النص المفتوح وقراءة الألغاز
أو
«أريانة» والتوظيف الحكائي للتصوف

رشيد الإدريسي

من بين أكثر الثنائيات أهمية في مجال التحليل السيميائي، ما سماه رولان بارت بالنص المقروء والنص المكتوب؛ وهي ثنائية اعتمدها هذا الناقد للتمييز بين النص «الكلاسيكي» والنص الحديث. والمصطلحان في هذا السياق السيميائي يجب فهمهما بعيداً عن التراتبية الزمنية، إذ هما لا يرتبطان هنا بالتسلسل التاريخي بقدر ارتباطهما بقيمة النص الأدبية؛ ذلك أن المعنى في النص «الكلاسيكي» حسب هذه الرؤية متجمد نسبياً ومغلق، بينما الثاني مفتوح على إمكانات عدة، ويتطلب من المتلقي أخذ المبادرة لإعادة بناء النص على المستوى الدلالي، أي كتابته من جديد. ويمكن تقريب هذه الثنائية من خلال ثنائية أخرى ذات علاقة بالاقتصاد وهي ثنائية المستهلك والمنتج؛ فالنص «المكتوب» يجبر القارئ على المشاركة في «الكتابة» والتورط فيها وبالتالي المشاركة في إنتاج الدلالة، بينما النص «المقروء» يكتفي المتلقي باستهلاكه وبالتالي «يبقي عليه كما هو».
ورواية «أريانة» للميلودي شغموم تندرج ضمن هذه العينة من النصوص المفتوحة بشكل قصدي، ولذلك فقراءتها للوهلة الأولى ليست بالأمر السهل. والذي يسمح لنا بالتعامل معها من هذه الزاوية، واعتبارها رواية مفتوحة بشكل مقصود، هو حديث الراوي البطل عن العلامات والألغاز، مما يوحي بأن أية قراءة تقف عند استهلاك النص والإبقاء على عناصره كما هي، تعتبر قراءة سطحية. هذا الاستنتاج يؤكده منطق الرواية ذاتها، والتي يتحول فيها الراوي أحياناً إلى ناقد يوجه القارئ ويهبه مفاتيح تسمح له بفك الشفرات، كما يعمل على تضليله، أحياناً أخرى، بالإكثار من التلميحات والإشارات والرموز...
وهذه الخاصية تجعل من رواية «أريانة» عملاً أدبياً شبيهاً بالكتب التي تحدث عنها ليو شتراوس، في مؤلفه « الاضطهاد وفن الكتابة»(1)، والذي يتحدث فيه عن علاقة الفلسفة بالسياسة. وهي الكتب التي أطلق عليها اسم الكتب الباطنية التي تتضمن على الأقل نوعين من المعرفة؛ الأولى معرفة شعبية باعثة على الاعتبار وذلك على المستوى الأول، والثانية فلسفية تتعلق بالقضايا الأشد أهمية والتي لا يشار إليها إلا فيما بين السطور. وإذا كان تعدد مستويات المعنى محتملاً بالنسبة للكتب التي تحدث عنها شتراوس، وهي كتب فلسفية ينطلق أصحابها في أغلب الحالات من رؤية عقلانية نقدية هدفها تبليغ الفكرة بوضوح تام، فإن الأمر أكثر احتمالاً بالنسبة لنص مدرج في خانة الأدب الذي من أخص خصائصه الانفتاح وإعطاء المبادرة للقارئ في عملية فك الشفرات. وروايات الميلودي شغموم و«أريانة» لا يمكن مقاربتها إلا من خلال هذه الرؤية.
إن التعامل مع النص بوصفه عملاً مفتوحاً يقبل الإفصاح عما بين سطوره دون افتئات عليه، يكتسب مشروعيته أكثر عندما يستند المتلقي إلى قراءة واختبار دقيق ومفصل لملفوظات النص قبل الشروع في عملية التأويل. وذلك لأن النص بوصفه كلاً، يجب أن يهب المشروعية لهذا النوع من القراءة حتى لا تتحول إلى عملية لقراءة الذات من خلال النص. نقول ذلك ونحن نعلم أن هذا النوع الأخير من القراءة قد يقبل عندما تتشابه شروط إنتاج النص لدى المؤلف، وشروط تلقيه لدى القارئ. فالأمر هنا لا يعتبر نوعاً من الإسقاط الدلالي على النص، بل على العكس من ذلك هو نوع من القراءة الناجحة تخرج من النص أقصى ما يمكن من الدلالات.

عَقد القراءة
إن عقد القراءة الذي تقيمه رواية «أريانة» مع المتلقي، كما تنص على ذلك الكثير من الإشارات التي يصرح بها الراوي، يؤكد على ضرورة القراءة الباطنية الصوفية، أو القراءة التأويلية السيميائية التي تبحث عن معنى خفي من خلال المعنى الجلي الذي لا يعتبر سوى جسر يعبر عليه للوصول إلى الهدف.
فحين لم يستطع العربي الشيهب بطل رواية «أريانة» تحديد من تكون عشيقته التي يلتقيها دوماً في نفس الوقت ونفس المكان، ويركب معها نفس سيارة الأجرة ويقطع معها نفس المسار، سيكتب بوصفه صحافياً، نصاً عبر فيه عن كل ما يحدث له معها ونشره باسم مستعار في صفحة «افتح قلبك». ولعدم معرفته باسمها فقد أعطاها اسم «أَمَارة»، وقد راسله مجموعة من القراء وأصروا كما يقول على شكل كلمة «أمارة» بفتح الميم مع تشديدها لتتحول إلى «أمَّارة». يقول الراوي: «أما أنا فقد استعملتها [أي أمارة] بدون تشديد ولم يخطر ببالي ذلك المعنى، [ويعلق] مرة أخرى تهرب العلامة، تجن أو تجنن»(2) ويستمر قائلاً: «وكان سليم الناظمي أو (العربي الشيهب؟) هو الذي يمسك بالطرف السُفلي للعلامة والعلامة راية، علَم وأمارة، يا حليمة، هناك دائماً من يصر على طمسها على تمريغ رأسها في التراب، لإخلائها من الرمز، من الشعر من الأسطورة»(3).
هذه الإشارة وغيرها كثير، تعاقد يسمح باعتماد قراءة باطنية تتعامل مع علامات النص بوصفها رموزاً، ولا تطمس معناها بشرحها شرحاً حرفياً. والقارئ، بمقتضى هذا التعاقد الضمني، المجسد في تصريحات الراوي وطريقة حكيه وربطه بين الأحداث ورؤيته للعالم الذي يحيط به، مطالب بقراءة العلامات بشكل يوازي قراءة الراوي العربي الشيهب، الصحفي المشارك في صنع الأحداث، والذي لا يتوقف عن التحقيق وطرح التساؤلات والملاحظات والتحاليل، بحيث يتحول إلى شبه سيميائي «يرى المعنى حيث لا يرى الآخرون إلا الأشياء».
الواقعية الصوفية من سمات رواية «أريانة»، أنها نص يقوم على نوع من التوليف بين ما هو واقعي وما هو عجائبي، والواقعي هنا بمعنى أن الأحداث تجري في فضاء يمكن التثبت من وجوده على أرض الواقع والمتمثل في مدينة الدار البيضاء وبعض شوارعها وساحاتها المعروفة (شارع مصطفى المعاني، ساحة النصر...)، أو إشبيلية بالأندلس (شارع الجمهورية الأرجنتينية، ساحة كوبا...). والواقعية في ارتباطها بـ «أريانة»، تقف عند هذا الحد الإشاري ولا تتعداه إلى ما نعرفه عنها من اللجوء إلى التفاصيل الدقيقة والحاسمة من أجل تصوير الأحداث والشخصيات بصورة صادقة قدر الإمكان. إنها واقعية بقدر ما تهتم بعناصر العالم المرئي، فهي تهتم بالعناصر التي يمكن أن نصطلح على تسميتها بعناصر ما فوق الطبيعة أو العناصر الصوفية. تهتم بالناسوت أي الطبيعة البشرية بقدر اهتمامها باللاهوت؛ أي ما هو غيبي يتطلب من القارئ بذل جهد مضاعف لإيجاد معنى له ينسجم مع كل ملفوظات النص.
إن هذه الإشارة إلى تقنية الكتابة في «أريانة» ليست اعتباطية، فالهدف بالدرجة الأولى هو تسهيل عملية فهم النص واستخراج دلالاته، إذ بإلمامنا بهذا الجانب يمكننا أن نتهيأ لتلقي النص بأفق انتظار يتضمن عناصر تتطابق مع ما هو معتمد في كتابة الميلودي شغموم، أفق انتظار على استعداد للتعامل مع النص بوصفه امتداداً للنصوص السابقة التي أبدعها الروائي ومن ثم تحقيق أكبر قدر من الفهم والتأويل.
وإذا ما أردنا أن نأخذ فكرة عن فن الكتابة لدى شغموم يمكننا أن نقول بأن من خصائص هذا الفن، من خلال «أريانة»، الجمع بين الواقعي، كما تحدثنا عنه أعلاه، واللاواقعي وغير المتوقع والمتعذر تفسيره المتمثل في الأحلام والقصص الخرافية و الأسطورية، بحيث يتساكن اليومي والمعتاد في الرواية مع الغريب والمفاجئ وما فوق الطبيعي. إلا أن العالم المبني في «أريانة» لا يمت بصلة لما نجده في العوالم العجائبية من جنيات وحوريات وكائنات خرافية، فـ «أريانة» تجري أحداثها كما قلنا في فضاء نعرفه وفي الزمن الحديث، كما أن تتابع الأحداث لا يحكمه خرق العادة بحيث تثير شك المتلقي وتدفعه لتغيير أفق انتظاره، بل هي أحداث واقعية يتخللها ما هو عجائبي وفنتازي دون أن تكون لا هذا ولا ذاك. فرواية «أريانة» بذلك تقطع مع الواقعية بالمعنى التقليدي للكلمة، بإشراكها لعناصر عجائبية في تحريك الأحداث على أرضية المعيش اليومي، أي أنها تجمع بين الواقع الفعلي وتصورات المجتمع عن ذاته خاصة التصورات التي تقوم على المنطق الصوفي والغرائبي وتفسير الظواهر المادية تفسيراً غيبياً؛ أي اكتشاف العلاقة السرية بين الإنسان وظروفه، ومحاولة فهم الغموض الكامن وراء الأشياء فهماً أعمق بإعطاء العناصر الصوفية حقها في التفسير والتوضيح.
إن كل ما قلناه الآن عن رواية «أريانة» على مستوى ما سميناه بفن الكتابة أو تقنياتها، والذي اقترحنا نعته بالواقعية الصوفية، وهو ينطبق على كل ما كتبه الميلودي شغموم، يعتبر في الكثير من جوانبه قريباً مما يصطلح على تسميته اليوم بالواقعية السحرية، التي من خصائصها ما ذكرناه أعلاه. ويمكن اعتبار هذا التحييز للرواية في هذا الإطار الصوفي، أول مفتاح لفهمها وتأويلها بفعالية عالية. إذ إن المتلقي بانطلاقه من هذه الزاوية سينتظر قراءة رواية من نمط خاص، ومواجهة سلسلة من الأسرار والألغاز التي تتطلب منه مشاركة تأويلية عميقة ومعقدة لا تتحقق إلا باستحضار آليات التفكير الصوفي. يقول ميلان كونديرا: «إن روح الرواية هي روح التعقيد. كل رواية تقول للقارئ : «إن الأشياء أكثر تعقداً مما تظن». إنها الحقيقة الأبدية للرواية، لكنها لا تُسمِع نفسها إلا بصعوبة في لغط الأجوبة البسيطة والسريعة التي تسبق السؤال وتستبعده»(4).

التصوف بوصفه رؤية
إن رواية «أريانة» على الرغم من ذلك، تقبل أن تدرج ضمن أنواع من الرواية الأخرى بوصفها رواية فلسفية، تتضمن نقاشات فكرية حول الوضع الإنساني ممثلاً في شروط عيش شخوص الرواية، وفي النقاشات التي تدور بينهم حول الحب والحقيقة والجسد، والتي يستدعيها الحكي ذاته. وإذا كانت صفة الفلسفة هنا تفترض حضور الفكر والعقل كأداة لإنتاج هذا النوع من النقاشات، فإن أريانة تحتفل بشكل لافت بالتصوف، لكنه هذه المرة ليس في صورة أفكار أو نقاشات كما هو الشأن بالنسبة للفلسفة.
التصوف هنا ليس بمعنى قواعد السلوك المتبعة من أجل التقرب إلى الله التي وضعها أصحاب هذا النوع من المعرفة، فهذا المعنى مختلف حوله «وقديماً حار الناس في تعريف التصوف، وتشعبوا فيه إلى مائة رأي بل زادت أقوالهم في ماهيته إلى ألف قول»(5)، بل المقصود هنا الآليات العرفانية التي ينظر من خلالها إلى الكون والحياة، والتي تقوم على الظاهر والباطن والاتحاد والحلول والفناء والتي تنظر للوجود بوصفه لغزاً لا يمكن أن يحيط بسره إلا السالكون وأصحاب والمكاشفات.
وقيام التصوف على الأسرار والألغاز والرموز، أمر ليس في حاجة إلى توضيح، إذ يمكننا أن نعرفه فنقول «التصوف أسرار». ويكفي هنا أن نشير إلى أن من مقابلات التصوف في اللغة الفرنسية، نجد لفظ mystique، وهو مشتق من لفظ mystère، الدال على الغموض والخفاء والأسرار والألغاز، وأول لغز يواجهنا في رواية شغموم هو عنوانها «أريانة».

الاسم اللغز
يمكننا تلخيص رواية «أريانة» بكونها عبارة عن حكاية تتمحور حول علاقة بين الراوي وعشيقته التي تحمل اسم أريانة والتي ستختفي من حياته دون سابق إنذار، لينخرط فيما بعد في عملية البحث عنها، بعد أن بلغه أنها هاجرت إلى إشبيلية في الأندلس، ليعود بعد ذلك من رحلته هاته وقد توفر لديه مجموعة من الإشارات والعلامات التي ستسمح له بالتعرف عليها في المغرب وكشف القناع عن وجهها الحقيقي. والرواية غنية بالشخوص لدرجة يشعر معها المتلقي أنه في متاهة (الناظمي، الشيهب، لمسلك، فلورا، غلوريا، أنطونيو، رامون، موراليس، زيدان، سمعان...).
والقارئ لا يعرف أن أريانة اسم علم يحيل على فتاة، إلا بعد بلوغ الفصل الثالث المعنون هو الآخر بنفس التسمية. والذي يسمح لنا بالتعامل مع هذا الاسم بوصفه لغزاً هو أن صاحبته لا شك ترمز إلى شيء في الرواية يبقى غامضاً، ما لم يتم إخضاعه للتأويل. ومما يزيد في تعقيده هو أن القارئ المغربي أو العربي يصعب عليه ربط الاسم بالشخصية المحورية في الرواية، فهذا الاسم غير شائع أو هو غير معروف. وهو ما كان بالإمكان، لو أراد الكاتب تبديد الغموض انطلاقاً من الغلاف، أن يورده على الشكل التالي «فتاة اسمها أريانة»، وهو ما تكفلت به تاء التأنيث التي خلقت، لدَيَّ على الأقل في تجربتي القرائية لهذا النص، نوعاً من اليقين بأن الأمر يتعلق بأنثى والذي كان بالإمكان، زيادة في الغموض، تعويضها بألف ممدودة لتكتب على هذا الشكل «أريانا».
والحقيقة أن اسم أريانة اسم ملغز، خاصة بالنسبة للقارئ الذي يعرف أن الروائي شغموم تحكمه قصدية واضحة في اختيار الأسماء في كل رواياته. والذي ليست له خلفية ثقافية تسمح له باستجلاء بعض معاني هذا الاسم الذي يعني الشديدة القداسة «la très sainte» أو المحبوبة بإفراط «la bien aimable». إلا أننا بمجرد تقدمنا في عملية القراءة، سنعرف أن أريانة «ولدت من أب إيطالي وأم مغربية كانا يمتهنان صناعة الأحذية، وأن الأب كان يعشق الأوبرا والأم تموت في العيطة المرساوية»(6).
عند هذه النقطة بالضبط، نقف على سر هذه التسمية التي تحيلنا على الأسطورة اليونانية التي تتحدث عن أريانة التي ساعدت ِتسْيُوس على قتل مينوتور بإمداده بحيلة يستطيع بواسطتها معرفة الطريق والخروج من المتاهة. حيث أوصته بأن يرخي خلفه خيطاً طويلاً يساعده على معرفة الطريق والخروج سالماً من المتاهة، من هنا الحديث في اللغة الفرنسية عن «le fil d’Ariane» أي الخيط الناظم أو الخيط الموجه. وذكر الأوبرا هنا ليس اعتباطياً هو الآخر، لأن اسم أريانة ارتبط بهذا الفن في إيطاليا بالذات، ويمكننا أن نذكر في هذا السياق أوبرا أريانا لكلاوديو مونتيفيردي «Claudio Monteverdi» التي وقفت عند محطة تَخَلي تسيوس عن أريانة في جزيرة نيكسوس.
ما يهمنا في هذه المعطيات الموسوعية، هو أن أريانة في رواية الميلودي شغموم، ستضطلع بدورين اثنين في نفس الآن، فهي مبحوث عنها وأداة مساعدة في عملية البحث، تتخفى بالسواد والعطر التنكري والقناع، لكنها تقوم بدور المرشد إلى ذاتها بما لحق جسدها من أعطاب وبعطر ارتبط بها وكأنه يخرج مباشرة من مسامها، فقد كانت هذه العلامات أشبه بلفيف من الخيط مكن الراوي من الخروج من المتاهة والرجوع من الأندلس للعثور على أريانة عابراً لما يشبه طقوس المُسَارَّة Rites initiatiques? التي من خلالها يطلع على الأسرار ويتعرض للآلام لينتهي في الأخير إلى إدراك «الحقيقة».
فما سر أريانة وما الذي ترمز إليه؟ هذا السؤال يبقى مطروحاً ولا تسمح المعطيات التي ذكرناها الآن بالجواب عنه. وهو السؤال الذي تتمحور حوله الرواية والذي يطرحه العربي الشيهب قائلاً: «من إذن، هذه المرأة التي تشبه البحر الدافئ الهادر والشمس الحارة العطرة، يتساءل العربي الشيهب دائماً وكأنه يبكي؟»(7). والتساؤل عن سر هذه المرأة، يزداد إلحاحاً عندما نعلم أن الرواية شحيحة بالمعطيات عنها، فهي «امرأة تلبس الأسود دائماً!»(8) تعبيراً عن غموضها ورمزيتها القوية.

التعبير الخاطف
إن الميلودي شغموم، كما يستلهم من التصوف خاصية السر واللغز، فأسلوب الكتابة في الكثير من الحالات لديه يعتمد على الجمل الشذرية الخاطفة، وذلك انطلاقاً من الاستهلال إذ يفتتح الراوي البطل الحكي بتحذير من العربي الشيهب للمسلك قائلاً: «هذا الوقت ليس الزمان فلا تغتر بأوانه!»(9). والملاحظ على بنية هذا التحذير الوصية، أنه صيغ بشكل متميز يجعله مطابقاً لأسلوب المتصوفة، إذ هو أقرب إلى لغة الحكم التي تطغى على كتابتهم. وتضمن هذا التحذير الاستهلالي للفظي الوقت والزمان، كافٍ لربطه بالتصوف، إذ هما أحد مؤولات التصوف بامتياز؛ على اعتبار أن الإعراض عن الدنيا والانخراط في التصوف هو ناتج عن الوعي بمرور الوقت ومحدودية الزمان، وعدم الاغترار بالوجود الذي بمجرد التأمل فيه وسبر أغواره، يتحول في ذهن حامل هذا النوع من التفكير إلى عدم.
والوقت كما هو معلوم، هو الحاضر من الزمان المسمى بالحال، بينما الزمان هو حركة وتحول يطوي الوقت ويتجاوزه. فالشيهب في تحذيره هذا يخبرنا بانطلاق الحكاية وخضوعها للزمان الذي هو صيرورة على عكس الوقت. لذلك تُختم الرواية مرة أخرى بالإشارة إلى ثنائية الوقت والزمان حيث يرد في الصفحة الأخيرة منها ما يلي : «وقال الشيهب : ها ولد لمسلك يسرقني مرة أخرى وأنا ميت، فأترك أمره للزمان لا للوقت»(10)، وهو إيذان بحكاية أخرى وبصيرورة من نوع جديد، وترميز إلى أن الحياة لا تتوقف، وأنها عبارة عن سلسلة من الألغاز التي لا تنتهي.
وكما استهل الراوي الحكي بهذا النوع من التعبير المنبئ عن طبيعة الأجواء التي ستسود هذا العمل، فنفس ذلك نصادفه في مفتتح الفصل الثاني عندما يتحدث الراوي عن العشق قائلاً: «أعِشْقٌ ونَخْوَة؟?! لا يتفقان أيها الأخ، ولا تقف أيها العاشق عند باب الكبرياء والنخوة?!!»، فإنهما مَهْلَكة المحب، أيها الأخ المغفل: العشق مذلة ترفع، عشق الزين، طبعاً، بينما عشق الشين نخوة تذل...ترهق، وتقرف، فحذار من نفسك الأمارة، إنها توأم اللوامة وهما معاً للمطمئنة في تربص?!»(11). في هذا المقطع مرة أخرى، يتقمص الراوي شخصية الحكيم الشيخ الذي يوجه النصح بلغة كلها تستلهم لغة المتصوفة (العشق، النخوة، الكبرياء، الذل، النفس الأمارة والنفس اللوامة و النفس المطمئنة)، وسوف نقف فيما بعد على دلالات بعض هذه الإشارات الواردة في هذا القول والذي يمكن اعتباره أشبه بمفتاح الرواية ككل.

شخص واحد وأصوات متعددة
هناك خاصية أخرى تقوم عليها رواية «أريانة»، وتتخذ صفة الثابت الذي يحكم أحداث كل الرواية من أولها إلى آخرها. ويتمثل الأمر في العلاقة بين الشخوص الذين يحضرون في حياة بعضهم بعضاً بشكل متداخل، ويقيمون نوعاً من العلاقة وكأنهم أشبه بالشخص الواحد الذي يظهر بأشكال وتسميات مختلفة، ويطلع كل منهم على أسرار الآخر ويؤثر فيه بالقول والفعل.
هذا النوع من العلاقات الملغزة الذي يربك القارئ غير المطلع على روايات سابقة للميلودي شغموم، لا يفهم إلا من خلال التصوف الذي يتحدث أصحابه عن المكاشفات والتصافي والتوادد الذي ينتهي بأن ُتكْشَفَ الحجب لبعضهم بعضاً. يقول أبو حيان التوحيدي وهو من هو في التصوف: «قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني: إني أرى بينك وبين ابن سيار القاضي ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومواتاة خلقية، فمن أين هذا؟ وكيف هو؟ فقال يا بني?! اختلطت ثقتي به بثقتي بي، فاستفدنا طمأنينة وسكوناً لا يَرِثَّان على الدهر، ولا يُحَوَّلان بالقمر، ومع ذلك فبيننا بالطالع ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة، حتى إنا نلتقي كثيراً في الإرادات والاختيارات والشهوات والطلبات، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل، فأراها شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان، حتى كأنها قسائم بيني وبينه، أو كأني هو فيها، أو هو أنا، وربما حدثته برؤيا، فيحدثني بأختها، فنراها في ذلك الوقت، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل»(12).
ورواية أريانة تقوم على هذا النوع من العلاقات بين الشخوص التي يصورها هذا النص أبلغ تصوير، والتي يمكن اعتبارها أحياناً نوعاً من الحلول والاتحاد. إلا أننا انطلاقاً من التأويل الذي سنعتمده، نرى بأن أغلب الشخوص المركزية ممثلة في لمسلك والناظمي والشيهب، ما هي إلا شخص واحد تتصارع من خلاله مجموعة من الميولات والنزعات والأهواء التي يتغلب بعضها في سياق بعينه، فيبرز ويصبح هو الصوت الأكثر علواً وتأثيراً في الراوي.
وهذه التقنية الصوفية بها يفتتح الحكي عندما يقول الراوي: «يحذرني العربي الشيهب، وكأنه يحذر نفسه»(13). وهذا ما يؤكده الراوي صراحة عند قوله: «خيل إليّ أنني أسمع أصواتاً، كل أصواتي... خاصة الناظمي»(14)، وقوله: «العربي الشيهب ولد الحرام، والناظمي، مازالا في رأسي، أحبابي وأعدائي»(15)، ويقول: «كانت كل أسمائي وصفاتي، وأصواتي في معركة، وأنا عائد في نفس التاكسي، لكن لسان العربي كان أقواها»(16).
و ستزداد هذه الخاصية تأكداً واتساعاً عند عودة الراوي من رحلته إلى الأندلس، إذ الأشخاص الذين التقى بهم في الرحلة، سيمتزجون بدورهم بالأشخاص الذين تعرف عليهم القارئ في الفصول الأولى، لتزداد الأحداث تعقيداً لدى المتلقي. يقول «لقد بدا لي، وأنا في حافلة العودة، بين النوم واليقظة، قرب طريفة، أن رامون ليس سوى العربي الشيهب، هذا جَذَعَ قلبه، وذاك جذع قضيبه، بينما يشبه الناظمي، على الأقل في وجهه، ولم تكن أريانة، بالنسبة لرامون، سوى حليمة حين تبكي أو غلوريا حين تبتسم أو تضحك...فشككت في أن أكون قد قمت بهذه الرحلة أصلاً إلى الأندلس، قد أكون حلمت فقط»(17). هذا الشك يخول لنا أن نقرأ هذه الرحلة لا بوصفها حلماً، بل بوصفها رحلة رمزية وعبوراً مَسَاريّاً، وذلك رغم تعقيدها وتضمنها لعناصر من الواقع الأندلسي بأسماء شخوصه وشوارعه وتاريخه. السؤال الذي يبقى مطروحاً هو إلى ماذا ترمز؟ هذا لغز آخر ينضم إلى غيره، وسيجاب عنه بمجرد ما نعرف من هي أريانة.
والذي يعقد عملية التعرف على سر أريانة، هي أنها هي الأخرى متعددة، وليست شخصية واضحة المعالم، واقعية على غرار ما نجده في الكثير من الروايات الكلاسيكية. بل أكثر من ذلك هي تمارس لعبة التخفي والاحتجاب، والحجاب كما نعرف مصطلح صوفي، هو الآخر نستحضره هنا لإضاءة هذا السر. لقد احتجبت أريانة عندما اختفت من حياة لمسلك دون سابق إنذار عن طريق عملية التنكر. وقبل ذلك وحتى وهي تقيم معه علاقة حميمية، كانت بالنسبة له سرّاً غامضاً لأنه لم يكن يعرف عنها شيئاً، لقد كانت محجوبة عنه. ومؤولة الأسرار هي وحدها يمكنها تفسير علاقته بها، فأثناء حكيه يقدم لمسلك وصفاً للقائه المعهود بالمرأة التي يتواعد معها باستمرار اعتماداً على لغة الإشارة والتلميح بدل العبارة والتصريح، بشكل يطغى عليه الغموض والسرعة والاقتضاب، كل شيء يتم بشكل غامض، لا حديث بينه وبين عشيقته، لا حوار، لا توضيح لظروف اللقاء والتعارف وسياقاته ومراحله ومحطاته، بل هو لا يتذكر حتى ملامحها. عالم تكسوه الحجب من جميع جوانبه، يشمل أريانة كما يشمل سائق التاكسي الصغير الذي يقلهما دائماً في نفس الوقت، ونفس السيارة ولا يعرف الراوي عنه أي شيء، سيطلع فيما بعد على بعض أسراره، لكنه في الفصول الأولى يبقى مجرد لغز مثله مثل صاحبة الشقة الصغيرة التي يرتادانها معاً والزقاق الذي تقع فيه.
إنها سلسلة الألغاز هذه التي أساسها العلاقة بأريانة الغريبة الغامضة، هي التي ستدفع الراوي إلى أن يقول: «كم قضيت، والله يا لمسلك، من الساعات الطويلة، في البيت أو المكتب، وأنا أحاول أن أفك هذا اللغز: أريد أن أعرف ما يقع لي بالضبط، ما يحدث لي أنا الصحافي، الذي يوصف بالكبير، الذي لم يستعص عليه أي لغز من قبل، هل يعقل أن أعيش حالة كهذه، بين النار والماء، بين اليقظة والنوم، بين الحياة والموت، بين العقل والجنون، كائناً وغير كائن، طائعاً ومجبراً، معذباً، خارج عقلي، سعيداً وشقياً؟»(18).
والراوي هنا في هذا السياق، يفكر مكان القارئ لأن هذه الأسئلة التي يطرحها صراحة وبوضوح تام، مهد للقارئ، بالأحداث التي ساقها منذ الفصل الأول، لكي يطرحها هو الآخر وهو يتقدم في عملية القراءة، ودفعه دفعاً بالاقتضاب في نقل الأحداث وتعمد عدم تقديم التفصيلات والوصف لشخوص الرواية، إلى طرحها منذ الوهلة الأولى. ولذلك يمكننا القول بأن عالم القارئ هو نفسه عالم الراوي، إذ يتطابقان بشكل تام؛ فقد عمل الراوي أو الكاتب على إركام المؤشرات التي يدعم بعضها بعضاً بشكل ذكي وإثارة فضول القارئ، للبحث عن حل لهذه الألغاز. وزيادة في اكتساب ثقة هذا الأخير، عمد إلى طرح السؤال مباشرة وإظهار الحيرة والتيه في المتناقضات التي تتجاذبه، شأنه في ذلك شأن القارئ، وبذلك استطاع الكاتب منذ الصفحات الأولى، أن يضع الراوي والقارئ على نفس المستوى من الفهم والإدراك لما يجري للأول وما يجري أمام الثاني.
وهذا الاحتجاب سيبقى ملازماً لأريانة في كل المحطات سواء قبل رحلة الراوي إلى الأندلس أو بعدها، فقد قدمت أريانة نفسها بوصفها والدة أريانة وأنها فاقدة للبصر، واعتمدت على التمويه بارتداء لباس أسود سابغ، ووضع عطر غير عطرها الذي عرفت به. كما وضعت قناعاً على وجهها يذكر بالأقنعة التي تضعها شخصيات مسرحية زواج فيغارو التي تذكر أكثر من مرة في الرواية والتي تنبئ بسقوط الأقنعة فيما بعد كسقوطها في المسرحية المذكورة. وهذا ما سيفعله البطل، فبمجرد عودته من الرحلة الأندلسية، توجه إلى بيت رابية أي أريانة المتنكرة، عازماً على معرفة السر. وفي مواجهتها سيهـددهـا قـائـلاً: «تقولين لي بنفسك كل شيء أو أخبرك أنا بالسر» لتجيب: «أي سر تقصد يا بني؟»، هنا يتوقف الحوار ويبدأ الفعل، يقول: «لكني توجهت إلى الوجه مباشرة فمزقت الحجاب...ثم أمسكت بالقناع...وفصلته بصعوبة عن الوجه»(19)، ليكتشف أن رابية هي أريانة، ومع ذلك يبقى السر قائماً.

بدء انكشاف السر ورفع الحجب
إن الأحداث في رواية «أريانة» تلعب بالقارئ، فهي تقوم بدورين متناقضين؛ مرة تهديه وتمنحه العلامات والإشارات تلو الأخرى، لتساعده على فك الألغاز واكتشاف الأسرار، ومرة تضله وتهيل التراب على المواطئ، حتى يفقد الاتجاه ويبقى أسيراً في متاهة الرواية. ومن بين الإشارات التي ترشد المتلقي وتساعده على الفهم، تركيز الراوي على عدم الاقتصار على العقل في عملية الفهم، يقول «...ويغلب الوهم الفهم حين تعتقد أن كل شيء يخضع للعقل... فلا تغتر أيها الظل: تمسك بالأصل?!...الشقاء أن تعتبر العقل، أو الفهم، كل الأصل، أن يبقى لك عقل أصلاً، فالعقل عقال، لا تعقل نفسك...أيها العزيز»(20). لا يملك المتلقي وهو يقرأ مثل هذا القول، إلا أن تحضر لديه أقوال المتصوفة التي تتناص مع هذا الرأي، فالمعاني العقلية كما يقول التهانوي كشف نظري لا ينبغي الاعتماد عليه وكل كشف هو رفع للحجب «وحجاب السر هو الوقوف مع الأسرار، فإذا انكشفت للسالك أسرار الخلق وحكمة الوجود لكل شيء، فهذا يقال له كشف إلهي. فعليه إن بقي في هذا وظن أنه هو المقصد الأصلي فذلك يصير له حجاباً. وعليه أي [العارف] أن يخطو خطوة أخرى ليزيل حجاب الروح فيصل إلى المكاشفة وهو الذي يقال له الكشف الروحاني. وفي هذا المقام يرتفع عنه حجاب الزمان والمكان والجهة، فيصير الزمان ماضياً ومستقبلاً شيئاً واحداً»(21).
منذ بدء قراءة هذه الرواية والمتلقي يبحث عن السر الذي تنطوي عليه أريانة عشيقة الراوي العربي الشيهب وصوره الأخرى، وما يحرك هذا الأخير، كما رأينا، هو معرفة هذا السر. ومن خلال القراءة المدققة للنص والتي تقف بشيء من الإلحاح عند العلامات التي قد لا يعيرها القارئ العادي أية أهمية تذكر، وبتمثلنا لوصية الراوي ذاته بعدم الاعتماد على الكشف النظري العقلي، نخلص إلى معرفة سر أريانة، إن هذه الأخيرة ليست سوى نفس الراوي وقد قام برحلته الرمزية وعبوره المساري، ودخل في صراعات مختلفة مع صوره الأخرى لاكتشافها وللتصالح معها وتغييرها. يقول أحد المتصوفة معبراً عن علاقة النفس بالبدن، وهي شبيهة بتعلق الراوي بأريانة: «وتعلقها بالبدن [أي النفس] تعلق العاشق بالمعشوق عشقاً جِبِلِياً لا يتمكن العاشق من مفارقة معشوقه ما دامت مصاحبته ممكنة، ألا ترى أنها تحبه ولا تكرهه مع طول الصحبة وتكره مفارقته، وسبب التعلق توقف كمالاتها ولذاتها الحسيتين والعقليتين على البدن»(22).
بعد الوقوف على هذه الحقيقة، يمكن للقارئ أن يعود لقراءة الرواية، وسيكتشف أنها تزخر بالإشارات إلى النفس لكن بشكل خفي. ففي البدء تحدث الراوي عن النفس وأنواعها المختلفة وحذر ذاته من النفس الأمارة، وفيما بعد عندما ضاعت منه الجرائد والرسائل التي جلبها معه من المكتب سيعلق الراوي قائلاً: «... أنا كثير السهو ويحدث لي، من حين لآخر أن أنسى، وفي أي مكان أشيائي، وقد أنسى نفسي، كما يقول بعض الزملاء»(23). وعند غضبه من الشيهب يقول لمسلك «اسمع الناظمي...الشيهب ولد الحرام، شيطان: لا يمكن أن يريد الخير لا لك ولا لي لأنه، ببساطة، يكره نفسه»(24). وهو ما يعبر عنه سائق التاكسي في نقاشه مع الراوي حيث يقول: «لقد كنت... لا أسمع إلا صوت الصور المزدوجة في نفسي المظلمة»(25). ويقول لمسلك بعد نقاش له مع بهلول سائق التاكسي: «قد يكون لا يزال يعذب نفسه، أو يحاول أن ينتحر، عقاباً لنفسه على عدم معرفتها بعلم الإشارة»(26). ويقول الراوي: «الشيء الوحيد الذي يجعلنا نشترك في البشرية، هذه الأيام، هو أننا لا نكف عن اغتيال أنفسنا، فترانا جميعاً نمارس الحداد، السواد»(27)، كما يتساءل : «لِمَ نجتهد، بكل هذه القوة الجماعية، في إخفاء أنفسنا، نرتدي كل هذه الأقنعة ؟»(28). وعندما سينزع عن أريانة قناعها وتتجلى له سافرة، سيقول: «وظهرت لي نفسي، لأول مرة في حياتي، صافية داخل قرص الشمس، فقلت أحبك ولم أحبَ غيرك من قبل»(29).
ننتهي إلى أن أريانة هي نفس لمسلك، وأن الشخصيات الأخرى التي كانت تهتف في أذنه وتصاحبه وتناقشه، ما هي إلا صور عن نفسه قبل اكتشافه وتغييره لها، وأن غياب أريانة ما هو إلا حجاب بلغة المتصوفة. وقد كان لمسلك في حاجة إلى نوع من المجاهدة لنزعه وهي المتمثلة هنا في الرحلة إلى الأندلس والتي لم تكن حسب تأويلنا إلا رحلة في أعماق النفس لاكتشاف أسرارها ونزع أدرانها وبالتالي كشف الحجب عنها. اكتشاف النفس إذن هو تصفيتها من الشوائب والمنغصات، والتصالح معها والتخلص من الخوف والاحتياط الزائد، والحذر من النفس الأمارة التي تجسدها في الرواية الأصوات الداخلية التي تتصارع داخل الراوي، وكبحها بواسطة النفس اللوامة للوصول إلى الصفاء وإلى درجة النفس المطمئنة، التي سميت كذلك لاعتبار سكونها إلى الحق واطمئنانها به بالانقطاع عن الأفعال والخواطر المذمومة. بناء على هذا التحليل يمكننا أن نقول بأن رواية أريانة هي رواية الشخصية الواحدة، وكل ما تزخر به من شخوص أخرى ما هي إلا أفكار الراوي ونوازعه وصوره ونفوسه، إنها أشبه بحي بن يقظان إلا أن الأسئلة التي تراود راوي أريانة حولها الكاتب إلى أجساد استجابة لضرورات الكتابة الروائية، إذ لو لم يكن الأمر يتعلق برواية لأمكنه أن يصوغ كل ذلك في شكل فكري لكنه سيكون جامداً بدون روح.

السر يضيء ألغاز الرواية
في ضوء هذا التأويل الذي نعتبره هو المنسجم مع كل أجزاء النص الأخرى، والذي يمكن اعتباره قطباً يجتذب كل عناصر الرواية الأخرى لتفسيرها وتأويلها وإطلاق طاقتها الدلالية العميقة، يمكن فهم حديث الرواية عن الجسد، في فصل شمس البحر، من قبل السيدة الفرنسية التي عرفته بوصفه «الجسد هو بيت اللحم الذي نسكنه أربعاً وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة»، مقصية للنفس بشكل مطلق. إنها رؤية قاصرة، لذلك يصف الراوي صاحبتها بالفرنسية العرجاء. وحكايات المسخ التي تتحدث عنها الرواية والتي قد تبدو مقحمة للوهلة الأولى ولا تنخرط في الحكي بشكل جوهري، هي الأخرى تفهم من هذه الزاوية بمعنى أنها غياب للنفس أو تشوه لها، إذ يكثر في قصص المتصوفة الحديث عن قدرتهم على رؤية الأشخاص الذين خبثت نفوسهم على حقيقتهم في شكل قردة وكلاب وخنازير، وذلك لكونهم قد كشفت عنهم الحجب وغاب الجسد عن أعينهم لتأخذ مكانه النفس ممسوخة على حقيقتها.
وفي مقابل هذا التحول السلبي، هذا المسخ الذي هو تشويه للنفس أو غياب لها، نجد تشبيهات حيوانية من طبيعة خاصة، وهي الأخرى أشبه بالتحولات، لكنها إيجابية هذه المرة، وهي بدورها لا يمكن فهمها إلا انطلاقاً من نفس المحور النصي أي أريانة هي نفس الراوي. ففي حديثه عن غلوريا صديقة أريانة، يقول الراوي: «لقد شاهدت غلوريا ترقص: جسد في حرارة بركان، في خفة ونعومة ثعبان، ثعبان جميل، وجليل، ومرعب، آسر في زي فراشة! وإذا كانت غلوريا، وهي الراقصة الثانية في الفرقة، ترقص بهذا الشكل العجيب، فكيف ترقص أريانة، وهي راقصتها الأولى: فراشة تتنكر في امرأة»(30). وهو ما يؤكده بيدرو عندما يصف أريانة بأنها «قوية كثعبان، وهشة كفراشة»(31). والفراشة كما هو معلوم من أغنى الرموز بالنسبة للمتصوفة وغيرهم، فتحولها من شكلها الأولي إلى دودة ثم بعد ذلك استقرارها على هيئة وسيطة أي ما يسمى باللغة الفرنسية la chrysalide نَغَفَة، ثم خروجها بعد ذلك من الشرنقة وتخلصها منها لتصبح فراشة وتستحق اسمها، بهذه التحولات هي تطابق النفس الإنسانية عند تخلصها من ثقل المادة وقبضة الطين التي تمنع الإنسان من التحليق وتَخْلُد به إلى الأرض، وتضع بينه وبين حقيقته حجاباً يمنعه من رؤية النور. وهذه التحولات هي أشبه برحلة الراوي واطلاعه على الأسرار التي كانت خافية عنه، والتي منعته من التعرف على نفسه أي على أريانة. وفي الكثير من الثقافات(32)، الفراشة هي رمز للروح وللنفس الإنسانية، لذلك فإن لفظ «psyché» في اليونانية من المشتركات اللفظية التي تطلق على النفس وعلى الفراشة معاً.
وإذا كان تأويل الفراشة انطلاقاً من المحور النصي الذي عالجنا كل الرواية من خلاله متيسراً، فإن الثعبان يطرح إشكالاً للوهلة الأولى، على اعتبار أن هذا الكائن محمل بدلالات سلبية نتيجة للرؤية التوراتية التي ترى فيه سبب إخراج آدم من الجنة، لكن بمطابقتنا له بالفراشة يتحول إلى قيمة إيجابية هو الآخر، إذ الثعبان بدوره يغير جلده، يتخلص من الغشاء أو الحجاب، فهو بذلك ومن هذه الزاوية، رمز للانبعاث، رمز لحياة جديدة كتلك التي بدأها الراوي عندما نزع الحجاب عن أريانة، «ليفاجأ بعودة الابتسامة، أو الشمس إلى وجهها، إلى البحر، كأنها تنتقل إلى مشهد آخر من نفس رقصة الفلامينكو»(33). ولتختفي القطة «نجمة» وبهلول سائق التاكسي والزاهية، وليخبرنا بالتالي: « وقالت لي مينة: برافو عليك، أخويا، قدرت تقتل القطة، والكلبة، والبومة، أنا يالله قدرت على غراب?!»(34). وليختم الرواية بما يلي:« وأخذت أريانة ترقص. فرقصت معها...لأول مرة، في حياتي كلها، أرقص، وكأني أصلي، أو أموت?! »(35).

طريق آخر للتأويل
لقد كان بإمكاننا أن نختصر الطريق وأن نسلك سبيلاً آخر لتأويل هذا النص الذي عمل الراوي على إمدادنا بمجموعة من العلامات للوصول إلى سر أريانة دون أن يصرح لنا بذلك. كان بإمكاننا أن نفعل ذلك بواسطة التساؤل عن سر السر بدل سر أريانة. والبحث ولا شك كان سيوصلنا إلى نفس النتيجة ومن أقصر الطرق، ذلك أن من المعاني التي تدور حولها لفظة السر لدى المتصوفة، نجد الأمر الخفي والقلب والروح، كما نجد معنى النفس حاضراً بقوة. ورد في مجمع السلوك: «وأما الصوفية فيقولون النفس جسم لطيف كلطافة الهواء في أجزاء البدن كالزبد في اللبن والدهن في الجوز واللوز... والسر نور روحاني آلة النفس فإن النفس تعجز عن العمل ولا تفيد فائدةً ما لم يكن السر الذي هو همةٌ، مع النفس»(36). فالسر الذي انطلقنا في عملية التفكيك باستحضاره، كان هو الحل ذاته، إذ هو من أسماء النفس، من أسماء ما كنا نبحث عنه.
ولمن لم يتحقق له الاقتناع الكافي بأن أريانة هي نفس الراوي وقد تكشفت له بعد عبوره المساري من خلال التدليل على ذلك من داخل النص، يمكنه أن يرجع إلى دليل آخر خارجي هذه المرة وهو يؤكد ويدعم هذا التأويل. والأمر يتعلق بقصيدة النفس لابن سينا، فكل الصفات التي يضفيها هذا الفيلسوف الشاعر تتقاطع بشكل مثير للدهشة مع الكثير من الصفات التي أضفاها الروائي على أريانة. ونختم ببعض الأبيات منها على أن ندع فرصة قراءتها ومطابقتها مع الرواية إلى تحليل أكثر تفصيلاً.

 

هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَـــعِ
مَحْجُوبَةٌ عَنْ مُقْلَةِ كُلِّ عَــــارِفٍ
وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيـْكَ وَرُبـَّمـَا
أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَـــــلَتْ
وَأَظُنُّهَا نَسِيَتْ عُهُودًا بِالحِمــَـى
حَتَّى إِذَا اتَّصَلَتْ بِهَاءِ هُبُوطـِهَا
عَلِقَتْ بِهَا ثَاءُ الثَّقِيلِ فَأَصْبَـحَتْ
تَبْكِي إِذَا ذَكَرَتْ عُهُودًا بِالْحِمَى
وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَـــــــزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ
وَهْيَ الَّتِي سَفَــرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ
كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْـيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ
أنستْ مُجَاوَرَةَ الخَــرَابِ البَلْقَـعِ
وَمَــنَـــازِلاً بِفِرَاقـِهَـــا لَمْ تَقْنـــَعِ
عَنْ مِيمِ مَرْكَزِهَـا بِذَاتِ الأَجْرَعِ
بَيْنَ المَعَالِمِ وَالطُّلــــُولِ الخُضَّـعِ
بِمَدَامِعَ تَهـــــــْمِي وَلَــــمَّا تُقْلِــعِ

 

* كاتب من المغرب. (1) مع مراعاة الفارق طبعاً، على اعتبار أن شتراوس يتحدث عن كتب فلسفية ونحن في معرض الحديث عن كتاب أدبي. (2) الميلودي شغموم، أريانة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي،2003، ص 14. (3) ص 15. (4) فن الرواية، ميلان كونديرا، ترجمة بدر الدين عرودكي، دمشق، نشر الأهالي، 1999، ص. 25. (5) زكي مبارك، التصوف الإسلامي في الأدب والاخلاق، بيروت، دار الجيل، ص. 17. (6) ص 132. (7) ص7. (8) ص9. (9) ص 5. (10) ص 140. (11) ص 17. (12) أبو حيان التوحيدي، الصداقة والصديق، ص403. (13) ص5. (14) ص30. (15) ص39.(16) ص41. (17) ص 128. (18) ص11. (109) ص134. (20) ص18. (21) محمد علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، لبنان، مكتبة لبنان، 1996، بيروت ص، 621. (22) التهانوي، ص.1717. (23) ص20. (24) ص27. (25) ص52. (26) ص57. (27) ص73. (28) ص79. (129) ص138. (30) ص113 – 114. (31) ص 115. (32) انظر كتاب كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار لعز الدين بن عبد السلام بن غانم المقدسي، تحقيق علاء عبد الوهاب محمد، القاهرة، دار الفضيلة، دون تاريخ طبع، ص.ص 101 – 103. (33) ص138. (34) ص 140. (35) ص 140. (36) التهانوي، ص 943.