نجاة حسن مكي
العطاء حد الاحتياط وتأصيل الموروث

د. عمر عبدالعزيز

قبل تشارك الفنانة الإماراتية نجاة حسن مكي، والشاعر المغربي حكيم عنكر في إصدار كتاب بعنوان " مدارج الدائرة " واستقامة الفكرة على التناص الإبداعي بين النص المرئي والنص المكتوب باعتبار أن الفنانة نجاة قدمت أعمالاً تشكيلية بالتوازي مع النصوص الشعرية التي قدمها الشاعر حكيم عنكر.

اخترت هذا النموذج لتسليط الضوء على فنيات نجاة حسن مكي، وعليه ابدأ بمفهوم التناص وأقول: التناص هنا ليس محكوماً بالتماثل بين المستويين البصري والكتابي، بل إنه يتّسق مع الرؤية الفكرية والمفاهيمية التي تضع التجربتين في سياق النظرة الصوفية للوجود والظواهر، ويتجلّى هذا الأمر منذ البدء في مُسمّى الإصدار " مدارج الدائرة " ذلك أن الدائرة بحسب الرؤيا الصوفية تعبير أقصى عن " أعيان المُمْكنات" كما يقول محيي الدين بن عربي، واْعيان الممكنات ترميز للوجود المرئي الذي يبدأ بالصفر، وحالما يتكابر يصبح دائرة، تتسع باتساع ذلك الوجود المرئي، لكن هذه الدائرة تتصاغر أحياناً لتصل إلى النقطة، وتصاغر الدائرة لا ينم عن ضعف بل العكس تماماً، فالنقطة أقوى من الدائرة والصفر أقوى من بقية الأرقام، والشاهد أن انزياح الماء بعد إلقاء حجرة في بحيرة هادئة صافية تبدأ بالنقطة المركزية حيث وقعت الحجرة" الصفر" ثم تنبلج الدوائر الانزياحية إلى ما لا نهاية، فكلما كانت الرمية أقوى واْكبر كانت الانزياحات اْشمل وأظهر، وكلما كانت المياه أنقى كانت الدوائر أجمل وأبهر، وفي هذه لطيفة من لطائف المعاني التي لا يدركها إلا من رحم ربي .

تضمحل النقطة إيذاناً بالولوج إلى عوالم الغيب أو اللامرئي، فالنقطة لا تنتهي وإن خبتْ أو تلاشت، والدائرة بدورها لا تنتهي وإن خبت أو تلاشت.

الدائرة بحسب الفنانة نجاة حسن تعبير عن قابليات الرؤية الفيزيائية المتصلة بإحالات دلالية متنوعة، فالدائرة تستبطن موسيقى الوجود، والغنائية البصرية، وتناوب الأشكال المتناغمة والمتضادة، المُتّصلة والمُنْفصلة، وكذا امتدادات الأنساق الهندسية تراتباً وتقاطعاً. إنها بكل بساطة حاضن كبير للممكنات المرئية، والإيحاءات الغنائية البصرية المموسقة، فهي دائرة للتشبيه والتجريد معاً، وهي إطار يفيض بانزياحات لا حدود لها.

وبالمقابل يتتبع الشاعر حكيم عنكر تلك الأبعاد متوسلاً الآداب الشعرية الصوفية، مُحايثاً لها في أفق ما، ورائياً لمقتضيات الحال والمقال مما سنقف عليه تباعاً .

مرئيات نجاة مكي
الفنانة نجاة مكي لا تستكين للجاهز المألوف ولا تقبل بتكرار تجاربها في أكثر من معرض، الأمر الذي لا يمكن تفسيره خارج الدأب والإنتاج المستمرين، والموصول في آن واحد برؤية واستسبارات ثقافية مؤكدة، وهي الفنانة التي لم تكتف بترويض التجربة وتصعيدها، بل لاحقتها بالمعارف وصولاً إلى الإجازة الأكاديمية العليا التي تكسي قيمتها بالمعرفة المستمرة والتجريب الدائم.
منذ انطلاقتها المبكرة قبل عقدين من الزمان غاصت الفنانة في " شفرات" الفنون الشعبية المرتبطة بالأجواء النسائية، وتحديداً ذلك العالم السحري لفنون الزخارف والرقش والمنمنمات التي تستبطن خفايا المرأة وجمالياتها، فيما تعيد تأكيد نزعة جمالية تتصل بعوالم أرحب وأخفى.

المرأة بهذا المعنى ليست مستودعاً لعوالم شكلانية جميلة بهيجة، بل إنها أيضاً مستودع أسرار روحانية تضفي على اللمسة العابرة معاني وأبعاداً شاملة .

ليست الزخارف والمنمنمات والرقش هنا مجرد استدعاء للأنساق الجمالية الإبداعية العامّية أو الشعبية فقط ، بل أنها موسيقى وجودية تتصل بفنون الغناء والأفراح والحرف والأحوال اليومية للمرأة الإماراتية الصادرة من بحار الزرقة وأقواس قزح، المُقيمة في سرائر البخور والعطور، الصابرة على غياب رفيق الحياة في رحلات الضنى البحرية الطويلة.

تصبح الزخارف هنا شكلاً من أشكال التداعي الحر، ضمن آفاق نسقية جمالية لا تتنازل عن التكوينات المفتوحة، والأمشاج المتصلة بعناصر الزمان والمكان، فالفراغات كالتلال الصحراوية المُتكسّرة، وأوراق النباتات المتناثرة في الفلاة. معين لترميزات ممعنة في الإيقاع البصري، والتزاحمات في الرقش كبحارات الأيام التي على مدها وجزرها الدائمين. لهذا السبب بالذات نلاحظ الحضور الاستثنائي للأزرق وظلاله الخضراء والصفراء، وكأن البهاء سيد الموقف في تلك الأعمال الأولى للفنانة، تلك الأعمال التي تتّسم بقدر واضح من التصوير المنطلق صوب البحث عن أسلوبية تعيد إنتاج الخصوصية، ضمن توليفة للاْنا المبدعة.

وجدت الفنانة نفسها أمام تكوينات وتموجات لا يسعها الإطارالتقليدي فتجاوزت الأحجام المألوفة استجابة للضرورة الفنية التعبيرية، ولم تتوقف عند تخوم الأحجام المألوفة، بل أسهمت بقدر وافر من الأعمال الكبيرة، كأنها تريد أن توسع في البصر والبصيرة، للترحل في " الثيمات" الغنائية والتجريدية في آن واحد .

التصوير والتجريد
نلاحظ درجة الاشتغال الصبور على الموسيقى البصرية المرتبطة بتوقيع الخضاب والحناء والزخارف وفنون السدو الصحراوي، ولوازم التواترات التلقائية في المنحوتات الشعبية المرافقة لفنون الحرف والصناعات اليدوية، كما نلاحظ أن تلك الغنائيات الواضحة تنزاح رويداً رويداً صوب التجريد بوصفه عمق أعماق الغنائية الملتبسة، أو فلنقل فن فنون الغنائية البصرية، من حيث إن التجريد جاء من أساس التواتر والتكرار، واللوازم المُمْعنة، والبحث عن المطلق. ولهذا السبب بالذات نقول إن الفنون العربية الإسلامية التاريخية صادرة من أساس التجريد وإليه تؤول، فالتجريد الإسلامي يتصل مباشرة بالجمال والجلال مستبعداً التشبيه وناظراً إلى التنزيه، حيث يتجلّى الخالق في بديع صنعه، وترمز الخطوط والإشارات إلى استحالة تقليد صنعة الصانع، فيكون الكلام مساراً لتجليات لا تنقطع تواتراً وتكابراً في المبنى والمعنى، وتكون الخطوط منسابة لا تعتمد الوصل والفصل إلا باعتباره مفهوماً واحداً، فلا فصل إلا ظاهراً، ولا جزئية إلا وهي منطلق للكل. تهيم تلك الخطوط في فضاءات اللامكان واللازمان وهي تتمرأى أمامنا ظاهراً، كأنما تعيد إنتاج العصور والدهور فيما تخرج منها في آن واحد ! .

النقطة أصل
يستمد الخط العربي جوهره المعنوي والإشاري من النقطة التي منها تتفرع الأحرف وإليها تؤول، وتنسجم الحروفية العربية مع الحقيقة الأزلية القائلة بأن لكل ظاهر باطن، واْن ما يظهر على السطح مكتوباً ليس إلا جزءاً من كل. أليس الحرف في العربية يُكتب دون صوتياته الاحتمالية، من فتحة وكسرة وضمة وفتحتين وكسرتين وضمتين وسكون وشدّ ومدّ ؟، أليس الغائب الصوتي في الكتابة اْبلغ دلالة مما يظهر على السطح؟. باستثناء الرسم القرآني غير المقبول خارج الظهور العياني للسواكن والمتحركات .

ليست النقطة إذاً مجرد محل هندسي يحدد ابتداء الألف " أصل الحروف كلها "، بل إن النقطة مسار يحدد انزياحات الحروف إلى الموسيقى والمعاني والتواشجات مع أشكال الوجود المختلفة.

واستعادة لما كنت قد قلته في مستهل هذه المقاربة أُعيد التذكير بماهية النقطة، فإذا كانت النقطة مساراً افتراضياً يحدد الألف، فإن الباء يتصل بالألف من حيث الطول، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الحروف، فالتوازن النبيل بين الأشكال ينشأ من مركزية الألف تجاه بقية الحروف. غير أن ذلك لا يمنع الحروفي العربي من تحريك هذه التوازنات النبيلة إلى مستويات جديدة، كما نرى ورأينا في فن كتابة الحروف العربية مما لا نظير له في العالم.

أقول هذا الكلام للنظر في قابليات التعامل التشكيلي مع العناصر التراثية الموصولة بالحروف والنقش والرقش والزخارف، مما نجد له ظلال بحث وتجريب عند الفنانة نجاة مكي وآخرين، غير أن المهم ليس البحث الشكلاني الصرف، بل الغوص في المنطلقات المفاهيمية والفكرية لهذه الأشكال .

الأقواس والانسيابات .. المدى والتعامل المرن مع الفراغ المتاح .. " بياض الصفحة أو فراغ اللوح " كصفة حاسمة في فن الحروفية العربية.. في كل ذلك الكثير الكثير من القول والإشارات .

وإذا قمنا بانتقال آخر إلى العمارة الإسلامية سنجد أن ذات المفاهيم الجمالية تحضر بوضوح دونها الأقواس والفراغات والأعمدة المتناظرة والأبواب المشرعة على كل الجهات، بل الجهات الستة التي قال فيها الشاعر مخاطباً الحق:

ملأت جهاتي الست منك فأنت لي
محيطي وأنت مركز نقطتي

هذا قول يعيدنا إلى مركزية النقطة والدائرة مما تلمّسنا آفاقاً له في كتاب "مدارج الدائرة"، فالدائرة تحيط بأحوال الوجود اتساعاً وتكابراً لا حدود له، لكنها تخرج من أساس وأسرار النقطة، ومن رقائق الذبذبات الصوتية التي تنتشر في دوائر، وبهذا تكون مختلفة أساساً عن ذبذبات الرؤية البصرية التي تصل عبر خط مستقيم، وسترى أن الموجة الصوتية تخترق الحجب، ويمكن سماعها من وراء الجدران، غير أن الموجة البصرية لا يمكن رؤيتها عبر تلك الحجب والجدران، فتأمل مثابة الدائرة في هذا المستوى، ومن لطائف آداب السماع عند الإمام العلامة محمد بن محمد حامد الغزالي في مقاربته التي وردت في " إحياء علوم الدين " إنه يعتبر السماع غير المباشر" عبر الجدران " اْبلغ تأثيراً وأكثر جمالاً من السماع المباشر للمعازف. تفسير ذلك أن السماع المجرد الخالي من الرؤية أقرب للفضيلة، حيث تعزل الإنسان عن المرئيات المشوشة لنقاء الاستماع.

الإشارة واضحة، فالمستمع النجيب للموسيقى لا يحب أن تصله عبر التلفزيون "المرئي"، بل عبر الأجهزة الصوتية " الخالية من الصورة"، وفي هذه الحالة تلتقط الأذن الموجات الصوتية الدائرية، فيما يبتعد البصر عن المشوشات البصرية المتقاطعة مع موجات النظر المستقيمة " غير الدائرية ". وفي السلالم الموسيقية يتميز السلم الخماسي "الدائري " بتكرار لازمة إيقاعية تتصاعد وتتناقص بجرس معلوم لا تحيد عنه، فيكون الأثر عند المتلقي أكثر روحانية واستغواراً في عوالمه النفسية، وسنرى أن آلات النفخ في الموسيقى تستقيم على تناوب النقطة مع الدائرة، فالأصل في تلك الآلات استدعاء الصوت الشجي من خلال الثقوب المتناوبة حجماً، فمن الأصغر " النقطة " إلى الأكبر "الدائرة " يصدر الصوت من آلة النفخ .