مسرح النجم وتأثيره في البحث
قراءة في معضلة التفاعل
د. صلاح الراوي ـ مصر
لقد اتخذ ملتقى الشارقة السابع للمسرح العربي لفاعليته موضوعاً محدداً وبالغ الأهمــية هو (المسرح والجمهور) حرصاً على بحث السبل والأساليب الفنية والإبداعية لعودة ينابيع الإبداع إلى روافدها(1). و تحقيقاً لهذه الغاية فقد انتظمت تحت هذا العنوان ثلاثة محاور هي المسرح والبيئة الاجتماعية ـ المسرح والظروف الاقتصادية والسياسية – المسرح ووسائل الإعلام.
ومن البديهي أننا لا نذهب إلى أن مأزق المسرح العربي ـ والملتقى في حقيقة الأمر يعالج مأزقاً أو يتصدى لمعالجته بدليل محاوره الثلاثة التي اتخذها لنفسه والتي تمثل متناً صلباً للشأن المسرحي الذي يأخذ بتلابيبه هامش معطوب هو ما أضافه مسرح النجم من تأثيرات سلبية ـ نحن لا نقول إن حل مأزق المسرح العربي وفكه من عقاله مرهون تماماً بالعودة إلى الأصول الشعبية على أهميتها المطلقة والتي عبرت عن نفسها في عديد من التجارب المسرحية الجديدة في مشرق العالم العربي ومغربه. ولست بحاجة إلى تعدادها (حسبنا فقط أن نشير إلى مسرح الحكواتي ـ ومسرح السرادق ـ ومسرح الخيمة ـ ومسرح المقهى ـ ومسرح العربة وغيرها كثير) لا نقول هذا لأن الأمر أشد تعقيداً من ذلك بكثير.
ولأن هذه القضية على خطرها وأهميتها تعرضت لاضطراب شديد بحكم غياب الرؤية الواضحة واختلال المصطلحات، فقد حرصنا دائماً على ضبط المصطلحات وطرحها لنقاش علمي جاد هو مدخلنا الوحيد إلى وضوح في الرؤية وتحقيق خطاب منتج عبر مفاهيم دقيقة إن لم يتطابق اقتناعنا بها فعلى الأقل نلتقي حولها وإلا فكيف نتعاطى لغة مشتركة!
إن ما نراه في شأن الثقافة الشعبية التي نتجه إليها بوصفها منبعاً عمدة نستلهمه ـ أي نسأله أن يلهمنا ـ هو أنها (تراثاً ومأثوراً) تقوم على أجناس خمسة هي:
«أولاً: القيم / التصورات والمعتقدات.
ثانياً: الخبرات والمعارف.
ثالثاً: العادات والتقاليد.
رابعاً: الفنون ( قولية ـ موسيقية ـ حركية ـ تشكيلية ـ درامية ).
خامساً: تشكيل المادة» (2).
إن المبدعين من الصفوة ربما يمسهم بعض القلق إزاء ما يبدو تحديدات صارمة بينما الفنان ينشد حرية لا تحدها حدود، ويتوق إلى السباحة في بحار بلا ضفاف. ولا بأس من هذا النشدان، ولا تثريب على توق من هذا القبيل. ولكن قضية التأسيس لنظرية أو اتجاه أو محض رؤية أو تعبيد طريق، وشق مجرى منهجي نحو منبع من منابع الإبداع هو متفجر في تربتنا المحلية ـ مع أبعاد إنسانية عامة وأصيلة ـ بالتوهج والعمق والتراكم الاجتماعي والثقافي (المعرفي) إنما يقتضي النظر إلى التحديدات الأكاديمية بقليل من عدم الاسترابة والتوجس أو رؤية الأمر بوصفه مساساً بحرية الفنان أو تضييقاً على سعيه وتجريبه، فالفن في عمق الحقيقة له قوانينه وقواعده، بل إنه حتى وهو يقتحم قانوناً أو يجتاح قاعدة فإنما يقيم قانوناً جديداً، وينشئ قاعدة، طازجة، وما إن يستقرا حتى يجدا من يجادلهما جدل التجديد والتجاوز والمضي إلى أفق أبعد، وهذا هو دأب البشرية وقضية تقدمها أو حلمها السرمدي من أزل إلى أبد.
لقد وضعنا تصوراً أو على الدقة حصرنا اجتهادات الاستلهام في احتمالات عدة نزعم أنها استوفت شأن الاجتهادات أو أقله سعت إلى استيفاء مستــغرق دون مصادرة بطبيعة الحال ـ وبداهة ـ أي نظرة تتجاوز هذه التجديدات حذفاً أو إضافة أو تعديلاً.
« إن الفنان الفرد من خارج الجماعة الشعبية حين يبني نصه مستلهماً فإنه لا يخرج عن حدود الاحتمالات التالية:
1ـ البناء ( على ) الثقافة الشعبية: أي يتخذها أساساً يقيم عليه نصه.
2ـ البناء ( فوق ) الثقافة الشعبية: أي أنه لا يتخذها أساساً وإنما يبني فوق سطحها.
3ـ البناء ( مع ) الثقافة الشعبية:
أ ـ بالتوازي مع هذه الثقافة بحيث يمضي كل منهما بموازاة الآخر مستقلاً بذاته.
ب ـ بالتضفير مع هذه الثقافة فيتحقق لنصه قدر من الالتحام بهذه الثقافة وهي درجة أفضل من البناء بالتوازي.
4ـ البناء ( خلف ) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يتخفى أو يتوارى وراء هذه الثقافة التي تحتل الصدارة ويجيء نص الفنان الفرد محض ظل لها.
5ـ البناء ( أمام ) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يبرز شاخصاً ولا تمثل الثقافة الشعبية إلا خلفية لهذا النص.
6ـ البناء ( يمين ) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء على درجة من التقليدية تجعله متخلقاً من قيم ومتواضعات ورؤى هذه الثقافة، وذلك عن توهم لدى الناص أنه أمين مع هذه الثقافة محافظ عليها في سَمْتها الحقيقي الذي يراها عليه.
7ـ البناء ( يسار ) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء مفارقاً لهذه الثقافة ورؤية أصحابها للعالم وتجليات هذه الرؤية، وذلك عن توهم لدى الناص أنه حريص على تجاوزه ما يراه تخلفاً من هذه الثقافة.
8ـ البناء ( ضد ) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء مصادماً لهذه الثقافة ورؤية أصحابها للعالم وتجليات هذه الرؤية، وذلك عن رغبة من الناص في اتخاذ موقف نقدي من هذه الثقافة. وربما يدهش المستلهمون عندمـا نذهب إلى أن هذا حق مشروع، إلا أنه مشروط ببذل جهد مضن ومضاعف لتحقيق هذه الغاية بحيث لا يجيء البناء المضاد وليد رؤية سطحية أو إيديولوجية متشنجة أو مفرطة لم تعط الثقافة الشعبية حقها من الدرس والتحليل وعمق النظر، وإنما تعتمد على أحكام معيارية مسبقة تدين قبل أن تستبصر وتدقق النظر وقبل أن توغل في صحبة هذه الثقافة إيغال السـاعي إلى الفهم والحريص على استبطان المعاني والدلالات والمرامي.
9ـ البناء ( في ) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء متناغماً مع حقائق هذه الثقافة وطرقها في المعالجات الفكرية والتقنية، بحيث يتحقق في هذا النص من الإبداع الخاص، أو تغلب عليه مجموعة من السمات التي تجعله يبدو آتياً من الثقافة الشعبية وعائداً إليها، لا تكاد تميزه عنها إلا العين المدققة.
وهذا الاحتمال الأخير هو أصعب الاحتمالات إلا أنه أجود الاحتمالات من حيث الصورة التي يجيء عليها النص القائم على استلهام الثقافة الشعبية، ومن ثم فهو أندرها من حيث التحقق الواقعي»(3).
إن من أهم الظواهر الإبداعية الشعبية ذات الصلة الحميمة بالظاهرة المسرحية التي أتيح لنا أن نقف عندها وقـوفاً ميدانـياً ونراها نمـوذجاً فريداً التفت عنه المبدعون والدارسـون على السـواء هو ظاهرة احتفالية ( الصابية ) أو ( السامر ) لدى قبائل أولاد علي التي اتخذت لها موطناً على الساحل الشمالي الغربي لمصر ( إقليم مطروح ) وتمتد الظاهرة لتشمل عديداً من المناطق في ليبيا. وهذه الظاهرة الاحتفالية كان من شأن الوقوف عندها من قبل المشتغلين بفن المسرح وعلى وجه الخصوص المتجهين ببحثهم عن مخرج بالعودة إلى الجذور الشعبية، أن يضيء ـ لو حدث ـ طريقاً ويرسم علامات.
وفي رأينا أن مجرد مشاهدة المؤلف المسرحي أو المخرج لهذه الاحتفالية أثناء أدائها أو حتى تسجيلها بوصفها محض ظاهرة فنية منفصلة عن سياقها الاجتماعي والثقافي العام بوصفهما انعكاساً للبناء الاقتصادي الذي أنتج بناء اجتماعياً بعينه وصاغ بنية فوقية محددة، جاءت فنون هذه الجماعة ضمنها محكومة بقوانينها، إنما هو ضرب من ضروب التبسيط وتجاهل القوانين والعلاقات وجدلها الحيوي الفاعل.
إن هذه الاحتفالية لا يمكن أن ينتجها إلا مجتمع يقوم اقتصاده على الرعي حتى وإن استقر بدرجة أو بأخرى، ولا يمكن أن نجدها إلا في مجتمع يقوم على وحدة القبيـلة وعلاقاتها. هذه حقائق علمية لا يفتعلها مفتعل أو يمكن أن يتغافل عنها متغافل بحسن نية أو خلاف ذلك من النوايا.
حقاً إن المجتمعات ساعية حتماً إلى تحول ويطال هذا التحول تجليات هذا المجتمع الثقافية والفنية، وتتراجع ظواهر فنية وتحل محلها ظواهر، ويحدث التغيير فعله بالتعديل حذفاً وإضافة وإكساب الظواهر سمات جديدة. ولكن في كل الحالات لا تعرف المجتمعات وخاصة الشعبية انقطاعاً تاماً حاسماً لظاهرة ما، أو سطوع نجم ظاهرة جديدة منبتة عن جذور اجتماعية حقيقية، بل إن ارتحال ظاهرة فنية أو ثقافية عموماً من مجتمع لمجتمع لا يتم عبثاً وترفاً أو عفو الخاطر وإنما لابد أن تتوفر حاجات وضرورات اجتماعية.
قد يحدث هذا الانقطاع التام الحاسم أو الارتحال غير المبرر اجتماعياً ووظيفياً بالنسبة للفنان الفرد، أما الجماعة الشعبية فلا. هنا وهنا تحديداً يكمن المعضل.
إن الفارق بين المبدع الشعبي والمبدع الفرد من الصفوة هو اختلاف طبيعة إدراك كل منهما لدوره ووظيفته وعلاقته بمجتمعه؛ المبدع الشعبي يرى أنه ابن الجماعة الشعبية بنوة مطلقة، إنه «يتوفر على إدراك ـ من الداخل ـ لموقف الجماعة ومحدداتها القيمية في النظر إلى الأشياء، وهو يشاركها في هذا كله ضرورةً كواحد منها غير منقطع عنها اجتماعياً ومعرفياً وثقافياً وفنياً ونفسياً» وهو لهذا السبب يبدع فيما نسميه الوسط المتجانس.
إن المبدع الشعبي ابن رحم الجماعة الشعبية الفيزيقي ورحمها الاجتماعي ورحمها الثقافي والفني لا تنتفخ ذاته بشعور متضخم بالتميز عن جماعته فهو «لا يقيم مساحة فاصلة بينه وبين هذه الجماعة، مع إدراكه وإدراكها ـ في ذات اللحظة ـ لقدرته الإبداعية الخاصة، وهو إدراك يجادله ـ آنياً ـ إدراك الجماعة وإدراك المبدع الشعبي لقدرتها بل قدراتها على التلقي / الإبداع، ولكن مساحة فاصلة تقوم بغير شك، على أنها مساحة فاصلة بين المبدع وجماعة المتلقين آن الإبداع والتلقي، وبين هذا المبدع وجماعته في حالاتهم العادية، إنها مساحة فاصلة بين آنيين؛ آن الممارسة العادية للحياة اليومية بتفاصيلها المعتادة وآن الممارسة الفنية بطقوسها ومفرداتها الخاصة، فالمبدع الشعبي ينتقل بجماعته المتلقية ومعها وتنتقل هي معه وبه إلى مستوى خاص من مستويات النشاط أو الوجود الإنساني، هو حــالة الأداء الفني»(4).
وعلى خلاف ذلك يكون موقف المبدع الفرد ابن الصفوة، فهو مولع بالرغبة الملحة في تجاوز الجماعة ومسكون بتشوفه للأخذ بيدها وتعديل نهجها وتطويره وربما تغييره، حتى ولو تحت بند تحقيق صالحها ورصف طرق مستقبلها. والبعض بطبيعة الحال صادق النية والقصد فيما يذهب إليه، ولكن المسألة لا تتصل بالصدق ونقيضه مما هو أدخل في الأحكام المعيارية أو القيمية الأخلاقية، بل ما تقف عنده هو منهج التفكير ومنظور الرؤية.
إن كثيراً من المبدعين الأفراد أبناء النخبة لا يلتفتون إلى سهم الوصاية على مجتمعهم الذي يمس موقفهم، وهو سهم يكبر أحياناً ويصغر حيناً.
وأياً ما يكون موقف المبدع النخبوي من مجتمعه قائماً على إيمانه الفكري بضرورة التجاوز للراهن المستقر لتحقيق رؤية طليعية جذرية أو إصلاحية، فإنه موقف يمكن تفهمه وتحليله والوقوف على إيجابيات ينطوي عليها الموقف. بل ويمكن مناقشة هذا الموقف ومجادلته والتبصير بما يشوبه من شوائب الانقطاع عن ثقافة الجماعة الشعبـية وآلياتها في التـعامل مع الواقع مقاومة لحتمياته الفيزيقية ( الطبيعية ) والميتافيزيقية (وراء الطبيعية) والطبقية. أو تحايلاً عليها عبر أجناس ثقافتها الشعبية وأنواعها وعناصرها المختلفة.
وغالباً ما يغفل المثقف والمبدع النخبوي عن هذه الآليات، بل ربما اتخذ منها موقفاً نقدياً قد يكون في غير قليل من الأحيان غليظاً ومتحاملاً، لم يعط هذه الآلية حقها من التحليل الموضوعي (العلمي) أو أخطأ النظر إليها نظراً عميقاً يتجاوز سطوح الظواهر ومراوغتها وتخفيها الدقيق.
ويمكن لناقد هذا الموقف أن يراعي خلوص القصد وحسن النية وإيجابية الدوافع وراء موقف مثل هذا المبدع أو ذاك.
أما ما يمثل المعضلة فهو موقف الممثل النجم الذي يقوم موقفه على تحويل مبادرته الإبداعية المسرحية إلى حالة من حالات السقوط في قبضة الذاتـية والفردية، مستثمراً نجوميته في جعل قدراته الفنية مدخلاً إلى تكريس ذاته محوراً أوحد للعمل الفني، تدور كل عناصره حول هذه الذات الفردية. يتجلى أثر هذه النزعة أول ما يتجلى في نشوء واستفحال ظاهرة كتابة النص المسرحي على قياس هذا النجم، وهو ما يعني ابتداء محاصرة المؤلف المسرحي في صيغة بعينها يضيق معها أفق حركته، حيث يكتب نصه المسرحي ونصب عينيه هذا النجم بسماته في الأداء بل وربما خصائصه الجسدية.
ولا نظن أنه يغيب عن بال أحد أن نصاً مسرحياً يكتب وفق هذا المنطق يمكن أن يكون النص المسرحي المنتمي إلى طبيعة الإبداع المسرحي كما قدمه لنا التراث الإنساني في مجال هذا الفن. وتبعاً لهذه المنهجية التي نراها ـ ويراها كثيرون غيرنا – غارقة في السلبية فإن العرض المسرحي بأسره يتحول إلى طاقة موجهة ومكرسة لخدمة الممثل النجم؛ فهو البطل المطلق ومغني العرض وربما راقصه الأول؛ من لدنه تبدأ حركة الكون وتنتهي عنده، فهو المحور الرئيس للصراع ومحرك الأحداث وكل ما عدا ذلك من عناصر العرض المسرحي في خدمته، بل وربما الجمهور نفسه.
وقد قدر للبعض منا أن يشاهد عروضاً مسرحية يكاد المشاهد العادي يدرك أنها لا تقوم على نص، وأنه يستحيل عليه أن يتصور أن في مقدوره أن يجد نصاً مكتوباً له من التماسك واستيفاء شروط أو مقتضيات النص المسرحي شيئاً خلا ما تفرضه قوانين الرقابة من ضرورة تقديم نص مكتوب، هي ليست معنية بالوقوف عند فنيته إذ غايتها التفتيش عن كل شيء عدا فنية النص، فهي منوطة بتطبيق قوانين لا تلقي بالاً إلا لما يتصل بالمحافظة على النظام العام وفق تصور المشرّع الذي يعكس بالضرورة مقتضيات وحاجات النظام السياسي وتوجهاته.
وفي حضور نص رهن نفسه بممثل فرد يستند في فرض سلطته الفنية على نجومية منحها له جمهور صاغ هذا الممثل نفسه ذائقته في التلقي واستحوذ عليه، وهو ما يحدث عادة في ظل غيبة حركة نقدية لا بد أن تكون ابنة تيار عام في مجتمع من المجتمعات، وفي سيادة نمط من أنماط التكريس لتغييب وعي المشاهد بما هو مواطن. وهنا يلعب الإعلام دوره الباهظ سواء في الاستخدام التجاري للضغط الإعلاني الذي يستثمره الممثل النجم ومن خلفه بطبيعه الحال المنتج بمنظوره التجاري للظاهرة المسرحية، ليس بوصفها عملاً إبداعياً تنويرياً ذا موقف إنساني واجتماعي، وإنما بوصفها منتجاً سلعياً يقوم على قاعدة العرض والطلب وفق قوانين السوق وآلياتها.
في هذا النمط من المسرح ينتفي الدور النقدي الذي يستنهض الطاقة الخلاقة في وجدان الجمهور العام، استنهاضاً جذرياً بأدوات الفن الرفيع، ويستعيض في العمل المسرحي ـ ومن خلال الممثل النجم ـ عن هذا الدور باختلاق صياغات نقدية سطحية تدغدغ مشاعر الجمهور، وتستجلب ضحكاته وربما تتسولها، وهي صياغات لا تعدو كونها عبارات نقدية فاقعة لا تعمق إحساساً بالصراع الاجتماعي، بل تداعبه، ولا تنوّر بقدر ما تفرغ الغضب أو الاحتقان أو الاحتجاج. ولعل أبرز ما يرتبط بهذه الآلية هو الارتجال والاستغراق في الإفيهات التي تتوقف فيها حركة الأحداث لتترك الخشبة تماماً للممثل النجم ليستقطب كل اهتمام ومشاعر الجمهور ويكاد يجعله يتابعه لاهثاً وراء إحالاته السياسية والجنسية التي تعري عصب المشاهد أكثر مما تعري تشققات الواقع وعيوبه أو تكشف عنها من خلال صراع درامي حقيقي هو جوهر العمل المسرحي وعماده الذي يقوم عليه بناؤه الفني المحكم.
إن مشاهد مسرح الممثل النجم ـ وقد عبث الممثل النجم بذائقته بالتكرار والتراكم وبتوظيف الآلة الدعائية الجهنمية ـ لا يتجه إلى المسرح ليشاهد عملاً مسرحياً يجادل وعيه ويشركه في مناقشة واقعه مناقشة عميقة عبر آليات الفن وسحره، بحيث يخرج من العرض وقد ازداد وعياً بقضاياه الاجتـماعية والإنسانية، وإنما هو يذهب للمسرح مأخوذاً بهذا النجم لتزجية فراغ أو للتسلية الخالصة.
ومن البديهي أن تكرار مثل هذه الآلية في التلقي يؤدي في نهاية المطاف إلى تكريس عادات سلبية في التلقي وبطبيعة الحال في استقرار ذائقة رخوة ومسـترخية، وصولاً إلى أكذوبة كبرى بلغت حد الشعار الراسخ (الجمهور عاوز كدا) يرددها نجوم المسرح التجاري بوصفها قاعدة ذهبية وعذراً هو في حقيقة أمره أقبح من ذنب تربية ذوق الجمهور على هذا النمط من المسرح الذي لا ينتمي إلى قضايا الناس الحقيقية، والمسرح التجاري ـ والممثل النجم هو أداته الناجعة ـ يعلق التبعة برمتها في رقبة الجمهور، متجاهلاً تماماًً أن هذا الجمهور ـ وعلى هذه الكيفية ـ هو صنيعة هذا المسرح، وبذلك تمضي الأمور في حلقة مفرغة.
إن مسرح الممثل النجم لا يقيم للجمهور وزناً إلا في حدود كونه مستهلكاً لسلعة، وبقدر ما يجيد هذا المسرح جعل هذه السلعة مبهرة وجذابة بقدر ما يحقق الغاية من وجود هذا المسرح في بعده التجاري الغالب والمرجح.
وليس خافياً أن مسرح الممثل النجم يمضي بفن المسرح في عكس اتجاهه منذ كان طقساً شعائرياً جماعياً في احتفاليات ( ديونيزيوس ) ومروراً بتطوره الذي عكف على تحقيقه مبدعو المسرح العظام عبر قرون طويلة من مكابدة مواجهة الواقع المتجدد المشكلات والمتنوع التحديات.
ولا يمكن أن ينصرف الذهن مطلقاً إلى اقتراف خطيئة الموازنة أو المقارنة بين مسرح الممثل النجم بالنحو الذي بلغه طارداً كعملة رديئة كل العملات الجيدة التي يعطي لها الجمهور ظهره، لا يمكن موازنة أو مقارنة هذا المسرح بالمونودراما التي تقوم على ممثل فرد يقف على المسرح منفرداً، فذلك بطبيعة الحال شأن آخر يمثل في جانب كبير منه الموقف النقـيض، فهو يقدم نوعاً مميزاً من الإبداع المسرحي الذي يقتضي من الممـثل طـاقة فريدة، وقبل ذلك من مؤلف النص طاقة لا تقل فرادة عن طاقة الممثل، من خلال درجة عالية من التكثيف الذي يقتضيه عمل مسرحي يواجه فيه الممثل جمهوره وحيداً إلا من نص محكم ومفعم بالدلالات العميقة، وطاقة بالغة التميز من الأداء الذي يمسك من خلاله بانتباه وتركيز جمهوره ووعيه وقيادة هذا الوعي إلى فضاء من الكشف والتنوير، فليس ثمة عناصر مبهرة من رقص وغناء وأزياء إلى غير ذلك من عناصر العرض المسرحي والتي يمكنها في المسرح الحقيقي الجاد أن تؤدي دورها في تعميق رسالة النص المسرحي، أي أن هذه العناصر لا تمثل عيباً في حد ذاتها وإنما العيب في اتخاذها وسائط للإبهار وأدوات مساعدة تدعم الممثل النجم في إحكام سيطرته على جمهوره المستهلك للسلعة التي يقدمها له ويربيه على تعاطيها تربية لا تنطوي في الغالب الأعم على براءة.
الهوامش:
(1) من تصريح عبد الله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام، جريدة الدستور الأردنية، 20/1/2010. (2) انظر كتابنا: فلسفة الوعي الشعبي، دار الفكر العربي،2001، ص 17. (3) المرجع السابق: ص ص 49 – 50. (4) انظر بحثنا ( السيرة الهلالية بين الشفاهية والتدوين) مؤتمر السيرة الشعبية، جامعة القاهرة، 1985، والمنشور بمجلة أدب ونقد، عدد 11، 12، 1985، ثم ضمن كتابنا (الثـقافة الشعبية وأوهام الصفوة) مركز الحضارة العربية، القاهرة 2002، ص 209، حاشية 3.
|