خورخي سيمبرون ذاكرة القرن العشرين

 

محمد القاضي

غيب الموت في العاصمة الفرنسية باريس يوم 7 يونيو 2011 الكاتب والسينمائي والسياسي الإسباني الشهير خورخي سيمبرون عن سن يناهز 87 سنة، وأوصى بأن يدفن ملفوفا بعلم الجمهورية الاسبانية إلى جانب زوجته التي توفيت سنة 2007 في مدينة ICHI الفرنسية، وبدون أية طقوس دينية، وخلف رحيله صدى هائلا في مختلف الأوساط الأدبية والسياسية في العالم وخصوصا (إسبانيا وفرنسا)، جعل ردود الفعل تتلاحق من ضمنها ما أعلنه صديقه الروائي المغربي الطاهر بنجلون الذي أكد أن صداقته ظلت عنوان مثال إنساني رفيع ومجال تواصل مع تجربة إنسانية غنية. أما الروائي غوستاف غافراس الذي وصفه بأنه كان على درجة عالية من النزاهة الفكرية والسياسية وأن تحليلاته تمتلك عمقا فريدا لا تزال آنية وجد مفيدة لأنها صادرة عن تجربة إنسانية جد غنية. فيما اعتبر شارل غو رئيس أكاديمية الغونكور أن للرجل حساسية أدبية خارقة تجعل بناءه لشخوصه الروائية عملية مضبوطة لا مجال فيها للهزل أو التنازل عن سلطته ككاتب، وأن هذا منح لشخوصه قوة تأثير خارقة، وأضاف قائلا: برحيله فإن مرحلة كاملة للأدب والالتزام قد رحلت، فهو من الرجال الذين جعلهم الألم يصمتون نطقا ويتكلمون كتابة، وهذا هو الذي يمجده ويترك أثره نافذا في ذاكرة الأيام.

أما صحيفة البايس الاسبانية فقد نعته في عددها الصادر يوم 8/6/2011م واصفة إياه بأنه "ذاكرة القرن العشرين".


- عن هذه الاستشهادات أنظر صحيفة الاتحاد الاشتراكي عدد: 10 يونيو 2011م ص20.

من هو خوخي سيمبرون؟

ولد في مدريد سنة 1923م، لأسرة بورجوازية كبيرة من أب دبلوماسي كاثوليكي يساري، تعاطف مع النظام الجمهوري، أما جده من أمه أنطونيو مورا، اشتغل وزيرا في أكثر من مرة في حكومة الملك الفونسو الثالث عشر، بينما كان عمه واحدا من مؤسسي الجمهورية الاسبانية الثانية. وفي عام 1931م شغل منصب وزيرا للداخلية في النظام الجديد. وعين والده سفيرا في هولندا.

عاش منذ طفولته وهو لا يسمع إلا الحديث عن السياسة، ويتذكر ذلك في سيرته السياسية والفكرية في كتابه المعنون (ياله من أحد جميل!) الذي كتبه باللغة الفرنسية والصادر سنة 1980م حيث يقول:

"كنت في السابعة من عمري حين أعلن عن قيام الحكم الجمهوري في اسبانيا، وما زلت أتذكر الحركة التي عمت شقتنا، وأيضا تلك الاجتماعات الغريبة التي عقدت فيها، كانوا يتحدثون من حولي عن عمي ميغيل، وكان أبي ينتمي إلى التيار الجمهوري، وأما أمي فقد علقت أعلاما في نافذة شقتنا حيث تم الإعلان عن قيام الجمهورية في شهر أبريل 1931م، وكانت أحيانا تسمعنا نشيد (المارسياز)" .

لم تعش الجمهورية أكثر من خمس سنوات، فقام العسكر بانقلاب ضدها تزعمه الجنرال فرانكو مما أدخل البلاد في حرب أهلية (1936-1939م) فاضطرت الأسرة إلى الهروب نحو هولندا ثم إلى فرنسا لتمضي بها سنوات طويلة، وهناك انتسب إلى معهد (هنري الرابع) ثم إلى جامعة السربون لدراسة الفلسفة.

في سنة 1939 وهو في باريس ترسخت لديه- بعد سقوط العاصمة مدريد في يد فرانكو- قناعة بأنه لاعودة إلى اسبانيا في ظل هذا الحكم الديكتاتوري، وكغيره من المثقفين الملتزمين الاسبان الذين اختاروا المنفى توظيف قدراتهم الفكرية والإبداعية لمناهضة هذا النظام، الذي كان يعادي الثقافة والمثقفين وحمل شعار "الموت للذكاء!" كاختيار سياسي اتخذ بوعي

كامل خاصة وأن النظام الذي أطيح به –الجمهوري- كانت توريته تسير قبل كل شيء إلى جانب الثقافة كمحرك حقيقي لكل تغيير اجتماعي.


- أنظر صحيفة (الشرق الأوسط، عدد 10/12/1995م ص18 (خورخي سيمبرون يروي سيرته السياسية والفكرية في ياله من أحد جميل) حسونة المصباحي.

 

وهكذا تعددت أشكال الالتزام بدء بالكاتب الشاهد البسيط إلى أولئك الكتاب الذين وضعوا الإبداع في المرتبة الثانية لكي يتعاطوا كلية للنضال السياسي، وكلهم يشتركون في تسمية واحدة وهي (مناهضة الفاشية) بزعامة الحزب الشيوعي الاسباني الذي اختار خورخي سيبمرون الانخراط في صفوفه وهو في الثامنة عشرة من عمره.

 

•  خورخي سيمبرون السياسي:

أثناء الحرب العالمية الثانية، شارك في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وأسر، وأرسل مع بعض من رفاقه إلى معسكر (بوخنفلد) الشهير ليمضي فيه (إثنين وسبعين أحدا) حسب تعبيره، وكانت تجربة قاسية في حياته، الجوع والمرض والسماء الرمادية الكئيبة دائما والجنود القساة والحشرات التي تشرب من دم المعتقلين وتأكل من لحمهم في الليل والنهار، وبعد نهاية الحرب سنة 1945م، أطلق سراحه، وعاد مجددا إلى باريس وانضم إلى الحزب الشيوعي الاسباني، وفي سنة 1953م صعد إلى اللجنة المركزية واللجنة التنفيذية للحزب، وفي نفس السنة طلب منه الحزب الدخول إلى اسبانيا لتأطير الطلبة والعمال، بجانب رفاقه (ساشيت مونطيرو) و(روميرو مارين) و (خوليو كريماو) الذي أعدم بدون محاكمة سنة 1962م وعاش داخل اسبانيا لمدة عشر سنوات كانت مليئة بالنضال السري ضد ديكتاتورية فرانكو كفاعل في هذه الفترة التاريخية، وهي التجربة التي يسردها سيمبرون في كتابه (السيرة الذاتية لفيديريكو سانشيث) وقد صدرت سنة 1977 في شكل مذكرات آخر تاريخ فيها هو شهر شتنبر 1977م وحصل بها على جائزة (بلانيطا) الاسبانية، وهي أرفع الجوائز الأدبية تنمح بإسبانيا، وسانشيث بطل الرواية هو المؤلف نفسه الذي كان يحمل هذا الاسم الحركي وقد عرف به سيمبرون خلال سنوات نضاله في الحزب الشيوعي، والكتاب هو سيرة ذاتية للمؤلف من سنة 1953 إلى 1964م وهي السنة التي تعمقت فيها الخلافات بينه وبين (سانتياغو كارييو) فتم طرده من الحرب بتهمة الانحراف عن المبادئ الماركسية وذلك أثناء مؤتمر الحزب في أبريل 1964م بشكوسلوفاكيا.

وقد لجأ الكاتب إلى مخيلة الروائي، واعتمد على ذاكرته، فقدم أشخاصا من المواقع ومن الأحداث الواقعية، كل واحد باسمه وبوثائقه التاريخية الحقيقية.

بعد هذه المرحلة قرر أن يكرس حياته للكتابة بالفرنسية والاسبانية. وفي سنة 1988 عين وزيرا للثقافة في حكومة فيليبي غونثالبث الاشتراكية، واستمر في هذا المنصب إلى غاية 1991م.

 

•  خورخي سيمبرون الكاتب الروائي:

تفرغ سيمبرون بعد مغادرته العمل السياسي للكتابة الروائية فكانت روايته الأولى (الرحلة الطويلة) بداية مشواره الأدبي باللغة الفرنسية، وقد أحرزت على جائزة (فورمينطو)، ومنعت في اسبانيا، ولم تنشر إلا في سنة 1977م مع الانفتاح الديمقراطي، بعد وفاة فرانكو (20 نونبر 1975) حيث تم السماح بعودة المثقفين الاسبان لوطنهم ليساهموا في بناء مجتمع جديدديمقراطي وكان من أبرزهم (خورخي سيمبرون، سلفادور دي مادريكا، رامون سيندير، رفائيل البيرتي، خورخي غيجين، سانشيث البرنوس، خوان غويتسولو واللائحة طويلة).

وبعد أربع سنوات نشر روايته الثانية وهي (الموت الثانية لرامون ميركادير) باللغة الفرنسية كذلك وأحرزت على جائزة (فيمينا) سنة 1969م، وهي رواية غنية بالمعرفة الأدبية والثقافية، رواية التجسس تنقلب إلى تأملات سياسية، رامون مريكادير الذي قتل تروتسكي يعيش، وتبقى الثورة مهددة دائما، فهو يستمر في محاولته قتل رامون ميركادير وتحطيم شبح ستالين.

وفي هذه المرحلة اتجه اتجاها جديدا وهو كتابة الحوار والسيناريو السينمائي فأصبح من السينمائيين المعروفين في العالم، إلا أنه استمر في كتابة الرواية. ومن أفلامه الشهيرة ( Z )-(زد) و"الاعتراف" والهجوم، وكارثة الحرب، والطرق الجنوبية وغيرها، إضافة إلى مسلسلات تيلفزيونية (كاموماريو- وقضية دريفوس)، إلا أن فيلم ( Z ) الذي أخرجه صديقه اليوناني الأصل كوستاغافراس، واضطلع ببطولته الممثل (إيف مونتان) أثار جدلا كبيرا من طرف نقاد السينما آنذاك، فقد أخذ من اهتمامهم الشيء الكثير ونال جوائز هامة، حيث عرض في باريس شهرين متتاليين في أربع قاعات، وقصة الفيلم ذات أبعاد سياسية كبيرة (موضوع الاغتيالات السياسية) التي عاشتها العديد من البلدان في فترة الستينات من القرن الماضي وخصوصا بعد أحداث اليونان سنة 1963م ، وصور الفيلم في الجزائر، ثم جاءت روايته (الموت الذي يجب) ليواصل فيها ما بدأه في (الرحلة الطويلة) فهي تروي قصة حدثت في شهر ديسمبر 1949م في معسكر النازية حيث كان الموت أسهل من شرب كأس ماء حسب تعبيره، ورواية (يا له من أحد جميل) التي تتداخل فيها الأحداث والأماكن تداخلا عجيبا ينم عن مهارة فنية عالية، تجري أحداثها في نفس المعسكر وذلك في شهر فبراير من سنة 1944ن وكان في العشرين من عمره، وكان يتقن اللغة الألمانية مما جعله يحظى من إدارة المعسكر، فكلفته بالمسؤولية عن المكتب المكلف بتنظيم العمل، وكان يقيم في البناية رقم 40 صحبة شيوعي فرنسي يدعى (فارنان باريزون) وفجأة يهرع هذا الأخير إلى ساحة المعسكر ويصرخ وعيناه إلى السماء (أيها الرفاق... يا له من أحد جميل).

فاتخذها عنوانا لروايته التي صدرت سنة 1980 بالفرنسية، ثم ترجمت إلى اللغة الاسبانية.

في كل رواياته السابقة يستند إلى تجربته الخاصة ليصف للقارئ جحيم المعسكرات النازية، ويقدم شهادات حية لمناضلين ومثقفين مناهضين للنازية قضوا أمام عينه جوعا أو بردا أو يأسا أو بسبب أمراض خطيرة أصابتهم نتيجة الاعتقال الطويل، فذاكرته تعبر عن جيله (وهم الضحايا الذين عاصروا تلك الحقبة على غرار الرسام الاسباني الكبير (غويا) الذي وقع لوحاته ومنحوتات تشهد على فظاعة الحرب. هذه الذاكرة أصبحت تاريخا وعلينا أن نتجاوز هذه المعضلة ببناء مشروع أروبي يستمد روحه من الذكرة ودروسها يجب أن نقدم للنشئ مشروعا طموحا يستذكر الماضي ويتجه نحو المستقبل" . ويرى أن الملل هو أكبر خطر يواجه أروبا إضافة إلى الخيبة وعدم الاكتراث.

أما روايته (فيديريكو سانشيث يحييكم) والتي صدرت بالفرنسية سنة 1993م فهي من الوجهة السردية مجموعة من الوقائع المتصلة بالتجربة الوزارية التي عاشها المؤلف بين 1988-1991م، ويأتي سرد هذه المرحلة من خلال جميع التفاصيل المثارة، كبيان متكامل بالحركات السياسية التي خاضها المؤلف ومجموع حكايات عنها، سواء تعلق الأمر بالأفعال والأقوال أو بالتصورات والعلاقات، وهي كثيرة وخصبة ومتداخلة عيشت بكامل الانجذاب وفي خضم تأثيرات متغايرة، أما تاريخ الكاتب فهو يحيل بالضرورة على فترة من النضال السياسي الاسباني في مواجهة الفرانكفونية، والأهم من ذلك أنه يحيل عليه كمغامرة ومسار نضالي وما تسرب في الوجدان عنه من ذكريات.

توجت العديد من أعماله بجوائز مهمة زيادة على ما ذكرناه فقد حصل على جائزة نوبل للسلام من الناشرين وبائعي الكتب الألمانية 1994م. وجائزة VACARESCO (فاكاريسكو) 1994) وجائزة الأدب لحقوق الإنسان 1995 عن الكاتبة أو الحياة، وجائزة نونينو الإيطالية 1999م وجائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع (المعرض الدولي للكتاب بالقدس) سنة 1997م. وميدالية غوتة (معهد غوتة في فايمر 2003) والميدالية الذهبية للاستحقاق في الفنون الجميلة 2008م.

كما انتخب عضوا في أكاديمية غونكور في باريس سنة 1996.

وكان قد حذر صراحة قبل وفاته من أن تتصاعد أسهم الشعوبية في اليونان وفي العديد من الدول الأروبية، ومعها أسهم التيارات اليمينية المتطرفة يجعل القارة العجوز اليوم في حاجة إلى تحرك إيديولوجي وأخلاقي جديد (المجلة الفلسفية) مرايا برس 24/6/2010م وبهذا استحق لقب "أحد ضمائر أروبا الحية".


- حوارا معه أجرته قناة EURONEWS يوم 1/7/2009.