كتاب المشغولات المعدنية تحذير قبل السقوط الأخير!!

 

د.عمرو عبد العزيز منير

من الفنون التي نصل فيها إلى مجموعة من المهيمنات، هو فن المشغولات المعدنية كونه يتحكم برسالة تقدم إلى المتلقي، دون وضع مؤشرات تعمل على نحو منعزل عن غيرها وإنما هناك عامل مهم يشتغل، بآلية متفاعلة تشكل انساق منتظمة وتؤكد في نفس الوقت بلاغًا فكريا معينا يصل به الفنان الشعبي إلى خطاب تلقائي ، تواصلي يكون محملا بالمفاهيم السائدة (البيئة، المعتقد، الشعائر، الفعاليات) كلها رسائل وصفتها الباحثة المتميزة منى العيسوى ـ في كتابها "المشغولات الشعبية في التراث الشعبي" الصادر عن سلسلة فنون بلدنا ونشرته هيئة قصور الثقافة ـ إذ تبحث مع الفنان الشعبي وتنبش بنية أفكاره واستمراره ببسط نفوذه بما للفنان الشعبي من ملكات تصل به إلى حد الموهبة في التعامل الفلسفي مع المعادن، وانعكاسات الطبيعة على الأفكار واعتماده على خامات وفرتها البيئة (معادن، أكاسيد، حرارة) هذه كانت عامل مساعد في الإفصاح عما يدور في ذهن الفنان الشعبي.


الباحثة تطلق صرخة إنذار لنا عبر الفصول الخمسة لكتابها المهم لسرعة صون وحماية حرفة المشغولات المعدنية في مصر ، ودراستها دراسة علمية وفنية ، ليسهم جهدها في إلقاء الضوء على جوانب شتى من حرف التراث الشعبي في مصر لاسيما حى الجمالية ـ أحد الأحياء الشهيرة في القاهرة ، الذي دارت فيه وغير بعيد عنه أحداث ثلاثية أديبنا العظيم نجيب محفوظ (بين القصرين ، قصر الشوق ، السكرية) وغيرها من أعماله الأدبية الشهيرة ، ومركز مجموعة كبيرة من الحرف الفنية التقليدية ، بالإضافة إلى ثرائه الذي لا مثيل له بالآثار والمعالم الإسلامية الفريدة التي تعد كنزًا ثقافيًا وطنيًا عالميًا ـ عسى أن يخدم ذلك الجهود المبذولة الآن لتطوير وتنمية الحرف الشعبية ، وحماية أسلوبها المستقل في الصناعة والتعبير.


ويتواكب هذا الجهد مع مستجدات الساحة الثقافية العالمية والإقليمية من مصطلحات ومفاهيم ودعوات للصون ، والحفظ والحماية لما أصبح يُعرف في الأدبيات الدولية بـ "التراث الثقافي غير المادي" الذي بدأنا للتو  في مصرنا لحمايته !! عبر (الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية) وهو المشروع / الحلم . الذي ساعدنا أن نلتفت إلى أعماق الإنسان فينا رصدًا لتراثنا الثقافي الشعبي بحثا فيه ودرسًا له ونظرًا في ثرائه الذي لا يحدّ وغزارته التي لا نكاد نقدر لها بداية ولا منتهى ،  إنه الأمل في أن ندرك هذا التراث الجميل قبل أن يلفه النسيان ويضيع منا فلا نهتدى إليه.


خاصة أن هذا النوع من الفنون الشعبية يشكل في الوقت ذاته قوة ثقافية مؤثرة، ودافعًا معنويًا ضروريًا، ومصدرًا روحيًا لاينضب ، ولا يتوقف عطاؤه على مدار التاريخ الإنساني وعلى ذلك فإن الحفاظ على هذه الحرف الشعبية هو خير وسيلة للحفاظ على الجانب الثري من ثقافة الفرد والجماعة أو المجتمع، والعكس أيضًا صحيح ـ  فإذا ما غاب الإنسان ـ  حامل التراث ـ  حامل هذه المأثورات ـ غاب معه إرث الماضي، وضاعت هويته . فالمسألة ثقافيًا واجتماعيًا، جدلية، وتتطلب منا العمل الجاد من أجل الحفاظ على ما يكسب الإنسان وجوده وهويته ، وصون هذا الوجود وتلك الهوية ، وبمعنى آخر، الحفاظ على بقائه، واستمرار ثقافته.


طافت بنا الكاتبة المتميزة منى العيسوى بين الدوافع التي تكسب فن المشغولات المعدنية والحرف التقليدية الشعبية طابعها المميز عبر التاريخ ، فنحن نعشق الفنون الشعبية ، وتدفعنا إلى التطلع إليها والإعجاب بمظاهرها ، غير أنها تؤكد عبر صفحات كتابها أن :"عشق فن المشغولات المعدنية أو الفنون الشعبية وما نتخيله عنها ، قد لا يمت لها بصلة !. إذ تدفعنا أحيانا أحاسيسنا وتذوقنا لنوع من الفنون إلى اختلاق عالم وهمي نقيمه من خيالنا لنضع في إطاره و مقوماته ذلك اللون من الفنون التي نرمقها وينتهي بنا الأمر أن نعيش في أوهام ممتعة في تناسقها!!".


وتدعونا إلى تفهم أن الفنون الشعبية التي يتحمس لها الكثيرون في الوقت الحاضر ونخشى أن نتحمس لها بالكيفية نفسها فنتحدث عن لسانها ، أو نحاول شرحها وفقا لأمزجتنا ، فنرى أنفسنا نبتعد تدريجيًا عنها ، فهذا النوع من الفنون لا يحتاج إلى عطف أو إنقاذ بقدر حاجته إلى تفهم . وخير ما يحيمه من الاندثار هو المعرفة الحقيقية بأصوله .


كتابها المدهش "المشغولات المعدنية في التراث الشعبي "هو محاولة لكشف أواصره المرتبطة بسبل الحياة وظروف المعيشة ، بل بالقوت نفسه الذي كان الدافع في تشكيل حضارات بأسرها من حرف وصناعات وتقدم علمي وفنون رفيعة إضافة للمعتقد الديني والطقوس والعبادات التي تكيفت تبعا للظروف التي تفرضها وفرة القوت ، لتأتي الفنون كجزء من هذه الطقوس أو العبادات فيبدع الفنان ليدعم عقيدته أو ليؤثر على القوى الخارجية فيجعلها صالحة له . من هنا جاءت مشروعية هذا الكتاب لتتبع أصول فن المشغولات المعدنية وتراثنا الشعبي ورسالة تحذير لوقف نزيف النسيان وحالة الموت ما قبل الموت لتراثنا الشعبي ..كتاب رغم تخصصه الدقيق إلا أنه يضمن المتعة حتى لغير المتخصصين .