دراسة .. التصوير الطبقي المحوري للأرض

 

سيف الدين الاتاسي

منذ أن استأنس الإنسان الطبيعة وهو يحاول أن يفك طلاسمها واتقاء غضبها من مراقبة حيوانات الغابة وصولا إلى استخدام الكمبيوتر وهو يرتعش ملتجأ إلى الله عند كل حادثة من بركان مدمر وغيوم رمادية وزلزال تهتز له المشاعر .

 

يسجل سنويا ما يقارب من 500.000 زلزال حول العالم ، 100.000 يمكن استشعارها ونحو 100 تسبب أضرارا ، ولكن 18 زلزالا فقط تصل قوتها إلى أكثر من 7 درجات ، وغالبية الزلازل والثورات البركانية تحدث على طول الحدود بين الصفائح التكوينية التي تشكل القشرة الأرضية .
والزلازل الكبرى التي حدثت سنة 2010م هي :

  • 11 كانون الثاني / يناير 2010م " هياتي " : القوة 7 العمق 13كم عدد الضحايا 222500 .
  • 4 شباط / فبراير 2010م قبالة ساحل كاليفورنيا: القوة 5.9 والعمق 23.6 كم .
  • 18 شباط / فبراير 2010 م : الصين _ روسيا ، كوريا الشمالية القوة 6.9 العمق  57.38 كم .
  • 26 شباط / فبراير : جزر ريوكيو ، اليابان ، القوة  7 العمق 22 كم .
  • 27 شباط / فبراير 2010م : مولي تشيلي  القوة 8.8 العمق 35 كم ، عدد الضحايا 800 نسمة في مدينة كونسيبون تحركت بأكملها بما لا يقل عن 3 أمتار نحو الغرب .
  • 5 آذار / مارس 2010م: فبالة ساحل بيوبو تشيلي ، القوة 6.6 العمق 35 كم .
  • 5 آذار / مارس سومطرة اندونيسيا ، القوة 6.5 العمق 22 كم .
  • 8 آذار /مارس تركيا القوة 6 ، العنق 2كم الضحايا 51 على الأقل .

وكثرت التحذيرات من إمكانية حدوث زلازل مدمرة في جميع أنحاء العالم هذا العام ، ففي الحادي عشر من آذار / مارس 2011م وقع الزلزال المرعب وبشدة 8.9 درجة الذي ضرب مدينة توهوكو شمال شرق اليابان ، وخلف 15.000 قتيل واعتبر مثلهم في عداد المفقودين ، أعقبه تسونامي بعلو 10امتار وسبب دمار واسعا ، واستعدت الدول المشاطئة على المحيط الهادئ لمواجهة الخطر ، وأعلنت الحكومة اليابانية حالة الطوارئ في البلاد وأغلقت السلطات 11 محطة نووية كإجراء احترازي ، وأهمها محطة " فوكوشيما" التي أصيبت بالعطب التام ، لتعيد أكثر من دولة النظر في استخدام المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية ، وخاصة في دول الخليج التي بدأت تتسائل ؟ إذا عجزت اليابان على عظمتها وتقدمها التقني في احتواء خطر الإشعاعات النووية المتسربة من محطاتها النووية ، فماذا ستفعل إيران وهي المبتدئة في هذه الصناعة في مفاعل " بوشهر "  الذي يقع ضمن منطقة زلازل معروفة .
والقصة في موضوعنا بدأت في الربع الثالث من القرن الماضي حين عممت الحكومة الصينية على سكانها مضمون أسلوب للتنبؤ بوقوع الزلازل المدمرة استنادا إلى اضطراب سلوك بعض أنواع الحيوانات التي تتمتع بمقدرة خارقة على الإحساس باقتراب الزلازل ، معتمدين في ذلك على العديد من المصادر التاريخية ، ومن الأمثلة على ذلك هرب الفئران وبعض أنواع الزواحف قبل خمسة أيام من تسوية المدينة هيلس الإغريقية مع وجه الأرض ، وتحليق أسراب كثيفة من الطيور غطت السماء مبتعدة قبل زلزال مدينة " كونسبسيون التشيلية " في عام 1885 م ، وركض الكلاب الجنوني ونباحها العشوائي قبل فاجعة سان فرانسيسكو في 1906 م.
بيد أن الحكومة الصينية ما كانت لتكتفي بهذه الروايات التاريخية في قرارها الذي اعتمدته بعد التأكد من مصداقية مراقبة الحيوانات ، ونجاحها في التنبؤ بما يزيد عن 15 هزة أرضية قوية أشهرها إخلاء ميلون من سكان مدينة هايشنغ قبل حدوث الزلزال الذي حولها إلى أنقاض وخرائب .
بدأت حكاية نجاح هايشينغ في عام 1970م حينما تزايد عدد الهزات الطفيفة أو " المهجرية " في الشمال الشرقي من الصين ، تتزايد بشكل ملحوظ في أواسط عام 1974م ، مما دفع العلماء الصينيين إلى الجزم بتعرض المنطقة خلال السنتين التاليتين لزلزال متوسط تتراوح شدته 7.5 درجة ، وفي أواخر 1974م هجرت الثعابين جحورها في البرد القارس وهامت الجرزان على وجهها في وضح النهار وبعد شهرين بدا الإوز بالارتطام بأغصان الأشجار ، والبقر بتدمير حظائرها ، والكلاب بالجري والنباح بدون هوادة ، مع تزايد عدد وشدة الهزات " المجهرية " وفي صبيحة 4 شباط / فبراير 1975 م ، بلغ جنون الحيوانات ذروته فقرر المسؤولين إخلاء المدينة قبل ساعات من نكبتها  فنجا السكان ، ونكبت فقط المنازل الشاغرة .
لكن هذا الأسلوب نفسه فشل في التنبؤ بواحد من أفظع كوارث الزلازل في تاريخ البشرية ، الذي نكب مدينة تانغ شان الصينية في تموز / يوليو 1976 ، وأودى بحياة الكثيرين مما شجع العلماء الغربيين على اقتباس هذه الطريقة ، والتي يجهل أنصارها أهمية اطراد الخطوات الجزئية المتسلسلة في التنبؤ بوقوع الزلازل ، فيما بحث بعضهم عن بديل يعتمد على القياس مثل تغير منسوب المياه في الآبار، أو تزايد تركيز غاز الرادون المشع فيها ، ولا سيما في مركز بوتسدام الألماني الذي كان له السبق في تسجيل أول زلزال " عبر القارات " من اليابان ، والفضل في تحقيق هذا النجاح هو إصرار الدكتور " تشاو" من المعهد المذكور الذي انتبه إلى تكاثر عدد الهزات الضعيفة المجهرية قبل الزلازل التي نجح الصينيون في التنبؤ بها فراهن على الهزات المجهرية هذه ونجح في تسخيرها بمساعدة الحاسوب في التنبؤ بحدوث زلزال في هضبة الأناضول قبل ساعة كاملة من وقوعه ، لكنه اقر بنفسه أن الهزات المجهرية هذه لا تسبق كل زلزال بالضرورة لذا لا تصلح مقياسيا  للتنبؤ المضمون فما هو السبب ؟
من المرجح أن تكون تلك النتيجة قد اعتمدت على " الإحصاء " دون محاولة لربط الزلازل بالمحرض عليه ، فاجمعنا يعرف أن سبب الزلازل يكمن في باطن الأرض ، فأنى لنا أن نجد المسؤول ونحن نجهل الكثير عما يجري في جوف كوكبنا " الأرضي " ؟
وتعد الرحلة إلى مراكز الأرض أقدم أحلام البشر فقد حفرت بعض الآبار لأغراض علمية وبحثية فقط ، أحدها في شبه جزيرة كولا في روسيا ، وصل عمقها إلى 12 كم لكن هذا العمق يشبه الخدش في كوكبنا الأرض الذي يقارب قطره 13.000 كم ، إن مثل هذه الآبار تفيد في التعرف إلى القشرة السطحية لأرضنا والى كنوزها الدفينة ، لكنها تعجز عن دراسة القسم الباطني المسؤول عن الزلازل وقد تبين أن أفضل التقانات لتشريح كوكبنا يعتمد على ارتجاف أو اهتزازات كوكبنا الأرضي بفعل الزلازل (وأحيانا تحت وطأة التفجيرات النووية تحت سطح الأرض في صحراء نيفادا وغيرها) .
وانتشار هذه الموجات في أوصال جسم كوكبنا التي يطلق عليها الجيولوجيون اسم الموجات السيزمية وفي الحالة العامة يركز الباحثون على سرعة انتقال الموجات السيزمية وانتشارها ، فالسرعة تتناسب طرديا مع طبقات الصخور التي تخترقها الموجات وكثافتها ، أي تزداد السرعة كلما ازدادت الكثافة وهذه تتأثر وبدرجة الحرارة والضغط السائدين فأي تغير حاد في درجة مرونة الصخور أو تركيبها الكيميائي قد يؤدي إلى قفزات في السرعة .
ومرة أخرى اثبت الصينيون ريادتهم في هذا المضمار أيضا ، وفى القرن الماضي تزايد عدد مراكز ومحطات رصد الزلازل بالموجات السيزمية والتي توصلت على أن أرضنا مكونة من 5 طبقات أطلق عليها أسماء : القشرة ، الغلاف العلوي ، والغلاف السفلي ، النواة الخارجية ، وأخيرا النواة الداخلية في مركز الأرض .
في التصوير الطبقي المحوري للأرض يستعاض عن الأشعة بموجات الزلازل بموجات الزلازل التي ترصد من قبل عدد كبير من الأجهزة راسمات الاهتزازات السيزمية ، وتقدم نتائجها دفعة واحدة إلى حاسوب مركزي يستعين بها في رسم نموذج مجسم ثلاثي الأبعاد ، وفي هذا يستعين الحاسوب بالدرجة الأولى بنوعين من الموجات التي تولدها الزلازل ، وتنتشر في كرتنا الأرضية : الأول موجات ضغط تشبه موجات ضغط نابض والثانية في مظهرها الموجات الناشئة عن سقوط حجر في بركة ماء راكدة .
ويهدف رسم نموذج مجسم لأرضنا بواسطة الحاسوب مع الأخذ بعين الاعتبار تغير سرعة هذه الموجات مع تبدل العمق مما يسمح بإعطائنا فكرة عن الفرق مابين سرعة موجات الضغط بين القشرة والغلاف وسرعتها كلما اتجهنا نحو مركز الأرض ، فان سرعة موجات الضغط تتزايد بصورة منتظمة من 8 كم /ث إلى حوالي 7-13كم / ث عند عمق يقارب2.89 كم  وهنا تبدأ النواه.
وتتشكل النواة على ما يبدو من مزيج من الحديد والنيكل المصهور عند حوافه الخارجية لذا يتم التمييز بين نواة خارجية سائلة مرنة داخلية صلبة .
ثم كانت الثورة في تقنيات التصوير الطبقي المحوري السيزمي نتيجة للتغلب على إذ تم وضع مجسم ثلاثي الأبعاد لبضع مئات من الأمتار من الطبقات العليا لكوكبنا ثم تطورت البقية فوصلت لوضع مجسمات وصلت لآلاف الأمتار بفضل الشبكات الحديثة الرأسمال الاهتزاز التي ابتكرها الخبراء الأمريكيون في نهايات القرن الماضي .
وشيئا فشيئا سخر خبراء الاهتزازات السيزمية مجمل البيانات المتراكمة بأحدث الكمبيوترات في وضع نموذج مجسم ثلاثي الأبعاد للأرض بيد أن تاريخ العلم والتقانة تصح بالأمثلة التي تؤكد سهولة وضع النماذج والتخيلات النظرية الفكرية البحتة التي قد تكون بعيدة عن ارض الواقع ولكي يمكن التأكد من سلامة هذا النموذج فقد فضل الخبراء تجربته في المناطق التي تكثر فيها الزلازل وفيها عدد وافر من محطات الرصد مثل اليابان وكاليفورنيا ومنطقة إيران وتركيا .
كما يسمح التصوير الطبقي المحوري بانتقاء " عمق " معين للصورة على سبيل المثال ثم التقاط صورة من هذا النوع للجزء الغربي من أوربا والبحر المتوسط على عمق يتراوح بين 110كم ، 170كم بموجات الضغط فبينت تباين سماكات القشرة تحت أوربا الوسطى عند الانتقال من موقع جغرافي " على السطح " إلى آخر فالقشرة الصلبة تصبح رقيقة جدا عند الساحل الليفوري وفي وادي الرون ، بينما تكون سميكة تحت جبال الألب .
ويرى جيولوجيو معهد التقانة في ميونخ في هذا الأمر مؤشرا على الالتواءات في منطقة الألب فهم يفسرون ذلك بأنه الأثر المتخلف عن عملية الغطس " الابتلاع " الذي يساهم في لي وثني جبال الألب ، وعليه توصل هؤلاء إلى أن هذه الجبال على ما يبدو جذرا باردا وكثيفا .
أما التفاصيل المذهلة التي وضحها التصوير الطبقي المحوري تحت بركان " ميلوس " فيعود الفضل فيها إلى سلسلة من الزلازل الطبيعية التي هزت اليونان ، والتي سمحت بأعداد وصف مسهب لبنية وخواص هذه المنطقة الغزيرة بتوليد البخار الحار الطبيعي ، وهذا يثبت أن آفاق التصوير الطبقي المحوري تتخطى اشباع الفضول العلمي حول كوكبنا والزلازل إلى التنقيب عن البنى الصالحة لاستئناس طاقة باطن الأرض الجوفية .
بيد أن الهاجس الأساسي للخبراء يتبقى متركزا في محاولة ربط الزلازل والبراكين بما يجري في باطن الأرض ربطا سببيا يسمح بالتنبؤ بها قبل حدوثها انطلاقا من فهم ما يجري في جوف الأرض ومتابعته متابعة حثيثة ، لذا يأمل هؤلاء في المرحلة الحالية دراسة ديناميكية باطن الأرض وحركات المواد المصهورة فيه بهدف استيعاب تدفق كل المواد والحرارة في غلاف الأرض  ، هذا التدفق الذي يأخذ شكل خلايا عملاقة تتبادل الحرارة والمواد بالحمل ، علما أن معظم الخبراء يعتقد ان خلايا الجمل هذه هي المسؤولة عن تحريك ألواح قشرة كوكبنا الأرضي .
وفي اعتقادنا فان التنبؤ المضمون بالزلازل لن يتحقق إلا بمعرفة وثيقة معززة بالقوانين التي تأخذ هيئة معادلات رياضية ولا سيما في التنبؤ المتاخمة لحواف الألواح المتحركة التي تكثر عندها الزلازل تكاثرا ملحوظا .
هذا إذا افترضنا أن الزلازل لا تنشأ إلا عما يجري في الغلاف وحسب ، فماذا سيحل بدرجة تفاؤلنا لو ثبت أن لنواة الأرض مساهمتها في الزلازل أيضا ، أن اهتمام العاملين في مجال التصوير الطبقي المحوزي السيزمي للنواة لم يبدأ الا منذ امد قريب ، وقد لاحظ هؤلاء وفي مرحلة مبكرة نسبيا بان نواة الأرض تتألف من نواة خارجية سائلة مصهورة ونواة داخلية صلبة .
ومن المعروف أن السوائل لا تسمح إلا بمرور موجات الضغط وحسب ، وهذا ما يجري في النواة الداخلية كما يفترض الباحثون أن كلا الجزئين يحتوي على سبيكة من الحديد النيكل بالدرجة الأولى .
وفي المرحلة الثالثة حاول بعض الباحثين الفرنسيين معرفة المزيد عن طبيعة نواة الأرض وبينتها وقاموا بدارسة موجات سيزمية مرت في طريقها إلى راسم الاهتزاز على الغلاف والنواتين الخارجية والداخلية جميعا دون استثناء ، وسجلوا زمن الرحلة في كل مرة 400 من محطات الرصد
وبغية اصطفاء المعلومات المتعلقة بالنواة وحدها كان لابد من " تصحيح " الزمن الإجمالي للرحلة حسب زمن الارتحال في الغلاف وحده ، فوجد الباحثون تأخر وصول الموجات إلى محطات الرصد بفارق زمني عند الانتقال من منطقة جغرافية إلى أخرى ، إذ بلغ التأخير أوجه عند خط الاستواء ليتناقص بالتدريج عن الاقتراب من احد القطبين : الشمالي والجنوبي .
وبعد الاستعانة بالموجات المنعكسة عن النواة الداخلية التي سجلت في محطات الرصد الاسترالية ، حسم الباحثون الفرنسيون الجدل لصالح التوزع العشوائي غير المتجانس لمواد النواة.
وما زال يخيم بما يسمي " بالبقع الساخنة " البعيدة عن حواف الالواح المتحركة ، التي تتصاعد منها المواد الساخنة من الغلاف إلى سطح الأرض ولعل من اكبر الكوارث التي حدثت بعيدا عن حدود الألواح القارية الزلزال الذي هز منطقة كيلاري في جنوب غربي الهند لمدة دقيقتين فقط ، قبل شروق الشمس 30ايلول / سبتمبر 1993 ليدفن تحت الانقاض آلاف البشر.
و مازال العلماء بعيدين كل البعد عن الإحاطة بالمعارف الرئيسية التي تسمح لنا بفتح باب التنبؤ بالزلازل على أسس علمية سببية تربط العلة بالمعلول ، لذا يتعين دعم العلماء والخبراء ومراكز البحوث في العالم واعتماد أفضل ملاحظاتهم الاحصائية في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح بدلا من رميها بالعجز عن تقديم تفسير تحليلي مفصل لذلك.

 

المراجع

  • مهندس سمير شعبان : الجبال المهاجرة " مجلة العربي " آب / أغسطس 1982
  • يوسف خوري وميخائيل معطي : المدخل إلى علم الجيولوجيا " جامعة دمشق 1991م
  • الدكتور زياد بيضون والمهندس نزار عكر : الأرض وتكوينها " معهد الإنماء العربي بيروت 2010م .