القصة القصيرة جداً
إشكالية الفن
صبيحة شبر
القصة القصيرة جداً نوع سردي يتصف بعدد من الخصائص، منها ما تتميز به فنون النثر الفني، مثل انتقاء الألفاظ الجميلة الموحية القادرة على التأثير في المتلقي، والفكرة الرائعة، ونظم الجمل بطريقة زاهية، تبدو الكلمات وكأنها العقد المنظوم… والسرد يتميز بكل الخصائص الموجودة في النثر الفني، بالإضافة إلى الإيجاز والمفارقة والحذف والإيحاء، و هذا الفن صعب جداً، وعسير على الانقياد لإرادة المسّّير.
والقصة القصيرة جداً نوع مكثف من فن السرد حيث التركيز والتكثيف والحذف والترميز، وقول الأشياء الكثيرة في كلمات قليلة، كتابته ومضات ساحرة، تستهوي القراء، وتدفعهم إلى إمعان النظر في واقعنا المأزوم، والقدرة على انتقاء الألفاظ تتجلى واضحة، في هذا النوع من القص، تتباين الآراء في أصول هذا اللون من السرد، بعضهم يقول إنه حديث النشأة في العالم العربي، أخذ الاهتمام به يزداد بعد أن اطلع الأدباء والقاصون، على نماذج مما ترجم منه إلى اللغة العربية، وأعجب به القراء، ورغم أن البعض قد استسهله،فهو من أعسر أنواع الكتابات السردية وأصعبها، حيث الإيجاز الشديد، والتكثيف والقدرة على الإيحاء، وجعل القارئ مشتركاً، مع الكاتب، في وضع تكون فيه، النهاية مفتوحة، في أكثر الأحيان، والبعض الآخر من دارسي الأدب ونقاده، يذهبون إلى أن هذا الجنس الأدبي موجود في تراثنا العربي، ويقولون إنه شبيه بفن المقامة، حيث الجمل القصيرة المسجوعة، والحكاية الساخرة واللقطات الضاحكة، التي تقول أشياء كثيرة للسامع أو القارئ بكلمات قليلة، ورغم أننا نجد الكثير مما يطلق عليه كاتبوه: لفظة (القصة القصيرة جداً) إلا أن القليل جداً مما ينشر في الصحف والمجلات، وما نجده في المواقع الإلكترونية تتوفر فيه صفات هذا الفن الصعب، والذي لا يجيده إلا من أوتي القدرة على صياغة الكلمات بالشكل الفني، والمهارة في الكتابة الفنية الموحية، والعناية بالجانب السردي والاهتمام بالحدث، فالتركيز الدقيق والتكثيف مما يميزان الفن الجميل، الذي يدفع المرء الى إمعان النظر والتفكير في مغازي العمل الأدبي، وفي لؤلؤ المعاني الذي أراد الكاتب أن يعبر عنه..
وبما أن كل عمل أدبي يجب ان يتوفر فيه التوازن بين المبنى والمعنى، وأن فن السرد حيث الفكرة والحدث واللغة، فإن نوع القصة القصيرة جداً يتضمن صفات معينة لا يصح بدونها، وهي القصر الشديد، التكثيف، خصوصية اللغة، والشاعرية المهيمنة، المفارقة، الترميز، إبراز الطابع الإنساني، السخرية، التناص، والقدرة على إدهاش المتلقي ومفاجأته، التعبير بالألفاظ عن الواقع بأمراضه المتفشية وعاهاته المستديمة..
فما هي دواعي هذا النوع من الفن؟ ولماذا وجدنا الكثير من كتّاب القصة، يفضلون الكتابة في فن، تباينت فيه الأحكام واختلفت بشأنه الآراء؟ أليس كل فن هو نتيجة حتمية، لصراع بين القديم والجديد، وحوار كبير متواصل بين أنصار هذا الفن، ومع من يناقضهم في الاهتمامات، ووجهات النظر، أليس كل علم جديد وفن وليد، هو نتيجة عدة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، ألا تنطلق الحداثة من عوامل ذاتية، في نفس المبدع وأخرى موضوعية فيما يحيط به من عوامل سياسة واجتماع واقتصاد؟..
ولكن لماذا انتشر هذا الفن في عالمنا العربي؟ وأقبل الناس على قراءته والاطلاع على مجموعاته، وحضور مهرجاناته، هل لأن العصر يتميز بالسرعة؟ ولأن الناس ما عادوا يصبرون على العمل الطويل مثل الرواية؟ أليس في هذا الجواب مجانبة للحقيقة وافتراء على الواقع؟ لأننا نجد الرواية ما زالت تحتل مكانتها المتميزة، في وجدان القارئ العربي، ولم تصبح السرعة مطلباً مهماً في قراءة العرب، فما زال لديهم الكثير من الوقت كي ينفقوه، وساعات قليلة مع جمال الكتب، وما يضفي على الإنسان من المتعة، ويمده بالفائدة، خير من قتل صديق الإنسان الثمين، ويمكننا القول إن الجمالية وحدها ما يقرر لكل ميدان أهميته، وان القارئ يقدم على قراءة الأعمال، التي يجدها تمنحه صفات الجودة الفنية، والقدرة على الإدهاش.
بعض النقاد يتساءل عن الحاجة لمثل هذا النوع من الكتابات، فهل يمكن الحكم على الأعمال الفنية، والأدب أحد أنواع فنون القول الجميلة من خلال معرفة أسباب ظهورها والدواعي لانتشارها، هل عرفنا أسباب تغريد البلابل على الأغصان وشدو العنادل بأعذب الألحان، وعزف الأوتار منشدة أجمل ما يمكن أن تتشنف به الأذان وتصدح العقول...
وإن كانت القصة القصيرة جداً تحتوي على ملامح القصة القصيرة مثل الإيجاز والمفارقة والتنصيص، والمباغتة والدهشة والتكثيف، وقول الكثير بالكلمات القليلة، ذات الدلالات الواسعة والمضامين الكثيرة، والقدرة على الإتيان بالألفاظ الموحية وعمق الرؤيا والإيقاع السريع، تعتمد كثيراً على القارئ الذكي، وعلى قدرته في فهم ما يريد القص التعبير عنه، وإبرازه المضامين المختبئة خلف ظلال الكلمات، وعثوره على الدرر الكامنة في أفياء الحروف، وتمتعه بجواهر الكلام وروائع المعنى، فيكرر القارئ قراءاته للعمل، ويستوعب في كل قراءة بعض المعاني المستورة، فإذا أعاد القراءة مرات متوالية، أدرك المغازي من وراء العمل القصصي والمفاهيم، ولماذا أقدم الكاتب على هذا اللون.. والذي ما زالت حوله الآراء متباينة..
ولكن هل يمكننا أن نعتبر كل ما ينشر اليوم في الصحف والمجلات، تحت اسم القصة القصيرة جداً من هذا النوع السردي؟ أليس الكم الكبير مما نطلع عليه بعيداً عن الجنس الأدبي، ولا يتضمن صفاته؟، ومن المسؤول عن إغراق المكتبات والمواقع الإلكترونية والمجلات الورقية، بهذا النوع من الكتابات الهزيلة التي لا ترقى إلى صفة الأدب؟ هل لأن مجتمعاتنا تسير من تخلف، إلى آخر أشد ضلالة؟ أو لتأخر كل الميادين، عن اللحاق بالركب المرجو بلوغه، هل تكمن العلة في عدم دراية أغلب القراء، وتفضيلهم أن يغرقوا أوقاتهم بالغث على أن يتعبوا عقولهم بالسمين من الإبداع، ومن هو الحكم في مثل هذه الأمور؟ هل الداء كامن في قلة النقد، المسلط على الأعمال الأدبية؟ هل نعتبره أحد الأسباب في هيمنة الضعيف والمتدني على الأعمال الناجحة؟ وسيطرة الأدعياء، على مبدعي الأدب الثمين، أليس من واجب النقاد المنصفين والأدباء الحقيقيين أن يتصدوا لهذه الظاهرة الخطيرة؟ وأن يضعوا العلاج الشافي لها؟ بأن الأدب الجميل والكلمة القيمة والقدرة على المهارة الفنية، مما يكتب للعمل أصالته ويحافظ على توهجه، ويمد في عمره ويجعل المئات من القراء والمتابعين من معجبيه.. ولماذا يحجم النقاد الكبار عن تناول الأعمال القصصية القصيرة جداً؟ هل لأنها جديدة؟ وكل جديد يتهيب الإنسان من استقباله بحفاوة يستحقها، ألم يقف النقاد في بداية شعر التفعيلة مستنكرين، ما جادت به قرائح رواد القصيدة العربية، من تجديد؟ تستحق الأعمال الأدبية الجيدة، والتي تتوفر على صفات الإجادة أن تتمتع بالنقد المنصف البناء، الذي يدرس الأعمال ويحللها، ويبين مناطق الحسن فيها ومواضع الإخفاق، وهل نالت الأجناس الأخرى من الأدب، نصيبها من النقد الباني، حتى نطلب للقصة القصيرة جداً هذا النصيب؟ أليست حياتنا الأدبية تعاني من إخلال واضح في كل الميادين، وعلى الجميع أن يتدارسوا مواضع ذلك الخلل، واصفين الدواء الناجع، وهذا الأمر يدعو إلى عدم التسرع في إصدار الحكم على عمل فني معين، بل التريث والدراسة والتمعن، في مضامين العمل وطريقة بنائه، ليكون الحكم رصيناً بعيداً عن الأهواء وردود الأفعال الوقتية، فما أحوجنا إلى دراسات تفسر وتحلل، وتصدر حكمها مبتعدة عن التعميم، الذي يضر بكل عمل ولا سيما الأعمال الفنية والأدبية التي تستلزم التأني في الدراسة والتريث في إصدار الإحكام.. لقد أثبتت القصة القصيرة جداً كفاءتها الفنية، من خلال المهرجانات الكثيرة التي تنظم من أجل الاحتفاء بها، وتدارسها وقراءة الأعمال القصصية القصيرة جداً، وتحليلها وتكريم كتّابها، وإصدار المجموعات الكثيرة، التي تتضمن هذا الجنس الأدبي ومرحبة به وداعية القراء جميعاً إلى الاطلاع عليه وقراءته..
أجناس عديدة من صنوف الأدب، تتميز بالجمال والإبداع والفنية، تدعو القارئ إلى أن يطلع عليها، محتفياً بجمالها وفنيتها العالية، وبما تقدمه للمتلقي من صنوف الإبداع، الذي يتوجب علينا إكرامه مهما كان لونه، فليست العبرة في اللون مادام الشدو نبيلاً، والعزف قيماً والنشيد حلواً، فلمَ لا يقبل الناس مرحبين باشين مغردين..
إن كانت القصة القصيرة جداً تحتوي على ملامح القصة القصيرة مثل الإيجاز والمفارقة والتنصيص، والمباغتة والدهشة والتكثيف، وقول الكثير بالكلمات القليلة، ذات الدلالات الواسعة والمضامين الكثيرة، والقدرة على الإتيان بالألفاظ الموحية وعمق الرؤيا والإيقاع السريع، تعتمد كثيراً على القارئ الذكي
أمثلة قصص قصيرة جداً
في قصة (حالتان وجوديتان)
للقاص عبد الحميد الغرباوي:
نجد التفسير السطحي للحكم والأمثال التي تتردد كثيراً على ألسنة المجربين في الحياة، الذين خبروا أهوال الدنيا وعرفوا أن النجاح في الحياة يلزمه الاجتهاد وبذل العمل ومواضلة السعي، ففهم بطل الحالة الأولى أن النجاح يتطلب أن يسهر الإنسان ليلاً وينام نهاراً، كما فهم بطل الحالة الثانية من الجملة المأثورة (ما فاز إلا النوم) إنه يمكن للمرء أن يواصل النوّم ويحقق ما أراد من فوز..
(لوحظ على عبد النور ومنذ فترة قصيرة، النوم نهاراً والسهر ليلاً إلى جانب عمود نور كما لو كان على موعد مع شخص أو حدث ما لم يجرؤ أحد على أن يسأله..
كان قليل الكلام شديد الانطواء لكن عبد النور كان لا يني يردد بداخله :( من طلب العلا سهر الليالي) وفي ذات الوقت وفي مكان آخر..
شخص حالته حيرت كل من يعرفه..
ذهب ذات ليلة لينام وهو يردد بداخله ( ما فاز إلا النوّم).....
.... ومنذ تلك الليلة لايزال نائماً
وفي قصة قصيرة جداً للقاصة (زهرة رميج) عنوانها (إعجاب):
نجد تناقض النفس البشرية وتحولها من الشعور بالندم، وتأنيب الضمير لأن صاحبها، قام بما لاترضى عنه القوانين، وتأباه النفوس الكبيرة، فتصرف تصرفاً يثير الاحتقار، لكن الشعور هذا ينقلب إلى درجة 180، فتغدو نفس الشخصية، راضية عن تصرفها المثير للانكار، في الحالة الأولى إلى ما يدعو إلى الفخر، لأن الشخص قام بما يثير الاحتقار، إنها ومضة تعبر عن تردد الشخصية، وتغير آراءها في عمل واحد، بين النقيضين في فترة وجيزة..
أحس بضميره يعذبه.
( لماذا قمت بذلك الفعل المشين؟ لماذا خالفت عقلي وانسقت وراء رغبتي؟ لماذا تحولت في لحظة خاطفة، من سيد إلى عبد؟
فجأة، شعر وكأن غشاوة تنزاح عن عينيه، فإذا بالزهو يملؤه، وبقامته المنكمشة مشة تتمدد بحرارة الإعجاب.
وجد نفسه يردد حكمة لم يسمعها من قبل :
(أنا معجب بنفسي لأني قادر على احتقارها)
وفي قصة ( طاحونة) القصيرة جداً للقاصة (السعدية باحدة):
نجد أن الهواية الباعثة على الاعتزاز والحب، لأنها تتيح للمرء أن يقوم بها بحرية، كيف تتحول إلى النقيض، وتغدو عاملاً في سلب تلك الحرية واغتيالها، وبدلاً من أن تكون آلة بيد الإنسان، يحركها كما يشاء، تضحى المسيّرة له والمتحكمة به، تديره وفق مزاجها وتلعب به، هل الحرية مطلب الإنسان الأسمى؟ إن فقدها استحالت حياته إلى النقيض؟، وضاع منه كل ما استطاع أن يحققه من منزلة رفيعة..
في البدء كان يدير الطاحونة
بمزاجه
الآن
بدأت الطاحونة تديره
بمزاجها
وفي قصة ( سندباد) يستخدم القاص ( محمد فاهي) الرمز بمهارة، لتغير صنوف العيش، ومواجهة الصعاب، وتبدل الرفاق وتشتت المجتمعات، فما الذي واجهته مجموعة الأربعة أشخاص، هل رمز بهم للأسرة؟ أب وأم وطفلين؟ يواجهون مفترق الطرق، وكل منهم يسير إلى وجهة، تختلف عن وجهة صاحبه، وهكذا الحياة، لا تستقيم على أمر واحد، ومن العسير جداً أن يظل المتفقون على اتفاقهم، والقصة تتضمن الكثير من الدلالات:
ماذا حدث
أيها السندباد
في مفترق
الطرق
حيث كنتم أربعة
طفل
طفلة
امرأة
وأنت؟
إنها قصص مكثفة بعناية تقول أشياء كثيرة، بكلماتها المعدودة تلك، شاعرية، مختلفة الدلالات، مفتوحة النهاية، يمكن أن يفسرها القارئ حسب الثقافة التي يملكها، ووجهات النظر التي يحملها، جنس أدبي جميل يقدم عليه المتابعون، ويجدون فيه ما يحبون من روعة المعنى وبهاء المبنى، وهي مع الأجناس الأخرى، شعرية ونثرية، تقدم للقارئ العربي ما يحب من فنون الكلام بأجمل الأشكال...
|