية بين الشرق البعيد والغرب الأوروبي.

أما بالنسبة لنا نحن العرب فإننا نتذبذب بين الطرفين، فيما نميل كثيراً إلى المدرسة الأوروبية لأنها مدرستنا العصرية بامتياز!، لكننا نحتفظ في عوالمنا الداخلية بوشائج تجرنا إلى ذلك العمق المشرقي البعيد، غير الغريب على كثير من أسماء تاريخنا العامر بالعلماء والمجتهدين أمثال الفارابي.

الذين يستعيدون جوانيات الذات العربية المشرقية لا بد لهم أن يصلوا إلى حد من التروْحُن الفني، يُسعفهم للانعتاق من فيزيائية وصرامة المدارس الأكاديمية، ولهم أن يقرؤوا الصورة خارج " الماكرو" إلى " الميكرو " .. أي أن يعتنوا بالاشتغال في فضاءات التفاصيل الصغيرة التي تضفي ديناميكية خاصة على البناء المشهدي، الصارم في ظاهره، المتنوع في تفاصيل أبعاده، وهذا بالذات ما يمكن أن نراه عند الفنان عبد القادر الريس، فالفنان يضبط البناء الأول دون فذلكة وتخبط، ثم يبدأ في اشتغالاته المفتوحة على التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل مما يحيل بعض أعماله " الجزئية جداً " في موضوعاتها إلى مدهشات بصرية وجمالية دونها التقاطاته لأجزاء من فنون الخشبيات القديمة " باب ونافذة " .

ما كان لفنان ان يترسّم الطريق إلى الفرادة لولا ترويض كل أجزاء الجسد وتدريبه، فالمصور الفنان لا يرسم بيديه فقط، بل بعينيه وكامل جسده، وقد اطلعت شخصياً على طريقة التدرب على رسم الخطوط المستقيمة عند الصينيين، فوجدت أن تدريبات رسم الخط المستقيم يتم على جدار طويل يمتد لعشرات الأمتار، فإذا أفلح المتدرب في رسم الخط المستقيم بالاعتماد على حاستي النظر ودقة التنفيذ أُفسح له المجال لتجاوز امتحان الخط، ورأيت أيضاً أن الضربة بالفرشاة لا تتم بكيفية واحدة، ولا قاعدة لها، غير أنها تتناغم مع حركة الجسد بطريقة تؤدي الغرض المطلوب وتُمتّن الموسيقى البصرية .

عبقرية الأنامل
علمياً لا يستشعر الإنسان حاسة اللمس بواسطة الأداة المباشرة وهي اليد، بل عن طريق الدماغ وفي مستويين: المستوى الأول يتعلق برد الفعل السابق على الفعل والصادر أساساً من الدماغ، ورد الفعل هذا قد يكون إرادياً وقد يكون لا إرادياً، ففي حالة الاستشعار بضرورة ملامسة شيء ما لسبب ما، تكون الإشارة الصادرة إرادية، أي سابقة على الفعل، وفي بعض الحالات تكون لا إرادية، أي مترافقة مع الفعل، كما يحدث عندما يتصرف الإنسان بتلقائية مستخدماً يديه وهو في لحظة حرجة من سياقة السيارة، فيتلافى حادثاً مؤكداً دون أن يتوقع ذلك، ويحدث هذا الأمر أثناء الزلازل والكوارث الطبيعية حيث تتضافر الحواس في ردود الأفعال التلقائية المتناسبة مع الخطر، ولكن دون إدراك أو تخطيط مسبق لمواجهة الخطر الداهم.

يقول العلماء إن للإنسان دماغين : دماغ يتعامل مع الأحداث اليومية والتداعيات الطبيعية في الحياة، وآخر يتعامل مع ما يتجاوز هذا المستوى، ويسمونه الدماغ الأصغر، ويقولون بأن هذا الدماغ الأصغر يقوم بأدوار أخطر وأشمل مما يقوم به الدماغ العادي الذي يتربع على رأس الإنسان، ولهذا الدماغ الصغير مسؤولية الإشارات والذاكرة الموغلة في التقادم، وفضاءات الأحلام، والتكشّفات الخارقة للعادة، ومنه تستمد الحواس قدراتها الاستثنائية بما في ذلك القدرات الاستثنائية لليد البشرية، والمعلوم أن عيسى عليه السلام كان يعالج المرضى بلمسة من يديه، والمعروف أيضاً أن بعض أساليب المعالجة في الطب الشعبي يعتمد على قدرات اليدين سواء في التدليك أو التحمية الموصولة بتيارات كهربائية خاصة، وحتى التمسيد الخفيف الذي يستمد قوته من الدماغ.
كثيرون منا يذكرون كيف كانت لمسة على رأسه تمنحه الهدوء والطمأنينة، والكثيرون يعرفون بالبداهة أن أنامل الأم تلعب دوراً حاسماً في تنبيه الطفل أو تخديره، وفي مساعدته على النوم أو الصحو .

الفنان التشكيلي أكثر الناس استغراقاً في تدريب اليدين على حساسية الملامسة لسطح اللوح، وهو إلى ذلك يستدعي الحواس البصرية ممعناً في الاستماع إلى موسيقى الوجود الأكثر شمولاً من موسيقى السماع الاعتيادي، وإلى ذلك يستنفد الفنان دربة الجسد والروح معاً، ذاهباً إلى عوالم الخيالات الجامحة، مُماهيا بين الحرص والتحرر، التركيز والتطيّر، المرئي واللامرئي ، بل المعقول والممكن افتراضياً .
سمات تصب في مجملها داخل التوليفة الجسدية الموحية التي تتضافر فيها الحواس، وتلعب فيها الأنامل دوراً مركزياً، تماماً كالسينما تلعب فيها الكاميرا دوراً مركزياً بوصفها الوسيط التقني الحامل للإشارة الفنية، وكالممثل يلعب دوراً مركزياً في المسرح بوصفه كائناً مُشخّصاً من لحم ودم.
الريس نموذج للفنان المتوتر إبداعياً .. الدقيق حد القلق ، والمتمعن حد الضنى.

لوحات تغتسل بالضوء
أحببت أن أُمهد بهذه المقدمة الطويلة نسبياً للإشارة إلى فن الرسم بالماء عند عبد القادر الريس، وأزعم أنه أركز فنان عربي يجيد استخدام الأكواريل، وهذا بحسب مشاهداتي الشخصية، فالأكواريل عند الريس فن للفنون الممزوجة. إنه حالة من الوله والتصوف المندغم مع الغنائية البصرية العالية، والتكنيك الدقيق المتماوج مع الضوء والظل، فلوحاته تغتسل بالضوء، وتستنفد أسباب البيان الرؤياوي في أقل الأشياء تفصيلاً، وأكثرها إدهاشاً وصعوبة .. رسم الحجارة المبعثرة في قلب الصحراء الملتهبة، وكساها لحماً وعظماً .. رسم الرمال المتحركة ومنحها لهباً وبريقاً . رسم النوافذ والأبواب وتمايل مع تعرجاتها البصرية وأنغامها الزخرفية.

جملة الأعمال التي رسمها بالماء وتساوق فيها مع بيئة الإمارات أفضت إلى أسلوب خاص به، ولعلني هنا أُركز على البُعد الأكثر أهمية في إنجازه الفني، ويتلخّص في الاعتلاء الاستثناء بالعناصر الصغيرة في قلب اللوحة، فالحجرة الاعتيادية تتحول إلى عمل فني متكامل، والفضاءات السديمية تبدو متعرجة وقادرة على استنطاق التباينات بطريقة موحية، والسماء مرفوعة كما لو أنها شاهد على حال " العماء " الأرضي المشتعل بألوان النار وأقواس قزح، والمرئيات الجامدة تعيش حركتها الداخلية الخاصة حتى وهي في ثباتها كالرواسخ والأوابد، والتكوينات البصرية مُحكمة التماسك مع قدر كبير من التجويز الذي ينفسح على " التاو ". قصدتُ الاعتداد بالفراغ واعتباره امتلاءً.

تالياً وتتابعاً، واصل الفنان تجربته بعديد الألوان وأبرزها " الأكريلك" ذو الخصائص البراغماتية، فهذا الاختراع اللوني الأمريكي يجمع بين خصائص الماء والزيت، لكنه لا يعطي انسيابية وحرية الماء، ولا يعطي لمعة الزيت وديمومته الأثيرة، وعوضاً عن هذا وذاك يسمح للفنان بمناورات تنفيذية مرنة.
الريس لم يرسم بالأكريلك إلا بعد استنفاد الإقامة الإبداعية المديدة في الألوان الكلاسيكية بشقيها المائي والزيتي، وبهذا المعنى قام بانزياحاته المُحايثة للروح الأكاديمية وهو مُترع بالمنهج والتكنيك والأُسلوب لا العكس كما يفعل المعتدون المعاصرون على الفنون التشكيلية ممن استمرؤوا تبرير الخيبات باسم الحداثة، والركاكة باسم العصرية، مع تفريغ الفن من جوهره تحت مسميات الحرية والتجريد والأُسلوبية المتجددة، وما إلى ذلك من تخريجات.

في هذا الأفق يمكننا ملاحظة الاختلاف النوعي عند الريس، فتجريداته مموسقة مدوزنة وجميلة. والحقيقة أن الوصول إلى مثابة التجريد الغنائي البصري يستحيل إن لم يكن الفنان مؤسساً على التكنيك والدربة والمفهوم والممارسة المديدة .

عبدالقادر الريس نموذج للفنان المثابر الواثق والصموت. فنان لا يعرف الصخب والفرقعات ولا يجيد تسويق الذات، ولا يشتت ذهنه في العوابر، بل يغوص في عوالم ذاته نازفاً ومتفاعلاً، مُقيماً في احتراقاته الروحية والجسدية، ممدوداً على بساط المشقّة الإبداعية الخلاقة، ولهذا السبب لا يتحدث، بل يُمسك بجمرة العطاء الرصين، تاركاً رسالته لمن سيقرؤها في المستقبل.