جبران.. المسكون بالأوجاع والأحلام
أضاء قناديل الأمل
عبدالمجيد إبراهيم قاسم
الأديب الذي نثر عطور الجمال فوق كلماته، وصاغها بمنتهى العذوبة, فتلاطمت كالبحر حيناً، وتدفَّقت كالينبوع أحياناً كثيرة، سافر كالنور في فضاءات شاسعة من الألوان والصور... ساطعاً كلون الشمس، هادراً بعنف السيول وقوَّة الزلازل.
إنه جبران خليل جبران... الذي استطاع أن يُبدع لذاته نهجاً متفرِّداً، كان الأقرب إلى القلوب، خلَّف إرثاً فكرياً وروحياً؛ غاية في السمو والرفعة، ارتكز على مقومات راسخة هي: المعرفة، الصدق، المحبَّة... ليدوِّن ذاته علامة فارقة في الأدب العالمي برمته.
جبران المسكون بالأوجاع والأحلام، من أضاء في الأعماق قناديل الأمل، وزرع فـي الأرواح بيادر اللبلاب، ونشر عطوره فـي مدارات الفكر.
أبصر جبران النور في/ 6 كانون الثاني سنة 1883/في يوم عاصف من أيام الشتاء الجبلي القارس، في بلدة (بشرّي) الغافية على سفح جبل الأرز في لبنان من أسرة فقيرة، والده «خليل جبران»، والدته «كاملة رحمة» كانت تعمل في الخياطة، تعلَّم مبادئ القراءة العربية والسريانية، والمبادئ الأولية للعلوم، وبعض التعاليم الدينية في مدرسة (الخوري سمعان) في (بشرّي). كان ملتصقاً كثيراً بأمه، التي تركت في شخصيته بصمات عميقة، والتي اكتشفت فيه فطرة الإبداع والميل إلى التأمّل.
وكانت طبيعة جبران هادئة، كان قريباً للحزن، محبّاً للوحدة، يقول جبران: «عندما ولدت كآبتي أرضعتها حليب العناية، وسهرت عليها بعين الحب والحنان، وعندما كنّا نغنّي معاً؛ أنا وكآبتي كان جيراننا يجلسون إلى نوافذهم مصغين إلى غنائنا لأن عناءنا كان عميقاً كأعماق البحر وغريباً كغرائب الذكرى». /المجنون/
تأثر في طفولته بالطبيعة الساحرة لمسقط رأسه (بشرّي) التي أوقدت وجدانه، وكان للعيون والشلالات والجبال والوديان؛ وللحياة البسيطة الوديعة تأثير كبير فيه وفي إبداعه.. يقول جبـران في إحدى رسائله: «وأجمل ما في هذه... هو أن أرواحنا تبقى خفاقة مرفرفة فوق الأماكن التي تمتعنا فيها بشيء من اللذة، وأنا من الذين يحفظون ذكرى الأشياء مهما كانت بعيدة ودقيقة، ولا يدعون خيالاً من خيالاتها يضمحل مع الضباب، وقد يكون احتفاظي بأشباح الأيام الغابرة سبباً لكآبتي وانقباضي في بعض الأحايين».
عندما ولدت كآبتي أرضعتها حليب العناية، وسهرت عليها بعين الحب والحنان، وعندما كنّا نغنّي معاً؛ أنا وكآبتي كان جيراننا يجلسون إلى نوافذهم مصغين إلى غنائنا لأنّ عناءنا كان عميقاً كأعماق البحر وغريباً كغرائب الذكرى
إنّ أعذب ما تحدّثه الشفاه البشرية هو لفظة (الأم) وأجمل مناداة هي (يا أمي) كلمة صغيرة كبيرة مملوءة بالأمل والحب والانعطاف، وكل ما في القلب البشري من الرقة والحلاوة والعذوبة
اضطرت عائلته تحت تأثير الظروف الصعبة للسفر إلى أمريكا عام 1895 والاستقرار في «بوسطن» حيث عملت والدته في شوارعها كبائعة متجوِّلة، ثم أُرسل ثانيةً ليتمَّ تعليمه في مدرسة الحكمة في لبنان، ويدرس اللغة العربية وآدابها سنة 1898 حيث بدأت ملامح النبوغ والذكاء تظهر عليه، وقد عُرف في تلك المرحلة بالتفوق والاجتهاد، وازدادت مدارات إبداعه اتساعاً، وأخذت مواهبه بالنضوج والتبلور، ثم عاد إلى «بوسطن» سنة 1902 بعد أن بلغه خبر وفاة أخته «سلطانة» ثم تَبعها أخوه «بطرس» بمرض السل، وبعد أشهر توقف قلب والدته عن الخفقان، وقال جبران عندها : « لم تعد أمّي تتألم».
يقول جبران في الأم: «إن أعذب ما تحدّثه الشفاه البشرية هو لفظة (الأم) وأجمل مناداة هي (يا أمي) كلمة صغيرة كبيرة مملوءة بالأمل والحب والانعطاف، وكل ما في القلب البشري من الرقة والحلاوة والعذوبة». / الأجنحة المتكسرة /
هذه الحوادث المفجعة التي توالت عليه ولَّدت لديه براكين حزن، وفجَّرت ينابيع حسرة، جعلته يعيش المرارة والألم، إلا أن فكرة الموت خلقت لديه روح المواجهة، وقوَّة التحدي، فأَثْرت الأحزان المستمرة نهر إبداعه، وخصَّبت الفواجع المتلاحقة روض كتاباته، واستطاع أن يحوِّل الحزن إبداعاً، وأن يصوغ المأساة لوحات تحاكي الفرح.
يقول جبران: «كلّما أعمل وحش الحزن أنيابه في أجسادكم، تضاعف الفرح في قلوبكم».
- «آلامكم هي الجرعة الشديدة المرارة التي بواسطتها يُشفي الطبيب الساهر في أعماقكم أسقام نفوسكم». / النبي/
سافر إلى باريس عام 1908 لدراسة الفنون بعد أن اشتدَّ ولعه بالرسم، وكان لـ (ماري هاسكل) دور كبير في سفره، حيث مكث هناك سنتين قبل أن يعود إلى نيويورك، ويطلب منها الزواج، حيث رفضت عرضه حتى لا تحدَّ من طموحه الإبداعي.
وهو هناك في المغترب كان قلبه في لبنان، نشر العديد من قصائده آنذاك؛ أفصح فيها عن الحنين إلى الوطن لبنان.
ويلٌ لأمة تحسب المستبد بطلاً، وترى الفاتح رحيماً, ويلٌ لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت في جنازة ولا تفخرُ إلا بالخرائب، ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع, ويلٌ لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها من الترقيع والتقليد
اللغة «مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر وفي التوقف الموت والاندثار»
بدأ جبران بأول مقال نشره بعنوان (رؤيا) وأول معرض للوحاته سنة 1904، وأصدر كتابه الأول «الموسيقى» عام 1905 ثم أتبعه بـ «عرائس المروج» عام 1906 الذي نشره له (أمين غريب) صاحب جريدة (المهاجر) العربية في نيويورك.
ثم بدأ نتاجه الأدبي يتدفَّق، فكان «الأرواح المتمرِّدة» سنة 1908 ثم «الأجنحة المتكسِّرة» سنة 1912 ثم « دمعة وابتسامة» في 1914 الذي ضمَّ مجموعة مقالات، كان يكتبها في زاوية منتظمة بعنوان «أفكار» ثم استبدلها بـ «دمعة وابتسامة»، ثم أصدر جبران « المواكب» عام 1919 وهي القصيدة الوحيدة التي اعتمد فيها جبران القافية والوزن و«العواصف» في 1920 بالعربية، وفي عام 1923 نشرت له (مكتبة العرب) في مصر كتاب «البدائع والطرائف».
تعرَّف إلى « ميّ زيادة» التي شجعته على الكتابة، وكانت مقالة «يوم مولدي» من عرَّفتها بجبران الذي أسرها بأسلوبه، وظلَّ يبادلها الرسائل فترة طويلة دون أن يلتقيا.
وكان جبران قد أتقن الانجليزية بفضل (ماري هاسكل) فأصدر باللغة الإنجليزية كتبه:
«المجنون» عام 1918، الذي استخدم فيه الرمزية والسخرية، و«السابق» عام 1920 و«النبي» - رائعة جبران التي تفيض بجمالية الصور، والكتاب الذي هزَّ ضمير العالم، ببساطته وعمقه، ودقة تركيبه وموسيقاه الشاعرية - عام 1923 والتي تُرجمت إلى أكثر من أربعين لغة، و«رمل وزبد» الذي استخدم فيه المثل، بما يعنيه من اختصار للفِكر عام 1926 و«يسوع ابن الإنسان» عام 1928، و«آلهة الأرض» عام 1931، ثم صدر له «التائه» عام 1932 و«حديقـة النبي» 1933 أي بعد وفاته، ودون أن يكمل «جنة النبي» الجزء الثاني منه، وفي /النبي/ المؤلَّف من (26) فصلاً يبوح خلالها بمجموعة من المواعظ في كلِّ ما يتصل بالإنسان من الحزن والفرح، والجريمة والعقاب، والصلاة والصداقة، إلى الحرية والموت، يقول في بعض فصوله:
- «الفرح والحزن توأمان لا ينفصلان، يأتيان معاً ويذهبان معاً، إذا جلس أحدهما منفرداً إلى مائدتكم، فلا يغرب عن أذهانكم أن رفيقه يكون حينها مضطجعاً على أسرَّتكم».
- «إنكم معلَّقون ككفتي الميزان بين ترحكم وفرحكم وأنتم بينهما متحركون أبداً، ولا تقف حركتكم إلا إذا كنتم فارغين في أعماقكم».
- «يجب أن تصبح المحبَّة في حياتنا كالشجرة العظيمة؛ تعانق بأغصانها اللطيفة المرتعشة وجه الشمس». / النبي /
كتب جبران في الحرية والمحبَّة والحياة، وعبَّـر عن توق الإنسان لها، وكتب في الشعر والنثر، وفي القصة والخاطرة، والرواية والنشيد والمثل، وكان صاحب وجدانية قويّة، اجتاز بها أرض الواقع، باحثاً خلالها عن كلمات يهتدي بها الإنسان.
واستأثر الخيال بجزء كبير من كتاباته، إذ مزج فيها بين الإنسان والطبيعة إلى درجة التوحّد، فبرزت الطبيعة بسحرها كعنصر أساسي في كتاباته ولوحاته، فهي الجنة التي ليس فيها حزن ولا ألم ولا ظلم، وطالما
كان جبران من فقدت دوحة روحه من أوراقها عند المغيب... كان يحاور الأزهار والطيور، يتألم لأنين الشجر، تهمي دموعه مع ترنيمة البلبل الأسير الطافحة بالزفرات، كان مولعاً بمناجاة الطبيعة، واستخدام عناصرها في كتاباته، فنراه يقول:
«هوذا الصُّبح يُنـادي فاسـمعـي
وهلمّـي نقـتـفـي خُطـواتـه
قد كفانـا مـن مسـاء يدّعــــي
أنّ نُـور الصُّبـح مـن آيـاتـه».
ويقول أيضاً:
- «كما تحلمُ الحبوب الهاجعة تحت الثلوج بالربيع، هكذا تحلم قلوبكم بربيعها». /النبي/
كان يؤمن بأن الحب أكبر الحقائق، بأنه أساس الحياة الحقيقية والفاضلة، فهو هبة الله للإنسان ليتطهَّر بها، ويرى جمال الوجود، وأن المحبَّة متلازمة مع الأبدية، فنراه يقول:
- «أوصيكم باسم الحب الذي يجمع قلوبنا أن تكونوا مسالك لا حصر لها، يتلاقى بعضها مع البعض الآخر في الصحراء، حيث تطوف الذئاب والنعاج، واذكروا هذا عني». /حديقة النبي/
- «أحبّوا بعضكم بعضاً ولكن لا تقيّدوا المحبَّة بالقيود، ولتكن بحراً متموجاً بين شواطئ نفوسكم». /النبي/
أثناء إقامته في أمريكا أصرَّ على هويَّته اللبنانية، وقام بحملة جمع تبرعات لأجل لبنان عام 1916 وكان سكرتيراً للجنة «إنقاذ سورية وجبل لبنان» كان يدعو لاستقلال لبنان واعتماد الشعب على نفسه، بعيداً عن الأتراك والفرنسيين والأمريكيين، وعالج من خلال مجموعة نصوص كتبها الأحداث التي تمرُّ بها أمته مثل (مات أهلي)، (في ظلام الليل) كان يقول: «الأرض لكم وأنتم الطريق ، قدِّسوا الحرية حتى لا يحكمكم طغاة الأرض».
- «أريدهم أن يعرفوا أن عرش السلطان الجبار مبني على رمل رطب، لماذا يركعون أمام صنم ملوَّث ما دام أمامهم فضاء لا حدَّ له». ويقول أيضاً:
- «ويلٌ لأمة تحسب المستبد بطلاً، وترى الفاتح رحيماً, ويلٌ لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت في جنازة ولا تفخرُ إلا بالخرائب، ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع, ويلٌ لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها من الترقيع والتقليد». /حديقة النبي/
فكانت معالجته للظلم الاجتماعي والديني والسياسي من أهم سمات الواقعية في أدبه.
عمل جبران على التجديد في اللغة، وعلى تطوير أدواتها، لأن اللغة التي تبقى على حالها بالنسبة له هي لغة ميّتة، واللغة هي التي تختار ألفاظها لكل زمان، حتى تتناسب وروح العصر وتساير تطوراته، ويعتبر جبران أن اللغة «مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر وفي التوقف الموت والاندثار».
كما أن جبران رفض المفهوم التقليدي للشعر، فليس الشاعر من يعالج كلماته في قوالب مسبقة الصنع، وليس من يلمُّ معانيه من قارعة الطريق، بل من يرى ما وراء الأشياء، ويغوص في الأعماق.
كان صادقاً في الدعوة لتحرُّر اللغة العربية من الشوائب، وفي محاربة الجمود والركود والتقليد، وثار على الأشكال القديمة والأوزان الموروثة في الأساليب والألفاظ والتعابير، فهو القائل: «إن اللغات تتبع مثل كلِّ شيء، سنة البقاء للأنسب».
لقد اصطفى جبران من اللغة الأساليب والألفاظ بغاية الدقة والدِّراية. فيقول: «في اللغة العربية قد خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة، لم أبتدع مفردات جديدة، بل تعابير جديدة، واستعمالات جديدة لعناصر اللغة».
- «إن اللغة كائن حي ينمو ويكبر، ثم يموت ويندثر، وليس موت اللغة يعني اندثارها، بل يعني أن تموت ألفاظ وتحيا ألفاظ أخرى، أن تموت عبارات وتأتي عبارات، وهذا هو السرّ العجيب لبقاء اللغات في الحياة».
عندما استبدّ به الداء وأحسَّ بدنو أجله, قال عندها: «أنا بركان صغير تم إغلاق فوهته» فكان يوم 10 نيسان عام 1931 من أكثر الأيام ظلمة في تاريخ الأدب، فهو اليوم الذي توفي فيه جبران في مشفى / فنسنت / في نيويورك وهو في قمّة مجده الأدبي؛ وعن عمرٍ يناهر 48 عاماً، ثم نُقل رفاته بعد أربعة أشهر إلى لبنان، ودُفن في / مار سركيس / قرب (بشرّي) التي كانت مرتعاً لصباه، ليعود إلى حيث بدأ، ولتنتهي رحلة مبدع، سكن القلوب وهزَّ المشاعر، مبدعاً في الألم كما في الحب. يقول جبران خليل جبران:
- « فقد وصل الجدول إلى البحر وأُتيح للأم العظيمة أن تضمَّ ابنها إلى صدرها مرة أخرى». /النبي/
- «... هي أن تسعى وراء شاعر؛ وإن كان يعيش وراء سبعة أنهر، وتهدأ في حضوره ولا تنبس شفتاك بسؤال، أن تعرف أن القديس والخاطئ أخوان توأمان وُلد أحدهما قبل الآخر بلحظة فقط، وهي أن تتبع الجمال حتى وإن قادك إلى حافة الهاوية، وإن كان مجنحاً وأنت بلا أجنحة عليك أن تتبعه، لأنه حيث لا جمال لا شيء هناك».
- «سيروا في سبيلكم وأنتم تغنّون، ولكن لتكن كل أغنية قصيرة؛ لأن الأغاني التي تموت باكراً على شفاهكم، هي وحدها التي تعيش في قلوب الناس»./ حديقة النبي/
- «كلمةٌ أريد رؤيتها مكتوبةً على قبري: أنا حيٌّ مثلكم، وأنا الآن إلى جانبكم، أغمضوا عيونكم، انظروا حولكم، وستروني...».
المراجع:
(1) جبران واللغة العربية - «أحمد الخوص». (2) البدائع والطرائف - الدكتور «نزار بريك هنيدي» - مقدمة الكتاب. |