ديلاكروا

 

د. عمر عبدالعزيز


ذلك الذي دوْزن اللون بالفراغ

1 / 2 الفنان الفرنسي الموصوف بكبير الرومانتيكيين التشكيليين عاش في الفترة مابين 1798 وحتى 1863 ليشهد بزوغ قرن جديد وأُفول قرن سابق، وليتمرّغ في زمن العاديات التي ترافقت مع الثورة البرجوازية الماركانتيلية القاسية، مما يُمكن رصد أبعادها على سحنته وتعبيرات وجهه في متواليتي "بورتريت ذاتي" لنفسه وهو مازال في عهد الصبا والشباب، وأُخرى فوتوغرافية التقطت له وهو في خواتم أيامه السبعينية .

3/ اللوحة الماثلة لا تعبر عن مرارة الصراع بين الكائنات مما يلتبس بعهود البشـر أيضاً، بل تضعنا في معادلة الخط الضابط للإيقاع التصويري الذي كان ديلاكروا يعتبره أسـاس الأُسـس في التصوير. كل امتداد أو التواء للخطوط تعبير عن قوة الخيار الفني حيث لا مجال للحلول الوسـط، وكل لون يتموْسق في أسـاس التكوين تعبير عن فضاءات مفتوحة للخيال والتخييل .



4/ قوة البناء، ووحدة الموضوع تتماوجان في أسـاس وتضاعيف المكان، فاذا بالرائيين للمشـهد يتكاملان في تميمة التنوُّع، فالرجل ينظر للعاصفة، فيما المرأة المتطلعة إلى يقين مداها الجواني لا تخاف من عاديات الأيــام .
تميز ديلاكروا بقوة التعبير اللوني الذي يسـطع حد التماهـي مع قوة الضياء ، ولهذا كانت له في النظريـة اللونيـة أقدام وروافـع.

5/ التعبير عن النزعة الإفتراسية موازٍ مؤكد لما يتجاوز الافتراس الغرائزي المحكوم بالحاجة، كما يفعل الأسد وهو يلتهم أرنباً ناعماً رقيقاً. الإشارة هنا تطال الزمان وتقلباته، وتؤشـر لما يتجاوز الضرورة، وربما لهذا السبب أراد ديلاكروا أن يُباشـر الافتراسيين البشـريين ممن حوّلوا باريس القرن الثامن عشـر إلى نخبة شـريرة مُستأسدة، وقطيع كبير من الممْسُوسين بالاستعباد المنظم .


6/ تماهى الفنان ديلاكروا مع الشـرق وأحواله، وسجّل في رحلته المغاربية جُل أعماله، بل أكثرها أهمية، وقد أمعن في استخدام الضياء ومتوالياته التعبيرية المفارقة لمألوف التصوير في ذلك الوقت، وقد استوهمتُ غير مرة أنه ترجم عملياً ما كان قد ذهب اليه "الفــارابـي" فـي "رســالة الألوان"، وهي تلك الرسالة الإشكالية التي ترتقي بمقام اللون الأسود إلى مستوى الأبيض، بل تعتبر الأسود مفارقاً للألوان.. معادلاً سحرياً لها.. قريناً بالضياء والظلام، مما يمكن أن نتلمّس بعض آفاقه عند ديلاكروا.

7/ في هذا العمل يتموْضع ديلاكروا في بُعد بنائي مفارق للتكوين الأكاديمي القروسطي الصارم، فكل جزئية من عناصر اللوحة تمثل محور ارتكاز، وينبري البُعد الثالث ليدوزن الصورة في الفراغ، بما يذكرنا برؤية الكلاسيكيين الجدد الذين خرجوا من تضاعيف القرنين الرابع والخامس عشـر .

8/ مقاربات لونية ومقارنات جسدية بين الفارس وحصانه تميد بنا إلى الاعتقاد بمركزية الحصان ونُبله، وبالرغم من أن الفارس هو الذي سيركب الحصان، لكن الأهم من هذا وذاك فضاءات التعبير اللوني المتناسق مع وحدة التكوين وقوة التعبير، مما جعل من ديلاكروا أهم فنان مُلوّن على مدى تاريخ الفن الأوروبي.
مما لاشك فيه أن الضياء المشـرقي كان له أثر كبير في تميزه، بل كان بمثابة المُقدمة التي ألهمت لاحقاً فناني الانطباع ممن " رسموا ما يرون لا ما يعرفون " كما قال كبيرهم " سيزان "

9/ هذا الاحتشاد البشـري المغاربي تعبير عن الواحدية في أساس التنوُّع، والشاهد أن ديلاكروا تتبّع الفرق الصوفية، وأدرك المعاني المُتسلسلة النابعة من سحر التنوع، ومن معنى "الفرق في عين الجمع"، ومن جمالية الفن الذي يقيم في متواليتي التلقائية والضبط الفني، مما يمكن ملاحظته في الأدوار الإنشادية الصوفية، والفرجوية الشعبية المغاربية .

10/ من أشهر لوحاته، حيث الفاجعة على وجه " اللقيطة " .. الباحثة من المعاني في سديم الفراغ واللا معنى، والنابشـة لفضائع المجتمعات البشـرية، حيث يتم ظلم المظلوم دون حدود.
هذه واحدة من تعبيرات ديلاكروا الاجتماعية المُكاشـفة.