لوحات الفنان عبد الرحيم سالم
سباحــة أنيقــة فـي تيـارات الحـداثة التشكيليـة
عبدالله أبو راشد
... عبد الرحيم سالم فنان إماراتي مميز في ميدانه التشكيلي، ومشهود له حضوره الفني اللافت داخل الإمارات العربية المتحدة، ومحيطه العربي، وبصماته الفنية والتقنية معروفة لمتابعي الفن التشكيلي الخليجي، ومريديه كجمهور فن متلقين، ومهتمين من رجال الصحافة والإعلام، ونقاد الفن والفنانين التشكيليين.
لوحاته مفتونة بمحيطها الإماراتي المجتمعي، ومعبرة بشكل أو بآخر، عن هموم الناس ومعايشته لمشكلاتهم، بالخط واللون والفكرة التعبيرية، ومعنية بنبش ركام جماليات ذاكرة المكان ورماله الذهبية، المكشوفة على الرمز والحكاية الشعبية، وإن داعبت مكوناتها التقنية ولمساته الفنية روح الحداثة والمعاصرة التجريبية بالفن، بجميع صورها واتجاهاتها ووسائطها التقنية، مُغادراً بطبيعة الحال، من خلال مفاتن نصوصه التصويرية مخدعه الأكاديمي الدراسي (النحت)، انحيازاً مقصوداً لعوالم اللوحة التصويرية المرسومة بإيقاعات تجريبية غرافيكية، والمصورة بملونات متعددة الخصائص التقنية، باعتبارها مجاله الحيوي لتأليف فصول مقاماته السردية.
عوالمه شديدة الخصوصية والمعالم، مشغولة بتضاريس اللون والخط ورقص المساحات التي تنشدها، مليئة بالحداثة التعبيرية، وحُبلى بخلفيات الرموز وتداخل المساحات وتوليفات الخطوط والملونات والشخوص التي تحتضنها، معانقة لتجليات الأنا الشخصية، والحدس البصري والمُتخيل في ذاته ومحيطه، ومؤثرات المحسوس الجمالي والشكلي المسكون في جوانحه، تعبيراً بصرياً عن قيم الفن والإنسان، وما تجاربه التقنية وتداعيات موضوعاته المتنوعة، لاسيما الموسومة تحت مسمى (مهيرة) تارة، والتجاوز تارة، والرؤى الشكلية اللاتشخيصية والمتوارية في لحمة التجريد تارة، والتجريبية الجامعة في ظلال الحداثة التعبيرية في كثير من الأحيان، إلا بعضٌ من ناموسه التشكيلي، وقطرات حب سردي من نوع تعبيري شديد الخصوصية والأثر.
التجريبية المتطورة والمستدامة، والمتناغمة مع حدود قدراته، ومبتكراته المشفوعة بتقنيات وصف ورصف شكلي متعددة الخامات، تقوده إلى رسم معالم مقامات بصرية متوالدة من مساحة حدسه ومخيلته الحافظة، منقولة بلا وعي حيناً، ووعي حيناً آخر، متناسلة من مساحة الحدس والمخيلة، سابحة في حركية موصوفة ومرصوفة فوق سطوح الخامات المستعملة، كعناصر ومفردات شكلية، مساهمة في بناء لحمة التكوين وهندسة عمارته التشكيلية، وهي أشبه بضيوف أعزاء وحميمين فوق اتساع مساحاتها المفتوحة على شهوة التأليف والابتكار، وتحقيق رؤى الفنان الشكلية، ومقدرته الفنية في ملامسة حدود المبنى الشكلي (التقنية)، والمعنى الدلالي والرمزي (المضمون)، وما بينهما من أخلاط، وعجائن ولونية متعددة (التقنيات)، تبوح بجماليات لسرد والمحسوس الجمالي ومستوى تفاعلها بالشخوص والأشياء.
لوحات عامرة برقص الخطوط والملونات والمساحات الممتدة فوق سطوح خاماته، تحكي قصة فنان مسكون بذاكرة مكانه، ومفتوح على فضاء الحرية التعبيرية المتاحة الصريحة في مكونات شخوصه، وتلك المتوارية في هيئات شكلية معبرة عن مضامين سرده البصري ومؤلفاته المنقوشة بالخط واللون وتداعيات المساحات الحاضنة، يتجلى فيها المحسوس الجمالي بإيقاعاته الشخصية، ومقدرة الفنان على التأليف والوصف والتوصيل، إلى عين المتلقي وبصيرته، وتشي بحقيقة العناصر والمكونات المؤتلفة داخل متن النصوص المسرودة وأسوارها، وتفاعلات المعايشة التقنية للاتجاهات الفنية المعاصرة التي يُحبها الفنان ويهواها ، ويعيش فصولها الشكلية في جميع لوحاته، والمفتونة على الدوام بالاتجاهات التعبيرية انطباعية ورمزية وتجريدية جامعة لمفاتن النصوص، ومُعشبة بمدارات عناصرها ومفرداتها التشكيلية المبتكرة، والموزعة في جماليات وصف داخل أسوار لوحاته.
لوحاته التصويرية ذات النكهة الحفرية المتوالدة من معين السرد الغرافيكي، لا تقل أهمية عن نصوصه التصويرية الملونة، تشدو اكتمالاً سردياً لمجاميع التقنية والفكرة الموصوفة، فالأسود والأبيض كثنائيات لونية متناوبة ومتصارعة في حضرة الأحبار والكولاج والخامات المطبوعة، والمعبرة عن قيم الخير والشر، والموت والحياة، والتناقض الأزلي في متن لوحاته، وما تحمله من خلفيات دلالة رمزية ومعنوية في رزم مكوناته، وتدفع بالمتلقي إلى جدلية المحاورة البصرية والفكرية في مضامين نصوصه، والغوص عميقاً في مساحات وعي الفنان الذاتي بحثاً عن أجوبة، ومقدرة على تفكيك رموزه، ووضع حلول شكلية ومقاربات وصف تعبيري ومعنوي مناسب لمجمل تجلياته الحفرية.
بينما نجد في لوحاته التصويرية الملونة، هذا الفيض الواسع من التعبير والسرد الرمزي لمكوناته، المخطوطة والملونة في إيقاعات حركية، مفارقة لجمود الكتل المتبعة في الاتجاهات الأكاديمية التقليدية والنمطية، متحررة من قيود النسبة الذهبية ومتواليات الرسم والتلوين المدرسي، وتغدو لوحاته جميعها مقطوعة موسيقية لونية، نتاج فعل ثقافي معبرة عن مفهومي الحداثة والأصالة، نقطة البدء فيها ذاكرة المكان المحلي الإماراتي، بكل ألقه وشمسه ومائه وناسه الطيبين ومعطيات تراثه، وعاكسة لمحيطه العربي بكل ما فيه من جماليات وروحانيات وشموس عربية مفتوحة على مكارم الأخلاق. مندمجة بتقنيات النزعات المركزية الأوروبية والغربية بالفن، وصنائعه متعددة الخصائص والسمات، فلوحاته معاصرة مشبعة بروح الحداثة، بقدر ما هي أصيلة برمزيتها وخصوصية شخوصها المتوالدة من رحب المكان الإماراتي، محلية الطابع والموحية بشخوصها وتداعيات اللون المنتشرة فوق سطوح خاماته.
حداثة مصحوبة بموهبة دارسة أكاديمياً، وعين مدربة، ومشبعة بثقافة بصرية مستلهمة من دائرة محيطه الفني التشكيلي داخل موطنه الإمارات، ودول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية والعالمية، لتخرج من بين يديه مساحات صوره ومرئياته البصرية المختزنة في معين ذاكرته الحافظة، شذرات خطيّة ولونية، تختزل الرؤى السردية، القائمة على مفاعيل المشابهة والمحاكاة التقليدية، بل تصور الواقع البيئي وذاكرة المكان بكل مكوناته المادية والبشرية، في صور وتجليات وصف مغايرة، مستلهمة من ساحات الحدس والمخيلة، مجتمعة في حزمة بصرية واحدة، قوامها مساحة اللاوعي المسكون فيه، يستحضرها في لحظات التجلي والاشتياق الذاتي، والرغبة في الرسم والتلوين والتأليف الشكلي، ومزاولة سويعات عبثه العفوي والمقصود في آن معاً، بما يمتلك من موهبة وخبرات تقنية ومحسوس تعبيري داخل أسوار مقاماته السردية، واستضافة زواره العابرين في مساحة التذكر والرؤى، كمواليد جدد، ومتجددين في واحة ابتكاره.
تشكيلياً، يُمكن القول، بأن عموم لوحاته تقوم على استراتيجية الهدم وإعادة البناء التشكيلي، لا يُعير فيها الوصفات النمطية السهلة والجاهزة، اهتمامه مصوب ومتجه نحو حداثة مبتكرة، وغير مسبوقة في ميدانه الإماراتي، يروم فيها الوصول لأماكن وتجليات صياغة فنية، تُقربه من ساحة الهوى والعشق والمتعة البصرية، وروحانيات التجلي، المفارقة لجدلية الواقع البصري الموصوف والمعروف، لتحلق في سماء الذات المبتكرة، والتفرد وخصوصية التأليف والمعالجة التقنية لرموزه وشخوصه، وصولاً بصرياً لمقولات الحداثة الجمالية.
لوحاته معاندة، ومفتوحة على القراءة الفنية والنقدية، والمحاورة الجدلية المتعددة من داخل بنية نصوصه التشكيلية ومن خارجها، تجعل جمهور الفن والتلقي في حيرة من أمرهم حيالها للوهلة الأولى، وتدفعهم لمحاولة ثانية في ثنائية القراءة والتأمل، ومن ثم الاكتشاف وفق معايير قراءة عالية المستوى الثقافي، وفتح أبواب المساءلة الذوقية، ومشروعية الاجتهاد في ماهية النصوص المسرودة، تُغريهم بمساحة التفكُّر والقراءات البنيوية التفكيكية، ومناخات الفلسفة الألمانية (الغشتالت)، التي توصلهم إلى بر الأمان الوصفي المأمولة من متواليات النصوص.
لوحاته مشمولة بالنظرة التفاؤلية بالرغم من محزون وقتامة بعض ملوناتها، متفائلة بذات الفنان المسكون بالإنسان، المندمج بمحيطه المجتمعي وحيزه الجغرافي على طريقته الخاصة، فيها اندماج للأنا الفردية مع الأنا الجمعية في كثير من النصوص، لاسيما مجموعة (مهيرة)، لوحاته شاملة لجميع مفاتن الدائرة اللونية الرئيسة وتدريجاتها الاشتقاقية، معنية بعمليات الهدم والبناء التشكيلي تطوي صفحات الماضي لحاضر بصري جديد، منحازة لخياره التقني وبيانه السردي المفتوح على الحرية والحركة اللولبية الدائرة في متون التكوينات المشغولة، والقائمة على الاختزال والتلخيص والتجريد في أنماطه التعبيرية المتنوعة، وأشبه بمقطوعات موسيقية شكلية لا تنتهي في حدود وصف محددة بعينها، بل لوحاته متناغمة مع ذاته المتحررة من كل القيود. وهو فنان مُجتهد ومُجرب كبير، متجدد في كل معرض فردي أو مشاركة جماعية، ويصلح لأن يكون مرجعية بصرية ومعرفية في ذاته المثقفة ولوحاته.
|