شخصية العام الثقافية
صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
عبدالله محمد العويس
جاء اختيار صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي شخصية العام الثقافية المقرونة بجائزة الشيخ زايد تعبيراً نافلاً عن مكانة سموه في الثقافة العربية والإنسانية، فقد قدم المثل في ذاته، ذلك أن اسمه اقترن دوماً بالملحمة الثقافية الإبداعية التي يتموضع الكتاب في صدارتها، فإسهامات سموه في هذا الحقل الواسع لا تقتصر على رعايته وعنايته الدائمتين للبُنية المؤسسية الثقافية التي أصبحت تتمدد بقوة دفعها الاستثنائية، بل شملت كامل المرئيات الرائية لكيفية تفعيل هذه البُنى بحيث تكون بيئة إبداع خصبة ومتطورة.
لقد جمع الدكتور سلطان في دفتي مؤلفاته الكثيرة طاقة الفكر والخيال والإسقاط الفني والحوار الإنساني حتى إننا نستطيع الحديث عن قامة فريدة، وعقل مهجوس بالتأمل وإعادة إنتاج المعرفة والفيض بالجواهر والدرر.
اختيار صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي يتضمن عديد الدلالات الموازية، فرهان الثقافة والوعي اعتداد بقوة المعاني القادمة من حيوية الفكر والتاريخ، تلك التي تتألق الآن باحتياطيات من الحيوية وتجلي صروح العطاء الثقافي المنتشرة في الشارقة، وغيرها من أقطار، مما يمكن ملاحظة واستسبار آثارها الحميدة في كامل النتاج الثقافي المعرفي الذي يتواصل في توقداته وبهائه ليضع خطاً فاصلاً وساطعاً في الزمن الثقافي العربي، وليؤشر لطريق النماء والازدهار.
الثقافة وبناء الإنسان
يرى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أن بناء الإنسان يمثل ركناً من أركان النماء والتطور والمنعة، ولهذا السبب كان رهانه على الثقافة رهاناً على مكانة الإنسان الذي كرمه الله بالعقل والإدراك، ومنحه القدرة على الاختيار، فالإنسان المؤصل بنواميس الكون الجبرية، فاعل فيها قادر على التفاعل معها لما فيه خير البشرية، وهذا الإنسان ذاته يمكنه أن يتحول إلى كائن غير سوي إذا افتقد الحساسية الثقافية واستقراء ميزان الكون الذي أودعه الله في الوجود ليكون نبراساً لنا وعلماً، ولنتماهى معه إيجاباً واحتراماً، ولا يمكننا تحقيق ذلك إلا إذا أدركنا المغزى العميق لمتوالية العلاقة الإيجابية بين الإنسان والطبيعة مما يتمرأى في مستودع المعرفة والثقافة.
إن قراءة عابرة لمؤلفات سموه الإبداعية والبحثية كفيلة بأن تضعنا في هذا المعنى وأبعاده العامرة، فالتاريخ والجغرافيا رافعتان هامتان لإدراك ماذا يمكننا فعله إذا اخترنا درب الثقافة، وفيهما أيضاً عبرة لمن يريد أن يعتبر.
الشواهد على هذا المعنى العميق الذي كرسه سمو الشيخ الدكتور سلطان وسيّج أركانه تتمثّل في الدفق الكبير للمعطيات المعرفية الثقافية بأشكالها المتنوعة، فمن التفعيل الشامل للثقافة والفنون بدائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة، إلى الصروح الجامعية الرائية لمستقبل الأجيال، إلى منظومة الفعاليات الدائرية ذات النفس المفتوح والتي تنتظم ضمن مصفوفات سنوية وفصلية وأسبوعية ويومية لتحيل الشارقة إلى مهرجان ثقافي كبير، وصولاً إلى الحضور الإعلامي المرئي والمسموع والمقروء الذي ينقل هذا الزخم إلى أربع أرجاء المعمورة .. كل هذه الشواهد تؤشر إلى ماهية بناء الإنسان، وكيف يمكن تحقيق ذلك من خلال التواتر الراكز في التأصيل والتعليم والتثقيف، ومن خلال التفاعلية الإبداعية المستمرة والتي تذهب بعيداً في زمن الخيارات الثقافية السخية.
بيئة الثقافة والإبداع
حرص سموه منذ عقود من الزمن على ترجمة الرؤية إلى شواهد وأوعية حاضنة للثقافة، فكان الشروع في متوالية البناء، حيث المسارح وساحات الفنون والآداب والأندية والمعاهد، والمراكز المتناسبة مع المستويات العُمرية والاهتمامات المتنوعة، بالإضافة إلى جملة النشاطات التفاعلية التي تحتضنها بيئة الإبداع المتنامية والمزدهرة. هذه الحواضن العامرة بالإمكانيات والساحات والأروقة والتقنيات كانت بمثابة منصة انطلاق للتنويعات الفكرية الثقافية الإبداعية والفنية التي أصبحت تتمدد بقوة دفعها الخاصة بعد أن استبق سموه الفعل بالإشارة، والعمل بالرؤية، والممارسة بالإرشاد والرعاية، فأطلق العنان لخيول الفكر، وفتح المصاريع لطيور الإبداع، ووسع الملاعب لآلاف الزهور التي تتفتح، وعشرات المدارس التي تتبارى ، فانخرط الجميع في متوالية العطاء، ومتابعة الإنجاز، وانخطف الحالمون بالحلم، فأشرقت شموس ملونة، وطارت فراشات محلقة، وغردت نوارس خضراء، فالتمعت الشارقة بالضياء وأقواس قزح، فكان أن تحول التراكم الكمي إلى تحول نوعي ، ففاضت مدينة المرايا والجمال بآمادها صوب الزمنين العربي والعالمي.
فن إدارة دفة الحراك الثقافي
وبقدر ما اعتنى سموه بوضع التصورات وفتح الباب الكبير للتوجهات الفاضلة، لم يوفر وقتاً ولا جهداً في متابعة الحراك وإدارة دفة السفينة التي تنكّبت مشقّة السير في دروب المعاني وهي تذهب بعيداً صوب المدى الكبير، فقد حرص دوماً على مراجعة ما يجري، ومُناجزة ما سيأتي، وتذليل الصعوبات، وقبل هذا وذاك الانخراط العملي في زمن الإبداع الثقافي الشامل من خلال رواياته ومسرحياته وأبحاثه وتحقيقاته العلمية التاريخية الـمُحكّمة ليضرب المثل في ذاته، وليكون بحق ربان سفينة الثقافة، وليجترح مآثر لم يسبقه إليها مُعاصر، وليقدم لنا مجداً في زمن الحاكمية الرشيدة التي تضعنا في مثابتنا العربية الإسلامية والإنسانية التي نستحقها.
أدار سموه دفة الحراك الثقافي واضعاً بعين الاعتبار الثابت والمتحول في هذا الحراك، وقدم منهاجاً لكيفية التعامل مع المستجد في إطار الحفاظ على الـمُنجز بحيث تتحول ثنائية الثابت والمتغير إلى ثنائية تفاعلية إبداعية تتكامل فيما تتمايز، وتتواصل فيما تتفاصل. إنه منهج الوسطية الحكيمة التي تجعل من الراسخ الثابت سبباً لإنعاش الجديد المتجدد، ومن التقاليد والخصوصية متكأً للسفر إلى العالمية الرشيدة الحكيمة، ومن الأنا العربية الإسلامية سبيلاً لحوار بنّاء مع الآخر الإنساني، وهو الأمر الذي ترسخ تباعاً عبر ترجمات مؤلفات سموه، ومشاركات الشارقة الواسعة في الأسابيع والمهرجانات والمعارض الثقافية العربية والعالمية مما لا يمكن حصر تفاصيلها في عجالة عاجلة.
النموذج ومعنى الاختيار
تبلورت مرئيات سموه في مجال الثقافة من خلال سلسلة من الفعاليات المركزية التي تمثل مسارات كبيرة لروافد مستمرة على مدار العام، وعندما نضع خطوطاً عريضة على تلك الفعاليات المركزية التي تكرّست على مدى أكثر من عقدين من الزمان، فإننا نشير ضمناً إلى روافدها المستمرة على مدار العام، وسنضع هنا بضعة خطوط أساسية حول أبرز الفعاليات وعلى النحو التالي:
* معرض الشارقة الدولي للكتاب: درة فريدة في عقد اللؤلؤ الجميل لشارقة العطاء والنماء، هذا هو معرض الشارقة الدولي للكتاب ويُمثّل محطة خاصة في النشاط الثقافي الشامل للشارقة.. هذا النشاط الـمُتّصل دوماً بمرئيات وتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.. صانع المأثرة وراعي النهضة، والحريص على أن يكون حاضراً ومُشرفاً على المعرض.
للشارقة أن تفخر بهذا المنجز الذي يُمثل منصة انطلاق إضافية لمشاريعها الثقافية الطموحة، فمعرض الشارقة الدولي للكتاب ترسّخت تقاليده منذ عقود خلت، وأصبح يُشكل ملْمحاً فارقاً في التفعيل الثقافي الشامل والمتصل بالكتاب والمكتبات، كما توزّعت ساحات العطاء فيه لتشمل مئات آلاف الإصدارات ومئات دور النشر العربية والعالمية، ومنظومة واسعة من الفعاليات الفكرية والثقافية والفنية .. تلك التي تجد رجع صداها الواسع في وسائط الإعلام المتعددة كيما تكرس إشارات التداني من الحكمة، وعبارات المعاني النابعة من الخصوصية الـمُحلّقة في فضاءات الثقافة الإنسانية، وصولاً إلى مجد التاريخ.
توجيهات سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وحرصه الدائم على التطوير تبلورت في الدورة ووجدت رجع صداها في سلسلة من المفاهيم المرتبطة بالتنظيم والترويج والتفاعلية الثقافية.
* أيام الشارقة المسرحية: ملمح آخر للفعاليات المركزية التي تستمر بقوة دفع متصاعدة عطفاً على مرئيات ورعاية صاحب المأثرة والرؤية سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وتنزاح هذه الفعالية وصوب آفاق عربية وإنسانية لتكون الشارقة حاضناً كبيراً للمسرح العربي، وليكرم سمو الحاكم بإلقاء كلمة المسرح العالمي في يوم المسرح العالمي تعبيراً عن الوفاء والتقدير لدور سموه في دعم الحركة المسرحية.
* أيام الشارقة التراثية: ذات النفس العام للفعاليات المركزية الرائية لتنويعات المدار وتكاملية الاختيار، والحفاظ على الأصالة.
* بينالي الشارقة الدولي للفنون: تجربة فنية إنسانية تستطرد على الأكاديمي والمعاصر، وتنفتح على فنون الحداثة وما بعد الحداثة متميزة بآلياتها السنوية المستمرة.
***
تلك الفعاليات المركزية لها استتباعاتها وآلياتها المستمرة على مدار العام، ومنها تخرج الروافد الثقافية ذات الطابع المتغير والتي نذكر منها مثالاً لا حصراً: جوائز الإبداع، وملتقيات الثقافة والفكر والفنون، والمعارض العامة والخاصة، والأيام الثقافية العربية والدولية التي تحتضنها الشارقة، ومنتديات الحوار في مجالات الرواية والقصة والتشكيل والفكر، وغيرها من الفعاليات التي تمثل بمجملها استمراراً أصيلاً للفعاليات المركزية.
ما سبقت الإشارة إليه لوامح وبوارق مضيئة في أساس وتضاعيف الفعل المؤسسي الثقافي الكبير الذي كرسه وحرص عليه ورعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مما لا يتسع له المقام ولا المقال، ولهذا نكتفي بالإشارة قبل العبارة، ونترك الأمر لتداعيات الملحمة وآفاقها المتصلة بالزمان.
|