صورة الرجل/ المرأة
مقاربة في الكتابة القصصية الإماراتية

 

رحاب الكيلاني

القصة الإماراتية انشغلت في بداياتها بالقضايا العامة للمرأة ضمن السياق الاجتماعي العام، ولم تنحز إلى القضايا الخاصة جداً بالمرأة والمرتبطة مباشرة بمعاناتها كونها أنثى لها خصوصية ومشكلة أزلية مع الرجل، فجاء خطابها القصصي في المرحلة الأولى وما تلاها خالياً من هذه القضايا الخاصة جداً والحساسة جداً. ونكاد نلمح صورة نمطية متشابهة في فترة تتجاوز العقدين.

صورة الرجل في الكتابات القصصية النسائية:

«في مجموعة (الرحيل) لشيخة الناخي، والتي تعتبر الأولى بين من شرعن في الكتابة في فن القصة سابقة حتى الرجل ـ لم يظهر سلوك شخصيات قصصها على نحو يبشر بانطلاقة نحو تغيير في هذا الواقع المتدني للمرأة عموماً»(1).

فقد تكررت صورة الفتاة الصغيرة في السن التي ترغم على الزواج في غالب قصص مجموعة شيخة الناخي، ثم جاءت الصورة ذاتها في (رحلة ضياع)، ولدى مريم جمعة فرج (جفول) ، وفي قصة (الزفاف الأخير) لفاطمة محمد، ونجد نفس التفاصيل في قصة (طفول وسيوف القبيلة) لسعاد العريمي، وتطرح أسماء الزرعوني في قصة (عندما يجف النبع) القصة ذاتها. اللافت في هذه العجالة أن الفارق الزمني بين قصة الرحيل لشيخة االناخي، وقصة أسماء الزرعوني أكثر من عشرين سنة. حيث ثبات نفس المفاهيم والمضامين الاجتماعية ونظرة المجتمع للمرأة(2). فقد جسدت هذه القصص جميعها صورة المجتمع القاسي بسلطتة الأولى المتعالية ضمن هذا الإطار الثلاثي (الأب، الزوج، الأخ) ، كممثلين للذكورة في أعلى تجلياتها السلطوية. وما كانت تعرض لصورة الرجل إلا لتصور معاناة المرأة معه.

ومع التقدم قليلاً في الزمن ومع بداية الألفية الجديدة نستطيع أن نرصد صوراً مغايرة قليلاً لتلك الصورة القديمة، لذا وعند البحث في مجموعة )أجزائي المتساقطة( نجد صورة رجل مختلف عما كان سائداً، فالمجموعة التي تحتوي على 13 قصة قصيرة، تسري في عروقها روح واحدة هي الإحساس بالغربة والوحدة والضياع، وإن بدت بعض بشائر التبشير والتمرد في بعض القصص، فقد حاولت أن تبث بذور التغيير واتساع النظرة الدونية، والخروج من الصور النمطية للمرأة، وإن كان ذلك بكثير من الرمزية، فلا نجد وصفاً واضحاً وخطاباً مباشراً، لذا تختفي صورة المرأة المقهورة المغيبة عن النص والحوار، وصورة المرأة المستلبة المهمشة التي تعيش في الظل خلف الرجل؛ لتظهر صورة امرأة واعية، ليس ذلك، فحسب، بل تعدى ذلك إلى التمرد ومحاولة صياغة جديدة في معادلة الأنثى/ الذكر، لذلك نلاحظ كسر هذه القاعدة في البناء القديم لصورة الرجل السيد الذي له الهيمنة والسلطة والكلمة الأولى والوحيدة.

في قصة (الفأرة) من مجموعة أجزائي المتساقطة، اتخذت القاصة من الفأرة معادلاً موضوعياً لصورة المرأة، في مقابلة ذكية بين صورة المرأة العربية في الحاضر ومثيلاتها في العالم، فقد رأت القاصة أن مشكلة المرأة العربية تكمن في أنها تتسلل خلسة وتأخذ حقوقها خفية، ولن يتم التغيير إلا إذا أخذت المرأة حقها بالقوة، واتحذت مثالاً على ذلك البيت الذي تعيشه، فالنساء يعشن في بيوت رجالهن ضيوفاً، أما المرأة الأخرى ـ في الغرب، فإنها صاحبة البيت، لذا على المرأة العربية أن تتفاوض ولا تيأس لأن الوضع لن يبقى كثيراً على ما هو عليه فستنقلب الموازين قريباً لصالح المرأة، تقول: «بعد وساطات عديدة قدمتها من الفئران في العالم عبر الإنترنت جاءني الرد من الفأرة التي تسكن بيتي، بأنها مستعدة للتفاوض معي ولكن بشرط أن أعترف أولاً أنها هي صاحبة البيت، وأنني أنا الذي أتسلل إليه خلسة كل حين»(3). هذا بالنسبة لطلبات وأحلام المرأة، لكن أين هو الرجل، إنه تخطيط خفي في غيابه، فالرجل هنا غائب عن سلطة الحدث وإرادته. فقد بالغت في تهميشه لدرجة أن المرأة تعمل بتؤدة وهدوء، بخلسة وحنكة من خلف ظهره، إلى أن يأتي اليوم الذي تجلس فيه أمامه على طاولة واحدة وتجعله يخضع لشروطها هي، ويعترف أنه هو الضيف في بيتها.
ومن ذلك ماجاء في كتاب (تحولات الخطاب في القصة النسائية): «لنرى قصص مجموعة (مواء امرأة) التي تتخذ من الرجل هدفاً للصراع حوله، وكذلك في مخطوطة (أوراق امرأة) حيث حاولت الكاتبتان: فاطمة الكعبي، وعائشة عبدالله، تبديل حالة التراتبية في الخطاب الذكوري لصالح الأنثى، وإعادة صوغ النظرة للمرأة كفاعلة اتجاه الرجل وليس كما كان في السابق الرجل هو الفاعل والمهيمن في حركة السرد والقص»(4).

وما هذا التغير في أشكال المضمون إلا جراء التبدلات التي لحقت بالمجتمع ـ الإمارات ـ فسيادة القيم الاستهلاكية أحدثت انزياحات اجتماعية وسلوكية، منتجة جيلاً جديداً مغايراً في أفكاره وثقافته للجيل السابق ـ الجيل المؤسس والوسيط، يقول الأستاذ عبدالفتاح صبري في الكتاب السابق ذكره: «وبالتالي انحازت القصة النسائية في الإمارات في مشهديتها الحالية تحديداً إلى الذات وجسدت الإحساس به، وبحثت في قضايا المرأة الجيدة، ليس القضايا الاجتماعية التقليدية التي بحثتها القصة النسائية المؤسسة أو ما تلاها فحسب، ولكنها اهتمت بالجسد أيضاً وبقضية الذكورة/ الأنوثة، وواجهتها وتمردت على تلك الأقانيم الذكورية»(5).

ومن هنا جاءت صورة الرجل الذي يلهث وراء العري، في قصة )تسويق للعري( مصورة رجلاً بلا مشاعر، بلا إنسانية، جسدت في صورته بخيلاً ينظر إلى مأساة الآخر بترفع فيرفع وجهه إلى السماء كي يبتعد عنه منظر العري ـ صورة العري المتمثل في عجز المتسول، صورت كيف أن المشاعر لا تنقسم، فهذا الرجل الذي يفلسف تعاطفه مع العاجز عاري القدمين المبتورتين، ليبرر قسوة قلبه هو نفسه الذي يلهث خلف الماديات، «إنه يصطنع العري والعجز لكسب عطف الآخرين..»..، ثم في مفارقة جميلة نجده يلهث خلف عري مكتنز، عندما تمر بجانبه صبية جميلة. «تحاول أن تغريها بأشياء كثيرة، لكنها ترفضك... هي تدفعك عنها، وتحيد عنك أكثر، إلا أن العري المكتنز داخل ثياب الفتاة يدفعك للهاث خلفها أكثر، وفي محاولة أخيرة تتخلى عن كل ما في جيبك من نقود، وتتنازل عن أشياء كثيرة لديك مقابل أن تنثر هذه الصبية ـ ولو للحظات ـ كل ما لديها من عري أمم عينيك»(6).

فلم تعد المرأة هنا ضحية رغبات الرجل، بل صورته بأنه أسير رغباته هو، وكشفت بذلك عن خسة هذا الرجل القاسي، الذي لا يرى في المرأة سوى جسدها، لذا جاء انتصارها عندما رفضته، وبالغت في احتقارها له، بأن حادت عنه، ودفعته بعيداً، ونستطيع أن نرصد صورة أخرى لدى قاصة ثانية، لكنها صورة تصب في ذات القناة ـ ذلك ما جاء في مجموعة عائشة عبدالله (ما بعد الطوفان) في (قصة الكابوس( ، سنرى االتماهي من الأنثى لإرادة الذكر وانصياعها لجبروته برضاها «اشتمت رائحة الذكورة منها، أزكمت الرائحة أنفها، انتعش جسدها، استسلمت صاغرة لما يفعل بها»(7).
القصص المشابهة تجعل الرجل يفعل ويتصرف ويدير هو مركز العمليات كما يهوى، ولكن الأنثى هنا هي مركز العمليات.. «وهنا يكمن الجديد في مضامين القصة النسوية الإماراتية الجديدة، في السابق في التجارب المؤسسة هي رصدت المعاناة والآن تتمرد»(8).

لكن هذه الحرية التي استطاعت المرأة في العصر الحالي أن تغتنمها، لم تكن دوماً تصب في اتجاه مصالحها، صحيح أنها استطاعت التمرد، والخروج على بعض الأنساق السائدة، وأن تمتلك بعض الحرية الاقتصادية نسبياً ولو على الأقل، إلا أن ذلك أنتج مشاكل جديدة، منها مشكلة العنوسة، التي أفرزتها البيئة الجديدة، وهي ضريبة التقدم والتحرر، جاء في كتاب (صورة المرأة في القصة الإماراتية): «أقانيم المجتمع السائدة مازالت تحدد وضعية خاصة للمرأة إلى الدرجة التي نجد فيها المرأة المتعلمة تعليماً جامعياً حظها أوفر من العنوسة عن مثيلاتها التي لم تحظ بدرجة من التعليم»(9).

ففي قصة (الانفجار السكاني)، نجد المفارقة الذكية، فالشخصية أستاذة محاضرة في علم الإسكان، تدرس ظاهرة تزايد عدد السكان، إلا أنها لم تستطع أن تجد شخصاً واحداً يؤنس وحشتها، «تحتقن بالدموع، تفكر في ذاتها، هي تلقي الضوء على مشكلة التفاقم السكاني في العالم، وتحاول أن توجد لها حلاً عبر محاضراتها وأبحاثها، منذ أن حصلت على شهادة الدكتوراه في علم الإسكان، في المقابل فإن حياتها لا تزال قاحلة من شخص واحد فقط ينهي سني الجدب التي أكلت ربيع شبابها، ويؤنس وحشتها في هذا الزحام المخيف»(10). فمع اتساع المجتمع وتباعد أركانه يزداد إحساس الفرد منا بالوحدة، فالوحدة والخوف تنبع من الذات وتتجه بعمق نحو الداخل.
وهذا الانعكاس في النظرة للمرأة المتعلمة يبرز مدى المعوقات الجادة في سبيل تحرير المرأة من عبودية الرجل.

أما في قصة (ثوبي الذي يمتد ورائي طويلاً) تطرح القاصة قضية التقاليد التي أثقلت كاهل الأنوثة عبر قرون طويلة، فهذه التقاليد وهذه القيم الموروثة ما نمت ولا ترعرعت إلا بسهر مجتمع أحكم القبضة عليها وصار يغذّيها ويكبرها ليتأكد من محاصرتها لجنس النساء. بالطبع استخدمت القاصة صورة الثوب الذي كلما كبرت كلما اتسع وحاصرها ليمتد خلفها ويثقل كاهلها، «لا أذكر نفسي إلا وأنا منحشرة داخل هذا الثوب الخرق». حتى صار ثوبها خليلها الذي يرافقها مثل روحها لدرجة أنها صارت ترقعه من هنا وهناك، «وأنا أرقعه من هنا وهناك حتى لا أدع عري جسدي النحيل يؤذي عيون الآخرين». لكن هذا الثوب وهذه القيود القاتلة التي حاصرت النساء هي نفسها التي فتحت طاقات نور على عوالم جديدة، «كان الثوب في كثير من الأحيان يساعدني على المسير قدماً فيحلق بي مع النسمات وأطير معه بعيداً بعيداً».
ولذلك تأتي الخاتمة المبشرة بأن الحال لم يعد على ما كان عليه سابقاً لم يعد قيدها يكبلها في مكانها، بل إن الثوب نفسه بدأ يتراجع للخلف هذه المرة.

«أشعر بثقل رهيب يكبلني، أتسمر في مكاني، أشعر بشلل يثبت قدمي في الأرض، ثم ما ألبث أن أتراجع خلف الثوب الذي يتدحرج إلى الوراء هذه المرة»(11).

إن هذه القصة تذكرنا بقول الأستاذ عزت عمر وهو في صدد قراءة قصة (القتلة) من مجموعة (مواء امرأة) لفاطمة الكعبي حيث يقول: «إن هذه الذكورة ما انفكت تنجب ذاتها في نسخ متشابهة، من حيث الموقف من المرأة المستلبة أصلاً، لأنها منذ لحظة وعيها الأولى تعيش عقدة الأنوثة، فيسكنها الخوف، ويصاحبها الألم الذي سوف يستنزفها حتى النهاية»(12).

أما في قصة (ظل) التي تحكي عن هذيان رجل يقف تحت شمس حزيرانية شديدة الحرارة، فالرجل يبدو فيها رجلاً مازال يعيش أوهامه التي ما أيقظته منها شدة الحرارة، بل عملت على تغذيتها، فهو لا يزال يرى امرأة غير موجودة إلا في خياله هو يشتم منها رائحة أنوثة طاغية: «القامة الهيفاء التي تقف بمحاذاتي تلقي بظلالها على روحي المحترقة، وتطغى رائحة الأنوثة المنبعثة منها على رائحة العرق المتصبب من الأجساد»(13)، تصور الرجل الذي ما زالت شهوته تسيطر عليه فلا يرى غير جسد فارع، ورائحة أنثوية. هي ذات النظرة الذكورية! لكن أوهامه ستضيع كما السراب،: فجأة تضيع الفتاة من أمام ناظري في معمعة الزحمة، أحسست بجمر يحط على رأسي، تنبهت عندها أنني كنت واقفاً خارج المظلة»(14).

وهكذا رأينا كيف أن المرأة في قصتها الجديدة، استطاعت أن تلج تفاصيل عملية التحول التي طرأت على المجتمع، فرصدت صورة الرجل الذي تطور على ما يبدو إلا أنه مازال متحفظاً على الكثير من التراث المتغلغل في عروقه من جهة نظرته للمرأة، لذلك جاهدت القاصات على تعريته.

لكن ماذا عن نظرة القاص الإماراتي للمرأة؟ هل احتفظت بصورتها التي طبعت فيها قصص البدايات ـ قصص مرحلة التأسيس والمحافظة على القيم الأصيلة؟
أم أن نظرة الرجل قد تغيرت أيضاً؟
هذا ما سنقرؤه في المحور الثاني من هذه الدراسة.

صورة المرأة في كتابات الرجل القصصية:

لم يعد هنالك مجال للشك أن القصة قد عالجت مشاكل اجتماعية متعددة، وإن كانت من جهة أخرى قد عملت على ترسيخ قيم أخرى، فقد عكست القصة الإماراتية، نظرة المجتمع بسلطته الذكورية المتسلطة لامرأة مهمشة، لا تذكر إلا ليذكر من حولها العار والخزي والدونية والشعوذة والتخلف والنقص. إما من خلال نظرة المجتمع بأكمله إليها، وإما بنظرتها هي ذاتها إلى نفسها بدونية ونقص. مما أدى إلى خلق ثقافة خاصة بالمرأة توارثتها الأعمال الأدبية جيلاً بعد جيل.

وكما رأينا في المحور السابق لم تتمرد على هذه الصورة إلا الكاتبات الجديدات اللاتي جعلن من الرجل محوراً لقصصهن وبدأن بتعديل صورة المرأة لديهن في مواجهة سطوة الرجل، لكن ماذا عن صورتها هي عند الكتابات الجديدة للرجل الكاتب؟

من اللافت أنه لا توجد كتابات قصصية لشباب جدد في مواجهة فيض كتابات النساء الجديدة، وهذه قضية يجب بحثها في غير هذا البحث.لكن تطالعنا من بين الكتابات القليلة التي استطعت الحصول عليها تجربة محسن سليمان في مجموعته القصصية (خلف الستائر المعلقة).

وبعد قراءة مجموعته نستطيع أن نستحضر صورة المرأة لديه بما يتساوى مع الصورة النمطية للمرأة في الكتابات القصصية بشكل عام، فهذه المرأة أنثى مشتهاة يتطلع إليها الرجل فقط لكونها مكتنزة بأنوثتها، ويبدو من اللافت أيضاً أنها هي أيضاً لا ترى في ذاتها سوى هذه الأنثى المشتهاة، ففي قصة (هذيان)، وهي القصة الأولى في المجموعة يحتل هاجس الخوف والتوجس هذه المرأة التي وجدت نفسها فجأة داخل الأتوبيس المتجه إلى مكان ما وحدها مع السائق وشاب ينظر إليها برغبة ملحة، حيث تستولي عليها لحظات الخوف والتوجس عبر هواجس مريضة سيطرت عليها وعلى عقلها من خلال هذا المأزق المغلق والمحاصر: «لم يتقو الكبت في صدرها على تلك الهواجس.. فكانت تخرجها مع الهواء المتدفق بقوة من البلور المكسور.... ضغطت على أذنيها بقوة.. ثمة همهمة حزينة خنقتها وكأنهم لايزالون يركلون بأرجلهم على الأبواب، قبل أن يندفع أحدهم ويلصقها على الجدار...وصل الأتوبيس محطته الأخيرة ونزل الرجلان... شعرت بصمت زاد من رعبها»(15).

نرى أن القصة تجسد لقطة تتسم بالخوف والترقب عند المرأة، حين تشعر أنها قاب قوسين من الهاوية، وهذا ما يجسد العلاقة غير المكتملة التي تربط بين أفراد المجتمع الانتقالي المغلق، فهو يصور المرأة وهي مازالت تنظر إلى نفسها على أنها جسد فقط، وأن نظرات الرجل ـــ أي رجل إليها ما هي إلا نظرات طمعه في جسدها وانتهاكه، حتى إن نهاية القصة لم تخرجها من حالة الأنوثة المرغوبة والملاحقة فهناك آخر ينتظرها«كان ينتظر في الجهة المقابلة، أقرب من الرجلين منها.. أسرع إليها قبل أن تهذي من جديد»(16).

أما في قصة (.. يوم.. سهل.. ممتنع...) نلتقط صورة الفتاة المتحررة التي أنتجها المجتمع الجديد بانفتاحه على ثقافات مختلطة، حتى صارت الفتاة الحديثة خليطاً من ثقافات متعددة، ضاعت فيها القيم العربية التي توارثتها، نرى امرأة متزوجة، تصاحب الراوي في سيارته وتتصرف كما لو كانت هي صاحبة كل شيء، وتبرر تصرفاتها تبريراً حسبما تراه مناسباً لها، فهي تخرج من وراء زوجها لأنه يهملها مع أنه طيب، «كل الحق على والديّ زوجاني صغيرة، و... (بس أحمد زين.. طيب وايد) لكنه يهتم بالسيارات والسفر أكثر مني.. يأتي للبيت منهكاً وينام وحيداً.. ماذا يريدون مني بعد كل ذلك..»(17).

رغم أن القصة تبدو في ظاهرها تهاجم هذه الفتاة المتحررة «بدت لي كمعظم فتيات الجيل.. أكثر تحرراً وجرأة»، وتصورها بأنها مستهترة لعوب، إلا أنها تكشف أيضاً عن صورة مجتمع مختل الأركان، زوج غائب، وأسرة منحلة، حتى إن الراوي نفسه كطرف آخر في العلاقة يمثل صورة المجتمع الجديد بكل أبعاده وتناقضاته، فهو يمور بالرغبة اتجاه الأنثى، ولا يتوانى عن اشتهائها وإلا كيف نفسر استسلامه أمام تحررها المبالغ؟!
أما في قصة (خلف الستائرالمعلقة)، والتي تحمل عنوان المجموعة يجسد الكاتب رؤية المسكوت عنه في هذا البيت سيئ السمعة المكون من عدة طوابق تدار جميعها للدعارة، راسماً صورة المرأة الخاطئة الآثمة التي تمتهن الرذيلة، ونفس الصورة للرجل الباحث عن متعة، مهما كان نوع وشكل هذه المتعة.
حيث يتنقل الراوي بين أدوار هذه البناية بعد أن مرّ توّاً بتجربة جنسية مع إحداهن، تحاول كل من تراه من الفتيات جذبه إليها ـ ونلاحظ هنا أيضاً أنه لا يرى إلا أن المرأة تبحث هي الأخرى عن المتعة الجسدية كما يبحث عنها، لدرجة أنهن يتجاذبنه كل واحدة تريد استئثاره لنفسها ـــ لكنه يتنصل منهن حتى تقابله حبيبته (ستارة) ، والتي تعمل هي الأخرى في نفس المكان، وحين يجابه الموقف لأول مرة وجهاً لوجه، ويرى هذا الكهل القبيح يخرج من وراء الستارة، يحس بعظم المأساة التي وقع فيها، وتأتي النهاية مفتوحة لتوضح الدلالة التي أرادها «شعرت بأنني بين الحقيقة والحلم، خرجت الفتيات من خلف الستائر المعلقة، يلعقن جراحهن... خرج خلفهن الرجال.. ويلي وكأني أخطأت المكان»(18).

لاشك أن هذه النهاية المفتوحة والتي تكررت كثيراً في معظم نصوص المجموعة تضيف أبعاداً نسبية عند القراءة والتلقي حيث تتغير النظرة إلى النص بين متلق وآخر، من خلال عملية التلقي ذاتها(19).

أما في قصة (وجه وتفاحة) نرى صورة الرجل المتأزم الباحث عن حبيبته التي لم تأت، يصور امرأته بأنها مراوغة، تعد وتخلف: «انتظرتها قرابة الساعة ولم تصل»(20). فتحت هذه القصة أقانيم الأزمة في ذات الرجل، وفي الأنثى كطرف آخر في معادلة الذكر/ الأنثى، هي أزمة الرجل الباحث عن أنثاه غير الصادقة، والتي أخلفت وتركته في مهب أحلامه وأزمته.
نرى أيضاً نفس الصورة للمرأة المرغوبة المتخيلة من بطل قصة (في مهب الريح) المرأة الجميلة التي يحلم بها، وتداعب خياله «يأخذ شلال شعرها في الهيجان.. يموج جبينها ويتخبط مثل قارب في محيط.. ترتفع إلى العينين تكمل الارتفاع.. شيئاً فشيئاً حتى الذقن»(21). يتحيل أنثاه تحتاج إليه كما يحتاجها، تنتظره مثلما ينتظرها: «بدت تراقبني باضطراب.. شعرت بالذنب»(22). وينهي حلمه الذي لم يحدث: «أستلقي قبل المنام... أعيد أحداثاً لم تحدث... وذكريات ليست كالذكريات..»(23). هذا الهوس من البطل بامرأة وهمية، وتعالق لم يحدث أساساً يتم عن وعي ذكوري من الكاتب نحو بطله الذي يجعله يفكر في الأنثى كرغبة تحاصره في خياله، ليعيش حالة من الصدق الفني الذي لم تحدث حتى داخل القصة نفسها، هو تسلط ذكوري على العلاقة المقترحة بين الذكر والأنثى.

تسلط يجعله يضخم من ذاته الذكورية لدرجة تجعل من الطرف الآخر أيضاً لا يرى فيه سوى قوة الذكورة، وعنفوانها.
وكأنه يسقط من إحساسه ورغبته العارمة على امرأة / أنثى وهمية، متخيلة، لنرى بعينه ما يحب أن يراه هو فيها.

الهوامــش:

(1) عبدالفتاح صبري ــ صورة المرأة في القصة النسائية الاماراتية، مقاربة أولية منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ص 50.
(2) صورة المرأة (المرجع السابق) ، ص 51.
(3) ليلى سالم الصم، أجزائي المتساقطة، دائرة الثقافة والإعلام ـــ الشارقة، 2005، ص6.
(4) تحولات الخطاب في القصة النسائية الإماراتية، (مرجع سابق) ، ص 28.
(5) نفسه، ص 32.
(6) أجزائي المتساقطة، (مرجع سابق) ، ص80.
(7) عائشة عبدالله محمد، ما بعد الطوفان، دائرة الثقافة والإعلام ـــ الشارقة، 2003، ص01.
(8) مدخل إلى القصة القصيرة الاماراتية، (مرجع سابق) ص 33.
(9) صورة المرأة، (مرجع سابق) ص 42.
(10)أجزائي المتساقطة، (مرجع سابق) ص 13.
(11) أجزائي المتساقطة، (مرجع سابق) ص 25.
(12) عزت عمر، القصة القصيرة في الإمارات ـــ الأصوات الجديدة، وقائع ندوة، دراسة: صورة الرجل في الكتابة القصصية النسائية الإماراتية، دائرة الثقافة والإعلام ـــ الشارقة، 2005، ص88.
(13) أجزائي المتساقطة، (مرجع سابق)، ص 93.
(14) نفسه، ص 94.
(15) محسن سليمان حسن، خلف الستائر المعلقة،دائرة الثقافة والإعلام ـــ الشارقة، 2004، ص 10.
(16) خلف الستائر المعلقة، (المرجع السابق) ص 10.
(17) نفسه، ص 57.
(18) خلف الستائر المعلقة، (المرجع السابق) ص 45.
(19) شوقي بدر يوسف، مجلة الرافد، مقالة: مجموعة خلف الستائر المعلقة والكتابات الجديدة في الإمارات، العدد: 137، ص 98.
(20) خلف الستائر المعلقة، (مرجع سابق) ص 50.
(21) نفسه، ص 14.
(22) نفسه، ص 14.
(23) نفسه، ص 14.