دراسة
تجديد البيوغرافيات التاريخية

خاليد فؤاد طحطح
نماذج من الكتابات البيوغرافية الجديدة
خصائص البيوغرافيات التاريخية الجديدة
أضحت كتابة البيوغرافيات التاريخية اليوم أكثر جاذبية وشعبية ورواجا، وأصبحت نوعا متميزا من الكتابة والتفكير في التاريخ وعلى مستويات متعددة، فمع التفتح الحاصل في العلوم الإنسانية والاجتماعية برزت كتابات جديدة متعددة وخصبة أهمها السير الجماعية، والسير المتوازية، والسير المتقاطعة، والسير الفكرية، وسير الحياة، وسير الناس العاديين .
يمكننا أن نتتبع تبلور العديد من أصناف كتابة السير المختلفة المداخل، في ظل بروز مسارات جديدة بدأت في الظهور مع تطور الأبحاث التاريخية والأنتربولوجية.
بعد أن فقدت الكتابة البيوغرافية بريقها خلال الفترة السابقة لفائدة تاريخ أكثر انفتاحا على الاقتصاد والمجتمع وبفعل التغيرات التي واكبتها، فإن هذه الكتابة استطاعت أن تفرض نفسها من جديد على الاتجاهات التاريخية والانثربولوجية والنفسية والأدبية، وأصبحت ميدانا جديدا لاختبار قدرة المؤرخ.
ولئن عرفت أجناس كتابة السير حاليا تغيرات كثيرة بفعل ظهور أنماط أخرى انضافت إلى صنف البيوغرافيات الكلاسيكية، فإنها ما زالت في حاجة إلى دراسات نقدية تبين مدى قيمة هذا النوع الجديد من السير. مما يطرح مشروعية التساؤل عن مدى أهمية الدراسات البيوغرافية العصرية في علاقاتها بالدراسات التقليدية القائمة على "أسطرة" الشخصيات البارزة . فإلي أي حد يمكن اعتبار البيوغرافيات الجديدة بديلا عن مثيلاتها السابقة وتجاوزا لها؟ و هل يمكن اعتبار النماذج التقليدية لكتابة السير غير ذات جدوى باعتبار أن تاريخ الأفراد أحد "الأصنام" التاريخية الغير المفيدة في فهم معنى التاريخ ؟ ما حدود القطيعة والاستمرارية بين المقاربتين التقليدية والعصرية؟ وما هي أهم الخطوط العريضة الحالية للبيوغرافيات التاريخية الجديدة؟
لإلقاء الضوء على التطورات الكبرى التي عرفتها الكتابات البيوغرافيا منذ بداياتها الأولى وحتى الفترة الراهنة، يمكننا التمييز بين ثلاثة مراحل من كتابة السير. المرحلة الأولى تتمثل في السير الفردية التي تتوافق مع العصر البطولي. ثم مرحلة مدرسة الحوليات التي عرف فيها هذا النوع تراجعا كبيرا قبل أن يعود من جديد خلال المرحلة الثالثة الاهتمام بالبيوغرافيا من طرف التاريخ خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
فما هي سمات كل مرحلة من المراحل الثلاثة؟ وما الأصناف التي ميزتها؟ وما هي خصائص الكتابات البيوغرافية الجديدة؟.
- مراحل تطور الكتابات البيوغرافية.
1-1 مرحلة العصر البطولي وسير الرجال العظام.
البيوغرافيا جنس قديم حام في البداية حول مفهوم الحياة بمعناها البيولوجي من الميلاد إلى الوفاة. بالنسبة للإغريق كان هذا المفهوم يستهدف نقل القيم البناءة إلى الأجيال القادمة وتميز بسمة فردانية. وقد ظهرت البيوغرافيا في نفس فترة ظهور الجنس التاريخي خلال القرن الخامس قبل الميلاد. وفي الحقبة الهلنستية كان التركيز أساسا على الأبطال العظام العسكريين والسياسيين باعتبارهم أفرادا يمثلون القيم المثلى داخل المجتمع، وقد استمرت هذه المعاني ماثلة بطرق أخرى خلال العصر الوسيط وبعدها.
كانت كتابة السيرة في هذه المرحلة نوعاً من الخطاب التمجيدي حول الفضيلة والأخلاق المثلى، وقد ارتبطت بفكرة العناية الإلهية وبأهمية دور الرجال العظام، فالشخصيات موضوع الدراسة البيوغرافية كانت تمثل غالبا نماذج مثالية (قـدوة) وأحيــاناً سلبية (شر). ويعتـبر كتاب بلوتـاركوس "السيـر المـتوازية" (Vies parallèle ) نموذجا لهذا النوع من الكتابات في بداياتها الأولى، وقد حضي منذ ذلك التاريخ إلى اليوم بنجاح باهر. فهو يلخص التاريخ اليوناني والروماني من وجهة نظر الأخلاقية الرواقية، يختار المؤلف من ماضي الإغريق والرومان بطلين يشخصان إحدى الفضائل الكبرى (الشجاعة، الرزانة، العدل، الإيثار، الشهامة، الحلم، الخ) يتوسع في وصف أعمالهما ثم يقارن بينهما معتبرا اختلاف الظروف والأحوال، لا تجد عنده إلا أمثلة على الرفعة والسمو لا كلام على حالات الخسة والظلم، التاريخ في مرآة الأخلاق هذا ما استهدفه بلوتاركوس من كتابه(1) ، فهو يحتوي على تراجم العديد من الساسة الملوك والقادة العسكريين العظام من أثينا واسبارطا وروما أمثال "حنبعل" و"الاسكندر " و"سيرتوريوس" و"يوليوس قيصر"و"ديميطريوس" والمشرع "صولون" و"بركليس" وغيرهم، وحتى وإن لم يكن كتاب "بلوتارك" الأول والأخير في مجاله فإنه بشهادة المتخصصين بهذا النوع "أمير كتاب السيرة"، تنبه مبكرا إلى الفرق بين كتابة السير وكتابة التاريخ بقوله: "نحن لا نكتب التاريخ وإنما سير حياة"(2) ، لذا فهو يعد من أشهر مؤرخي السير و التراجم في العالم القديم، ألف "سير متوازية"(3) عقد فيها مقارنات بين الشخصيات اليونانية والرومانية بشكل متوازي. وقد اعتمد وليام شكسبير في إخراج مسرحياته الرومانية القديمة على كتاباته(4).
بلوتارك كغيره من المؤرخين السابقين أمثال هيرودوت نسب إلى بعض الملوك القدرة على الشفاء من الأمراض والقدرة على إيقاف الأوبئة والتحكم بالرياح، وأورد العديد من الرؤى والخوارق والكرامات. ونسجل هنا ملاحظة مهمة أشارت إليها سابينا لوريكا وهي أن تيوسيديد بخلاف بلوتارك ظل متحفظا إزاء بعض الكرامات كما عبر عن امتعاضه من البيوغرافيا ولم يعطي لها الأهمية القصوى(5).
وخلال فتـــــرة القـرون الوسطى لم نشهد قطيعة مع الممارســات السـابقة، إذ ظلت كتــابة السيرة ذات بعد تربــوي وأخلاقي، وأصبح التاريخ كله ديني من خلال تأثير رجال الدين وهيمنة الكنيسة على المجتمع. انتعشت خلال هذه الحقبة بالخصوص كتابة سير حياة القديسين بما تحمله من تمجيد ومديح وتخليد، إنه عصر كتابات مناقب الرهبان بامتياز، وقد تم تسخير مقاصد هذه السير تبعاً للقيم الأخلاقية التي يراد إيصالها لأفراد المجتمع. وخلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر تحقق الاتحاد بين طبقة النبلاء ورجال الدين الاكليروس من أجل الحفاظ على النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم، وقد اعتمد الملوك بالدرجة الأولى على الرهبان لكتابة التاريخ، وقد تكفل هؤلاء "الكتاب" بتمجيد النبلاء ومدح سادة الإقطاع من خلال التركيز على ذكر شجاعتهم وبطولاتهم. لقد شكلوا فئة مندمجة بشكل كامل في بنية النظام القائم، وحتى عندما ازدهرت مؤسسة المؤرخ الرسمي في النصف الثاني من القرن الخامس عشر في الغرب بكامله بقي الخلط الذي يتخبط فيه التاريخ واضحا رغم تحقيقه نوعا من الاستقلالية(6) ، وحتى إلى حدود القرن السابع عشر ظلت سير الفرسان والأبطال الملوك تحتل الجزء الأكبر من اهتمامات هؤلاء الكتاب. ولم يتراجع هذا النمط من الكتابات إلا بعد قيام الثورة الفرنسية.
في بداية العصر الحديث اعتبرت الكتابة البيوغرافيا لها شرعية داخل الكتابة التاريخية، لم يحتفي فولتير مثلا بأي عبادة للأبطال لكنه ظل مقتنعا أنه عبر الأرواح العظيمة للعظماء يمكننا الدخول إلى مفاجآت التاريخ(7). لقد ازدهرت بعد ذلك وبالتدريج أنواعا جديدة من البيوغرافيات حيث كانت كتابة السيرة تُعني إلى حد كبير بسرد مجموعة من«الروايات والحكايات» من خلال تناول مواضيع عن الطقوس السحرية والجن والموت والمرض والحياة الحميمية وغيرها من المواضيع الحساسة التي تجلب اهتمام القراء، لقد ظل هذا النوع محفوفا بالمخاطر ومحكوما بالصبغة الأدبية والخيالية التي ميزت الفترة الرومانتيكية، ولم يسلم من الخضوع للموضة أي الاستجابة لرغبات الجمهور الواسع المتعطش للدراسات عن الغرائز المكبوتة.
ثم جاء تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية في القرن العشرين ليعطي بعدا آخر لكتابة السيرة، حيث ينبغي لسرد سيرة حياة أن يخدم "نموذجا مثاليا" يتجاوز شخصية الفرد، وهكذا ازدهرت الكتابات عن قضايا اجتماعية من خلال دراسة السير الفردية بينما عرفت الأنواع الأخرى كسوفا وتراجعا ملحوظا وتم تصنيفها ضمن الكتابات الرديئة والسطحية التي تجاوزها الزمن.
1-2 مرحلة الكسوف والتراجع.
أصبحت البيوغرافيا ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر في وضعية كسوف، هذا النوع تعايش ولكنه ظل غير معتبر ومتخلى عنه، وازدادت الوضعية تأزما في بداية القرن العشرين وقد بلغ هذا الرفض ذروته منتصف القرن العشرين. فمع مدرسة الحوليات وفي وقت قصير جدا أصبحت البيوغرافيا رمزا للتاريخ التقليدي أو بتعبير فرناند بروديل "التاريخ الوقائعي" الذي يركز أكثر على الأشخاص بدل الجمهور(8) ، لقد تراجع تاريخ السير لحساب تاريخ أكثر انفتاحا على الاقتصاد والمجتمع(9). فجاك لوغوف اعتبر أن التخلص من تاريخ العظام المشاهير هي خطوة في الاتجاه الصحيح رغم أن تاريخ هذه الظواهر الزائفة لا يزال متواصلا ضمن انتاجات التاريخ الموازي والتاريخ المغلوط(10).
لقد تم التخلي عن جنس البيوغرافيا الذي أصبح مستهجنا ومتهما، فالبيوغرافيا تاريخ معوق وعمل ينقصه كثير من النضج بتعبير مارك فيرو(11). لقد عرفت البيوغرافيا كسوفا طويلا وتحولت إلى وهم وطابو محرم(12). لقد اندحرت إلى الأسفل في فترة تمت التضحية فيه بالبعد الفردي(13) ، فقد تحدث ايمانويل لوروا لادوري مثلا عن تاريخ بدون بشر(14). كما أصبح بالإمكان تنظيم ندوة حول ثورة 1905م دون التركيز على نيكولا الثاني كما نشرت أعمال أخرى تطرقت لحكومة فيشي دونما التركيز على مساهمة بيتان.
لقد رفض الجيل الثاني لمدرسة الحوليات البيوغرافيا مثلما رفض الحدث، واعتبرها إحدى الأصنام التاريخية الغير المفيدة في فهم معنى التاريخ، وبذلك تم تهميش السيرة من طرف المؤرخين الذين اتجهوا لدراسة المواضيع الاجتماعية والاقتصادية. هذا الكسوف الذي عرفته البيوغرافيا انتقل أيضا إلى ميدان علم الاجتماع والانتربولوجيا واللسانيات.
لقد تم احتقار السيرة من طرف المؤرخين المتخصصين ومن طرف الأكاديميين الجامعيين، إذ أصبحت عملا محظورا في الأوساط العلمية ووصفت من طرف البعض بأنها مجرد حكايات وأقاصيص لكتاب رديئين، فهي بمثابة كتابات غثة وسمينة لكنها فاسدة وغير مجدية. ومن الأقوال التي اشتهرت خلال هذه الفترة كتعبير عن مدى ازدراء هذا النوع من الكتابات "لا تقولوا لأمي إني كاتب سير فتعتقد أنني مؤرخ"(15). لقد تُركت البيوغرافيا فقط للهواة وفي أحسن الظروف اعتمدت وسيلة ديداكتيكية ناجعة لتدريس المتعلمين مادة التاريخ.
لكن هل هذا يعني أن جميع أنواع البيوغرافيات اختفت خلال هذه الفترة ؟ أو بتعبير آخر ما هي البيوغرافيا التي استمرت خلال مرحلة الحوليات أو ماذا تبقى منها ؟
لقد استمرت بعض مجالات البيوغرافيا في الوجود خلال مرحلة الحوليات والتي سماها فرنسوا دوس biographie modal la واعتبرها مرحلة انسياق وراء "موضة الفئات الاجتماعية"(16) وهي تهدف حسب تعبيره إلى نمذجة تصوير السلوكات والاعتقادات الخاصة بوسط ما أو لحظة معينة. أي أنها تحيل على نموذج تمثيل صنف اجتماعي، هذه هي الشرعية الوحيدة التي بقيت لهذا النوع البيوغرافي فقط بواسطة قيمته التمثيلية لوسط واسع، أي الانطلاق من الفرد ليس كمركز وإنما كشكل وكنموذج مثالي، إذ الشخص لا قيمة له في حد ذاته إلا من خلال أنه يصور المجموعة، فالبيوغرافيا لم تعد خاصة بالأفراد بل هي قصة فترة نراها من خلال هذا الشخص. فالفرد يصبح مدخلا لدراسة الجماعة بحيث يعطي صورة معدل سلوك لمجموعة اجتماعية في حقبة معينة(17). فالبيوغرافيا الفردية لا تظهر أهميتها إلا من خلال إبرازها للمظاهر التي لها علاقة بظروف اجتماعية متداولة(18).
انتعشت نتيجة ذلك سير أشخاص فقط كنماذج عن أوساط اجتماعية، فلوسيان فيفر عندما تناول رابليه (Rabelais) في كتابه "مشكلة عدم الإيمان في القرن السادس عشر: ديانة رابليه"(19) لم يتناوله في فردانيته ولكن قابل بينه وبين الصنف العقلي والذهني الذي ميز فترته، لقد أراد أن يبرهن ويبين أن الإلحاد مستحيل في الفترة التي عاش خلالها رابلي(20) ، لقد طرح لوسيان فيفر إشكالية عميقة جدا كانت المحور الأساسي لكتابه. هل يمكن أن يكون الشخص غير مؤمن في عصر رابليه أي في القرن السادس عشر؟ كان جوابه بالنفي. لقد أثبت بشكل مقنع أن الإيمان المتوفر في هذه الفترة أداته الذهنية لا تسمح بالإعلان عن الإلحاد ولا حتى بتكوين رؤية للعالم ملحدة بشكل علني(21).
أكد لوسيان فيفر أن من اعتبر فرانسوا رابليه رسول الزندقة والإلحاد سقط في خطيئة المفارقة التاريخية، لذلك فقد انتقد بشدة أطروحة أبيل لوفران (Abel. Lefranc) الذي جعل من رابليه رجلا عقلانيا ومفكرا حرا واتهمه بالوقوع في المفارقة التاريخية. أي أنه قرأ نصوصا من القرن 16م بعيون القرن 20م. فالآلية الذهنية للقرن السادس عشر في نظر لوسيان فيفر لا تسمح أبدا بظهور فكر منطقي كالذي سيولد فيما بعد خلال القرن السابع عشر مع ديكارت وغاليلي. لقد بين من خلال كتابه "رابليه" إلى أي مدى كانت المسيحية تضبط بشكل كامل الحياة الجماعية والفردية خلال القرن السادس عشر(22).وهو ما يحطم الموقف المغلوط والقائل بأن رابليه مفكر حر(23).
وفي كتابه الآخر عن "لوثر" قابل سيكولوجية الفرد لوثر مع العقلية الذهنية للألمان، لقد عالج مشكلة العلاقة بين الفرد والجماعة(24) ، بأن وضع لوسيان فيفر وجها لوجه نفسية فرد هو لوثر مع المحيط الذهني لألمانيا في القرن السادس عشر، ومن جراء لقاء هذين العاملين في نظره ظهر الإصلاح الديني والانشقاق عن روما، وعلى عكس الدراسات التقليدية لم يتم تفضيل أهمية الفرد لوثر في هذه الدراسة لأن لوسيان فيفر يرفض بشدة هذا التصور الضيق للتاريخ، ولكن الجو الذهني هو الذي يسود حيث يتم الالتقاء بين الطموحات الفردية والجماعية(25) ، ليس الفرد أبدا إلا ما يسمح به عصره ومحيطه الاجتماعي(26).
وحينما نشر بيير سوغلان Pierre SORLIN في المرحلة التي يمكن تسميتها "ضد البيوغرافيا"(27) سنة 1966م كتابه Waldeck Rousseau اعتبره مجرد شاهد على البرجوازية الفرنسية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واتخذه كنموذج مثال لشخص ينتمي إلى البرجوازية القروية تمكن بفضل المال والسياسة أن يصبح واحدا من أكبر برجوازيي باريس المتمدنين(28).
وسلك مارك بلوخ مسلكا آخر في مقاربته الذهنية فقد تطرق في كتابه "الملوك العجائبيين" ثم في"المجتمع الإقطاعي" إلى مشكلة سيطرة الشائعة أو الخبر الكاذب حول قدرة الملوك على شفاء المصابين بمرض داء الخنازير عن طريق وضع اليد. لقد أبرز آلية الاعتقاد وربط بين انتشار هذه الشائعة ووجود تعبد شبه ديني نحو النظام الملكي فافترض وجود قوة بنية ذهنية خاصة هي العقلية الإقطاعية(29). لقد وقف مارك بلوخ أساسا على الممارسات الجماعية والرمزية والتمثلات الذهنية غير الواعية لمختلف المجموعات الاجتماعية، وبحث عن الخلفيات الاجتماعية للتاريخ الديني والخلفيات الدينية للتاريخ الاجتماعي. فقد بين أن سير القديسين تعد مناجم بالنسبة للمؤرخ الذي يتساءل عن أنماط الذهنيات السائدة في تلك الفترة(30).
إن مدرسة الحوليات وفي إطار موجة انفتاحها على باقي العلوم الإنسانية الأخرى اتجهت أكثر إلى الانفتاح على وصف الحياة اليومية المادية والذهنية للناس العاديين في مجتمعات الماضي، وذلك من أجل إحياء الذاكرة اليومية للناس البسطاء وبعث للإنسان المغمور من خلال الاتجاه إلى الهوامش. فعندما كتب ايمانويل لوروا لادوري كتاب مونتايو سرد من خلاله الحياة اليومية للراعي المتوسط في القرن الرابع عشر في قرية معزولة، فأعاد بذلك الحياة لهذا الغائب والصامت الكبير في التاريخ الذي هو الإنسان العادي(31).
بالإضافة إلى هذا الصنف الذي يخدم "نموذجا مثاليا" يتجاوز الفرد، حافظ نوع آخر قريب من البيوغرافيا على التواجد في بعض الزوايا المختبئة من الكتابات التاريخية على حد تعبير سابينا لوريكا والمقصود حقل تحقيقات البروسوبوغرافيا(32) ، وهو نموذج تصنيف اجتماعي وسطي يهتم بالطابع العام للمجموعة دون التعمق في الفردانية. لقد كان هدف البروسوبوغرافيا الانتقال من التفرد إلى التعدد عبر دراسة المجموعة من خلال تقاطعات الأفراد الذين لهم مميزات مشتركة مثل الانتماء لنفس المهنة أو الحرفة أو الطائفة أو التخصص أو الوظيفة الاجتماعية. إنها ليست بيوغرافيات حقيقية وإنما يتم توظيف معطياتها في البروسوبوغرافيا(33).
انتقلت البروسوبوغرافيا تدريجيا من الاهتمام بأوساط الخيالة والعسكريين والسياسيين قبل أن تنفتح على الأوساط الاجتماعية الأخرى، وقد ساهمت هذه الأبحاث لاحقا في إحداث معاجم لأسماء الأعلام وتقديم نبذة تاريخية أو لمحة مختصرة عن سير مجموعات. وقد استمر هذا النوع في الوجود وزُكي دائما في حقل التاريخ ولم يكن موضوع انتقاد من طرف الحوليات لأنه ينطلق من وجهة نظر فردية ليصل إلى مستوى جماعي، فأفق البروسوبوغرافيا هو الوصول إلى القاعدة الاجتماعية العامة حسب قانون الإحصائيات ولا يعطي قيمة للبعد الفردي. فالمعطيات البيوغرافية التي تأخذ مكانتها في البروسوبوغرافيا لم يحكم عليها تاريخيا بأنها متجددة إلا لكونها تحتوي على حمولة جماعية، لذلك فان مؤرخي الفكر مارسوا البروسوبوغرافيا دون إظهار أي اهتمام بالبيوغرافيا الفردية(34). ومع مرور الوقت ظهرت معاجم بيوغرافيات عامة ومهنية و جهوية عن أوساط العمال وعن البرلمانيين والعسكريين وأيضا عن المجرمين فقد ألف كلود كوفارد Claude Gauvard "بروسوبوغرافيا المجرمين بفرنسا في نهاية العصور الوسطى"، وألف آخرون بروسوبوغرافيات عن القرون الوسطى وعن القديسين، وإن كان هزلمان أكد أنه من الصعب أن نجد في سير القديسين أثار بيوغرافية حقيقية مطابقة للواقع الموضوعي (يقصد هنا الصور النمطية التي تقدمها الهجيوغرافيات)(35).
1-3 مرحلة عودة البيوغرافيات من جديد: الانفجار البيوغرافي.
خلال القرن العشرين تضررت صورة البيوغرافيا بشكل عام في العالم، ووصلت الشكوك حول البيوغرافيا قمتها في فرنسا، فلقد ظلت السيرة لفترة طويلة محظورة في الأوساط العلمية تم احتقارها من قبل المؤرخين . لكن منذ سنة 1980م بدأت وصمة العار تنزاح تدريجيا عن هذا النوع من الكتابة الذي استعاد مشروعيته المفقودة خصوصا في المجال الأكاديمي. فهذا النوع الذي رفضته وهاجمته الحوليات عرف اليوم انتعاشة جديدة(36). لقد كان يبدو في الأفق أن البيوغرافيات ماتت رسميا ثم بدأ الأخذ بها رويدا رويدا من طرف عدة باحثين ينتمون لحقل علم الاجتماع وعلم النفس والانتربولوجيا والاثنولوجيا وحتى التاريخ، لقد بدأ الاهتمام بالفرد يعود تدريجيا من خلال مقاربات جديدة.
لقد استعادت البيوغرافيا في فرنسا الكثير من بريقها منذ مطلع الثمانينات يشهد على ذلك سيل الإصدارات والترجمات، وهو الزخم الذي وصفته مجلة فرنسية واسعة الانتشار(le Figaro ) آنئذ بالانفجار البيوغرافي(37).فما هي الأسباب والدواعي التي ساهمت في عودة الموضوعات البيوغرافيا من جديد؟
أولا: عودة الاهتمام بالفرد كموضوع خصوصا في حقل السوسيولوجيا وعلم النفس. فكل فرد يعتبر هجينا مما يتسبب في نوع من الحيرة، فكان لزاما على المؤرخين أن يوسعوا قدر الإمكان إنسانيتهم وأن يواكبوا النزعة الجديدة التي تتخذ الدراسة الفردانية كموضوعات جيدة للفكر بفضل تعقيداتها واستحالة اختصارها في خطاطات آلية. لقد ردت السوسيولوجيا والاثنولوجيا الاعتبار للفرد فهو وحدة وموضوع دائم للبحث والتقصي. وقد لاقى جنس البيوغرافيا اهتماما كبيرا في الأنتربولوجيا الأمريكية خصوصا بجامعة شيكاكو التي أنتجت تصورا نظريا عاما أطلق عليه"النظرية التفاعلية"وهي مقاربة سوسيولوجية تتبنى الفرد كوحدة للتحليل(38).
ثانيا: تعطش القارئ المحب لهذا الصنف من الكتابات، فالبيوغرافيا لها جمهورها الكبير الذي ظل وفيا لها حتى في فترات الخسوف، فرفض السيرة كان محدودا في الساحة الأكاديمية فقط بخلاف القراء الذين اهتموا دائما بهذا النوع. فلدى المرء رغبة وفضول في الاطلاع على ما هو خفي وغامض في حياة الآخرين.
ثالثا: التنافس الحاد بين دور النشر لاستقطاب كتاب السير الأكاديميين والهواة بغرض تحقيق الربح التجاري(39). فبعد أن اختفت كتب السير من واجهة المحلات بين فترة ما بين الحربين هاهو الجنس البيوغرافي يعود بقوة من خلال تجارب وأنماط متعددة.
إن المتأمل في البيوغرافيا كنوع يكتشف تجديدا مهما خلال الثلاثين سنة الأخيرة، فقد وجدت السيرة لنفسها أشكالا متجددة ومطعمة بكوكبة من العلوم الإنسانية المعاصرة، كما ظلت خلال هذه الفترة مسيطرة على سوق الكتب مستفيدة من التنافس الحاد ومن هوس الجمهور. وفي ظل هذا التنافس بدأ الاهتمام بالسمك الورقي وبالغلاف والشكل وجودة الورق والإشهار للوصول إلى أكبر عدد من القارئين بمن فيهم الإناث. لقد وقعت طفرة كبيرة توضحها الإحصائيات التالية : 200 بيوغرافيا جديدة نشرت سنة 1985م و بين سنتي 1985 و 1989 زادت النسبة ب 66 % ، وفي سنة 1996 نشرت 611 بيوغرافيا، وفي سنة 1999م بلغ عدد البيوغرافيات المنشورة 1043 مؤلف دون حساب السير الذاتية والبحوث الأكاديمية. (40) فاحتلت بذلك الكتابات البيوغرافيا المكانة الأولى في محلات البيع من خلال عناوين جذابة أكثر شهرة وتسويقا. وحتى الأساتذة الكبار الأكثر صرامة ضد صنف البيوغرافيا سابقا أمثال فرناند بروديل أصبحوا هم أيضا بعد وفاتهم موضوع مشاريع بيوغرافية كبرى.
رابعا: الوجودية أيضا ساهمت في إعادة هذا النوع إلى الواجهة وبقوة خصوصا البيوغرافيات التي كتبها جون بول سارتر مستخدما منهج التحليل النفسي الوجودي ومنهج التحليل الانتربولوجي، فأفضل ما كتبه بول سارتر سنة 1971م بيوغرافية جوستاف فلوبير في أزيد من 2000 صفحة، وبعنوان مثير مغفل العائلة L'Idiot de la famille . وجوستاف فلوبير ) 1821-1880 ( روائي فرنسي أرسي قواعد الواقعية في الأدب وتميز بقدرته على تمثيل الواقع ورصد الحياة العادية(41) ، وقد قدم سارتر دراسة ممتعة عن الجوانب الشخصية والفردية والعائلية في حياة هذا الأديب وركز على علاقاته الاجتماعية، كما قام بتحليل مؤلفاته وخصوصا روايته الشهيرة مدام بوفاري Madame Bovary (42)، واستطاع بول سارتر النجاح في استعمال الخيال والتخيل لا لكي يستبدل الواقع وإنما ليملأ الجوانب التي ظلت طي النسيان. واعتمد تقنيات فريدة في السرد الروائي، لقد استطاع تحويل الكاتب الذي اعتاد القراء الإعجاب بشخصياته الروائية إلى شخصية روائية حقيقية لا تقل قدرة عن استثارة إعجاب القراء.
خامسا: أصبحت البيوغرافيا حاليا منبع للتغيير وأصبح لها وزن في الآداب والعلوم الإنسانية، يُنقل عن برناند كيني قوله "التاريخ أصبح بدون وجه وبلا ذوق، والبيوغرافيا أخذت المكان المهم بين أجناس التاريخ"(43). لقد حدث إقلاع بيوغرافي حسب تعبير دانيال مادلينا وهو إقلاع يندرج في سياق حركة استوغرافية عامة أعادت التساؤل حول دور الفاعل التاريخي الفردي الذي طالما حجبته الهياكل والأجهزة وسلبته حريته وقدرته على المبادرة(44).
في سنوات ما بعد الثمانينات تغيرت الوضعية عما كانت عليه في السابق، لقد حان الوقت للتقارب بين التاريخ والبيوغرافيا من جديد، فالجنس البيوغرافي عاد فجأة إلى شرعيته العلمية وأصبح له مكانته ضمن الكتابات التاريخية. والمؤرخ المختص لم يعد في حاجة إلى تبرير اختياره لهذا النوع. فلم تعد البيوغرافيا موضوعا للاستهجان والنفور كما كان عليه الأمر سابقا. كل العلوم الإنسانية أعادت الاعتبار للبيوغرافيا بما فيها التاريخ، لقد أصبحت موضوعا للمناقشات الأكاديمية وللندوات والملتقيات العلمية(45) التي كان آخرها الملتقى العلمي الذي عقدته جامعة السوربون بتاريخ 30 يناير 2009م تحت عنوان:"الخلاف ما بين القدامى و المعاصرين: البيوغرافيا التاريخية بين التقليد والتجديد"(46) بإشراف الأستاذ كيوم باينGuillaume Payen الذي سجل أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه سنة 2005م عن سيرة المفكر مارتن هايدجر بعنوان:"الوجود السياسي لمارتن هايدجر: الوطنية القومية والتزام المثقف الأوربي إلى حدود بداية النازية(1889-1933)" وهذا الموضوع هو استمرار لدراسات سابقة أنجزها كيوم عن سيرة مارتن هايدغر ومنها أطروحته للسلك الثالث (DEA ) بعنوان: "الوطنية القومية والتزام المثقف الأوربي: مارتن هايدغر (1889-1976)".
خامسا: الأزمة التي بدأ يعيشها التاريخ، فمع بداية التسعينات من القرن الماضي عاشت"مهنة المؤرخ" سنوات من"التشظي والتفتت" وجد خلالها الجيل الجديد من المؤرخين أنفسهم في أزمة حقيقية، إنها أزمة الهوية والممارسة التي بدأ يشعر بها فريق إدارة الحوليات والتي نتلمسها في مناسبات عديدة سواء من خلال تغيير اسم المجلة سنة 1994م أو من خلال المناقشات الحادة التي برزت للوجود مع الجيل الثالث لمدرسة الحوليات من أجل إعادة صياغة مجالات التاريخ وتحديد التوجهات الجديدة في ظل صعوبة تحديد هوية مستقرة للتاريخ والعمل على التكيف مع الوضع المتغير، لقد أصبحت تتشكل في الأفق سحابة قاتمة بخصوص حرفة المؤرخ، لقد حققت مهنة التاريخ طفرات متعددة أثناء مسيرتها تكيفت خلالها مع الأوضاع المتغيرة واستطاعت أن تبلور خطابات و نماذج جديدة في كل مرحلة. فماذا بعد انفتاح التاريخ على مناهج العلوم الاجتماعية والانتروبولوجية والسوسيولوجيا وتكسير الحدود مع باقي التخصصات الأخرى؟. إنه سؤال القلق بخصوص المستقبل في سياق موجة المعاصرة(47).
الهوامش:
1 عبد الله العروي ديوان السياسة ص.
2 ماي جورج (السيرة الذاتية ) ترجمة محمد القاضي وعبد الله صولة، بيت الحكمة قرطاج، تونس،1992، ص 70/ 168.
3 للمزيد انظر: Plutarque : Vies Parallèles, traduction d'Anne-Marie Ozanam, Editeur Gallimard (2001)
4 نخص بالذكر أعمـاله التراجيدية : يوليوس قيصر وكوريولانوس التي استقاها من كتاب سير متوازية لبلوتارك.
5 الفرق بين التاريخ والبيوغرافيا أو الحد الذي يفرق بينهما كان دائما غير واضح، فتيوسيديد لم يعطي الأهمية للبيوغرافيا خلافا لبلوتارك وهيرودوت.
6 لقد قام مؤرخو التاريخ الوسيط أثناء تبعيتهم للسادة الإقطاعيين بنقل الخطاب التمجيدي من المجال الديني إلى المجال السياسي، وقد عبر برنارد جيني عن ذلك بقوله إن التاريخ فعلا" حصل على استقلاليته الذاتية، لكنه لم يتوقف عن خدمة الكنيسة إلا ليدخل في خدمة الدولة" أنظر : Bernard GUENEE. Histoire et culture historique dans l'Occident médiéval. Paris, Aubier Montaigne, 1980p366
Sabina loriga » biographical and historicale writhing in the 19th and 20th Centuries».op.cit. p 3.4 7 .
8 Ibid. p.10
9 قامت مدرسة الحوليات بتحطيم التاريخ التاريخاني البيوغرافي والسياسي والوقائعي الذي ميز المدرسة المنهجية لصالح تاريخ البنى وتاريخ الأمد الطويل وتاريخ الهامشيين وتاريخ الجسد والجنس والموت وتاريخ الذهنيات مع الانفتاح على مختلف مناهج العلوم الاجتماعية.
10 بموازاة هذا الموقف اعتبر جاك لوغوف أن من مهمات التاريخ الجديد إعادة طرح مسألة هؤلاء العظماء وذلك بمنح صفة علمية جديدة لتاريخ السير اقتداء بما فعله لوسيان فيفر في كتابه لوثر وارنست كانتوروفيتز في كتابه فريديريك الثاني وبيار غوبار في كتابه لويس الرابع عشر وعشرين مليون فرنسي. انظر: جاك لوغوف التاريخ الجديد. ترجمة وتقديم د محمد الطاهر المنصوري.مراجعة د. عبد الحميد هنية.المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2007، ص108.
11 للمزيد راجع:Marc Ferro « La biographie cette handicapée de l'histoire » Le Magazine littéraire, avril1979
12 Bernard pudal .Du biographique entre «science» et « fiction»quelques remarques programmatiques. Poltixe année 1994, volume 7 numéro. p.27
François Dosse. «Expansion et frangmentation.la nouvelle histoire» parmi Christian Delacroix. François Dosse .Patrick Garcia. «les courants historique en France XIX-XX».collection follo histoire.Gallimard.2009.p406./ Sabina loriga « biographical and historicale writhing in the 19th and 20th Centuries »op.cit.p2.
13 أنظر: بول ريكور(الذاكرة، التاريخ، النسيان)ترجمة وتقديم وتعليق دجورج زيناتي.دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى 2009 ص297 وأيضا: فرانسوا دوس (التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد) ترجمة د محمد الطاهر المنصوري،مراجعة جوزيف شريم، المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى يناير 2009، ص 148. 345. 367.
14 . 18p .François dosse. Le Pari biographique. Ecrire une vie, Paris. La découverte. 2005
15 أطلق عليها جاك لوغوف تعبير "السير الاجتماعية الجديدة" ورحب بوجودها لأنها تنير تاريخ الأعلام من خلال إبراز البنى الاجتماعية التي أفرزتها، وتدرسُهم من خلال الوظائف التي تقلدوها والأدوار التي أدوها من دون الاقتصار على حصرهم في التفسيرات الاجتماعية.أنظر: تقديم جاك لوغوف للطبعة الثانية من التاريخ الجديد ، مرجع سابق ص 47.
16 للمزيد بخصوص نماذج بيوغرافيات الفئات الاجتماعية يراجع الفصل الثالث من ( le pari biographique. Op.cit. pp213-249 )F. dosse
17 Giovanni Levi Les usages de la biographie. Economies, Sociétés, Civilisations, Annales. Année 1989, Volume 44, Numéro 6 p.1329.
18Lucien Febvre, le problème de l'incroyance au XVIe siècle : La Religion de Rabelais. Albin Michel paris1962.
19 .235p .François dosse Le Pari biographique Ecrire une vie, op.cit,
20 بول ريكور (الذاكرة، التاريخ، النسيان) مرجع سابق. ص 289.
21 فرانسوا دوس "التاريخ المفتت … " مرجع سابق، ص133و134. وأيضا : François dosse le pari biographique. Op.cit p235.
22 جاك لوغوف التاريخ الجديد ضمن إشراف لوكوف التاريخ الجديد مرجع سابق. ص 93.
23 . 237 p .François dosse Le Pari biographique. Ecrire une vie, op.cit,
24 فرانسوا دوس "التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد" مرجع سابق ص133.
25 نفس الشيء ينطبق على كتب مارغريت دو نافار وفرانسوا الأول بالنسبة للوسيان فيفر فالعامل النفسي للذهنية حاضر بقوة، وكذلك الأمر بالنسبة لمارك بلوخ في دراسته الملوك صناع المعجزات.حيث قام بوصف الممارسات الرمزية والتمثلات الذهنية للمجموعات الاجتماعية مما مهد لاحقا لبروز مناهج الأنتربولوجيا التاريخية.
26 مرحلة ضد البيوغرافيا anti biographie مصطلح استعمله كثيرا فرانسوا دوس ووصم به مرحلة الحوليات مع جيلها الثاني الذي حارب البيوغرافيات التقليدية بمختلف أصنافها.
27 238. . .François dosse. Le Pari biographique Ecrire une vie, op.cit, p وللمزيد انظر:
Pierre SORLIN. - Waldeck-Rousseau. Paris, Armand Colin 1966.
28 بول ريكور (الذاكرة، التاريخ، النسيان) مرجع سابق. ص 289.و437.
29 فرانسوا دوس ( التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد) مرجع سابق. ص140.
30 المرجع أعلاه "التاريخ المفتت ..." ص 259.
31 .11.Sabina loriga « biographical and historicale writhing in the 19th and 20th Centuries»op.cit p
32Giovanni Levi. Les usages de la biographie. Op.cit. p-1330.
33 Ibid. p 1329-1330.
34 للمزيد بخصوص أشهر دراسات البروسوبوغرافيا François dosse Le Pari biographique. Ecrire une vie, op.cit, pp245-24.
35 من المهم الإشارة هنا إلى أن مدرسة الحوليات في بداياتها الأولى وعلى عهد الجيل الأول المؤسس لوسيان فيفر ومارك بلوخ لم تتخذ موقفا معاديا للبيوغرافيا كما هو شائع عند العديد من الباحثين.وإنما العداء بدأ مع رموز الجيل الثاني للحوليات الذين طردوا الفرد من التاريخ. انظر: p49 Jacques le Goff (Comment écrire une biographie historique aujourd'hui)
36 فتحي ليسير(خليفة بن عسكر: بيوغرافيا قائد غامض) مركز سرسينا للبحوث حول الجزر المتوسطية، الطبعة الأولى 2001م، صفاقس ص33/34. وهي في الأصل أطروحة دكتوراه نوقشت بتونس.
37 رشيد بكاج(جوانب عملية في منهج البيوغرافيا) ضمن (المناهج الكيفية في العلوم الاجتماعية) تنسيق المختار الهراس، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط،سلسلة ندوات ومناظرات رقم100،مطبعة النجاح الجديدة،الطبعة الأولى،2002 ص 99.
38 نخص بالذكر دور النشر الفرنسية: ( Perrin و taillandier وFayard و Gallimardو Flammarion )
39 هذه الإحصائيات أوردها فرانسوا دوس في كتابه"الرهان البيوغرافي"(ص 13)، وإذا كان الحال هكذا بفرنسا فإننا نسجل قلة الأبحاث الأكاديمية التي تتناول بيوغرافيات الأفراد بالمغرب بشعبة التاريخ، فمن خلال جرد الأطروحات المناقشة أثار انتباهنا أنها أقل من أصابع الكف الواحد إذ لا تتعدى في الواقع أطروحتين الأولى: أنجزتها آسية بنعدادة عن شخصية الحجوي بصفته نموذجا لمخزن القرن العشرين، نوقشت بكلية الآداب بالرباط سنة 1993م، وهي دراسة جمعت فيها بين جانب السيرة والإنتاج الفكري وتعد مثالا لدراسات بيوغرافية أكاديمية. والثانية: أنجزها مولاي الحسن السكراتي بعنوان" محمد المختار السوسي (1900-1963) بيوغرافيا ثقافية" أطروحة لنيل الدكتوراه ناقشها بكلية الآداب باكادير.
40 تناول فلوبير في روايته مدام بوفاري امرأة شابة أسست عالمها الخاص بها محاولة الهروب من اكراهات مدينتها ووسطها ومن زواجها المتواضع وسطحية حياتها، عندما نشر فلوبير هذا العمل كان التجديد فيه هو التزاوج بين الأسلوب الفني الراقي وبين الطبيعية الواقعية والأحداث العادية. قال عنها موباسون Maupassant (لم تكن رواية كأعمال الكبار كانت هي الحياة نفسها متجلية، وكانت الشخصيات تتجسد مع قلب الصفحات. والمناظر الطبيعية كانت تمر بأحزانها وأفراحها بنكهتها وحسنها، حتى الأشياء تتجسد أمام القارئ، وكانت تثيرها قوة مخفية في مكان ما).للمزيد عن أحداث الرواية انظـر: Gustave Flaubert. Madame Bovary. Livre de poche classique. Edition de Jacques Neefs,Librairie Générale Française. Paris .1999
41 ظهور مدام بوفاري كانت بمثابة ثورة في الآداب ذلك ما كتبه موباسون Maupassant في سنة 1884 أي بعد ثلاث سنوات من وفاة كوستاف فلوبير، التجديد الذي يمكن أن تقدمه رواية فلوبير هي بدون شك بالنسبة لنا الآن خيالية بشكل صعب. شهد بانفيل Banville أيضا عند وفاة فلوبير بقوة هذا العمل قائلا ( يا له من إبداع، يا لها من ثورة، يا له من عالم سام تقدمه مدام بوفاري) . لقد جدد النوع وابتكر وأبدع تركيبة جديدة للرواية المعاصرة بعد بلزاك والكوميديا الإنسانية.انظر: Gustave Flaubert. Madame Bovary, op.cit, p.7
42 14.François dosse. Le Pari biographique. Ecrire une vie, op.cit, p .
43 فوزي السباعي (الطاهر بن عمار: بيوغرافيا تاريخية) أطروحة دكتوراه نوقشت بتاريخ 30/06/2010 بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية،تونس
44 بالإضافة إلى هذه المناقشات والندوات الأكاديمية، نشير إلى أنه تأسس سنة 1999م بفرنسا مرصد البيوغرافيا التاريخية « Observatoire de La biographie historique » برئاسة François Lebrun وبمشاركة وتشجيع مؤسسة فيارد للنشر، وقد اهتم هذا المرصد بالدراسات البيوغرافيا، وساهم في إبراز المكانة التي يستحقها هذا النوع من خلال لقاءات دورية.
45 نظم هذا اليوم الدراسي حول البيوغرافيا التاريخية بإشراف كيوم باين وبمشاركة عدد كبير من المؤرخين المتخصصين بجنس البيوغرافيا. وهذا العمل الجماعي في طور الطبع والنشر تحت عنوان:
Une querelle des Anciens et des Modernes ? La biographie historique entre tradition et novation
47 بخصوص الجدل حول أزمة تاريخ الحوليات يراجع : فرانسوا دوس "التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد" مرجع سابق. وجاك لوغوف (إشراف) التاريخ الجديد مرجع سابق.
نماذج من الكتابات البيوغرافية الجديدة
مع التفتح الحاصل في العلوم الإنسانية والاجتماعية ظهرت كتابات جديدة متعددة وخصبة أهمها سير الحياة وسير الناس العاديين وسير فكرية استطاعت أن تفرض نفسها كحقل جديد يتصالح فيه التاريخ مع الرواية لإحياء الذاكرة التاريخية، فبعد أن فقدت الكتابات البيوغرافيا بريقها خلال الفترة التي أحكمت فيها الحوليات قبضتها على المعرفة التاريخية وتراجع الاهتمام بها بعد أن كيلت لها اتهامات بالمبالغة والإفراط في الخيال وقلة الضبط أو بدعوى انتمائها لمجال التاريخ السياسي. ها هو جنس السير ينتعش ويفرض نفسه من جديد على الكتابات التاريخية والروائية مثله في ذلك مثل الحدث سابقا، سنتناول في هذا الموضوع بعض النماذج من الكتابات البيوغرافيىة الحالية التي حققت نجاحات باهرة.
1- روايات الحياة أو سير الحياة .
ساهمت السوسيولوجيا والاثنولوجيا بقوة في التحسيس بأهمية البيوغرافيا وفي النجاحات التي بدأ يعرفها هذا النوع خلال مرحلة الستينات و السبعينات، فالسوسيولوجيا الجديدة بثت الروح من جديد في كتابة السير.
فالفرد كان يعتبر إلى ذلك الوقت خارجا ومبعدا عن ساحة الخطاب العالم، لقد ردت السوسيولوجيا والاثنولوجيا الاعتبار للفرد فهو وحدة وموضوع دائم للبحث(1)، وفي هذا الإطار يمكن اعتبار"سيرة أطفال سانشيز"(2) للكاتب اوسكار لويس السوسيولوجي القادم من جامعة شيكاكو نموذجا لمنهج بيوغرافي في الاثنولوجيا بجميع مؤهلاتها وخصائصها في الرواية العائلية(3)، لقد سرد سيرة ذاتية لحياة أسرة تحت بروليتارية مكسيكية، عاشت في غرفة واحدة بمدينة casa grande ، وقد سبق له أن قام بدراسة سابقة عن الهجرة القروية لقبائل الأزتيك في اتجاه مكسيكو وبالخصوص إلى مدينة كازا كراندي، وخلالها التقى بسانشير وأولاده عن طريق الصدفة، قرر بعدها إنجاز دراسة معمقة عن هذه الأسرة خصوصا عندما وافق كونسويلو وروبرطو ومارطا ومانويل وخيسوس أن يقوموا بسرد حياتهم، ولكي يعزل اوسكار لويس كل حكاية عن الأخرى كان يسجل حوارات انفرادية وأحيانا ثنائية أو ثلاثية وكانوا أكثر حرية عندما يكونون خارج بيتهم وحين يكون الميكروفون غير ملاحظ.
ما هي الأدوات التي عززت نجاح الأثنولوجي اوسكار لويس في هذا العمل الميداني؟ يمكننا أن نلخصها اختصارا فيما يلي:
أولا: كسب ثقة الأسرة من خلال علاقة صداقة طويلة معها، لدرجة أن اوسكار لويس أحس بأن له أسرتين أسرته في الولايات المتحدة وأسرة سانشيز التي قضى معها مئات الساعات( أكل معهم، شاركهم الأفراح والأحزان، التقى بأصدقائهم، ساعدهم على تجاوز مشاكل الإدمان والبطالة، تدخل لحل نزاعاتهم مع الشرطة) . لم يعتمد كما هو متعارف عليه في مثل هذه الدراسات على مبدأ الحوارات مقابل المال. فالتواصلات الإنسانية الحارة التي أحس بها الأنتربولوجي الباحث لويس اوسكار تغيب في أغلب المونوغرافيات الانتربولوجيا، ويمكننا أن نقارنها هنا مثلا بالسيرة التي أنجزها ديل ف ايكلمان مع القاضي عبد الرحمان المنصوري حيث جمعتهما صداقة حقيقية فعلية وطبيعية نشأت وقويت بسبب المرافقة الطويلة، هذه الصداقة القوية العجيبة والحية حسب تعبير سعيد بنسعيد العلوي أكسبت كتاب ايكلمان طراوة ونفحة قوية من الصدق والوفاء لمنطقة قدم إليها طالبا فتعلق بها قلبه إنسانا وباحثا، لقد تأثر ايكلمان كثيرا بوفاة زوجة القاضي مليكة لدرجة الصدمة، كما كان القاضي عبد الرحمان يسأل ايكلمان دائما عن أحوال زوجته وفيما إذا كانت قد رزقت بطفل، لقد أصبح الأنتربولوجي وزوجته من العائلة هكذا عبر بنفسه(4).
ثانيا:لم يعتمد في الموضوع على وسيط، فالروايات هنا ليست محكية من شخص برجوازي وإنما هو تحقيق اجتماعي مع أشخاص غير مختصين يحكون عن حياتهم بعفوية وبحرية وبساطة وبشكل طبيعي، مما أعطى للعمل جانبا كبيرا من الصدق والصراحة. هذه التصريحات المختلفة شكلت وسيلة تحقق داخلي سمحت له بانجاز سيرة موضوعية إذ تعمق بشكل دقيق في دراسة نفسية هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا هذا المستوى من الفقر المدقع لمدة طويلة، خاصة وأن هذا الموضوع حسب لويس اوسكار لم يكن موضوع دراسة جادة لعلماء النفس والأطباء النفسانيين(5).
ثالثا: ركز لويس اوسكار على الاختلافات الفردية بين أعضاء أسرة سانشيز، طرح المئات من الأسئلة انطلاقا من خبرته كسوسيولوجي واثنولوجي، ونَوع من مواضيع النقاش (المشاكل والعقد /الموت/ الخيانة/ العنف/ الانحراف /الإجرام/ الإحساسات والمشاعر الإنسانية / القدرة على الفرح/ الرغبة في الفهم والحب/ الأمل في حياة أفضل). وقد اعتمد على منهجية الاستجواب كوسيلة للحصول على اكبر قدر من المعلومات.
رابعا: هذه الأسئلة والأجوبة كانت مسجلة، استطاع أن ينشرها لاحقا في عمل فني لم يؤثر كثيرا على مصداقيته العلمية، وقد تحدث الكاتب عن صعوبة ترجمة بعض الكلمات والنكت الاسبانية الشعبية بما يحافظ على النكهة والمعنى الأصلي(6)، فعندما نتحدث عن الرواية السوسيولوجية لا يمكن أن يكون ذلك بمعزل عن جاذبية الأدب(7) التي تبقى بدون شك أقل في السوسيولوجيا مما هو عليه الأمر في التاريخ كما سيأتي لاحقا.
خامسا: قدم لويس اوسكار مثله مثل ديل اف ايكلمان الشكر للأشخاص الذين ساهموا مشكورين في مراجعة فقرات كتابه أو ساهموا بالنقاش المكثف في القضايا التي يطرحها، أو قاموا بقراءة الصيغ الأولى منها أو بإسداء النصح بخصوص قضية ما(8).
رواية أطفال سانشيز المنجزة من طرف اوسكار لويس قدم بها صورة وطريقة بيوغرافية في الاثنولوجيا أطلق عليها الاثنوبيوغرافيا، كما أن الجمهور القارئ يستمتع كثيرا بقراءة روايات الحياة التي يمكن عدها جنسا هجينا بين البيوغرافيا والسيرة الذاتية، وقد استخلص الفرنسيون من خلال رواية أطفال سانشيز فائدة كبيرة فيما يتعلق بأهمية روايات الحياة الذاتية(9)، وقد حققت هذه النوعية رواجا من خلال أعمال مشابهة خلال فترة السبعينات وبعدها.
2- سير الناس العاديين.
اتجه بعض المؤرخين للبحث في التاريخ الصامت والتاريخ المهمش وتاريخ الرجال العاديين الذين لم يتركوا أثرا، لقد انتقلنا من سير الأفراد العظماء إلى سير الأشخاص الذين ليسوا من المشاهير antihéros بل وأحياناً هم من المغمورين تماماً. هدف مثل هذه الأعمال هو الارتداد ما بين الفرد والبنيات الاجتماعية من أجل تجاوز المعارضة القديمة المتميزة بالعقم(10). الارتداد ما بين الفردي والجماعي أمر نلمسه في المثال الذي ارتأينا أن نلقي عليه الضوء هنا وقد لقي نجاحاً كبيراً على مستوى الجمهور، إنه كتاب "العالم المكتشف للويس فرانسوا بيناكوت:على خطى مجهول(1798-1876)"(11) وهو من تأليف آلان كوربان(Corbin Alain ) أستاذ بجامعة السوربون. تعتبر أبحاثه ذات أهمية كبرى خصوصا في باب سير حياة الناس العاديين، ويعتبر الأمر مساهمة منه في كتابة التاريخ الاجتماعي وإعادة الاعتبار له، فالآن كوربان يستكشف طريقا جديدا للبحث بالتركيز على إحياء الذاكرة التاريخية من خلال التركيز على سير الفئات المهمشة والأماكن المهمشة، له أيضا كتاب آخر مهم بعنوان "فتيات الزفاف: البؤس الجنسي والبغاء في القرن التاسع عشر"(12)
ولويس فرانسوا بيناغوت Louis-François Pinagotالذي يتناوله الآن كوربان بالبحث في كتابه العالم المكتشف هو قباقيبي (sabotier) عاش بين سنتي (1798م- 1876) أمي متزوج من خياطة وأب لثمانية أطفال، لم يشر إليه احد في أي مكان ولم يترك أية مأثرة خاصة تبرر كتابة سيرة عن حياته. ومع ذلك لاقى هذا الكتاب نجاحاً كبيراً على مستوى المبيعات.
لقد سعى المؤلف في هذا الكتاب لإحياء سيرة شخص غريب تماما اكتشفه صدفة من خلال مراجعته لسجلات منطقة اورن orne ، وهو الرجل الذي ضاع في"المقبرة الجماعية". Louis-François Pinagot pourrait être l'un de nos ancêtres, l'un de ceux dont le nom figure sur les branches d'un arbre généalogique...لويس فرانسوا بيناغوت هو بحث في "التاريخ المنسي" أو ما يسمى التاريخ الصامت لاستعادة "جزء من العالم المفقود" لهذه الشخصية التي لم يكن يملك عنها إلا معلومات قليلة، ففيما يخص الناس العاديين و بخلاف الشخصيات المشهورة يصطدم المؤرخ مع صمت النصوص إذ لا توجد أي كتابات لها علاقة بالذات، فهم أشخاص غير مرئيين ولا تعطى لهم أي قيمة ولا أي رمزية إلا إذا ارتكبوا جرائم خارقة أو نالوا عقوبات قاسية، فقط في مثل هذه الحالات النادرة يسلط عليهم الضوء وقد يصبحون شخصيات ضمن أعمال قصصية أو أدبية(13).
لقد نجح الان كوربان من خلال مراجعته لسجلات منطقة اورن أن يملأ الفراغات شيئا فشيئا وهكذا استطاع أن يبدع كل العالم المحيط بهذه الشخصية وتمكن في النهاية من تركيب سيرة قروي ليس بفلاح ولا حضري إنه اسكافي قباقيبي وذلك بطريقة افتراضية أحيانا اعتمادا على ما توفر من سجل المحفوظات و الأدلة والقرائن من المصادر المتاحة خصوصا أرشيفات وزارة العدل، و قد حاول جمع كافة المعلومات ذات الصلة به. لقد عمل آلان كوربان على إعادة بناء الأفق المكاني والزماني للويس فرنسوا بيناغوت من خلال التنقيب عن أحوال أسرته والبيئة التي عاش فيها، بحث عن علاقاته الاجتماعية اليومية، تساءل عن ظروف عمله ونوع مناقشاته وحواراته مع الأقارب وداخل الحي، وتناول نوع القيم و المعتقدات و الذهنيات و العقليات السائدة آنذاك في قريته.
إن سيرة فرانسوا بيناغوت عمل بيوغرافي رائع استطاع أن يعيد بناء حياة هذا الشخص من خلال تسليط الضوء على الأحداث التي عاشها خلال فترة حياته الطويلة التي قاربت ثمانية وسبعين سنة، وهي فترة تزامنت مع أحداث كبرى عاشتها فرنسا. عبر هذه الشخصية احتضن الآن كوربان الكثير من جوانب الحياة الريفية في القرن التاسع عشر بفرنسا، وقد ركز بشكل أكبر على الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها فرانسوا بيناغوت . قصة هذا القراقيبي كما تناولها هذا الكاتب سمحت لنا بإلقاء نظرة مختلفة عن القرن التاسع عشر ببوادي وقرى فرنسا. فصورة القرن التاسع عشر كما تظهر من خلال سيرة هذا الشخص تختلف كليا عن صورة القرن التاسع عشر كما هي متداولة في الكتابات التاريخية التقليدية، فإذا كان القرن التاسع عشر عند المؤرخين هو قرن الثورات القومية وقرن الجمهوريات والتغيرات الكبرى، فان فرانسوا بيناغوت الذي عاش ثلاثة أرباع هذا القرن لا يرى عصره بهذا المنظور. فهو وأمثاله من سكان قريته لم يعرفوا أي شيء عن التحولات السياسية والاقتصادية التي كانت تجري خارج فضاء قريتهم التي لم يغادروها ربما طيلة حياتهم(14).
-3 سير فكرية.
في نونبر من سنة 2000م نظمت الجمعية الفرنسية للفلسفة نقاشا في موضوع بيوغرافية الفلاسفة، وبهذه المناسبة لاحظ جاك دوندوت أن حالات قليلة فقط تناولت دراسات بيوغرافية للفلاسفة بينما جميع المهن الأخرى كانت موضوعات تحقيق واستقصاء ناجحة، كان السؤال الأساسي الذي تناوله النقاش هو لماذا حياة الفلاسفة تسترعي اهتماما أقل مقارنة مع الأشخاص الآخرين؟ عموما تكون الإجابة الجاهزة هي أن كبار الفلاسفة يعيشون للأبد بسبب أعمالهم وأفكارهم الخالدة، وهم بهذا المعنى مبعدين من الحياة المشتركة للفانين(15).
ميز جون ماري بيساد Beyssade Jean-Marieبين ثلاث أسباب تدعو الآن لكتابة حياة الفلاسفة.
السبب الأول: يتمثل في الحاجة الملحة لفهم أعمق وجيد لأعمال الفيلسوف مرورا بمشوار حياته.
السبب الثاني: لكي نحكم جيدا على أعماله من خلال قراءة تنبني على الشك والريبة وتبحث عن النشاز والتنافر بين ما أعلن وبين الواقع المعاش.
السبب الثالث: إن بيوغرافية الفلاسفة لا تكون موجهة دائما للمختصين، وإنما للعاديين لمساعدتهم على فهم جيد لأفكارهم، هنا تكون السيرة بديلا عن أعماله الكاملة(16).
لقد أصبح إذن الفلاسفة ورجال الآداب والفكر موضوع حب استطلاع وفعل بيوغرافي، لكن بأي طريقة يمكن تناول هذه الشخصيات؟
ننطلق في البداية من المواقف العدوانية الخاصة لهنري بيرغسونHenri Bergson اتجاه جنس البيوغرافيا فبتاريخ 1935م أكد أن إقحام العائلة في العمل البيوغرافي أمر غير مجدي ونصح من أراد كتابة بيوغرافيته عدم الاكتراث بحياته والتركيز فقط على أعماله، كان مصرا على وجهة النظر التي تقول أن حياة الفيلسوف لا تسلط أي ضوء على مذهبه وتوجهاته، فما العلاقة في نظره التي تربط مثلا بين المذهب الرواقي لزينون وبين حبه الكبير للتين الطري أو المجفف؟ إنه هنا يعلق على لاييرس ديوجين الذي انطلق في سيرته عن زينون بجمع المادة البيوغرافيا بجانب المحتوى الفلسفي لمذهبه. ونجد نفس الرأي عند رونالد بارث، فالظاهر أنه مستعد لأن يفعل المستحيل حتى لا يحتويه تعريف، إنه لا يحتمل أن تتشكل له صورة ويتعذب لدى ذكر اسمه هذا ما يقوله عن نفسه رغم ضمير الغائب في كتابه السيرة الذاتية الغير المألوف الذي نشره تحت عنوان"رولان بارت بقلم رولان بارت"(1975)(17) وما يكافح بارت ضده هو أن يصبح شيئا يدرس، لقد اعتبر السيرة نوع أدبي كريه وكان يسخر من تقاليد السيرة الأدبية لأنها في نظره تمثل وحدة مزيفة لموضوعها، إنها نصب تذكاري مزيف...ولا تمثل الحياة تمثيلا صادقا(18).
بيير ريفارد Pierre Riffard سلك مسارا مختلفا تماما إذ ركز على الحياة الخاصة للفلاسفة ولم يهتم بأعمالهم، وإذا أخذنا بالفكرة التي تقول أن الفلاسفة عقل خالص فريفارد حاول بنهجه المناقض أن يبين لنا أن هذه العقول الخالصة هي كذلك كائنات من لحم ودم(19).
الدخول هنا في الحياة الخاصة لا يهدف إلى كشف الأسرار الحميمية ولكن لتقريب الشخصيات من الفكر وذلك عن طريق إعطاء سلسلة من المعلومات الدقيقة حتى فيما يتعلق بالمأكولات المفضلة والعادات اليومية والحياة الاجتماعية والمظهر الخارجي. لقد ذكر بيير ريفارد مثلا أن ماركس كان فقيرا وأن صديقه انجلز كان يأتيه بالبيرة والفطور. ووصف من خلال قائمة الأطعمة الأذواق الغذائية للمفكرين فذكر أن كَانْط كان يأكل مرة واحدة في اليوم، وماركس كان عاشق الأكلات المتبلة، وباسكال كان نباتيا مثل فيتاغورس وهكذا، لاشيء بقي خفيا من حياتهم اليومية.
رغم تعدد وجهات النظر حول الجوانب التي يجب التركيز عليها في سير المفكرين. ما المهم وما غير المهم في حياة الشخص المفكر؟ لا بد أن نشير إلى أن التاريخ الفكري وتاريخ المفكرين بفرنسا اعتبر بدوره ولزمن طويل أحد الطابوهات المحرمة، لأن التاريخ الفكري اقترن دائما بسير حياة الأفراد(20). لقد اعتبر فرانسوا دوس أن فرنسا لديها تأخر كبير بالمقارنة مع ألمانيا والولايات المتحدة التي كانت سباقة للاهتمام بهذا النوع من المواضيع، لذلك فقد انخرط دوس بقوة في إعادة الاعتبار لهذا الجنس من خلال كتبه "مسيرة الأفكار: التاريخ الفكري وتاريخ المفكرين"(21)و"تاريخ البنيوية"(22) وأيضا أطروحته "التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد"(23) التي هي تاريخ نقدي لتاريخ الحوليات. وبالموازاة قدم أنواعا مختلفة من البيوغرافيات التاريخية الفكرية لفلاسفة ومثقفين معاصرين بناءا على قراءات تأويلية "للهويات المتعددة" من خلال التغيرات في السياق الفكري، ومن أهمها:
سيرة حياة الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1995-1913) من خلال كتابه "بول ريكور ومعاني الحياة "-Paul Ricœur - Les Sens D'une vie "، يقول المؤلف فرانسوا دوس: "نشر بيوغرافيتي الفكرية حول بول ريكور انبنت على مخاطرة حقيقية ففي المحيط الشخصي للفيلسوف وجدت احتياطا كبيرا..عندما التمست منه عبر البريد التطرق لحياته أكد أنه لا يريد أن يتورط بأي شكل من الأشكال في هذا العمل "(24). ولقد احترم فرانسوا دوس أمنية ريكور بأن أبقاه خارج دائرة مشروع بيوغرافيته.
لقد انطلق دوس في ظل غياب الأرشيف الشخصي لبول ريكور من أعماله ومن النظرة المتعددة للآخرين عنه، لقد أعاد إحياء خط الحياة المتعددة لبول ريكور من خلال الذين تقاطعوا معه في لحظات وسياقات مختلفة، وأكد أن فهم ريكور لا يتأتى إلا عن طريق لقاءاته بالآخرين. إنها بيوغرافية بحث عن المعنى والحياة من خلال مسح شامل لمسار حياته (الولادة، اليتم، المنفى، تجربة الجامعة، الإهانة، الهجرة إلى بلجيكا، التدريس بشيكاكو، التقاعد، ثم العودة، فقدان الزوجة والابن)، إنها فصول من سيرة فيلسوف لم يحظ بالشهرة في فرنسا إلا بعد عقده السبعين فالساحة كانت محتلة من قبل فلاسفة البنيوية والوجودية. إن هذا الكتاب هو قراءة عميقة لفلسفة بول ريكور الضخمة والمتنوعة الأطراف بدءا من الفينومينولوجيا (الظاهراتية) والهيرمونيطيقيا (التأويلية) مرورا بالتحليلات النفسية والسياسية والدينية واللغوية. وقد خصص فرانسوا دوس لبول ريكور أعمالا أخرى. كما قدم أيضا فرانسوا دوس بيوغرافيا متوازية ومتقاطعة في نفس الوقت لشخصيتين بارزتين من الثقافة الفرنسية هما جيل دولوز Gilles Deleuze) ) الفيلسوف وفيليكس كاتاري (Félix Guattari ) الطبيب النفسي، وذلك بالكشف عن أسرار أعمالهما المشتركة و تعاونهما الفريد والمثمر بعد لقائهما سنة 1969م في ظل الصخب السياسي والثقافي الذي ميز النصف الثاني من القرن العشرين بفرنسا قبل وبعد أحداث ماي 1968م، والكتاب بعنوان جيل دولوز وفيليكس غاتاري بيوغرافية متقاطعة(25)، يبحث في طبيعة العلاقة المعرفية والإنسانية التي جمعت هاذين المفكرين اللذان أنتجا معا أعمالا متميزة ومتنوعة المراجع بأربعة أيادي طيلة عقدين من الزمن رغم أنهما من مرجعتين مختلفتين، وقد وظفوا ذلك في نقاشهم ضد التحليل النفسي والرأسمالية، إن فرانسوا دوس يحاول في هذه البيوغرافية المتقاطعة الكشف عن أجوبة لأسئلة ظلت مجهولة في علاقة دولوز/غاتاري، وقد اعتمد في كتابه على معطيات جديدة ومن أهمها أرشيف العائلة وشهادات الأصدقاء والرسائل المتبادلة بين الطرفين وحوارات ونصوص أخرى تنشر لأول مرة(26) لقد نجح عبرها من ملامسة أجوبة أولية لطبيعة هذه العلاقة التي بدأت بين الرجلين قبل سنة 1969م بمراسلات بريدية انتهت بقرارهما الدخول في علاقة فكرية وإنسانية لم تنتهي إلا بوفاة غاتاري سنة 1992م، لقد غذى العمل الثنائي المشترك بينهما كفريق طموحهما المعرفي من خلال إنتاج العديد من الأعمال الزاخرة، وقد شملت ميادين متنوعة في السياسة والبيولوجيا واللسانيات والتاريخ والنقد وعلم النفس والفلسفة، ومنها كتب ضد اوديب anti œdipeوالجذمور Rhizome وما هي الفلسفة Que est ce que la philosophie ويعتبر مؤلفهما ألف بساط (mille plateaux ) الكتاب الذي يجسد فلسفتهما ورؤيتهما للتحولات العميقة للمرحلة، إنهما يجسدان معا قطبا من أقطاب الفلسفة الفرنسية الجديدة ذاع صيتهما عاليا في النصف الثاني من القرن العشرين. في هذه السيرة المتقاطعة والمتوازية تناول دوس جانبا آخر من جوانب العلاقة بين جيل دولوز (1926/1995) وفيليكس غاتاري (1930-1992) . بأربعة أيدي هذا العمل يظل محير من كتب هذا أم ذاك؟ من الذي كان يصنع أفكار الآخر؟ ومن كان الأكثر تأثيرا؟ وكيف تم التوفيق بين أسلوبيهما المختلف في الكتابة؟ هل كان التعاون مثاليا ومنسجما على الدوام؟ وهل كانا يشتغلان بنفس الوتيرة؟ إن اللقاء بينهما لم ينفي بتاتا ما بين الشخصيتين من مسافة سواء في الطبيعة التكوينية أو نوع التفكير وطريقة العمل، وقد بدأ يتضح ذلك مع بداية الثمانينات عندما بدأ دولوز يتحرر نسبيا من تبعيته لغاتاري، إذ طرأ على أسلوبه نوع من التغيير الواضح، وقد رافق هذا التحول فجوة بدأت تتسع بين الرجلين شيئا فشيئا، من هنا تأتي أهمية الكتاب.
وتناول أيضا فرانسوا دوس سنة 2002م سيرة المؤرخ والفيلسوف ميشال دو سيرتو (1925/1986) المؤرخ والفيلسوف المتعدد المرجعيات والاختصاصات، إذ اهتم بالتاريخ والانتربولوجيا والتحليل النفسي، وهو الأمر الذي انعكس على أعماله المتميزة ومن أهمها "ابتكار اليومي" و"مهارات الفعل" و" الحكاية الصوفية" التي هي عبارة عن نبش في سيرة رجال دين من القرن السابع عشر ينتمون للطائفة اليسوعية التي ينتسب إليها المؤلف إذ يعد أحد أعضائها انضم إليها سنة 1949م، وقد قدم أطروحته عن الأديان نال بها شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون، وتأتي أهمية دراسة سيرته الثقافية في طبيعة تكوين شخصيته الفريدة، إذ جمع بين التكوين الفلسفي والثيولوجي، وفي سنة 1964م أسس إلى جانب جاك لاكان أستاذ فيليكس غاتاري المدرسة الفرويدية بباريس، والتي ترتكز على التأويل البنيوي واللساني للاشعور مما سمح له بقراءة الأديان من منظور جديد يعتمد أدوات التحليل النفسي والانتربولوجي، عمل ميشيل دي سيرتو أستاذا محاضرا ومدرسا في العديد من الجامعات الأوربية والأمريكية، شغل كرسي الانتربولوجيا التاريخية لمعتقدات القرنين السادس عشر والسابع عشر، توفي سنة 1986م، وقد كتب عنه فرانسوا دوس وغيره اعترافا بمجهوداته العلمية المتميزة، نالت أطروحاته وأفكاره بعد وفاته اهتماما كبيرا مثلها مثل أفكار معاصريه من أمثال ميشال فوكو و جيل دولوز وغيرهم.(27)
الهوامش.
1 .François dosse Le Pari biographique. Ecrire une vie, op.cit, p.264
2 للمزيد راجع: Oscar Lewis, Les enfants de Sanchez, autobiographie d'une famille mexicaine, Edition. Gallimard, Paris, 1963.
3 Bernard Pudal. Du biographique entre «science» et «fiction» Op. cit. p15.
4 يتحدث ايكلمان في كتابه(المعرفة والسلطة)عن العلاقة الحميمة التي ربطته بالقاضي الحاج المنصوري وأسرته.من صص 54/ 58/57. ففي البداية يشير الكاتب إلى أن العلاقة كانت صعبة ومتوترة (سوء تفاهم مثلا حول فاتورة الكهرباء) لكن المرافقة الطويلة جعلتهما أصدقاء متحمسين.
5 Oscar Lewis, Les enfants de Sanchez, autobiographie d'une famille mexicaine, op.cit. p.5.6.
6 وقد أبرز سعيد بنسعيد العلوي في تقديمه لكتاب ايكلمان السلطة والمعرفة في المغرب هذه الحقيقة فقد أشار إلى أن الدراسات الأنتربولوجية تفقد الكثير من جوانب الطرافة وتضيع منها العديد من أسباب المتعة حين يتم نقلها من لغتها الأصلية.م.س ص1من التقديم وأيضا انظر في نفس السياق : ( Oscar Lewis p13)
7 Bernard Pudal. Du biographique entre «science» et « fiction»op.cit. p 14.
8 Oscar Lewis, Les enfants de Sanchez, autobiographie d'une famille mexicaine, op.cit. p4.
9 . Bernard Pudal .Du biographique entre «science» et « fiction»op.cit p14
10 Jérôme Meizoz , avant- propos , « la vie et l œuvre» recherches sur le biographique. Op.cit. p 6.
11 Alain Corbin. Le monde retrouvé de Louis-François Pinagot: Sure les traces d'un inconnu (1798-1876)
12 انظر : . Alain Corbin. Les filles de noce: Misère sexuelle et prostitution au XIXe siècle, 1978
13 Les mondes retrouvés de l historien .Entretienne avec Alain Corbain. (L histoire aujourd'hui) coordonne par JEAN- CLAUDE RUANO-BORBALAN édition science humaines . nouveaux objets de recherche .courants et débats .le métier d'historie.
14 Ibid. p260
15 Op.cit.401 .François dosse. Le Pari biographique. Ecrire une vie
16 Ibid. p 401.402.
17 كتب رولان بارت سيرته الذاتية سنة1975م في كتاب بعنوان" رونالد بارت بقلم رونالد بارث" وهذه السيرة نموذج لعمل خيالي متميز كتبها بصيغة ضمير الغائب ليتملص من نبرة الاعتراف والبوح، وقد عبر أنه ليس كتابا عن أفكاره بقدر ما هو كتاب عن الأنا. انظر: اديث كريزويل "عصر البنيوية" ترجمة جابر عصفور. دار سعاد الصباح الكويت، الطبعة الأولى 1993م، ص250. و للمزيد بخصوص هذه السيرة انظر: Roland Barthes par Roland Barthes, Editions du Seuil, Paris, 1975 . R. Barthes,
18 جون ستروك (رولان بارت) ضمن ( البنيوية وما بعدها من ليفي سترواس إلى دريدا) تحرير جون ستروك ترجمة د.محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت،عدد 206، فبراير 1996م. ص 75/77
19 François dosse. Le Pari biographique. Ecrire une vie .op.cit. p400.401.
20 اعتبر جاك لوغوف على خلفية صراعه مع دوس أن تاريخ الفكر يدخل ضمن لغط الأجواء الباريسية وعده مجرد موضة عابرة واستهزأ بهذا النوع قائلا "دراسة الموضة الفكرية من الأمور الجدية وهي جديرة بأن تكون موضوع بحث تاريخي طريف".انظر:جاك لوغوف(التاريخ الجديد)م.س.ص41.
21 انظر : la marche des idées. Histoire des intellectuels, histoire intellectuelle, Paris, La Découverte, 2003
22 تاريخ البنيوية لفرانسوا دوس صدر في جزأين الأول سنة(1991 ) والثاني سنة (1992) انظر: Histoire du structuralisme .Le chant du cygne, Paris. La découverte
23 انظر François dosse. L'Histoire en miettes. Des "Annales" à la "nouvelle histoire", Paris, la découverte, 1987 (2e édition : Presses Pocket, "Agora", 1997).
24 225 p .François dosse Le Pari biographique. Ecrire une vie, Paris.op.cit
25 للمزيد راجع : .François dosse Gilles Deleuze et Félix Guattari, biographie croisée, Paris. La découverte 2007
26 François dosse Gilles Deleuze et Félix Guattari, biographie croisée, Paris, La découverte/poche 2007. p15-17
27 راجع مقالة: بيير ماشري Pierre Macherey "رمزية اليومي قراءة في أعمال ميشال دو سيرتو" ترجمة د.عز الدين الخطابي، مجلة رؤى تربوية ملف التربية والحرية ،مجلة فصلية تربوية/ ثقافية، مركز القطان للبحث والتطوير التربوي. فلسطين العدد24. من ص47 إلى ص56.
خصائص البيوغرافيات التاريخية الجديدة
بعد أن فقدت الكتابة البيوغرافية بريقها خلال النصف الثاني من القرن العشرين لفائدة تاريخ أكثر انفتاحا على الاقتصاد والمجتمع والحضارة، هاهي تعود من جديد لتفرض نفسها على الاتجاهات التاريخية والانثربولوجية والنفسية والأدبية، ففي الكتابات التاريخية المعاصرة خاصة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية هناك عودة قوية للبيوغرافيات التاريخية الجديدة التي اقتحمت دور النشر و تصدرت واجهات المكاتب، لقد استطاعت في ظرف وجيز أن تحقق لنفسها أكبر المبيعات وخصوصا البيوغرافيات الرومانسية التي تحضى بجمهور عريض من القراء.
الكتابة البيوغرافيا الجديدة تواجه المؤرخ الحالي بمشاكل كثيرة ناتجة عن طبيعة الاكراهات التي يفرضها هذا النوع، لأنها تختص بمميزات أدبية وذاتية. فالبيوغرافيا هجينة تتموقع بين تخصصات متنوعة، بين مهنة المؤرخ والأديب والانتربولوجي والسوسيولوجي والصحافي والسياسي وعالم النفس، ولأنها تختص بمميزات أدبية وذاتية، لذلك تعتبر مسألة خوض غمار كتابتها نوع من"الورطة" كما عبر المؤرخ الفرنسي دوس، فالبيوغرافيا جنس متعدد وخليط بين المعرفة المعمقة والإبداع الأدبي والحدس السيكولوجي، وانخراط البيوغرافي في موضوعه يتطلب منه استثمار كل هذا التركيب المعقد.
"البيوغرافيا، مُعاقة التاريخ"(1) لأنها تتضمن أخطارا متعددة فالخصائص الغير الخالصة التي تميز هذا النوع من الكتابات جعلت من مهنة البيوغرافي أسوء مهنة في ميدان التاريخ، بل تم تشبيه البيوغرافي ب"الحلاق في عهد الفراعنة"، فالطابع الهجين لهذا النوع وتعدد العوائق الملازمة له جعلت منه عملا صعب التناول، فهناك خلط واضح بين الخيال والحدث، بين الحياة الخاصة و الحياة العامة، بين ذاتية الكاتب و موضوعه.
في الماضي كان الحذر من هذا النوع المحفوف بالمخاطر والمحكوم بقدر كبير من الخيال لطبيعة الكتابة الأدبية التي تميزه السبب الرئيسي في حصول القطيعة بين التاريخ والبيوغرافيا ، فالتوتر الموجود بحدة بين التاريخ والخيال الكامن في هذا النوع المختلط والهجين من الكتابة ساهم بالإضافة إلى عوامل أخرى في تكريس هذه القطيعة، ولذلك تخلى المؤرخون عن هذا النوع لصالح الروائيين، لأنه يأخذ من الكتابة الأدبية أكثر مما يأخذ من الكتابة التاريخية، فالاستنجاد بالخيال في العمل البيوغرافي أمر لا مفر منه لملء الفراغات الظرفية، ومن العوائق الأخرى التي تواجه البيوغرافيا في علاقتها بالتاريخ صعوبة تناول الحياة الخاصة بسبب قلة المصادر، فإذا كانت المقاربة التاريخية تسعى إلى الحفاظ على الفرق بين الحياة الخاصة والعامة، فان البيوغرافيا تقتحم المجالين معا، ومن هنا تأتي الخطورة، فبخلاف الروائي الذي يطلق العنان للخيال باعتباره أقل ارتباطا بالوثيقة على البيوغرافي أن يكون أكثر قربا من الحياة الحقيقية للأشخاص، فالكاتب الذي يطمح إلى تسليط الضوء على كل الأحداث في ظل النقص الوثائقي قد ينتهي به الأمر بسبب ذلك إلى الفشل والإخفاق.
بالإضافة إلى التوتر الذي يظل على أشده بين الرغبة في قول الحقيقة وبين الرواية التي تمر عبر الخيال، هناك الخوف من السقوط في المحظور: "الأفراد صناع التاريخ". لابد إذن من القيام بقراءة جديدة بعيدة عن القراءات الروتينية أو التأبينات ذات الخطاب التمجيدي الموجه، وأيضا تُطرح "مشكلة الذاتية والموضوعية". فاختيار البيوغرافي ليس اختيارا عشوائيا هناك تأثير الموضوع هذا أمر أكيد، قد نجد تطابق أو علاقة بين الشخصية وبين ميولاتنا واختياراتنا، فلا أحد كتب سيرة حياة شخص بهدف علمي صرف ينحصر في المعرفة فقط بل تختفي أسباب أخرى وراء هذا القناع، وهو ما نلمسه مثلا في البيوغرافيات التي ينجزها السياسيون عن أنفسهم أو تنجز عنهم. فالمسافة بين الكاتب وموضوع البيوغرافيا قد تنتقل إلى علاقة خاصة جدا، لذلك كثيرا ما نجد تطابقا بين الشخصية وميولات الكتاب، إن البيوغرافيا هي عمل على الذات بقدر ما هي عمل على الآخر، فعلاقة الذات بالآخر تؤثر على العلاقة بالموضوع.
ولئن عرفت أجناس كتابة السير حاليا تغيرات كثيرة بفعل ظهور أنماط أخرى انضافت إلى صنف البيوغرافيات التقليدية، فإنها ما زالت في حاجة إلى دراسات تبين مدى قيمة هذا النوع الجديد من السير. مما يطرح مشروعية التساؤل عن أهم خصائص هذا النوع من الكتابات البيوغرافية الجديدة.
1 - البيوغرافيا بين الحقيقة والخيال.
كتابة السيرة ستظل على الدوام مسألة صعبة التناول فهناك الأحلام والمخاوف. ستظل الرغبة تتراوح دائما بين مستوى الوصول إلى الحقيقة وبين الخوف من الانسياق في الانحراف الخيالي. هناك توتر قائم ودائم في نفس الوقت بين الحقيقة والرغبة في السرد الذي يمر عبر الخيال(2). الكتابة البيوغرافيا هي مغامرة ومخاطرة بين العلم والخيال . إنه التوتر الدائم بين الحقيقة والرغبة في بناء العالم المفقود وفقا للحدس وللقدرات الإبداعية للبيوغرافي، فالعاطفة الذاتية ميزت هذا النوع من الكتابات.
فرغم تنوع المصادر التي يعتمدها البيوغرافي لابد من الاعتماد على الخيال، إن البيوغرافي ملزم بوضع الفرضيات وبالابتكار رغم وجود مصادر مقربة، حينما نكتب قصة حياة الآخرين نتدخل بشكل أو بآخر في هذه الكتابة نلقي بأنفسنا في هذه السيرة بشكل أو بآخر، فكتابة السيرة تساهم في بناء الأنا عن طريق المواجهة . إنها ليست توجه ثقافي وأكاديمي ولكن أيضا توجه عاطفي، إنها كتابة واقعية تعتمد الخيال. لكن أي خيال؟
فالكاتب غالبا ما يكون مملوكا من طرف الموضوع أثناء البحث عن المصادر وعن الشخص، يعيش في ذلك الجو وكلما تعمق في الموضوع اندمج أكثر في عالمه، فالبيوغرافي يعطي حياة جديدة للآخرين الموتى إنها عملية إحياء من جديد، لذلك فالكتابة البيوغرافيا هي مغامرة حقيقية. إنها عالم خيالي أدبي جديد متقاطع وبكر يمتزج فيه الخيال البيوغرافي بالنقد الأدبي وبموقف الكاتب. ونلمس التوتر بين التاريخ والخيال أكثر عندما يتعلق الأمر بسد النقص في ثغرات الوثائق، هل هذا يعني أن كتابة السير غير محايدة؟ وما حدود العلاقة بين العلم والخيال في الكتابات البيوغرافية؟
جعلت دور النشر الكبرى في فرنسا من كُتاب سير مشهورين أمثال André Castelot و Alain Decaux قاطرة لمبيعاتها ، فقد حقق كتاب هذا الأخير عن فيكتور هيغو مبيعات تجاوزت 100.000 نسخة. حتى في فترات الاختفاء بقي هناك كتابات حققت ضالة المحبين لأسرار البيوت وقصص المحاربين المخيفين، ونسجل في فترة الكسوف البيوغرافي نجاحات ذائعة الصيت لماكس كالوMax Gallo ، فشهرته مزدوجة كمؤرخ وكاتب سير شعبية. وقد استطاع نتيجة الطفرة التي حققتها البيوغرافيا أن يسوق 800.00 نسخة من أعماله عن نابليون بونابرت، لقد صرح ماكس كالو "أن بداخله روائي خفي هو الذي جعله يكتب البيوغرافيا" . وأول بيوغرافيا حقيقية نشرها كانت سنة 1968م عن روبيسبيير الذي عينته البرجوازية أول رئيس للجمهورية بعد الثورة الفرنسية دون أن يعلن عن مصادره. لقد استعمل أسلوبا أقرب للآداب منه للتاريخ، واعترف ماكس كالو بأن بيوغرافياته هي روايات يتبنى فيها موقف الشخصيات موضوع الرواية يقول"أرى الواقع بعيون الشخصيات المدروسة وفي نفس الوقت أتناول الناحية النفسية للشخصية"، وفي ما يخص النقص في التوثيق والثغرات الأرشيفية يجيب "على البيوغرافي أن يستخدم حدسه وخياله لملء الفراغات حتى تكتمل الرواية وتصبح تامة ومنسجمة"(3).
وقد تمادى في كتابه عن مارتن كراي Martin Gray المنشور سنة 1971م بقوله: لقد أحسست بنفسي ملتصقا بهذه الشخصية شيئا فشيئا، دخلت في جلد ليس لي، كنت مكان الطفل الذي يسكن الغيتو. لقد تجلت الذاتية القصوى في أعمال كالو دون استثناء، ومن كثرة الذاتية نجده في بيوغرافيته عن القديس كليرفو قد تقمص شخصية الغير إلى أبعد حدود، إنه يتحدث عن الآخر بضمير المتكلم على صيغة السيرة الذاتية فهو الراوي والشخصية في نفس الوقت. لقد تم انتقاد أعماله لأنها تحمل بصمات أسطورية بتركيزها على الشخصية الاستثنائية فكانت بيوغرافياته شبيهة إلى حد كبير بسيرة الأبطال العظام. إنها بيوغرافيات كلاسيكية تعايشت وصمدت بسبب حب الجمهور لها فقط. هذا النوع لن يتعايش إلى الأبد.
البيوغرافيا نوع صعب بسبب موقعها بين الرغبة في إعادة إنتاج حياة حقيقية وبين ضرورة الاستنجاد بالخيال. فالمؤلف حين يقوم بتأليف قصة حياة فهو ليس مؤلفها بالنسبة إلى الوجود الحقيقي ولكنه يقوم بدور المشارك في التأليف بالنسبة إلى المعنى، إنه مؤلفها الثاني أي شريك مؤلفها(4). إن الأمر يبدو أشبه ما يكون بالخليط غير المستتر بين النسيج الخيالي والتجربة الحية، فبسبب الطابع الهروبي للحياة الحقيقية نحتاج إلى معونة القصة الخيالية كي ننظم هذه الحياة بطريقة استعادية(5). وعلى حد تعبير بول ريكور دائما ستظل العلاقة بين الواقع وبين الخيال مسألة مؤرقة(6).
هذا التوتر ليس خاصا بالبيوغرافيا بل نجده أيضا في التاريخ لكنه موجود في النوع البيوغرافي بحدة أكثر، فاستدعاء الخيال لملء الفراغات في ظل وجود نقص وثائقي من صبغة البيوغرافيا، فالثغرات الزمنية الظرفية تحتاج إلى مجهود كبير لملأها باعتبار أن الحياة هي نسيج ثابت من الذاكرة والنسيان، فمثلا عندما قام الأستاذ عبد الرحمان الموذن في رسالته لأطروحة السلك الثالث "البوادي المغربية قبل الاستعمار" بإنجاز جدول كرونولوجي للحَرْكاَت المخزنية بايناون خلال القرن التاسع عشر لاحظ وجود ثغرة كبيرة فيما بين سنتي 1848-1867 وأرجع ذلك إلى النقص في المصادر وليس إلى توقف ظاهرة الحَرْكَة بايناون(7). ولاحظ أيضا الأستاذ عبد الله نجمي أن هناك فجوة تغطي حوالي قرنين تسكت خلالها المصادر السنية سكوتا يكاد يكون تاما عن أخبار الطائفة اليوسفية وأكد أن ظاهرة تعاقب فترات تراكم الأخبار في شأن الطوائف البدعية والفترات التي تتضاءل فيها هذه الأخبار أو تنعدم مسألة ثابتة في كل المجتمعات(8). ولا ننسى أن الأستاذ عبد الله نجمي في رسالته لأطروحة السلك الثالث عن"التصوف والبدعة بالمغرب" أعاد بناء كتابة سيرة أحمد بن يوسف بخلاف الطريقة المعهودة وذلك انطلاقا من مقابلة ما جاء في المصادر المتقدمة و المراجع المتأخرة(المغربية والأجنبية منها) وخصوصا المراحل الأولى من حياته قبل الشهرة، هذه المرحلة التي غالبا ما تسكت عنها المصادر المبكرة، فتكون محط اهتمام المتأخرين من خاصة وعامة المحبين الذين يعملون على ابتداع المناقب ونسج القصص والحوادث ونسبتها إلى المراحل المعتمة من حياة هؤلاء الأعلام فتصبح فيما بعد جزءا لا يتجزأ من تراجمهم وقسما لا ينفصل من سيرهم(9). لذلك فقد كان انجاز سيرة كاملة للشيخ احمد بن يوسف صالحا وعارفا وبدعيا حسب المؤلف ضرورة منهجية استهدفت تبديد الغموض الذي اكتنف هذه الطائفة في الاسطغرافيا التي اهتمت بها وحولتها إلى أغرب أسطورة في تاريخ التصوف المغربي(10). وقد مزج الأستاذ عبد الله نجمي في أطروحته لكتابة تاريخ الطريقة اليوسفية بين الأسلوب الروائي الأدبي والتاريخي الأكاديمي مما أعطى لعمله قيمة جمالية فنية وأدبية وتاريخية. لذلك فإن الرغبة في الوصول إلى الحقيقة والتي يمليها المنهج العلمي وكذا الطابع الحقيقي لشخوص البيوغرافيا لا تمنع بأي حال البعد الجمالي الذي يعطي للعمل قيمته الفنية الراقية، البيوغرافي مثله مثل رسام بورتريه كلما كان خياله أوسع كلما اقترب أكثر إلى الحقيقة.
هناك علاقة تلقائية بين البيوغرافي وموضوعه هذا أمر لاشك فيه، لكن الفن البيوغرافي يفرض ضرورة احترام مجموعة من القواعد ومنها:
1- احترام الترتيب الكرونولوجي والتسلسل الزمني للأحداث لتشويق القارئ.
2-اختيار ما يناسب الموضوع فليس الهدف هو الإكثار من المعلومات الغير المفيدة إنه عمل فني يركز على إعطاء قيمة للأحداث الدالة التي قد تبدو في الظاهر هامشية، فالتفاصيل الصغيرة جدا دائما تكون هي الأهم(11)، فعن تاريخ حركة الهبري يذكر الأستاذ المؤذن في أطروحته السابقة أن المؤرخ عبد الرحمان ابن زيدان ذكر أن بوعزة الهبري قد ثار في أحواز وجدة خلال عهد السلطان محمد بن عبد الرحمان سنة 1281هـ/ 1864م وأن جموعه سرعان ما تشتت وخبا أمره قبل أن يظهر مجددا عند تولي السلطان الحسن الأول الحكم سنة 1874م، لقد شكك الباحث في أن تكون دعوة الهبري قد خمدت كل هذه المدة أي عشر سنوات، فاستند إلى إشارات غامضة وهامشية من كتاب "مطالع الحسن وإتباع السنن بطلوع راية مولانا الحسن" لعلي بن محمد السوسي السملالي ومن خلال إحدى "المراسلات بين السلطان وأحد قواده" ليؤكد أن ثمة احتمال كبير وقوي يرجح أن بوعزة الهبري قد أعاد كرة ثورته سنة 1869م أي بعد مرور خمس سنوات فقط من ثورته الأولى، فوضح بذلك أن حركة الهبري لم تكن تلك الفورة الفجائية والسريعة الانطفاء كما أوحى الناصري(12).
3- القدرة على التمييز بين الخصائص الفردانية، فكل بيوغرافية هي قصة مختلفة وفريدة لا تقارن بغيرها. فالهوية البيوغرافية تجد نفسها في مواجهة الزمن وتخضع في مسارها إلى تغيرات عديدة، فهي هوية متعددة جماعية متكاثرة على شاكلة الجذمور فكل واحد حسب تعبير غاتاري ودولوز متعدد(13). وهذا هو جوهر الفرق عن السير التقليدية فبلوتارك عندما يتناول تفاصيل شخصياته يسقط في التشابه والصور النمطية.
4- البيوغرافيا لا يجب أن تستند فقط إلى خيال الكاتب بل لا بد من مصادر مكتوبة وشهادات شفوية ووثائق أصلية (جرائد، رسائل، حوارات..).والبيوغرافي مهمته أن يصنع العسل من هذه الوثائق جميعا عبر مواجهة ومقابلة المعلومات لكي يقترب ما أمكن من الحقيق . فالكاتب يرتمي في الخيال لأجل الاقتراب أكثر من الحقيقة.
بطموحها لكي تكون أكثر قربا من الحياة الحقيقية للأشخاص، تعتبر البيوغرافيا جنسا صعبا، إذ يُطلب من البيوغرافي الالتزام بالقواعد العلمية وفي نفس الوقت جودة العمل من الناحية الفنية وأيضا مراعاة القارئ العادي الذي يسعى أن يعيش في الخيال أكثر من الانغماس في المراجع الثقيلة، الصفة الهجينة للبيوغرافيا تجعل من الصعوبة أن نموقعها، هذا التعدد والتناقض في الجنس البيوغرافي جعله جنسا هجينا وغير خالص، وهذه الخاصية هي التي أدت بفرجينا وولف إلى وصف هذا النوع البيوغرافي بأنه نوع ممتد ونتاج لزواج غير شرعي بين الخيال والعلم، وفشل أو نجاح المناولة البيوغرافيا حسب فرجينا وولف دائما تتجلى في قدرة البيوغرافي على المزاوجة الجيدة بين الجانب الخيالي والجانب الحقيقي، ولذلك فإنها عندما علقت على الأعمال البيوغرافية الشهيرة لستراتشي ميزت بين نجاحه الباهر في كتابه عن الملكة فيكتوريا و فشله الكامل في بيوغرافيته عن الملكة اليزابيت بقولها: "استطاع ستراتشي بتوفره على ملف مليء بالوثائق عن الملكة فيكتوريا توليف الأبعاد الموضوعية مع الخيالية بتوفيق كبير، بينما شح المعلومات المتعلقة بالملكة اليزابيت أدت به إلى الانغماس في السجل الخيالي المحض".
لقد رجع غابرييل غارسيا ماركيز مثلا إلى مئات الوثائق التي استقطرها لتوليف زمان شخصية سيمون بوليفار الملقب«بجورج واشنطن أمريكا اللاتينية» في رواية "الجنرال في متاهته"(14) وأنتج منها صورة مغايرة لشخصية محرر أمريكا اللاتينية، حتى ليقال إن التواريخ الحقيقية للحوادث رسمت زمنا تخيليا لحياة رجل غير حقيقي..إن رواية (الجنرال في متاهته) ليست رواية بطل من ذلك الزمان إنما هي رواية بطل في هذا الزمان، بذلك يصدق القول أن سيمون بوليفار هو ماركيز نفسه بالصدق الذي قيل فيه إن مدام بوفاري هي فلوبير(15).
تتركب البيوغرافيا كما سبق القول من التوليف والربط بين مستويين الخيال وحقيقة الأحداث، وعلى البيوغرافي أن ينجح في التوفيق بين المستويين المتناقضين. فلا يكفي التقاط شظايا متفرقة من قراطيس الماضي لتوليف زمان حياة شخصيات تاريخية، ما لم يتسق هذا الالتقاط في التحكم بالعناصر الفاصلة بين الحقيقة والخيال، فتواريخ الحياة تختلف عن القصص الأدبية.
إن التحول الكبير الذي خضع له جنس البيوغرافيا كما أوضحنا في هذه الفقرة يتموقع على مستوى نظام الحقيقة، ففي الوقت الحاضر يؤكد فرانسوا دوس أن الجميع يتفق ويقبل الجانب من الخيال الذي تبنته البيوغرافيات الجديدة، إنه خيال من الواقع المعاش .
2- البيوغرافيات بين الحياة الخاصة والحياة العامة.
لإلقاء الضوء على هذه القضية نشير إلى أن البيوغرافيات الإنجليزية في فترة القرن التاسع عشر والمسماة "البيوغرافيات الفيكتورية" تم انتقادها وتجاوزها في انجلترا مع البيوغرافيين الجدد.
كان من أهم مميزات بيوغرافيات برجوازيي العصر الفيكتوري، والتي حررت غالبا من طرف الأقارب تركيزها على الأشياء الإيجابية (المناقب) فظلت إلى حد ما أشبه بالهجيوغرافيات التقليدية، غاب عنها البعد النقدي تماما، مما يضع القارئ في علاقة مقدسة مع الشخصيات المدروسة(16). كما تميزت هذه البيوغرافيات أيضا بالتركيز على الحياة العامة فقط أما الحياة الخاصة فقد خضعت للرقابة والتقييد وحرم الكلام والتفكير فيها بشكل نهائيا واعتبرت خطوط حمراء يمنع الاقتراب منها. وهو الأمر الذي يفسر الهجوم الشديد على فرويد عندما كتب سيرة كارليل، فقد اتهم بانعدام الذوق والخروج عن التقاليد، لأن سيرته تكشف عن دخائل الحياة الخاصة وتعلن عن أسرار ينبغي أن تظل طي الكتمان، وكارليل نفسه يعد نموذجا لكتاب العصر الفيكتوري في فن السيرة وكتابه "الأبطال وعبادة الأبطال" تتضح فيه العاطفة الدينية والتسليم الميتافيزيقي(17).
لقد كسر البيوغرافيون الجدد أمثال ليتون ستراتشي وفيرجينيا وولف الحاجز الذي كان يحوم حول الحياة الخاصة للأشخاص وتخلصوا نهائيا من القيد الأخلاقي والاحتشام الظاهري للحقبة الفيكتورية(18). ولقد كان لنظريات فرويد أكبر الأثر في اتجاه الكتاب إلى دراسة النواحي النفسية ومعالجة الأمور المتعلقة بالحياة الجنسية وخاصة عن دراسة شخصيات لها نصيب من الشذوذ وقد ألف في هذا المجال سير كثيرة(19).ومثلت صراحته ونظرياته التي طبقها على فن السيرة ضربة قاضية للتراجم والسير الفيكتورية وتشييدا لنمط جديد مختلف تماما عن أية سيرة سابقة(20).
منذ بداية القرن العشرين أصبحت الطريقة التي ينجز بها الانجلوساكسون بيوغرافياتهم لا تفرق بين الحياة العامة والحياة الخاصة للشخصيات المدروسة. في حين ظلت الأشياء الخاصة في حياة أبطال السيرة طابوهات مخفية عن أنظار العوام في فرنسا وإن كانت الأمور بدأت تتغير في الآونة الأخيرة. وهذه القضية تشكل بالنسبة للبيوغرافي صعوبة كبرى لأنه يصطدم بقلة المصادر التي تتناول الحياة الخاصة، فالبيوغرافي مقيد بخلاف الروائي الذي يكون حرا في إطلاق العنان لخياله من خلال شخصياته.
3- البيوغرافيات جنس متعدد بين التاريخ و التخصصات الأخرى.
لقد تعرضت كتابة السير لانتكاسة كبرى ولكسوف طويل امتد على طول مرحلة سيطرة البنيوية ومدرسة الحوليات على ميادين العلوم الإنسانية والأكاديمية، ثم فجأة ظهرت بيوغرافيات جديدة محتفى بها. ما الأشياء التي تغيرت جذريا في هذه الكتابات ؟
لم تأخذ البيوغرافيا الجديدة من تركة سير الحياة التقليدية إلا الزمن، فإذا أخذنا بتقسيم دانييل مادلينا سنميز بين مرحلة كتابة السير التي تتموقع بين العصر القديم إلى حدود القرن الثامن عشر، و المرحلة الرومانطيقية من القرن الثامن عشر إلى بداية القرن العشرين والتي ركزت على قضايا العلاقات الحميمية داخل الأسر وعلى العواطف والخيال في التعبير، وأخيرا البيوغرافيات الجديدة التي أغنيت بعلوم التحليل النفسي والسوسيولوجيا(21).
أرسلت البيوغرافيات الجديدة السير بالمفهوم الكلاسيكي إلى دائرة النسيان واعتبرتها لعبة قديمة وشبهتها بالرجل العجوز المحكوم عليه بالتقاعد والموت. لقد اختفى مصطلح السير و انقرض من واجهة المكاتب ومن أغلفة الكتب بين الحربين.(22) لقد انتقلنا إذن من مرحلة كتابة السير إلى مرحلة كتابة البيوغرافيا.
أصبحت البيوغرافيات الجديدة جنس تتداخل فيه أقطاب متعددة فهو خليط بين التاريخ والأدب والفكر وعلم النفس و الاجتماع والانتربولوجيا، وانخراط البيوغرافي في موضوع دراسته يتطلب منه استثمار هذا التركيب المعقد.
لا بد للبيوغرافي أن يخترق الفرد و يغوص في أعماقه دون السقوط في فخ الخلط بين هذا الشخص وذاك كما تقدم، فالتحليل النفسي يؤكد أنه رغم العمل الطويل على الذات لن نتوصل إلى الحقيقة والجوهر، دائما تبقى هناك أسئلة مفتوحة على المستقبل الشيء الذي يفسر لنا لماذا يمكننا كتابة عدد لانهائي من البيوغرافيات الجديدة على نفس الشخصيات، فالبيوغرافي ليس أول من تتبع آثار الشخصية لابد أن هناك أسئلة جديدة دفعته لإعادة الاهتمام والبحث.
الهوية البيوغرافية تخضع في مسارها إلى تغيرات عديدة، وهي هوية متعددة جماعية متكاثرة على شاكلة الجذمور فكل واحد حسب تعبير غاتاري ودولوز"متعدد"، هناك إذن رؤى متعددة وليس قراءة واحدة حول شخصية تاريخية معينة، ليس هناك قراءة علموية للهوية الشخصية، تتعدد زوايا النظر ووجهات النظر حول الشخصيات التاريخية، وعلى البيوغرافي أن يستحضر في ذهنه المكانة الخاصة التي يولها التحليل النفسي للإنسان باعتباره حالة فردية نفسانية معقدة. التحليل النفسي أيضا يتدخل على الخط الموازي ليؤكد أن البيوغرافي نفسه ينساق مع الموضوع ويتدخل على أساس إما النفور أو الانسجام والتوافق مع الشخصية المدروسة، ففرويد قام بإنجاز بيوغرافيا عن الرئيس ويلسون من وضعية نفور ونفس الأمر بالنسبة لآيان كرشاو (Kerchaw Ian) عن الزعيم النازي أدولف هتلر(23).علمنا التحليل النفسي أن الإنسان يبقى هو نفسه، ليس هناك شفافية كاملة للموضوع. على العموم البيوغرافي مضطر أن يستعرض الحوافز التي دفعته لمصاحبة حياة الشخص الذي يعيد رسم مسار حياته من جديد.
لماذا نكتب البيوغرافيا؟ سؤال يطرح نفسه بقوة، بدون شك ليس كتابة سيرة حياة شخص آخر تكون دائما بهدف صرف ينحصر بالضرورة في المعرفة، أحيانا تختفي وراء المعرفة أسس إيديولوجية للكاتب وهنا نشير إلى البيوغرافيات المكتوبة من طرف السياسيين فالآن جوبي الوزير وعمدة بوردو السابق كتب بيوغرافيا عن مونتسكيو أراد أن يربط من خلالها اسمه باسم هذه الشخصية المشهورة في الإقليم.(24) كما أن الكثير من السياسيين بمجرد انتهاء مهامهم السياسية يتجهون إلى كتابة سيرهم ومراجعة مشوارهم السياسي، أو يصبحون موضوعات للبيوغرافيا التاريخية. فقسم منهم يمسك بالقلم لكتابة مذكراته وهو لا يزال يتحمل المسؤولية للبوح غالبا بالإنجازات وأحيانا بالتعثرات والإخفاقات وقسم آخر يلجا إلى الكتابة بعد أن يعتزل الأضواء فيكشف عن أشياء كانت تتوارى في الظل سابقا لظروف المرحلة. وتثير هذه المذكرات اهتمام القارئ الذي يتطلع إليها بفارغ الصبر خصوصا إذا كانت الشخصية رفيعة المستوى أو مثار جدل أو ارتبطت بقضية ساخنة، إذ غالبا ما يُنتظر منه كشف المستور وتسليط الضوء على ما خفي من الأمور. و هذا أيضا جنس بيوغرافي مميز قريب إلى حد كبير من السيرة الذاتية التاريخية بحكم استنادها إلى عناصر البوح والكشف و التشويق والمفاجأة، ثم هناك جنس آخر مشابه يأتي في قالب حوار أو مقابلة يصدر على شكل كتاب أو قصة حياة، يتكلف بانجازه إلى جانب الشخصية كاتب أو صحافي مشهور يملك موهبة أدبية وأسلوب فني، وهذه الأنواع ترعاها بسخاء دور النشر الكبرى وأقطاب الإعلام بهدف كسب الربح المادي وجلب أكبر عدد من القراء. وقد صدر مؤخرا كتاب ليونيل جوسبان السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي و الوزير الأول السابق في عهد ميتران وهو بعنوان مثير "ليونيل يحكي جوسبان"(25) يروي فيه مسار حياته الشخصية والسياسية معتمدا في ذلك على خبرة صحفيين اثنين يشهد لهما بالكفاءة والمهنية العالية (باتريك روتمان وبيار فافييه) وقد احتل الكتاب أسابيع بعد صدوره الرتبة الثالثة في قائمة مبيعات الكتب بفرنسا، كما أصدرت مؤخرا الصحفية السياسية الشهيرة آنا كابانا كتابا عن دوفيلبان ركزت فيه على مساره السياسي وخلفية صراعه مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي(26).
باعتبار البيوغرافيا جنس هجين فإنها تتموقع أيضا بين مهنة الصحافي والمؤرخ، وقد أصبحت بالتالي البيوغرافيا مشهورة بهذه الازدواجية في الهوية، تظهر في كتابات Jean Lacouture على سبيل المثال توترات الهجانة بين الصحافة والتاريخ، فهذا الصحفي ربح رهانات مؤرخ بازدواجيته، ويعتبر حاليا بيوغرافي متخصص أخرج هذا النوع من العار وأوصله إلى قمة النجاح(27)، انتماؤه المزدوج للصحافة والتاريخ جعل أعماله تتسم بالغنى والكثرة، فقد كتب بيوغرافية لخمس زعماء من العالم الثالث(28). كتاباته أعطت أبعادا واسعة للنوع البيوغرافي أدبيا وفنيا.وقد شارك أيضا في إنجاز بيوغرافيا لأهم الشخصيات الفرنسية والمغربية للفترة قبيل استقلال المغرب "(29).
بين التاريخ والآداب وبين الخيال والحقيقة تتموقع مجموعة أخرى من البيوغرافيات التي أطلق عليها أصحابها سلسلة الأنا والآخر "L'un et l'autre " اعتبرها المؤلف "بيوغرافيات ضد الببيوغرافيا" فهناك خلط واضح بين الخيال والحدث، بين الكاتب والموضوع. تشتمل على دراسات متنوعة لكنها تشترك جميعا في خاصية العلاقة التي تجمع الكاتب بموضوعه وهي علاقة خاصة جدا، وترجمت كتجربة فريدة وطريفة في الكتابة هي اقرب إلى الأدب منها إلى التاريخ، تعود هذه التجربة الطريفة إلى الكاتب الفرنسيّ جان برنارد بونطاليس Jean-Bernard Pontallis القادم من علم النفس والذي اتخذ من "البيوغرافيا" مجالا لممارسة نوع من التجديد الأدبي. فقد اقترح على مؤسسة "غاليمار" Gallimard الشهيرة للنشر تبنّي مشروع سلسلة بيوغرافية تشويقية جديدة تعرض على عدد من مؤلِّفي السير تدوين ارتساماتهم الشخصية حول طبيعة العلاقة التي ربطتهم بالشخوص التي كتبوا عنها، وتقديم ما رسخ في ذهنهم ووعيهم من ذكريات ذاتية وحميمية، والكشف عن مدى حدود تأثر الكاتب في مساره بسيرة الآخر الذي أنجز عنه دراسة بيوغرافية سابقة، إنها طريقة مستوحاة من أسلوب التحليل النفسي، كانت التجربة مغامرة استهدفت الكشف عن مدى حضور الذات لدى الحديث عن الآخر والعكس، سلسلة الأنا والآخر تجربة مثيرة ومغايرة لقيت نجاحا منقطع النظير.
اعتمدت طريقة برنارد بونطاليس على اختيار الكتاب المعجبين بأعمالهم وترك لهم حرية اختيار مواضيعهم، وكان من بين أشهر ما أنجز في إطار هذه السلسلة كتاب"الأسفل جدا" لكريستيان بوبان(30) الذي اختار لصياغة ارتساماته ضمن سلسلة "الأنا والآخر" شخصية القديس فرانسوا داسيز Saint François d'Assise وهو راهب إيطالي المنشأ كاثوليكي المذهب عاش بين سنتي (1182م– 1226م) واشتهر بتأسيسه لرابطة الإخوان الصغار الفرنسيسكان، كان نصا فارقا صدر سنة 1992م وقد لقي إقبالا كبيرا من الجمهور القارئ بيع منه أكثر من 160.000 نسخة.كما نشر بوبان عملا آخر مهما نشرته نفس السلسلة حمل عنوان"السيدة البيضاء"(31).
يعترف فرانسوا دوس ويقر بأن الذاتية موجودة في الأعمال البيوغرافيا لكنه يؤكد بالمقابل أنها موجودة في الأعمال التاريخية أيضا، فالذاتية رافقت على الدوام الأبحاث التاريخية، فالمؤرخ يكشف عن ذاته من خلال أعماله، إذ ليس هناك تاريخ بدون ذاتية المؤرخ التي تصبح جزءا من العمل التاريخي، وفي العمق التاريخ هو تاريخ المؤرخين الذين يكتبونه. فالمؤرخ الذي عايش الأحداث وشارك فيها كذات فاعلة وكتب عنها تختلف نظرته عن الذي يكتب عن الحدث اليوم، إنه يكتب تاريخ مختلف بمنظور وقراءة جديدة. ومع ذلك على البيوغرافي أن يترك مسافة بينه وبين الموضوع الذي يشتغل عليه ليس على المستوى الفكري فقط ولكن أيضا على المستوى العاطفي وإلا سقط في "الوهم البيوغرافي"(32).
من سمات البيوغرافيا التاريخية الجديدة ترك المجال مفتوحا للفرضيات بين الحقيقة والخيال، وبين الصحافة والتاريخ، وبين الحياة الخاصة والحياة العامة، وبين الفكر والحياة، وباعتبار البيوغرافيا عملا يقوم على تتبع صيرورة الوجود الإنساني ستظل إلى الأبد حقلا خصبا يحصد من خلاله البيوغرافي منتوجا متنوعا يوظفه في حل ألغاز معنى الحياة. إن البيوغرافي يعقد علاقة مع الموت إلى أبعد حدود، إنه يبدو دائما كمحنط وحفار القبور. فأموات اليوم هم أحياء بالأمس(33). ولذلك عندما سئل بيير شون عن البيوغرافي الناجح؟ أجاب"البيوغرافيا هو النوع الصعب فأن تأخذ شخصا و تموقعه من جديد في زمانه هو عمل يحتاج إلى تفرغ، واطلب من الله أن يمد في عمري لأتمكن من إنجاز هذا النوع.
إن كتابة السيرة نوع من المخاطرة والمغامرة، إنها رهان صعب بل مقامرة وورطة، لأن البيوغرافي لا يمكنه أن يمتلك مفتاح الشخصية، لهذا نجد بيوغرافيات متعددة عن نفس الأشخاص ليس لأن الأمر يتعلق باكتشاف أرشيفات أخرى، وإنما لأن هناك أسئلة جديدة تطرح. فالفرضيات والنتائج التي يتوصل إليها البيوغرافي تبقى مفتوحة أمام دراسات جديدة ومن المستحيل الوصول إلى حقيقة الشخصية، لذلك فإن من يلعب الرهان البيوغرافي يقامر دائما لأن كسب الرهان أمر صعب إن لم نقل مستحيل، لأنه في نهاية المطاف قد يكون رهانا خاسرا .
الهوامش:
Marc Ferro, « La biographie, cette handicapée de l’histoire », Le Magazine littéraire, avril 1989. 1-
2 François dosse. Le Pari biographique. Ecrire une vie .op.cit. p7.
3 عن بيوغرافيات ماكس كالو وخصائصها انظر: François dosse Le Pari biographique Ecrire une vie, op.Cit, pp17-20.
4 بول ريكور( الذات عينها كآخر) ترجمة وتقديم وتعليق د جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة لبنان. الطبعة الأولى 2005، ص325. 328.
5 نفسه ص329.
6 بول ريكور( الذاكرة، التاريخ، النسيان) مرجع سابق ص 248.
7 عبد الرحمن الموذن(البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل ايناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر)منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة: رسائل وأطروحات رقم 25.مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الأولى، من ص 321 إلى ص 324.
8 عبد الله نجمي (التصوف والبدعة بالمغرب-طائفة العكاكزة ق16-17م) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم47، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى.ص43.42.
عبد الله نجمي (التصوف والبدعة بالمغرب....) م.س .ص 54. 9
10خصص عبد الله نجمي القسم الأول بأبوابه الثلاثة لإعادة كتابة سيرة احمد بن يوسف راجع:( التصوف والبدعة بالمغرب - طائفة العكاكزة- ق16-17) م.س، من ص53 إلى ص 279.
11 p 58. .François dosse Le Pari biographique. Ecrire une vie, Paris. La découverte. 2005
12 اعتبر الأستاذ عبد الرحمان الموذن أن المصادر التقليدية لا تسلط الأضواء إلا على مرحلة التوهج وبذلك فسر غياب ذكر ثورة الهبري بتازة سنة 1869م بهذه المصادر. للمزيد راجع: عبد الرحمان الموذن( البوادي المغربية قبل الاستعمار..) م.س. من ص 402 إلى 415.
13 نشير هنا إلى قولهما: (لقد كتبنا ضد اوديب معا وبما أن كل واحد منا كان متكوثرا( متعددا) فان العدد أصبح كبيرا....) للمزيد انظر : . Gille Deleuze, Félix Guattari, Capitalisme et schizophrénie, Mille plateaux, les éditions de Minuit, 1980p9 ترجمة د عز الدين الخطابي من ص9 إلى ص 37. مأخوذ من مجلة رؤى تربوية العدد 21. ص 17.
14 جابرييل كارسيا ماركيز (سيمون بوليفار أو الجنرال في المتاهة) ترجمة محمد عبد المنعم جلال، الهيئة العامة المصرية للكتاب1996.
15 محمد خضير( السرد والكتاب).كتاب دبي الثقافية ، الإصدار36، دار الصدى، الطبعة الأولى مايو 2010م، ص 36-37.
16 François dosse. Le Pari biographique. Op.cit, p 64.
17 ماهر حسن فهمي (السيرة : تاريخ وفن) مكتبة النهضة المصرية القاهرة،الطبعة الأولى 1970م، ص8.
18 يقصد بالحقبة الفكتورية الفترة الزمنية التي حكمت خلالها الملكة فيكتوريا مملكة انجلترا بين(1837- 1901)اتسمت بالإفراط في الاحتشام وادعاء الطهر الخلقي، فقد طال المنع والتحريم الحياة الجنسية إذ نفي هذا الموضوع بشكل نهائي إلى غرف النوم المظلمة، وحرم الكلام والكتابة عنه. يراجع: ميشيل فوكو (تاريخ الجنسانية -إرادة العرفان-) الجزء الأول، ترجمة محمد هشام، إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2004م.
19 إحسان عباس (فن السيرة)، الجامعة الأمريكية بيروت، دار صادر، دار الشروق عمان، الطبعة الأولى سنة 1996م، ص46.
20 ماهر حسن فهمي (السيرة تاريخ وفن) م.س. ص8/9.
21 François dosse. Le Pari biographique. Op.cit, p 9.10.
22 Martine Boyer-Weinmann. La relation biographique : Enjeux contemporains. Editions Champ Vallon septembre 2005 p 5.
23 كرشان اياو (هتلر). فلامايون. فرنسا.
24 François dosse Le Pari biographique. Op.cit .103.
25 Pierre Favier et Patrick Rotman. Lionel raconte Jospin Editeur : Seuil (7 janvier 2010)
26 Anna Cabana. Villepin : La verticale du fou Editeur : Flammarion (26 janvier 2010)
27 أصدر كتابا في هذا المجال انظر: Jean Lacouture. Profession biographe, Hachette 2003.
28 هؤلاء الزعماء الخمس هم الملك محمد الخامس والرئيس بورقيبة و فرحات حشاد وهوشي منه وسيكو طوري.
29 أنجز إلى جانب Simonne Lacouture وصفا بيوغرافيا لأهم الشخصيات الفرنسية والمغربية للفترة التي أدت أحداثها إلى استقلال المغرب انظر: ديل ايكلمان (السلطة والمعرفة) ص23. وللمزيد انظر: jean Lacouture Le Maroc à l'épreuve, en collaboration avec Simonne Lacouture, Le Seuil 1958
30 انظر: Le Très Bas, éditions Gallimard, , Collection « L'Un et l'autre » 1992 . Christian Bobin
31 انظر: Ed. Gallimard, Collection, « L'Un et l'Autre» 2007 La dame blanche Christian Bobin
Pierre BOURDIEU, “L’illusion biographique”, Actes de la Recherche en Sciences sociales, n° 62-63, juin 1986, p. 69-72 32-
33 إننا في التاريخ لا نتعامل إلا مع أموات الزمن الغابر وعملية كتابة التاريخ مثل طقوس الدفن. ويعد ميشيل دو سيرتو الممثل الأفصح لتحويل الموت في التاريخ إلى مدفن عن طريق المؤرخ. راجع بهذا الخصوص بول ريكور( الذاكرة، التاريخ، والنسيان) فقرة الموت والتاريخ من ص532 إلى ص542.
|