كتاب "مدائن الريح".. ريشة الأديب تحاور الأمم والثقافات
من إصدارات دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة

 

محمد الأمين محمد المختار*

صدر حديثا عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة كتاب "مدائن الريح"، للكاتب الإماراتي عبد العزيز المسلّم، وهو كتاب ينتمي إلى أدب الرحلات، الذي تزخر المكتبة العربية بنماذج منه، وصل بعضها إلى العالمية، مثل رحلة ابن بطوطة، التي يرجع لها الفضل في اهتمام الكاتب وشغفه بهذا الضرب من ضروب الكتابة والأدب.

جاء الكتاب في 156 صفحة، من القطع المتوسط، ضمنها الكاتب مشاهداته وانطباعاته التسجيلية، لمدن عديدة في العالم، كما يفعل المصور الفنان، حين يقتنص المشاهد واللحظات، التي قد لا يقف عندها الكثيرون.

كانت للكاتب رحلة قديمة لم يتضمنها الكتاب، ولكنها حفرت لها مكانا مميزا في ذاكرته، وجعلته يستعيد عبيرها في كل رحلة وفي كل مدينة، تلك كانت رحلته إلى مدينة خورفكان التابعة لإمارة الشارقة، في عصر اليفاعة والصبا، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، رحلة ظلت تفاصيلها تتجدد مع تجدد الرحلات في شرق العالم وغربه، لأن "الحب الأول لا ينسى أبدا" كما يقول الكاتب.

خلافاً للترتيب التقليدي للرحلات، بالتسلسل التاريخي، ابتدع عبد العزيز المسلم طريقته الخاصة، فصنف مدائنه بحسب القارات؛ ولم يسلم من الانحياز الجغرافي حين ابتدأ بقارته آسيا، التي افتتحها برحلات لبنان، تلك الأرض التي كانت "من أهم البلدان التي عرفها أهل الإمارات.. "، متوقفاً عند محطات "بيروت، صور، طرابلس الشرق"، حيث قدم تعريفاً وافيا عن كل تلك المحطات، من ماضيها إلى حاضرها، مستعرضاً أهم المعالم، من جامعات، ومتاحف، ومزارات سياحية. وعلى ذلك المنوال سار الكاتب في وقفاته عند بقية المائن التي تناولها الكتاب، بيد أنه في لبنان لم يستطع إلا أن يقف مبهوراً أمام مظاهر الجمال في الطبيعة وألق المكان، فطاف في حدائق الشعراء الإماراتيين الذين خلدوا هذا البلد الجميل، في لوحات موزونة، ومن تلك اللوحات قول الشيخ صقر بن سلطان القاسمي:

هل ترجع الأيام يا فاتني = أحلام لبنان وذاك المكان؟!

أيام مدت في رحاب الهوى = لنا ليالينا بساط الأمان

ثم ننتقل مع الكاتب إلى عمان عاصمة المملكة الأردنية، التي يعتبرها "متحفاً مفتوحاً كما هي الأردن بأكملها"، ومنها إلى بانكوك "أرض الابتسامات" عاصمة مملكة تايلاند، التي تأسرك فيها طيبة الناس، كما يأسرك منظر الأطفال بائعي الزهور في شوارع بانكوك الجميلة.

وبعدها ندلف رفقة الكاتب إلى بلاد الهند "بلاد السحر والألوان والذهب والبهارات"، يجعلك الكاتب تشعر بأنك في تلك الأجواء، بما يسرده من تفاصيل عن تلك البلاد العجيبة المترامية، حيث يطول بنا المقام مع ذكريات ابن بطوطة في الهند، ونتنقل مع الكاتب في مدائن الهند المختلفة (بنغلور، ميسور، بنديبور، حيدر آباد، دلهي..) وفي كل تلك المدن وقفات مع المعالم المميزة من قصور ومعابد ومتاحف..

ثم نعود إلى أفريقيا من بوابة العالم العربي (القاهرة) عاصمة النيل وكبرى مدن العالم العربي، التي زارها الكاتب لأول مرة سنة 1988، ثم أدمن زيارتها بعد ذلك، لأنه شرب من ماء النيل. وفي القاهرة نقف - بعد الاستعراض التاريخي - عند المساجد ودور الكتب وغيرها من المعالم الخالدة.

ومن القاهرة إلى أقصى شرق أفريقيا (زنجبار) التي ارتبط اسمها عند أهل الخليج بالسحر، سحر الأحلام والخيال، حيث عالم صغير يجمع عددا هائلاً من اللغات والأديان والأعراق.

ثم إلى "بوابة العرب الغربية"، إلى المملكة المغربية، حيث نمر على أربع من مدائنها الأصيلة (الدار البيضاء، الرباط، مراكش، الصويرة)، وفي تلك المدن يأخذنا الكاتب - كالعادة - في جولة تاريخية تعريفية، تليها جولة معاصرة في ساحاتها ومعالمها البارزة، من قبيل "ساحة جامع الفناء" بمراكش، أول ساحة في العالم العربي تتبناها منظمة اليونسكو باعتبارها جزءاً مهما من التراث الإنساني غير المادي، وهي ساحة فريدة تجتمع فيها النقائض والعجائب والفنون والحرف.

ومن المغرب المطل على أوروبا نطير مع الكاتب إلى العاصمة الفرنسية باريس التي استطاع الفرنسيون أن يجعلوا منها أجمل مدينة في العالم من دون منازع، والتي تحتضن معهد العالم العربي لتعميق التبادل الثقافي بين فرنسا والعالم العربي، وتحتضن جامعة السوربون العريقة، إلى غيرها من المعالم.

ثم إلى لشبونة عاصمة البرتغال، التي كانت جزءا من "الفردوس المفقود" الأندلس، وهي مدينة "وجد فيها التاريخ ملاذاً آمنا، كما وجدت فيها الحضارة الكثير من الحبر الذي استطاعت أن تكتب به صفحات من البطولات والاكتشافات وحسن المكان وروعة الخيال"، وهناك يقف بنا الكاتب على "منطقة كشكاش" آخر بقعة في أرض أوروبا، ليستذكر وقوف قادة الفتح الإسلامي هناك بعدما رفعوا راية الإسلام على أرجاء العالم المنظور.

وعلى خُطا كولومبس يعبر بنا الكاتب بحر الظلمات إلى العالم الجديد، إلى أمريكا الشمالية، في زيارة إلى مدينتي أطلنطا وشيكاغو، في ربيع 1995، وفي مطار شيكاغو نقف أمام اللوحة الضخمة التي نصبت في مدخل المسافرين القادمين، وقد كتبت عليها عبارة الترحيب بكل لغات العالم، ومنها بالعربية "أهلا وسهلاً"، وفي أطلنطا التي ختم بها الكتاب، نزور أهم المعالم، ومنها متحف التاريخ الطبيعي، ومتحف العلوم والتكنولوجيا، ومحطة السي إن إن القناة الإخبارية الرئيسية على مستوى العالم.

"مدائن الريح" موسوعة ثقافية عالمية مصغرة، ومحاولة لإحياء لواحد من أهم فنون السرد في الأدب العربي والآداب العالمية "أدب الرحلات".

*باحث بالدائرة