تأثير وسائل الإعلام على جمهور المسرح
الصحافة المقروءة نموذجاً
جمال آدم
مسرح بلا جمهور مأساة، وجمهور بلا مسرح خيبة أمل، وثمة الكثير من تلك العبارات التي توضح علاقة المسرح بالجمهور تم اطلاقها في مراحل مختلفة من حياة المسرح وفي مختلف المراحل الفنية والإنسانية والسياسية، وفي كل الحالات كانت النتائج تخلص إلى ان دور الإعلام محوري في تنشيط الحركة المسرحية وتقديم المسرح كإحدى وسائل التغيير باتجاه تعميق المفهوم الاجتماعي المسرح وحضوره عربياً وثمة نماذج يمكننا الأخذ بها والتي تعتمد بالدرجة الأولى على مشاهد متابع لحركة المسرح التي يقدمها فنان مسرحي مختص، وأشار الفنان المسرحي الفرنسي بيتر بروك إلى «أن أهم ما يجعله يعتقد أنه نجح هو اهتمام وسائل الإعلام بما يقدم سلباً ام إيجاباً لأنها في كلا الحالين ستجعل المشاهد يقبل على متابعة المسرح وفي رأسه أسئلة كبيرة».
ولعبت وسائل الإعلام دوراً تفاوتت أهميته من مكان إلى آخر في التعاطي مع المؤسسة المسرحية العربية، وقد غلب على هذا الدور الجانب الانطباعي بالدرجة الأولى، وإذا كان يعول على الإعلام أن يكون محفزاً على متابعة الجمهور للعرض المسرحي فإن الجانب الإعلامي في هذا الأمر كان واضحاً وجلياً في التعاطي مع العملية المسرحية. ويمكن أن نوجز العلاقة التي تربط بين المسرح ووسائل الإعلام وتأثيرها على الجمهور وفق المناحي التالية:
1- علاقة تجاذبية بين المبدع والمتلقي تقودها وسائل إعلامية اختصاصية لطرفين اختصاصيين وهي تقود المبدع إلى تقديم تصورات ترقى لمستوى المشاهد الذي يتابعه وتؤدي حتماً إلى متابعة المتلقي له ضمن حيز إبداعي مثالي لعملية مسرحية تكاملية. «هذه العملية نادرة في العالم العربي وربما تكون محصورة بطلاب المعاهد العالية والأكاديميات المحترفة».
2- علاقة سلبية تؤديها وسائل الإعلام بتهميشها لدور المسرح، وبالتالي قد تلعب دوراً غير نزيه في التعاطي مع العملية المسرحية إعلامياً، ونتيجة عدم اهتمام وسائل الإعلام بتقديم وجبات مسرحية نقدية أو إعلامية فإن المشكلة ستبرز في غياب أثر واضح للمسرح في العملية الاجتماعية والفنية، والمشاهد لن يكون فاعلاً ضمن هذا السياق وهو الأثر السائد في المنطقة العربية والتي ساعد إعلامها على عدم تحديد وسائل فاعلة في العملية الابداعية.
3- علاقة أحادية وغالباً ما نلمس في هذا الإطار وسائل الإعلام وهي تقدم قراءة انطباعية أو تكتفي بترويج إعلامي للعملية المسرحية وفق آليات صارت معروفة سواء من خلال المجلات والجرائد التي تصدر أو من خلال وسائل الإعلام الأخرى كالمحطات التلفزيونية. ونرى في هذا الجانب أن هذا النمط هو السائد في الإمارات على الرغم من أن آلية التعاطي مع المسرح واسعة وهناك حركة مهرجانات لافتة في مختلف أنحاء الإمارات ويحظى المسرح بالمتابعة من قبل الحكومة ويتلقى المسرح دعماً وإشرافاً مباشراً من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
نلاحظ أن تراجع اهتمام الجمهور بالمسرح يعود بالدرجة الأولى إلى عوامل متأصلة في المشهد المسرحي العربي تقوم على حيثيات لا يمكن تجاهلها، وهنا نستطيع أن نقول إن المسرح الذي كان يتابعه الناس في التلفزيون هو مسرح شعبي أو شعبوي غير جاد أو ملتزم ويقوم على تحقيق عنصر الضحك من خلال السخرية على بعض القضايا الحياتية وازدهر هذا المسرح واكتسب تسميات مختلفة في كل الأماكن التي تم تقديمها والتصقت به مفردة التهريج ليكون كل ما يقدم تهريجاً بتهريج على الرغم من أن فن التهريج هو أحد العناصر المنبثقة عن الكوميديا، ولكن هذا الأمر تم استخدامه من خلال توصيفات غير دقيقة وبات المشهد المسرحي العربي وتحديداً عقب منتصف القرن الماضي هو المسرح الذي يقدمه التلفزيون وغالباً هو مسرح كوميدي يعتبر أحد أبرز حالاته تلك التي قدمها الفنان عادل إمام وسعيد صالح ومحمد صبحي وحسن مصطفى وغيرهم من الأسماء الأخرى التي رحل بعضها أو هناك من بقي على قيد الحياة ، ومن خلال الصيغة التي رسخت مفهوم المسرح عربياً صار المشاهد يطالب بهذه الأشكال وفي ظل عدم وعي للعملية المسرحية وعمليتها كما يحدث في دول الغرب الراقية في هذا المجال ، غابت التقاليد المسرحية والإعلامية منها تحديداً، ولعل بروز الجانب المصري في هذا الاتجاه قد رسخ فرجة مسرحية أحادية وقائمة على الشكل التجاري. ولأن المسرح هو عنصر وافد على الحياة الاجتماعية العربية فإن قدراً من التعب سيواجه به العاملون في الوسط الإعلامي. ويمكن أن نشير هنا إلى أن وسائل الإعلام حتى الآن لم تستطع أن تسيطر على تفاصيل الطبخة الإعلامية العربية في كل مكان باستثناءات نادرة ربما في تونس بالدرجة الأولى حيث هناك حركة نقاد وإعلاميين لافتة.
إذاً العملية المسرحية أساساً غير واضحة وغير متكاملة ووجود كتّاب مسرح هو ضرب من ضروب الرفاهية ولكن أمام الإصرار ولد المسرح وولدت معه مشاكله وامتيازات العمل به ومع تطور مفهوم التلفزيون صار المسرح بوابة للعمل في التلفزيون بشكل أو بآخر ، وأمام انسحاب النجوم بسبب ضعف العائد المادي للمسرح خسر المسرح ركنا هاماً من أركان انتشاره عند المشاهدين، وبالتالي عند الإعلاميين، وهنا نجد اختلافاً عما يحدث في الدول الغربية فالممثل النجم من خلال المسرح لا يمكن أن يترك المسرح أمام أي إغراء آخر، وبالتالي فإن لهذا الأمر وقعاً حسناً لدى الجمهور ولدى وسائل الإعلام والمشاهد سيقبل على العرض المسرحي كي يدعمه بسعر التذكرة وبحضوره.
ولعل غياب وسائل الإعلام الاختصاصية بالمسرح يجعل من دعم المسرح عبر وسائل الإعلام قضية غير سهلة لا سيما أن الصفحات الثقافية اليومية في العالم العربي بات المسرح فيها أمراً طارئاً وبغياب الناقد والإعلامي المختص يبرز الأمر كأنه أمر طارئ بكل ما تعنيه هذه الكلمة ويبرز التعاطي مع القضية المسرحية إعلامياً في حال كانت متوفرة من حيث الرؤيا الانطباعية أو هي في أفضل حالاتها تغطية إعلامية ، وإنجاز حوار صحفي في هذا السياق هو إنجاز بكل معنى الكلمة. ونشير هنا إلى أن 13 موقعاً مسرحياً اختصاصياً موزعاً في كل إنحاء العالم العربي، وهذا على شبكة الإنترنت ومعظمها مجلات مسرحية ومنتديات، ونلاحظ أيضاً غياب المجلات المسرحية الاختصاصية وتكاد تنحصر في عدد أصابع اليد الواحدة أمام تراجع الاهتمام بالعملية المسرحية شعبياً وجماهيرياً وانشغال الآخرين بالتلفزيون أو السينما أو الإنترنت أو وسائل الترفيه والمتعة الأخرى.
ومما سبق نجد أن التعاطي مع الشأن المسرحي إعلامياً يحتاج إلى خطة مستقبلية لن تؤتي ثمارها بسرعة وإلى تنظيم لآلية التعاطي مع المسرح عبر بوابة المهرجانات ناهيك عن دعم الدولة لتقديم منابر مسرحية اختصاصية سيكون من شأنها إعادة المشاهد إلى المسرح وإعادة دورة الحياة لها في العالم العربي الذي لم يشهد هذا الأمر حتى الآن.
المصادر:
ـ تاريخ المسرح في الكويت – خالد سعود الزيد. ـ المسرح في الكويت – د. سليمان الشطي. ـ فرقة المسرح الكويتي – صالح الغريب
ـ المسرح في الكويت – د. نادر القنة. ـ المسرح والجمهور ـ عبدالستار ناجي – أيام قرطاج المسرحية. ـ إشكاليات المسرح في الكويت – عبدالستار ناجي – مجلة – البيان. ـ المرأة والمجتمع في المسرح الكويتي – بحث لليونيسكو – عبدالستار ناجي. ـ المسرح في الكويت بعد التحرير – مجلة الهيئة العالمية للمسرح – عبدالستار ناجي. ـ الحركة المسرحية في الكويت – فادي عبدالله – جريدة الجريدة.
|