زكريا تامر
والقصة القصيرة جداً

عمران عزالدين أحمد

«النمور في اليوم العاشر» قصة قصيرة للقاص السوري الكبير «زكريا تامر»، شدّتني بعوالمها الفارهة والمدهشة، وحبكتها الضاربة في القوة والغرائبية، الأمر الذي دفعني إلى قراءة الكتاب الذي يحمل عنوان القصة وتأمل أفكاره اللامألوفة، فوجئت وأنا أقرأ كتابه النمور في اليوم العاشر، بوجود باقة من قصص قصيرة جداً بين دفتيه، قصص مدهشة وأخاذة. زكريا تامر لم يقدم نفسه للقراء، كقاص يكتب القصة القصيرة جداً، بل لم يعنون كتاباً له تحت هذا المسمى، وهو ما يطرح أكثر من سؤال، لماذا لم يقدّم زكريا تامر للقراء كتاباً تحت هذا المسمى..؟ هل هو خوفه من عدم نجاح تجربته هذه، وعدم تقبل قرائه ـ الكثر ـ لتغيير نهجه القصصي ومساره الأدبي..؟ هل هو عدم إيمانه بقص كهذا عموماً، أم أنّه سئم الدخول في معارك ونقاشات عقيمة، تشهدها الساحة الأدبية جهاراً نهاراً، بعدم شرعية أجناس أدبية، لحساب أخرى أكثر شرعية، ولها جذور ضاربة في الفولكلور والتراث، كما هو الحال مثلاً بالنسبة لقصيدة النثر قياساً إلى القصيدة العمودية؟ لكننا سنكتشف ونحن نقرأ له مجاميعه القصصية كماً كبيراً من هذه القصص، ما يعني أنّه رائد من رواد هذا القصّ بدون منازع، ولكن لماذا هذا الصمت والتوجس..؟ فالقامات السامقة أمثال زكريا تامر هم من يُشَرّعون جنساً أدبياً أو ينفونه، إذْ إنّه يشكل بصمة هامة وعلامة فارقة في نقل السرد العربي من الرتابة والتقليدية إلى الحداثة الموظفة، بالاستفادة من النظريات الغربية فيما يخدم القصّ العربي عموماً وتوجهاته.

الفصل الأول الموسوم بـــ «الأعداء» يحتوي على باقة من قصص قصيرة جداً، تتوافر فيها كلّ مقومات وشروط هذا القصّ الوليد، من: «القصصية/ الجرأة/ وحدة الفكر والموضوع / التكثيف/ خصوصية اللغة والاقتصاد / الانزياح/ المفارقة / الترميز / الأنسنة / السخرية / البداية والقفلة / التناص».
الوليد بالنسبة لنّا طبعاً، إذْ أصدرت «ناتالي ساروت» سنة 1932 كتاباً بعنوان «انفعالات» احتوى بين دفتيه قصصاً قصيرة جداً، وكذلك فعل « يوجين يونسكو في ومضاته» و«بورخيس» و«إيتالو كالفينو» و«جبران خليل جبران في كتابه المجنون».

وهذه القصص في الفصل الموسوم بـ «الأعداء» هي:

البداية ـ السماء المفقودة ـ الأسرى ـ الثأر ـ رجال ـ الخطر ـ الجنة ـ خطبة ـ وسام المنقذ ـ لماذا؟ ـ محو الفقراء ـ برنامج إذاعي ـ الأبناء ـ البطل ـ الحب ـ الجريمة ـ أولو الأمر ـ في سبيل وطن يسرّ السيّاح ـ أصفاد الموتى ـ الشموس والأقمار ـ الصغار يضحكون ـ الرشوة ـ التحقيق ـ الوصية ـ النهاية.

تسرد كلّ قصة من هذه القصص أحداثاً وأفكاراً مختلفة، تحيلنا في كلّ قراءة لها، إلى التساؤل عن جدوى مصائرنا، تُعرّي قتامة الواقع الأسود، وتفضح الفساد والمفسدين، تحرضنا على الثورة في وجه من اغتصبنا، واغتصب منا وفينا بذرة الرجولة والكرامة.

اقرأ معي ما جاء في قصة بعنوان «البداية»:
«نفخ الشرطي في صفارته، فبزغت تواً شمس الصباح، وأضاءت شوارع المدينة بنور أصفر كخشب مشنقة عجوز.
وعندئذ أفاق الناس من نومهم آسفين عابسي الوجوه» ص11.

وذلك في إشارة هامة وصارخة إلى أنَّ الناس، أضحت تفضل نوماً كنوم سكان القبور، بعد أنْ أصبح كلّ شيء في حياتهم بالياً وعجوزاً، فالنوم وَحده هو الحدّ الفاصل بين البشاعة والسعادة والليل والنهار والتفاؤل والتشاؤم، لأنّه يمنحهم ـ ولو مؤقتاً ـ فرصة ثمينة لتناسي أو نسيان ما آلوا إليه، بعد أن تيبست أحلامهم وأمانيهم وطموحاتهم بفعل الأجهزة القمعية ـ الشرطي هنا رمز لها ـ دون أن تتحقق، فتدخل تلك الأجهزة القمعية، لم يعد يقتصر على حياة الناس فقط، بل امتدّ ليشمل أيضاً الظواهر الطبيعية «صفارة الشرطي التي تأذن للشمس بالبزوغ».

هذه هي عوالم زكريا تامر القصصية المدهشة، إذْ أسطره المقتضبة المكثفة ها هنا، تُغني عن قراءة مجاميع قصصية كاملة، وحتى مجلدات لا تغني ولا تسمن من جوع.

تتأتى أهمية قصص زكريا تامر كونها تتخذ من الواقع المعاش، مادة أولية وخاماً لها، وهي كما يرى بعض النقاد بأنَّ أسلوبه فيها يميل إلى «الواقعية التعبيرية» بينما يرى نقاد آخرون بأنَّه «شاعر القصة القصيرة»

فكتبَ عن المسحوق والمقموع والمسكوت عنه، كما كتب عن ربّ العمل الجائر، والأب الفاشل، والزوجة الخائنة، والأم المناضلة، والمثقف والواعي والسكران والمخبر والقصاب والسمّان والموظف المرتشي والشريف أيضاً، أنْسَنَ الحيوان والجماد والنبات ببراعة فائقة قلّ نظيرها، فقد أنْسَنَ ـ على سبيل المثال وليس الحصرـ القطط والكلاب والخزانة والحائط والكرسي والشجرة والعصفور والوردة. كثيرة هي قصصه التي توكل البطولة فيها لحيوان مثلاً، كالقطة والعصفور والضفدع والفراشة والسمكة، ورغم أنَّ هذه التقنية في الكتابة ليست بجديدة، فقد سبق وأنْ استخدمها ابن المقفع ولافونتين وإيسوب وأحمد شوقي وكثير سواهم، فإنَّ زكريا تامر اتكأ عليها بحرفية عالية، كان لها أثر كبير في إغناء قصصه، وربّما كانت القصة التالية دليلاً أو ما يشبه الدليل على تفرد هذا الرجل، بعوالم قصصية مدهشة، لا تقلّ البتة عن قصص أدباء كبار، نالوا حظاً من الشهرة، لم يتح الظرف الإيديولوجي، أو الفرصة التي تسوقها وسائل الإعلام لأحدهم، لتجعل من زكريا تامر اسماً لا يقل شأناً عن تشيخوف وبورخيس وخوليو كورتاثار وعزيز نيسين.
يقول زكريا تامر في قصة «السماء المفقودة»:
«حطّ عصفوران على غصن شجرة من الأشجار المنتصبة على جانبي أحد الشوارع، ولم يغرّدا مرحبِّين بشمس الصباح إنما تبادلا النظرات الوجلة الحائرة، وقال أحدهما للآخر: (أين نطير؟).

ـ : ( سماؤنا احتلتها الطائرات).
ـ : ( لم يبق لنا سوى سماء الأقفاص).
ـ : (سنفقد أجنحتنا).
ـ : ( سننسى الغناء).

وحدَّق العصفوران إلى طائرة سوداء تعبر السماء بسرعة خاطفة ثم تبادلا النظرات الوجلة، وبدت لهما المدينة فماً شرهاً ذا أنياب، فابتلعا حبوباً مميتة، ثم سقطا ميتين على رصيف من أسمنت» ص12.

فهذه القصة مثلاً تصور حياة الناس العصرية البائسة، في عالم تحكمه الأسلحة الفتاكة المجرثمة والنرجسية والأطماع الشخصية، وما العصفوران هنا إلا أناس افتقدوا للأمان، فهي إنْ شرّعت بالغناء، وعاشت حياتها، أو احتجت على ما تراه من تدمير ونهب وسرقة للأحلام، زُجَّ بها في الأقفاص، في إشارة إلى السجون والمعتقلات العصرية الكثيرة، التي لم يعد للأنظمة الحديثة هاجس إلا إتقانها.

في فصل آخر من هذا الكتاب موسوم بـــ «رندا» يسرد زكريا تامر «39» قصة عن عوالم هذه الطفلة التي تسمى «رندا» في كلّ قصة من هذه القصص يسرد حكاية أو موقفاً أو سؤالاً يقوم بالإجابة عنه، بطلته الطفلة «رندا» طبعاً.

الملاحظ هنا أنَّ زكريا تامر يكتب عن عالم الطفولة، وكأنه طفل صغير، ولا غرابة في ذلك، إذْ له مؤلفات قصصية تندرج تحت مسمى «قصص الأطفال» ومنها مثلاً «البيت ـ قالت الوردة للسنونو ـ لماذا سكت النهر». وها هنا يكمن الإبداع، أعني أن تنسج أدباً ما، عن أيّ مرحلة عمرية كانت، وكأنكَ ما زلت حبيساً بها ومرهوناً لها، يمكن القول أيضاً إنَّ هذه القصص عن الطفلة «رندا» ويومياتها هي أيضاً قصص قصيرة جداً، لاحتوائها على كلّ الشروط والأركان التي جاء ذكرها في مقدمة المقال، طبعاً لا يمكن الإحاطة بكلّ هذه القصص ـ ربّما في معرض آخر أو مقاربة أخرى ـ هذه القصص غير معنونة، وكأني به يقدّم لنّا هنا نوعاً أدبياً جديداً، هو أقرب ما يكون إلى القصة المسلسلة، فهو يكتفي بعنوان واحد فقط، ويسرد بعد ذلك قصصه مُرَقَمةً، لم أقرأ لغيره تقنية أدبية من هذا النوع، وتكررت هذه التقنية في أكثر من كتاب له، في «النمور في اليوم العاشر» وكذلك في كتابه «سنضحك» أيضاً.

جاء في القصة المُرَقّمَة بــــ رقم ـ 9 ـ من فصل «رندا» ما يلي:
«حملقت رندا إلى المرآة، ثم قالت لأمها متسائلة: ( ماما من أين أتيتُ؟)
ففكرت الأم هنيهات ثم قالت ضاحكة: (اشترينا يوماً باقة ورد، فوجدناك فيها، وكنت وردة بيضاء صغيرة، ولما ارتويت من حليب ثدييّ تحولت بنتاً صغيرة ماكرة).

فضحكت رندا بمرح، وصممت على أن تشتري باقة ورد».

للحوار في قصص زكريا تامر وظيفة غير تلك التي عهدناها عند غيره من كُتَّاب القصة، وسائر الأجناس الأدبية الأخرى، إنّه مزج حيّ من هذه الأجناس الأدبية مجتمعة، فهو يأخذ من الحوار المسرحي عنصري الفائدة والمتعة، بالإضافة إلى تكثيف الجملة، ومن القصّ الساخر والمقالة الساخرة روح ولبّ السخرية المرة، وذلك فيما اصطلح على تسميته بالكوميديا السوداء، من خلال إسقاطاته العلقمية، كما تتبدى في حواراته روح النكتة والدعابة وهو يسرد حدثاً ميلودرامياً، الأمر لا يقتصر عند هذه الحدود فقط، بل نراه يقدّم لنا قصة تعتمد من لحظة البداية حتى الخاتمة تقنية الحوار فقط، وذلك كما في القصة التالية التي حملت عنوان «برنامج إذاعي»:
«مذيع: ( ما اسمك يا أخ؟).
شاب: ( عبد المنعم الحلبي).
مذيع: ( متزوج؟).
شاب: ( عازب).
مذيع: ( ماذا تشتغل.؟).
شاب: ( أنا بلا عمل).
مذيع: ( ولماذا لا تعمل؟ أأنت غني أم تكره العمل؟).
شاب: ( لست غنياً ولا أكره العمل. إني أبحث عن عمل منذ سنوات).
مذيع: (ما هي الأمنية التي تتوق إلى تحقيقها؟).
شاب: ( أن أموت الآن).
مذيع: ( أيها الأعزاء المستمعون. لا ريب في أن الأخ عبد المنعم الحلبي وطني غيور، فهو كما تلاحظون، حين يتمنى الموت يرغب في معاقبة نفسه، لأنه لا يساهم في بناء مجتمعنا المتطور السائر إلى الأمام) ص17.

كلّ القصص التي تقدّم الحديث عنها أعلاه، هي قصص قصيرة جداً، مكثفة وخالية من الزوائد والحشو الوصفي والاستطرادات، إضافةً إلى تركيزها على خطّ قصصي هام، وترصد بمهارة شديدة حالات إنسانية شديدة الصدق، وقد نجح القاص زكريا تامر في إرباكنا فنياً، مديناً بهذا الإرباك واقعنا القميء، والضاحك دوماً ببلاهة. فهذه القصص على صغر حجمها، تطرح تساؤلات عديدة وهامة، تدور حول وظيفة اللغة، وعمق الفكرة، وعودة الحياة إلى الكلمة التي تراجعت أمام طوفان الصور المزركشة والفاقعة والبراقة، وبالتالي تراجعت الثقافة الحقيقية التي تخاطب العقل وتحاوره، أمام ثقافة التسطيح والتعليب، فاللغة الزاخرة بهذه العوالم من اللامتناهيات والرموز والإشارات، هي الذاكرة والحياة، وهي الكاتب والكتابة معاً. وعلى ذلك فهذه القصص ـ كما أعتقد ـ قادرة على إعادة رسم الحياة المفتقدة، بدفئها ونبضها البراقين، كما يشاؤها القاص، مقدّماً الصورة التي يريد، ناقلاً الواقع أحياناً بحلوه ومرّه، عابثاً فيه أحياناًًً أخرى بدافع من السخرية والتهكم المريرين، وذلك من خلال تقنيات مشغولة، وعناصر منتقاة، وكثير من المحفزات المتواشجة، لتقديم سرد مراوغ، عبر إيقاع قصصي ساحر، يسلب اللب، وينغرز سهاماً محرضة، دائمة الأثر في أعماق النفس، حاثةً إياها على الإمتاع والإبداع.

كلّ القصص الأخرى في هذا الكتاب، تسرد عوالم كهذه، ما يعني أنَّ زكريا تامر مجدّدٌ باستمرار، وهاجسه هذا لا يكمن في كتابة القصة فقط، بل امتدّ هذا الهاجس به إلى الولوج في حقول الحداثة والتجريب، وليس غريباً أنْ يفاجئنا هذا الرجل ـ إذا امتدّ به العمر، ونسأل له ذلك ـ باختراقات سردية تتمخض عنها عوالم فنون وأجناس أدبية أخرى، أكثر غرائبية، تصبّ في مصلحة الأدب ورفعته.

المــراجع:
ـ كتاب «النمور في اليوم العاشر» لـ «زكريا تامر» بيروت 1978
ـ كتاب «القصة القصيرة جداً» لـ «أحمد جاسم الحسين» ـ دار عكرمة 1997