كتاب"العربية" ليوهان فك :
عرض لجهد استشراقي في تحقيق لغة العرب

 

د.عبد القادر سلاّمي

لئن ارتبط مفهوم الاستشراق و(منه المستشرق )،بطلب علوم الشرق ولغاتهم وثقافتهم وفنونهم وعلومهم وعقيدتهم ومذاهبهم من حيث أصبح اليوم علماً له كيانه ومنهجه ، ومدارسه وفلسفته ودراساته ومقارناته ومؤلفاته وأغراضه وأتباعه ومعاهده ومؤتمراته، فاستوجب ، والحال كذلك، الوقوف على ما أنجز في مضمونه فهما علميا بعيداً عن التعصّب للمستشرقين أو ضدّهم وذلك بما يكفل عرض جهد تحقيقي لتراث العرب للمستشرق الألماني ( Johann Fuck ( في كتابه المميّز " العربية".

أولاً: التعريف بالكتاب :

يعدّ كتاب "العربية" للمستشرق الألماني "يوهان فك" ( Johann Fuck ( ، دراسة مستفيضة للغة العربية، ولهجاتها، وأساليبها، وتطويرها، وعوامل هذا التطور، ومظاهره، منذ تدوينها حتى العصر الذي نعيش فيه. وقد اتبع المؤلف "فك" في سبيل ذلك الوصف حينا، وطريقة الوصف التحليلي حينا آخر.

وقد ترجم الكتاب إلى العربية،وقدّم له وعلّق عليه وفهرس له الدكتور "رمضان عبد التواب" في ثلاثمائة وإحدى وثلاثين(331) صفحة، كما وقفت على نشره مكتبة الخانجي بمصر فصدر عن المطبعة العربية الحديثة بالقاهرة عام 1400هـ-1980م، والكتاب المذكور مقسم إلى تمهيد، يليه ثلاثة عشر فصلا، وملحق في مادة "ل، ح، ن" ومشتقاتها، والكتاب تتصدّره تعليقات للمستشرق الألماني "أنطون شبيتالر سبق وأن نشرها في الجزء العاشر من مجلة Bibiotheca Orientalis ما بين مايو ويوليو من عام 1953م عدّ فيها ما أقدم عليه يوهان فك في كتابه "العربية "عملاً لم يقدّم مثله من قبل"، وإن "سمح لنفسه بمناقشة بعض النقاط الأساسية ، التي لا يتّفق فيها مع المؤلِّف". 1 ويرى الدكتور رمضان عبد التواب في ترجمته الجديدة للكتاب "وفاءً لحقّ المؤّلف على قارئ كتابه"،إذ "كان المترجم الأوّل، قد ترك شيئاً غير قليل من هوامش النصّ بلا ترجمة،إذ كان يراه غير مهمّ للقارئ العربي"،كما كان يلخّص هذه الهوامش أحيانً، تلخيصاً شديداً". 2

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كتب " العربية" ترجم أوّل مرّة على يد الدكتور "عبد الحليم النجار" –رحمه الله-في مائتين وتسعين (290)صفحة، كما وقفت على طبعه دار الكتاب العربي عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين(1951م)، ومن تصدير الدكتور أحمد أمين، ينوه فيه بمدرسة "أوجيست فيشر" الألمانية، والتي يعدّ "يوهان فك" من نتاجها، كما ينوه بالمترجم الذي وفّق في نقل الكتاب إلى العربية رغم صعوبة أصله.والكتاب المذكور من تقديم الدكتور، "محمد يوسف موسى"، قدم من خلاله عرضا تحليليا للكتاب، كما نوّه بعمل المترجم، إذ جاء الكتاب كما لو أنه تأليف لا ترجمة وهو ما أقرّه الدكتور رمضان عبد التواب-المترجم الثاني- بقوله:" ولا شكّ أنّ أنّني أفدْتُ كثيراً من بعض الصياغة البارعة، والعبارات الطليّة، التي تغلّب بها المرحوم الدكتور النجّار، على جفاف الأسلوب الألماني وجمله المعقّدة". 3

ثانياً: مضمون الكتاب:

في تمهيده للكتاب:

يرى "الأستاذ فك" أنه كان من الطبيعي أن تكون لغة القرآن هي نقطة الانطلاق، حيث كان من نتائج التلاحم بين اللغة والدين الجديد أن خرجت العربية عن حدودها الإقليمية لتشمل العالم الإسلامي كلّه، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في إحياء ما يلي من لهجات البلاد المفتوحة، حيث بدت العربية مؤثرة ومن ثم متأثرة، غير أن هذا لم يمنع العربية من أن تكون مثلا أعلى يقتفيه كل كاتب عربي، خاصة وأن العرب -على مدّ وجزر ظروفهم التاريخية- جدّ حريصين على لغتهم، وغير راضين عن الخلط الذي أصابها. ولقد كان لوضع القواعد الإعرابية من قبل النحاة أثر بالغ في الحفاظ على اللغة العربية التي عرضت وتصوّرت في جميع مظاهرها: من أصوات، وصيغ، وتراكيب، ومعان، محافظة بذلك على مظهرها الثلاثي الذي جعل منها لغة متصرفة. على أن المؤلف "فك" يرى: أن الطريقة التي كان ينطق بها الأعرابي هي في ذاتها سطحية، إذ لا تكفي وحدها لتكون ميسما مميّزا للغة الفصحى دون غيرها من اللهجات الدارجة، واللغات العامية. على أن القالب اللغوي وحقيقته، كما يقول "فك" هو الذي يميّز الطابع الفصيح للعربية، مقدما بذلك شواهد قرآنية تثبت ما ذهب إليه:من مثل قوله تعالى: ) وإذِ ابْتلَى إبراهيمَ رَبُّهُ ( 4 وقوله تعالى: ) إنَّما يَخْشَى الله َمِنْ عباد ِ ه العُلَمَاءُ ( 5 وقوله : ) وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أولُواُ القُرْبَى ( 6 على اعتبار أن مثل هذه الاستعمالات القرآنية ممكنة في لغة ما زالت فيها المنعطفات قائمة، فمثل ذلك مواقع الكلمات في الآيتين المذكورتين وغيرهما كالاستعمال اللاتيني : « Matrem Amat Filia  » (الأُم َّ تُحِبُّ البِنْتُ)، غير أنه يعدّ هذه الاستعمالات القرآنية، التي تحتوي هي أيضا على مخالفات للقواعد العامة، في مستوى مغاير للشذوذ المختلف المراتب بالنسبة للتصرف الإعرابي في العربية الفصحى والمولدة، ويعزو التطور الذي أصاب اللغة العربية إلى نقلها خارج حدود الوطن العربي في مواطن أجنبية بواسطة غزوات الفتح الإسلامي في العهد الأول، الأمر الذي يضحد قول الغربيين من أن القرآن من وضع محمد (صلى الله عليه وسلم)، الأمر الذي يتنافى مع روح الإسلام. 7

وفي الفصل الأول : العلاقات في عهد الدولة العربية ( الأموية):

يبين المؤلف أثر الفتوحات الإسلامية في توحيد لهجات القبائل، الأمر الذي انعكس جليا على مقام اللغة العربية، وذلك بنشوء لغة تفاهم موازية، مستعينة بأبسط وسائل التعبير اللغوي وتبسيط للمحصول الصوتي، وصوغ القوالب اللغوية، ونظام تركيب الجملة، ومحيط المفردات، والتنازل عن التصرف الإعرابي، والاستغناء بذلك عن مراعاة أحوال الكلمة وتصريفها، وبناء على هذا، كان العربي يدرك التعديل بل المسخ الذي أصاب اللغة العربية ما إذا كان الناطق فارسيا أو نبطيا، فنشأ بذلك مبدأ "تنقية اللغة العربية" معتمدا على التربية والتعليم، ومتمثلا في حرص الآباء على تصحيح أخطاء أبنائهم، وبذلك رست أولى خطوات وضع القواعد النحوية حفاظا على سلامة اللغة العربية. 8

وفي الفصل الثاني : عربية الدولة ولغة الشعب في أوائل العصر العباسي:

يعرض المؤلف "فك" لدخول اللغة العربية مرحلة جديدة من مراحل حياتها، بسبب بعد العباسيين عن حياة البداوة بعدا كبيرا على عكس الأمويين من قبلهم، الأمر الذي أعطى للدوائر الإسلامية الجديدة فرصة التعبير عن نفسها. يتضح ذلك في شعر بشار، ونثر ابن المقفع، - وإن كان كلاهما قد نسج على طراز الأقدمين بصورة مقصودة- فها هو بشار بن رد يوظف في شعره عبارات شعبية من مثل زجاجة (قارورة) بمعنى "امرأة"، "لا دَهَل مِنْ جَمَل" أي " لا خوف من الجَمل". وقد مثل ابن المقفع ذلك بأسلوب مبسّط في نقله للأصول البهلوية، على أن هذه الفترة قد اتسمت كذلك بالإحساس العربي لضرورة "تنقية اللغة" على يد سيبويه، في حين بقيت "المدينة" بعيدة عن هذا الحماس. 9

الفصل الثالث : اللغة العربية في عصر هارون الرشيد:

يعرض هذا الفصل النهضة الجديدة التي عرفتها اللغة العربية بارتقاء الخليفة "هارون الرشيد" عرش الخلافة. هذه النهضة التي اقترنت بأسماء "الأصمعي"، وأبي عبيدة، والفراء، والكسائي، وما عرفوا به من امتثال للغة البدو كنموذج رفيع المنزلة، في حين كانوا على خلاف شديد مع اللغة الدراجة التي شاعت بين سواد الشعب العريض. ففي هذا الجو ازدهرت إلى جانب المعارف الحقيقية، شدة الذكاء، وسعة الحيلة، ولطف المدخل، وشهوة الغلبة، ودقة الاستعمال اللغوي. فها هو هارون الرشيد يدرك الفرق بين "أنا قاتل غلامكِ" على سبيل الإضافة، وبين "أنا قاتل غلامك" بالتنوين. وعلى النقيض من ذلك ظهرت الألفاظ الفارسية، وكثرت الألفاظ الدارجة في الشعر اتصلت خاصة باسمي "إبراهيم الموصلي"، و"مسلم بن الوليد". كما تميّز هذا العصر بقاء الاستعمالات الشعرية عند أبي نواس، وشهد ولادة أغاني من شعر الأدوار (المزدوجات)، وأبسط القوالب المزدوجة، وهو في الغالب في الرجز كأرجوزة أبي العتاهية على أن أبان بن عبد الحميد اللاحقي نسج في نفس القالب المطابق للمثنوي الفارسي. 10

الفصل الرابع : العربية المولدة:

يستعمل المؤلف "فك" اصطلاح "العربية المولدة" في هذا الفصل للدلالة على اللغة الدارجة في الاستعمالات العادية في نهاية القرن الثالث الهجري (القرن الثامن)، كما تشهد على ذلك النصوص المسيحية واليهودية، على اعتبار أن اليهود والنصارى بالمشرق ظلوا طويلا دون أن يكون لهم نصيب من الثقافة الإسلامية، لذلك لم يستخدموا لأول عهدهم بالكتابة العربية الفصحى، بل اللغة الدارجة في عصرهم، ويرى المستشرق "فك"، أن الطبيعة الحقيقية للعربية المولدة، والفرق الخاص الذي يميزها تجاه العربية الفصحى إنما يقوم على تغيّر في تكوينها، بعد ترك الإعراب من أماراته الظاهرة". 11

الفصل الخامس: العلاقات اللغوية في عصر المأمون وعقيدة الاعتزال الرّسمية:

في هذا الفصل، أخذ الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" مركز الصدارة في رسم الأحوال اللغوية في عصره، هذا المعتزلي الذي تنبّه إلى لغة الأطفال من استعمالهم: ووّاو بمعنى "الكلب" وماءما بمعنى "شاة أو خروف" ، وإلى لغة النبطي، والأهوازي، والخراساني، والزنجي، والهندي، فالنبطي يجعل: الزاي سينا، والعين همزة، والهندي يجعل: الجيم زايا، كما تنبه إلى الاختلاف بين اللغة والفارسية، وما يترتّب عن ذلك من ضيم (للغة على حساب أخرى) إذا ما اجتمعا في اللسان الواحد. ويستثني من هذه الدائرة "موسى الأسواري" الذي كان يحدث باللغتين بإتقان كبير- كما عالج الجاحظ عيوب اللسان والكلام من: لثغة، ولكنة، وتمتمة، وفأفأة، ولفّة، ولجلجة، وحبسة، يضاف إلى هذا كله التقعير، والتقعيب، والتشدّد، والتشدق والتشاق، خصائص لأولئك الذين يولعون بالتنوق والمبالغة في مضاهاة كلام البدو. ولقد كان لتضلع أبي تمام في المجال الشعري أثره البالغ في إضفاء حيوية جديدة على الشعر العربي القديم، في حين، ظلت أشعار الفرص والمناسبات أقوى تأثرا باللغة الدارجة والإطراد الذي عرفته على ألسنة المثقفين في القرن الثالث- التاسع، والفروق الواضحة في لغة المحادثة، وفقا لثقافة المتكلم، حتى أنه من الناذر أن لا يستعمل رجال في مناصب رئيسية جملا مخالفة للنحو عامة وكيف لا، والأتراك يتذمرون من التعليم، ولا يستندون إلى ثقافة علمية، نستثني منهم "الفتح بن خاقان". 12

الفصل السادس : العربية تصير لغة الأدب الفصحى في النصف الثاني من القرن الثالثالهجري-التاسع الميلادي:

يعرض المؤلف مرحلة النصف الثاني من القرن التاسع، وما صاحبه من انحطاط في المستوى العام للثقافة، وردود فعل حسنة انعكست على الأدب بشكل عام، تمثلت في جهود "ابن قتيبة" التجديدية، التي نصت على جملة من المعارف الإيجابية التي لا غنى للكتاب، والقائمين على الخدمة في الدواوين عنها في كتابه "أدب الكاتب"، وإن كان ابن قتيبة يقدّر جهود المعتزلة النحوية، إلا أنه يشدد عليهم من أنهم جعلوا دراسة القرآن والحديث، وأحكام الشريعة في المرتبة الثانية، وقد وصف" ابن قتيبة "الجهل المتفشي في أرقى الأوساط في عصره بالتاريخ، والأنساب، وانحطاط مستوى الثقافة لدى كتاب الدولة ووزرائها خاصة وقد أصبح العنصر التركي صاحب الكلمة في القصر. وفي معرض حديثه عن اختلاف المعاني، والصيغ المخترعة على عهده، يورد "ابن قتيبة" نماذج من تلك الاستعمالات الخاطئة، فالناس استعلوا لفظ "مأتم" بمعنى المصيبة أو الاجتماع على المصيبة، والمعنى الأصلي له، "إنما هو اجتماع النساء في الخير والشر"، وإبدالهم "فعاليل" بفعالل في جمع الرباعي، وقولهم "أخير وأشر" بدلا من : خير وشر . وفي مجال الشعر لم يرق البحتري مثلا إلى مستوى أبي تمام الفصيح الرفيع، في حين أن حالة الدارجة كانت أسوأ وأحط، وبذلك رجحت كفة الدارجة، بل وصار يعدّ من التقعّر احتداء لغة البدو، وخاصة الأعراب، الأمر الذي لا يساير روح العصر. 13

الفصل السابع : عربية الأدب في القرن الرابع – العاشر الميلادي:

يعرض هذا الفصل لمجرى القرن الثالث- التاسع، إذ أخذ الانتشار والنمو اللغوي، يطارد الفصحى التي نظم النحاة قواعدها، ويمعن في عزلها باطراد في جميع مناطق اللغة الدارجة، بيد أن اللغة الفصحى ظلت صامدة باعتبارها اللغة الفصيحة للأدب، وباعتبارها ذات قواعد ثابتة، ومعايير مقدّرة، وقد تمكن "قدامة بن جعفر" أن يبرز النتائج التي ترتبت على النمو اللغوي بالنسبة للأسلوب في الحد الزمني الفاصل بين القرنين الثالث والرابع في كتابه "نقد النّثر"، - فهو يفرّق بين الأسلوب السخيف- الملحون، والجزل الفصيح، فهذا من سمات الطبقات الحصيفة والمثقفة من العلماء والحكماء، وذلك من كلام الرّعاع والعوام، ويرى أن الفصاحة الكاملة، وصحة الإعراب، لا تتم إلا لأعرابي بدوي نشأ حيث لا يسمع غير الفصاحة والأصالة، فيتكلم حسب عادته وسجيته. 14

الفصل الثامن : العربية، ولهجات البدو في القرن الرابع الهجري-العاشر الميلادي:

يعرض هذا الفصل، تغيّر نظرة المثقفين إلى لهجات البدو بنفس المستوى الذي نضجت به طرق التعبير المولدة بين، الطبقات الوسطى والدنيا على لغة المجتمع الرفيع في بداية القرن الرابع -العاشر، وبذلك صارت اللغة الفصحى لغة الكتابة، الأمر الذي لا ينكر المستوى الرفيع للغة البدو إذا ما قورنت بلغة الرعاع والحضريين، ذات الطابع المولد، هذا ما نكتشفه من "بيان الهمذاني" الذي عرض مناطق نفوذ اللغة الحميرية، واللهجتين "المهرية والشحرية" في أقاليم عرب الشمال. ولقد كان أدعى إلى ذلك التطور (أي تغيّر نظرة المثقفين إلى لغة الأعراب) هذه الحقيقة الثابتة من أنه قد حلّ في ذلك العهد محلّ نشاط في الجمع والوصف الذي كان يقوم به علماء اللغة القدامى، علم للغة منظم تنظيما فلسفيا زاد الباحثين قوة وثقة من أنفسهم". ومن ذلك عمل الأزهري "في التهذيب وما أخذه على قبيلة هوزان" من الخطأ واللحن الفاحشين، وما أخذه "ابن جنّي" -مؤسس الاشتقاق الكبير- على الأعراب من تصادم مع أصول الصيغ والقوالب الفصيحة، ولهذا تراه يخصص في متابه "الخصائص" بابا مستقلا "لأغلاط الأعراب". 15

الفصل التاسع : العربية، واللغة المولدة في القرن الرابع :

يعرض هذا الفصل، دخول العربية المولدة عهدا جديدا في ظل انحطاط الدولة العباسية نهائيا إلى أكثر من عشر دويلات مستقلة، حيث أخذت العربية المولدة مميزاتها- وذلك حسب كل إقليم- هذا ما يتعرض إليه المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم" واصفا رحلته خلال العالم الإسلامي آنذاك محاولا كما يقول المؤلف "فك"، "تمييز كل إقليم من الوجهة اللغوية، بذكر التعبيرات المحلية الخاصة به"، غير أن مقام اللغة العربية ظل ثابتا من حيث هي لغة الأدب الوحيدة في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى إسهام الأقاليم في إقامة صرح الأدب. وفي حياة المتنبي خير دليل على ذلك، إذ كان مجالها بين العراق وسورية، ومصر وفارس. 16

الفصل العاشر : ظهور اللغة الدارجة في أشعار القرن الرابع-العاشر الميلادي:

يقدم الفصل العاشر، أمثلة من الاستعمالات العربية العامية في شعر القرن العاشر، وما كثر من الدّخيل والدارجة ببغداد، الأمر الذي كثر في أشعار "ابن الحاج"، بالإضافة إلى الألفاظ الفارسية مثل: لقلق وهو طائر، والفصيح "لقلاق" ومما يدل على قلق القواعد الإعرابية والتصريف استعماله (أي ابن الحاج) الوصي بالإشباع، أي اللبن الحامض، كما ظهرت في هذا العصر، "الموشحات" بأوزانها الحديثة المثيرة، ومقطوعاتها. هذا الاختراع الذي يعدّ "ثورة فنية" في الأسلوب على العروض العربي القديم. 17

الفصل الحادي عشر : "وصف المقدسي" للعلاقات اللغوية في المحيط الإسلامي إبان القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي:

رسم لنا الجغرافي المقدسي: خريطة لغوية للغة العربية في القرن العاشر، ويتحرى المقدسي الدقة في اختياره للمصطلحات المعبّرة- حسب يوهان فك"- في ذكره للغة الأقاليم: "يقصد إلى اللغة التي يتكلمها المثقفون لا لغة الشعب الدارجة، دعواه في ذلك: "أن أصح العربية يتكلم بها في المشرق لا في الإقليم الفارسي، لأنهم يتكلفونها تكلفا، ويتعلمونها تلفقا. الأمر الذي يبيّن المكانة التي احتلتها اللغة العربية في الشام، وإن كان المؤلف يرد ذلك نسبيا. وفي وصفه العربية في العراق، يقول المقدسي: "إنها حسنة فاسدة، أي أنها حسنة الوقع في الأذن دون مطابقتها لقواعد النحو، كما يصف اللغة القبطية (لغة أهل الذمة بمصر) بالركاكة والرخاوة، ويعد لهجة المغرب شديدة الاختلاف عن عربية البلدان الإسلامية، منغلقة وعسيرة الفهم، أما البربرية فلا يستطاع فهمها أصلا. 17

الفصل الثاني عشر : اللغة العربية في عهد السلجوقيين:

يعرض المؤلف "فك" في هذا الفصل، وضع اللغة العربية في ظل السلجوقي أو الحكم السلجوقي، حيث تقلصت حدودها أمام مزاحمة التركية، وخصوصا الفارسية التي صارت لغة سدة الملك، ولغة الأدب والشعر، وكثر بذلك التأليف فيها، حتى لقد ألف بها غير قليل من العلماء مثل، الوزير "نظام الملك" و "الغزالي". لكن اللغة العربية بقيت محافظة على كيانها بفضل جهود العلماء المتضافرة، وبما قدّمه: "أبو زكريا التبريزي" بشرحه وتبسيطه دواوين الشعر، والنصوص النثرية. وتلاه معاصرة: الحريري بكتابه: "الغواص في أوهام الخواص" في بعث العربية القديمة الفصيحة على أن الأستاذ "فك" يرى: أن المثقفين لم يكونوا بمعزل عن مثل هذه الأخطاء اللغوية" ويغزو ذلك إلى العامل المباشر المتمثل في انحلال الدولة الإسلامية ودخولها حروبا متتالية. 18

الفصل الثالث عشر : نظرة خاطفة:

يعرض هذا الفصل الانحطاط الكبير الذي عمّ ربوع الأقاليم، العربية، نتيجة السيل المغولي الذي أصاب في الصّميم بلدانا كانت لها الصدارة في قيادة ركب الثقافة والمدنية في العالم الإسلامي. على أن "مصر" أخذت على عاتقها بعث الحياة العقلية، الأمر الذي امتدّ مفعوله إلى سورية. لكن سرعان ما تردت الأمور بكشف طريق البحر إلى شرق الهند قصد التبادل التجاري، اكتمل باستيلاء العثمانيين على مصر، ومن ثم باقي المناطق العربية، ما عدا مراكش. وبإشراقة المرحلة الحديثة، التي تلت ذلك، والتي بدأت بحملة نابليون على مصر، وإدخال النظم العربية على يد محمد علي،" أدى إلى نشوء حركة التنقية اللغوية نشأة جديدة"، ليتعدى الأمر بعد ذلك نشر المؤلفات الكثيرة في النحو العربي، وما يليه من المعاجم العديدة الأجزاء، إلى العناية أكثر بالبحث في مسائل الاستعمال اللغوي، وصواب التعبير، وذلك بإنشاء المجامع العلمية في القاهرة، دمشق. وبذلك يكون جبروت التراث العربي التالد الخالد قد برهن على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها إلى زحزحة العربية عن مقامها المسيطر. 19

ملحق : مادة ل ح ن ، ومشتقاتها:

يتناول المؤلف في هذا الملحق، مادة ل، ح، ن ومشتقاتها، وتعدد دلالاتها، مع تطور اللغة العربية. فهو يقرر مبدئيا أن معنى اللحن اللغوي يتطلب أن يكون الصواب متقدما عليه. على أن تعريف اللحن على الطريقة القديمة هواه الخطأ اللغوي. وهذا التعريف الذي جاء نتيجة تواضع عرفي تغيير معناه الأصلي في وقت متأخر، وذلك أن مدلوله الأصلي : لحن (بالفتح) : مال . وفي مشتقات هذه المادة ما يدل على معان تتميز بالإشارة إلى الميل والتحول على الهيئة المألوفة دون أن يقصد منها الصواب، أو أن يؤدي الميل والتحول إلى الانحراف كما لا يعني هو "التحول إلى الصواب الحق" - فقد استعملت الكلمة بمعنى البيان، وللدلالة على الفطنة، والفناء، وحسن الصوت، أو الترتيل بالنغم، أو طريقة الأداء، أو النغمة الرئيسية في الموسيقى، أو الأسلوب المخالف للمألوف، أو بمعنى اللغز والتورية، أو التضليل و التعمية. على أن ورود اللحن "للدلالة على الخطأ اللغوي جاد في الشعر، وهذا على لسان: بن عبدل الأسدي بقوله : 20

ليت الأمير أطاعني فشفيته *** من كل من يكفى القصيد ويلحن

الخاتمة:

يعدّ كتاب " العربية" للمستشرق الألماني : يوهان فك" وقد وقعت عليه الأنظار أوّل مرّة سنة 1950م،" أوّل محاولة لرصد التحوّلات التي طرأت على اللغة العربية بسبب انتقالها من موطنها الأصلي إلى الأمصار المفتوحة، وقد أثار هذا الكتاب جدلاً ونقداً كبيراً حين صدوره تزعّمه الأستاذان فير وسبيتيلار.ومهما يكن من أمر فقد كان هذا الكتاب بداية ً لحركة دراسة تاريخ العربية وأنماطها.وانصبّت بعد لك الدراسات-سواء كانت مقالات أو كتب-على تحليل اللهجات العربية الحديثة وتقديم بعض التعديلات التاريخية لسلوك بعض العناصر اللهجاتية" 21 ، الأمر الذي يثبت أنّها( أي المقلات أو الكتب)لم تنسج على غير مثال سابق، ولعلّ ذلك مبرّراً إضافياً لعرض كتاب " العربية" على النّحو الذي قمنا به في السّطور السابقة

هوامش البحث ومراجعه:

1 - يوهان فك، العربية،تحقيق رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي بمصر،1400هـ-1980م ،ص5-6.

2 - المصدر السابق ،مقدمة التحقيق،ص 3-4.

3 -المصدر السابق،مقدمة التحقيق ،ص4.

4 - الآية124 من سورة البقرة.

5 - الآية24 من سورة فاطر.

6 - الآية8 من سورة النساء.

7 - يوهان فك: العربية،ص13-17.

8 - المصدر السابق ،ص18-58.

9 - المصدر السابق ،ص 59-92.

10 - المصدر السابق ،ص93-108.

11 - المصدر السابق ،ص109-118.

12 - المصدر السابق ،ص119-137.

13 - المصدر السابق ،ص137-149.

14 - المصدر السابق ،ص 150-159.

15 - المصدر السابق ،ص160-173.

1 6 - المصدر السابق ،ص174-188.

17 - المصدر السابق ،ص189-197.

17 - المصدر السابق ،ص 198-214.

18 - المصدر السابق ،ص215-237.

19 - المصدر السابق ،ص237-242.

20 - المصدر السابق ،ص243-255.

21 - كيس فرستيغ: اللغة العربية ،تاريخها ومستوياتها وتأثيرها، ترجمة محمد الشرقاوي،إصدار المشروع القومي للترجمة بإشراف المجلس الأعلى للثقافة ،القاهرة،2003م،ص 5.