الإسكندرية مدينة الحلم والعلم
د. داليا فهمي
في منطقة المنشية بمدينة الإسكندرية عندما نتطلع إلى الميناء الشرقي - أمام النصب التذكاري للجندي المجهول الذي أنشئ فيما مضى ليحتضن تمثالاً برونزياً رائعاً للخديوي إسماعيل أهدته الجالية الإيطالية لشعب الإسكندرية، ثم رُفع بمعرفة حكومة الثورة؛ وأخذت القوات البحرية قاعدته بعد حرب1967، كي تجعل منه نصباً تذكارياً! ونقل التمثال ثم ألقي على وجهه في حديقة متحف الفنون الجميلة بشارع منشا بحي محرم بك لسنوات عديدة ثم تم نقله إلى ميدان بجوار المسرح الروماني بحي كـــوم الدكة (بعد أن بنيت له قاعدة جديدة) وسط العمارات المأهولة بالسكان، بينما موقعه السابق كان خلاباً. حيث يقع أمام الميناء الذي نجد تحت مياهه أطلال مدينة الإسكندرية الأسطورية، التي تمثل بانوراما لحضارة قامت وغبرت وجعلت من هذه المدينة المتحفية أسطورة حضارية وأثرية، ولغزاً دفينــاً قابعاً في أعماق البحر. ومن الغريب أننا نعيش تحت موروثات قد لا نجرؤ على مناقشتها، من بينها أننا نعيش إنشاء إسكندر المقدوني لهذه المدينة المسماة باسمه، والحقيقة المؤكدة أنه حضر للمدينة «ترانزيت» بلغة عصرنا، وهو في طريقه إلى واحة سيوة قادماً من منف - عن طريق محافظة «البحيرة» حالياً - ولم تستغرق رحلته سوى بضعة أسابيع، وافق خلالها فقط على مشــــــروع لإعادة تخطيطها وليس من المعقول أن تبنى الإسكندرية على يديه في بضعة أسابيع.
مدينة الإسكندرية.. لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط، والمحبوبة التي يهرع إليها أحباؤها من جميع أنحاء العالم لتغمرهم بنسمات بحرها المتدفق حيوية ومحبة، هي المدينة البيضاء بلون قلوب سكانها، والزرقاء بلون عمق البحر الذي يحتضنها بدفء وحنان، وهي المدينة التي لفتت أنظار المؤرخين العرب والعالميين بتاريخها الموغل في القدم وبآثارها الفريدة في شكلها ومعناها، والتي تضم كنوزاً من المعالم الحضارية القديمة عبر تاريخها الذي يمتد لأكثر من خمسة آلاف سنة، وهي أيضاً المدينة التي تتمتع بطبيعة نادرة وطقس معتدل طوال العام، وتحفل بعشرات المزارات السياحية الحديثة والقديمة، فتضم بين أحضانها المساجد والكنائس والقلاع والآثار الفرعونية و اليونانية والإغريقية والإسلامية، والأسواق القديمة والقصور الفخمة والحدائق الغناء والشواطئ الخلابة العامرة بالمنشآت السياحية والمنتجعات، والتي تعج بالسائحين صيفاً وشتاءً، بل على مدار العام مستمتعين بهوائها العليل ومناخها المنعش الجميل.
لأن مدينة الإسكندرية من أشهر المدن السياحية على ساحل البحر المتوسط، أطلق عليها لقب «عروس البحر المتوسط » فكانت هي المحل المختار للجاليات الأوروبية، وكان الوصف الشائع لها بأنها تبدو كمدينة أوروبية أكثر منها مدينة مصرية، أما شوارعها فكانت تزدان بالتماثيل والأقواس والأعمدة الرخامية الضخمة. ولعل وجود شبه بين ميناء مدينة صور الفينيقية الحصينة وموقع ميناء «راقودة» الساحلي - أو «راكوتيس» - هو الذي استرعى انتباه الإسكندر الأكبر خلال حملته على مصر سنة 333 ق.م. ودفعه إلى اختيار هذه البقعة الواقعة فوق الزاوية الغربية للدلتا، على خط عرض 11- 30 شمالاً وخط طول 29 - 51 شرقاً، مكاناً لتسميته باسمه قبل أن يرحل متابعاً غزواته بعد قضاء عدة أسابيع قليلة بها.
عندما حضر إسكندر الأكبر كانت الإسكندرية أكبر ميناء في العالم حينذاك، وهو الذي عثر عليه في عام 1910- أي في العصر الحديث - غارقاً تحت الأمواج، وقد ذكر «هوميروس» هذا الميناء في رائعته «الأوديسة» قبل ميلاد الإسكندر بخمسة قرون كاملة على الأقل. فعند بداية القرن الرابع قبل الميلاد، لم يكن هناك شيء سوى رمال بيضاء وبحر واسع وجزيرة ممتدة أمام الساحل الرئيسي تدعى «فاروس» بها ميناء عتيق، وعلى الشاطئ الرئيسي مدينة صغيرة تدعى «راكوتيس» أو راقودة تحيط بها قلاع صغيرة أخرى تنتشر كذلك ما بين البحر وبحيرة مريوط، ويقول عنها علماء ألآثار إنها ربما كانت مجرد مدينة صغيرة - وليست قرية كما قال - شرابون «في القرن الأول الميلادي - تعتمد على الصيد ليس إلا. هذا هو وصف المكان المعروف الآن بمدينة الإسكندرية، التي كانت بلا منازع ولقرون طويلة مركزاً للفكر في العالم القديم».
أما الحدث الذي حول تلك الرمال إلى أشهر مدينة على البحر المتوسط، بدأ حينما برز فيليب ملك مقدونيا خلال القرن الرابع قبل الميلاد، فوحد المدن اليونانية، ثم قام بمحاولة عبور آسيا الصغرى (تركيا الآن) لمواجهة الفرس، غير أنه توفي ليكمل المسيرة ابنه الإسكندر الأكبر وهو ما زال في العشرين من عمره، فزحف ليفتح آسيا الصغرى ثم الشام ثم فلسطين، إلى أن وصل إلى مصر بعد هزائم ساحقة للفرس، وفي مصر ( عام 333 ) قبل الميلاد استقبله المصريون بالترحاب نظراً للقسوة التي كانوا يعاملون بها تحت وطأة الاحتلال الفارسي، وبعد أن زار مدينة منف (جنوب الجيزة) تم تتويجه ملكاً على مصر، وفي طريقه إلى سيوة أعجبته تلك الأرض الممتدة بين البحر المتوسط وبحيرة مريوط، وتلك الجزيرة الممتدة أمام الشاطئ، فتوقف القائد المقدوني عند مدينة مصرية على ساحل البحر المتوسط هي راقودة (راكوتيس) وأطل على جزيرة صغيرة في مواجهتها هي «فاروس» والتمع في ذهنه تخطيط جديد للمدينة، فأمر مهندسيه بضم المدينة والجزيرة معاً، فربط المهندسون بينهما بطريق ضيق أطلقوا عليه اسم «هيبتا ستاديوم» وذلك لأن طوله سبعة «ستاديات» أي ما يوازي 1200 متر، قسم المياه أمام المدينة الجديدة – الإسكندرية – إلى حوضين «لميناء الشرقي» و«الميناء الغربي»، وكان الأول هو الميناء الرئيسي فهو الذي يستقبل أهم السفن الحربية والتجارية، وتحيط به القصور والحدائق والمباني الحكومية، فيما كان يسمى «الحي الملكي» وهذه المنطقة هي التي حُكمت منها مصر لمدة 298 سنة، بداية بحكم بطليموس الأول، القائد المساعد للإسكندر الأكبر، الذي جاء معه إلى مصر، وعينه أول حاكم على الإسكندرية، حتى كليوباترا السابعة، آخر ملوك البطالمة، وأشهرهم على الإطلاق، التي انتهى حكمها بمعركة أكتيوم الشهيرة عام 30 ق.م. حين هزمها أوكتافيوس، وأصبحت مصر بعدها مستعمرة رومانية.
بعد بضعة أسابيع قضاها الإسكندر الأكبر في الإسكندرية ووضع تصوره لإعادة تخطيط تلك المدينة، ترك مصر متجهاً نحو الشرق ليكمل باقي فتوحاته، ففتح بلاد فارس، ليصبح الإسكندر الأكبر هو حاكم كل الإمبراطورية الفارسية بلا منازع، حيث لقب «سيد آسيا» ولكن طموح الملك الشاب لم يتوقف، بل سار بجيشه حتى وصل إلى الهند وأواسط آسيا، وبينما كان عند منطقة الخليج العربي فاجأه المرض مبكراً ولم يدم طويلاً، حيث داهمه الموت بعد عشرة أيام وهو لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من العمر، ونقل جثمانه إلى مصر ليدفن في الإسكندرية التي أسسها بتاريخ 21 يناير 331 قبل الميلاد، وأصبحت أكبر مدينة في حوض البحر المتوسط.
كان يوجد بالإسكندرية أبنية فرعونية مهمة عثر على بقاياها تخص المجالات الدينية والجنائزية، كما أن التحنيط كان يمارس لأجساد المصريين في الجبانة الغربية في المدينة قبل عصر الإسكندر الأكبر، وهي المنطقة التي تقع الآن بحي القباري، وحي الورديان بغرب الإسكندرية وتلك الأحياء ومعها أحياء أخرى كاللبان وكرموز وكوم الشقافة وغيط العنب ومحرم بك ثم بحري وغيرها هي المعاقل الرئيسية لسكان المدينة فقد كانت منطقة الأنفوشي ورأس التين خاوية من السكان لزمن طويل والإسكندرية القديمة الممثلة في أحيائها الشعبية الآن كانت هي المدينة المأهولة بالسكان الإسكندريين، ثم امتد العمران وزحف إلى قرب البحر ومنطقة راقودة وفاروس، فأطلق عليها الناس منذ ذلك الحين اسم «بحري» نسبة للبحر الذى جاوروه. وكان أحد بكوات الزمن الغائر قد سمي بحري ونال البكوية من خديوي مصر فأطلق اسمه على شارع رئيسي هناك باسم شارع بحري بك، ويظن البعض خطأ أن المنطقة سميت نسبة لهذا البك.
الإسكندرية طبقاً لأحدث الأبحاث العلمية ثبت أنها كانت مدينة، إذ عثر على اسمها وبه علامة «المدينة» قبل عصر بطليموس الأول، والعلامة توضح وجود طرق متقاطعة، وتحصر بينهما كتلاً معمارية وأنها لم تكن قرية للصيادين أو معسكراً للجنود كما ذكر وأشيع من قول عن «شرابون» في نهابة القرن الأول قبل الميلاد. وعندما نتحدث عن راقودة، يتبادر إلى الذهن فوراً: الإسكندرية الأصلية أو الفرعونية، السابقة لعصر الإسكندر، التي أنشأها المصريون القدماء في هذه البقعة الواقعة بين البحر المتوسط قبالة «فاروس» من الشمال، وبحيرة مريوط من الجنوب، وإلى الجنوب الغربي من البقعة التي اختارها الإسكندر لتخطيط راقودة جديدة أطلق عليها اسمه ( الإسكندرية )، ولندرة الأعمال الأثرية بهذه المنطقة فما زالت راقودة مجهولة لدينا إلى حد كبير، و تتحدث عنها المراجع باقتضاب وإيجاز شديد كلما جاء ذكرها.
بعد أن أمر الإسكندر الأكبر ببناء مدينة هناك لتكون نقطة وصل بين مصر واليونان، كلف المهندس المعماري الإغريقي «دينوقراطيس» لتصميم وتنفيذ المدينة الجديدة، التي شهدت عملية بناء وتطوير كبيرين بعد موته وطوال حكم البطالمة، حيث تم وصل المنطقة المائية ما بين فاروس وراقودة، وقد بدأ هذا الردم كخط طويل ضيق، اتسع بمرور الزمن ليكون تلك الأرض المعروفة الآن بمنطقة «المنشية»، كما تم بناء سور للمدينة له بوابتان: بوابة شرقية، أطلق عليها «بوابة الشمس»، وبوابة غربية أطلق عليها «بوابة القمر»، كما تم بناء شارعين رئيسيين أحدهما عمودي على الآخر، كما تم كذلك ربط الإسكندرية بنهر النيل عن طريق حفر قناة سميت (كانوب) من فرع النيل الذي كان يمتد حتى أبو قير، حيث كان للنيل عدة فروع بجانب فرعي رشيد ودمياط، على أن أهم ما تم بناؤه في الإسكندرية كان المكتبة الشهيرة التي ظلت مصدر جذب لجميع طلبة العلم في العالم بأسره ومنار الإسكندرية الذي كان من عجائب الدنيا السبع. وسنتناولهما بالتفصيل بعد قليل.
يروى (إيفاريستور بريتشا) مدير المتحف اليوناني الأسبق، أن المرتفعات التي تشغلها الآن كل أطلال معبد (السيرابيوم)، ومنطقة (كوم الشقافة) هي موقع راقودة - غير أننا نرى وبناء على عدة أبحاث وأعمال أثرية أجريت في بقاع متفرقة حول النطاق الذي حدده بريتشا - أنه يمكن حالياً أن نعتبر أن أقصى نقطة يمكن أن تصل إلى حدود راقودة للشرق هي شارع العطارين الحالي، وللغرب شارع الترعة المحمودية، وللشمال البحر، وللجنوب بحيرة مريوط. ويذكر المؤرخ الأثري (سترابون) أن راقودة كانت بمثابة منطقة سكانها من الصيادين، ورجال حرس السواحل، غير أننا نلاحظ أنه قد كتب ذلك حوالي عام 24ق.م ، أي عند زيارته للإسكندرية، أي بعد حوالي ثلاثة قرون من إنشائها وإضافتها إلى راقودة، بينما أقدم نص ورد إلينا حتى الآن، يتضمن عبارة (راقودة) هو نص هيروغليفي يرجع لعهد بطليموس الأول، ويلاحظ أن المخصص للمدينة للفظ (را - قدت) الوارد في هذا النص، هو نفسه المخصص للمدينة في النصوص المصرية.
يبدو من ذلك أن راقودة كانت مدينة عندما أنشأ الإسكندر المقدوني الإسكندرية في الشمال الشرقي منها، وليست قرية كما ذكر سترابون بعد ذلك التاريخ بثلاثة قرون تقريباً – كذلك وجود جزيرة فاروس قبالتها، وورود ذكرها في الأنشودة الرابعة من أوديسة هوميروس، وهناك عناصر طبوغرافية وأثرية ماثلة أمامنا - بالرغم من الغموض الأثري الذي لا يزال يكتنف راقودة - ترجع لوجود مدينة مهمة، أقدم من عصر الإسكندر وخلفائه البطالمة وعدا ما يميز راقودة من طبيعة بحرية، وحربية، فإنها كانت في عزلة نسبية عن باقي أجزاء مصر يتقاطر إليها من حين لآخر سكان المناطق المحيطة بها من دلتا النيل والغرب، بل إنه يمكن التصور أنه كانت هناك حركة تبادل بين كل من راقودة ونقراطيس، وماريا على مدار التاريخ، وكانت أهم مظاهرها أنها ذات طبيعة ديمغرافية، ولا يغرب عن الذهن - ولو للحظة واحدة - أن بحيرة مريوط وقناة كانوب، كانتا الوسيلة الأولى لهذا الاتصال.
أهمية المدينة قبل مجيء المقدوني
هناك عوامل عدة ترجح أن راقودة كانت مدينة بالغة الأهمية قبل عصر الإسكندر منها:
أولاً: عثور المهندس الفرنسي «جونديه» عام 1910م على بقايا ميناء هائل غارق، أسفل مياه البحر للجنوب الغربي من جزيرة «فاروس» وتمثل هذه البقايا سلسلة متوازية تقريباً من الأرصفة، أو حواجز الأمواج تتجه من الشرق إلى الغرب وتوازي الساحل تقريباً، وقد بلغ طول الرصيفين أو الحاجزين 2500 متر!! وقد قدرت مساحة ما أسماه (جونديه) الميناء الغربي بـ 650 هكتاراً ويوجد بناء صغير سمي - ميناء الحرب - كما ذكر جونديه.
مع وجود بناء تجاري آخر بين خليج كل من الميناء الغربي، وخليج الأنفوشي، وقد اختير موقعه هذا لتجنب تأثير الرياح الشمالية الغربية التي تعوق الملاحة في الميناء كما تم تحديد مدخل الميناء على نحو يشير إلى إحاطة تامة للظروف الطبيعية بالمكان. ويرى البعض أن هذا الميناء قد شيد بأسلوب بناء الأهرامات، ويرجع تاريخه إلى عصر الدولة القديمة، كما يذهب البعض إلى أزمنة سحيقة ضاربة في أغوار تاريخ البحر المتوسط، كما تشير إلى وجود علاقة بين مصر ومدن بحر إيجه.
ثانياً: توفر مصدر للماء العذب بوقوع المكان على بحيرة مريوط، فتوفر المياه العذبة يعد جوهراً أساسياً للحياة، ونواة تكوين المدن على مدى التاريخ البشري فضلاً عن عناصر الغذاء، والمراعي التي يوفرها وجود مياه النيل في المكان، غير أنه بالنسبة لهذا الموقع تحديداً، فإن العاملين البحري والنيلي قد اجتمعا على نحو عبقري لتحديد مستقبله ومصيره طوال العصور، ولا يمكن تصور أن الإسكندر الأكبر كان ليقوم بتخطيط راقودة الجديدة أو الإسكندرية القديمة، لولا توفر عناصر الحياة الرغدة، وخطورة المكان في آن واحد، التي فطن لها المصريون القدماء من قبل، غير أن ما قام به الإسكندر الأكبر هو فقط تعديلات في المكان تتلخص بوصل جزيرة فاروس براقودة لتوفير وسيلة سريعة للانتقال بين شطري الإسكندرية، ثم إجراء تخطيط عمراني طبقاً للفكر الإغريقي الجديد المتمثل في الشوارع المتقاطعة، وتحديد مرافق المدينة في آن واحد بـ «قرار سياسي» وليس طبقاً لتدرج تاريخي كما تم في راقودة بمعرفة الفراعنة على الأغلب.
ثالثاً: تكوين أرض راقودة المرتفع الذي يمثل جوهر المناخ الملائم لإنشاء مدينة، حيث الهواء الأكثر جفافاً، وكذا إمكانية السيطرة على البقاع المحيطة بها التي تضحى ذات طبيعة عسكرية من آن لآخر للأطماع المحيطة بمصر والعزلة النسبية لهذا الركن من مصر بصفة خاصة.
رابعاً: عثر فٍي أساسيات عمود الصواري (عمود دقلديانوس) وبين أنقاض معبد السرابيوم (الموجود حالياً بمنطقة باب سدرة بحي كرموز) وكذا طبقات الرديم على كتل منقوشة بالهيروغليفية من بقايا أبنية، وكذا تماثيل لملوك من الحقبة الفرعونية من تاريخ مصر، من بينها آثار لكل من سيتي الأول ( 1312 - 1300ق.م) رمسيس الثاني (1300 - 1235ق.م) بسماتيك الأول (363-609ق.م).
ويرجع أقدمها إلى أساس عمود الصواري –وليس السواري كما هو شائع خطأ - إلى عصر الدولة الوسطى أي حوالي القرن العشرين قبل الميلاد، وبالرغم مما تردد على ألسنة علماء حملة نابليون بونابرت (1798 - 1801م) من أن البطالمة قد زينوا الإسكندرية من بقايا فرعونية مثل هليوبوليس، فإن الأمر - بعد حفائر السيرابيوم التي أجريت خلال الأجيال الأخيرة الماضية، وكذا ما انتشل من آثار غارقة خلال العام المنصرم - يستدعي إعادة النظر في هذه المقولة الظالمة التي ظلت لزمن طويل بمثابة معتقد أثري فيما يختص بآثار الإسكندرية الفرعونية.
وخلال الحقبة الإغريقية الرومانية شهدت راقودة حركة للحياة..فقد أقيم بها أعظم معابد البحر المتوسط خلال الفترة الإغريقية – الرومانية، بمصر وهو معبد السيرابيوم الهائل، الذي - بالرغم مما أصابه من التخريب - فقد بدا العجز ظاهراً عن محو آثاره تماماً بالرغم من الأحداث التي شهدتها الإسكندرية.. وديانة سيرابيس في حقيقتها هي تصورات لكاهن مصري قديم يدعى (مانيتو) كان ذا ثقافة خاصة فقد وضع كتاباً لتاريخ مصر - في بداية العصر البطلمي مع زميله الإغريقي (تيموثيوس) المولود في ( اليوزيس) بلد الأسرار المقدسة لديميتر ربة الزراعة والحبوب والعالم السفلي - لتفسير إرادة ملكية لبطليموس الأول فيما يخص روسيا، حيث رأى الملك فيما يرى النائم أنه يرغب في أن يأتي إلى مصر وما هو في حقيقته إلا صياغة مصرية - إغريقية معاصرة باهرة للمعبود المصري (أوزوريس) الذي كانت عبادته راسخة في المكان، قبل أن يأتي الإسكندر والبطالمة، وذلك لإيجاد تآلف بين الشعبين المصري والإغريقي في صياغة سياسة تتسم بالعبقرية السياسية.
أقيم هذا المعبد على أنقاض معبد قديم لأوزوريس في نفس المكان من عصر راقودة، وظل خلال العصر البطلمي والروماني معبداً رسمياً للدولة. حيث عثر بين أنقاضه على بقايا المعبد الروماني الذي أقامه هدريان - على الأغلب - وعثر على تمثال للمعبود سيرابيس على هيئة ثور ضخم من البازلت الأسود المصقول وأسفله كتابة إغريقية تؤرخ إقامة التمثال.. وهو التمثال الموجود الآن في القاعة رقم(6) بالمتحف اليوناني الروماني، في منطقة المسلة بوسط الإسكندرية، كذلك تمثال نصفي للمعبود في هيئة إنسان ذي شعر غزير ولحية كثيفة، وعينين غائرتين واسعتين، ويحمل أعلى رأسه سلة الأسرار المقدسة، ووجه مشرب بماء الذهب الذي بقيت آثاره الضئيلة.
كما عثر على العديد من الآثار الأخرى التي تؤرخ للفترة البطلمية، كتماثيل الآلهة الإغريقية وتماثيل لأبي الهول المصري، تمثل التأثر بمدارس الفن الإغريقي من الرخام أصلاً، وهما التمثالان المقامان حالياً للجنوب من أرضه وتماثيل لملوك مصر القدامى التي سلفت الإشارة إليها.. كذلك عثر على صهاريج للمياه وآبار، وبقايا حمامات ومغاطس رومانية، وللغرب، بناء مربع منحوت في الصخر بأكمله يؤدي إلى صالة في باطن الصخر، كانت تبدو لطقوس الأعياد القديمة، وكانت الدهاليز الشمالية تحوي تمثالاً للمعبود سيرابيس على هيئة الثور، كذلك عثر على آثار الحقبة المسيحية في المكان الذي أقيمت به كنيسة يوحنا المعمدان بعد تجديد المعبد الوثني.
لعل من أكثر بقايا السيرابيوم تأثيراً في النفس - بل أشدها إثارة، وبنفس قوة تأثير راقودة خلال العصور الماضية - العمود الهائل القائم الآن والمنحوت بأكمله من جرانيت أسود والمؤرخ بعد دقلديانوس طبقاً لبقايا النص الإغريقي الموجود على الجانب الغربي من القاعدة للأثر وهو يوضح قدرة المصريين القدماء على الإبداع، ويعلن عن مجد الإسكندرية القديم، والغريب أنه مازال مصقولاً بالرغم من الرياح ونوات الإسكندرية العنيفة خلال فصول الشتاء لقرون طويلة، وكذا بالرغم مما اعترى أرض المدينة من هزات أرضية أضاعت معظم مبانيها، كذا بالرغم مما لحق بالمكان من تخريب في عصر البطريرك ثيوفيلوس، وكذا الوالي قراجا في عصر صلاح الدين الأيوبي.
لقد اكتنف هذا العمود الأساطير الشعبية والعالمية، ومازال أثراً خالداً من راقودة القديمة، التي بقيت آثارها من بين ما أقامه الإسكندر الإغريقي، كذلك عثر على بقايا استاد منحوت في الصخر للجنوب من السيرابيوم، وهو الاستاد الوحيد الذي عثر عليه من بين عمائر المدينة فيما نرى وفي نهاية القرن الماضي عثر على مجموعة من المقابر الوثنية اليونانية الرومانية للشمال الغربي من السيرابيوم من أهمها الأثر الخالد المعروف بالكتاكومب الروماني المنحوت بأكمله في باطن الأرض الصخرية عدا طابق علوي كان موجوداً بالمنطقة المعروفة لدينا الآن بكوم الشقافة.
ويمثل الطرف الجنوبي الشرقي من جبانة الإسكندرية مدى أهمية راقودة خلال القرن الثاني الميلادي، ومدى حركة الحضارة الحافلة بها، وقد ثبت أن الأثر استمر مطروقاً خلال الفترة من القرن الثاني (فترة العصر الروماني حتى القرن الرابع) إلى أن أغلق نهائياً واختفى عن العيان، وقد نحت في الأصل لعائلة رومانية ويتبين ذلك من التمثالين الموجودين أمام المقبرة الرئيسية، وربما كانت تجري في عروقهما الدماء المصرية الرومانية. كما أثبتت النقوش في غرفة الدفن مدى غلبة الثقافة الغربية في تقاليد العقائد الجنائزية، وتصورات العالم الآخر، وكذا وجود وجه ميدوزا، وإشارات الإله (باكوس) إله الخمر والعالم السفلي، وكذا إشارات النمسيس المصري الذي يوضح المدى الذي أفسحته العقائد المصرية، للعقائد الإغريقية و الرومانية في المكان، كذلك عثر على تماثيل من الرخام ببئر القاعة الدائرية، وبقايا رماد كان مدفناً عتيقاً لكهنة السيرابيوم، وعثر أيضاً في منطقة كوم الشقافة على بقايا للحياة اليومية لقدامى الإسكندريين، وكذلك أواني شراب ملونة برسوم شعبية مصرية الطابع. ويمكن القول بأن معاول التنقيب تشهد أن راقودة القديمة ما زالت خفية عن العيان، أسفل طينها الثري، وما زال تحته ركام العصور القديمة في المنطقة التي تطل على البحر المتوسط من الشمال، وبحيرة مريوط من الطرف الآخر.
الواقع أن حجج اختيار الإسكندر لهذا الموقع كثيرة، منها أن الميناء لا يتعرض للتيارات البحرية التي كانت تدفع برواسب نهر النيل إلى شرق حوض البحر المتوسط، وأيضاً وجود جزيرة فاروس على مقربة من شاطئ راقودة.. إلى آخره.. كما أن الإسكندر الأكبر بعد اتساع إمبراطوريته وانضمام بلدان آسيا الصغرى وفينيقيا وفارس ومصر إليها، كان في أمس الحاجة إلى ميناء حصين يسيطر به من حيث موقعه الاستراتيجي على شرقي حوض البحر المتوسط، ليتمكن من خلاله التحكم في الطرق التجارية العالمية بما يضمن لمدينته أن تلعب دور الوسيط في التجارة بين الشرق و الغرب.
الإسكندرية.. مدينتان في مدينة
إن مدينة الإسكندرية القديمة تعتبر من المدن الساحلية التراثية، وقديما كانت الضاحية الرئيسية للإسكندرية، المسماة «أبو قير» حالياً، هي الأخرى مدينة ساحلية تراثية، وقد نسج حول هاتين المدينتين العديد من الأساطير فيما رواه المؤرخون والزوار من الإغريق والرومان والعرب. وكانت المدينتان من المدن المتحفية التي تضم آثار الغابرين الذين عمروهما. وقد كانت هذه الآثار قائمة لكنها لم تتحد الزمن فوق الأرض. فأبو قير القديمة طمرت وغاصت تحت مياه خليج أبو قير. والإسكندرية القديمة بقصورها الملكية المنيفة ومعابدها مالت لتغوص تحت مياه الميناء الشرقي ما بين قلعة قايتباي ولسان السلسلة في أواخر القرن الثامن. والغريب أنهما مالتا في اتجاه واحد و كأن المدينتين كانتا ماثلتين فوق جرف أرضي انهار بهما فجأة. فاختفت المدينتان بعدما كانتا أثراً لكل عين منذ ألف عام. ويقال إنه حدث هذا بسبب الزلال، ويقال أيضاً بسبب الفيضانات التي داهمت المدينتين وأغرقتهما بما فيها منار «فنار» الإسكندرية الشهير.
ولعل من أهم ما عرف عن الإسكندرية «المنار» الذي اعتبره الجميع واحداً من أهم عجائب الدنيا السبع، وبالغوا في وصفه باعتباره أسطورة، والثابت تاريخياً أنه قد أنشئ عام 280 قبل الميلاد، في عصر بطليموس الثاني، وقد بناه المعماري الإغريقي سوستراتوس، وبلغ ارتفاعه 120 متراً، مما جعله أعلى بناية في عصره، ولأن المنار لم يعد شاخصاً أمام أعيننا اليوم، سنلجأ لمؤرخي العرب المشهورين حتى يحكوا لنا عن هذا المنار أو تلك المنارة العجيبة، فقد وصفها المسعودي في عام 944م بقوله: (إن الذي بناها جعلها على كرسي من زجاج على هيئة حيوان السرطان (الكابوريا) في جوف البحر، وعلى طرف اللسان الذي هو في داخل البحر، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، ومنها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس، أينما كانت من الفلك، وإذا كانت الشمس عالية أشار إليها، وإذا انخفضت فإن يده تشير لأسفل، وهناك تمثال آخر يشير بيده إلى البحر إذا صار العدو على نحو ليلة من الإسكندرية، فإذا اقترب العدو حتى يصبح من الممكن رؤيته بالعين، فإن هذا التمثال يصرخ بصوت هائل يمكن سماعه على بعد ثلاثة أميال، فيعلم أهل المدينة أن العدو قد اقترب منهم فيخرجوا للحرب، وتمثال آخر بمثل هذه الغرابة كلما مضى من النهار أو الليل ساعة فإنه يصدر صوتاً واضحاً مختلفاً عن صوت الساعة السابقة، وصوته جميل وبه طرب!).
لم تكن المنارة بناء بسيط التركيب أو التصميم، بل يمكن اعتباره متاهة حقيقية، فكان من يدخلها يضل فيها إلا أن يكون عارفاً بالدخول والخروج لكثرة بيوتها وطبقاتها وممرراتها، وذكر أن المغاربة حين جاءوا في خلافة « المقتدر» في جيش كبير، ودخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة، تاهوا فيها في طرق تؤدي إلى مهاوٍ تهوي إلى السرطان الزجاجي، وفيه سراديب تؤدي إلى البحر، فتهورت الخيول وفُقد عدد كبير من المغاربة، وحتى أيام المقريزي كان ثمة بقية للمنار تتجاوز مائتين وثلاثين ذراعاً، وكان في المنار مسجد يرابط فيه المتطوعون من المصريين، كما يذكر أن المنار، كان مبنياً بالحجارة المنتظمة و المطلية بالرصاص على قناطر من الزجاج، وتلك القناطر على ظهر سرطان بحري، وكان فيه 300 بيت بعضها فوق بعض، وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنار، ولهذه البيوت طاقات تشرف على البحر، وكان على الجانب الشرقي من المنار كتابة تم تعريبها، فإذا هي تذكر (بنت هذه المنارة منذ فترة قريبة مرينوس اليونانية لرصد الكواكب) وهناك من يرجع بفكرة بناء المنار إلى ما قبل الإسكندر الأكبر واليونانيين.
ومن الحكايات الغريبة عن المنار ما ذكره «المقريزي» من أن البحر من حول المنارة كان مليئاً بالجواهر، وكان الناس يخرجون منه فصوصاً للخواتم، ويقال إن ذلك من آلات اتخذها الإسكندر للشرب، فلما مات كسرتها أمه ورمت بها في تلك المواضع من البحر، ومنهم من رأى أن الإسكندر الأكبر اتخذ ذلك النوع من الجواهر حول المنار لكي لا يخلو من الناس حوله، لأن من شأن الجواهر أن تكون مطمعاً للناس في كل عصر، أما عن المرآة التي كانت في أعلى المنار فيذكر المقريزي سبباً لوجودها، وهو أن ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك بتلك المرآة يمكن من خلالها أن يرى أي شيء في البحر. ومما يروى من طرائف هذا المنار أيضاً أنه كان مجمعاً لأهل الإسكندرية في يوم الاثنين من كل أسبوع، حيث يخرج سائر الأهالي من مساكنهم قاصدين المنار ومعهم طعامهم الذي لابد أن يكون فيه أو ضمنه «عدس» فيفتح باب المنار ويدخل الناس.. منهم من يذكر الله، ومنهم من يصلي، ومنهم من يلهو، ولا يزالون حتى ينتصف النهار ثم ينصرفون، وفي ذلك اليوم يحترس على البحر من هجوم العدو، غير أن الكوارث بدأت تحل بهذا البناء الأسطورة حينما حدث زلزال في عام 1303م. في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فضرب شرق البحر المتوسط، ودمر حصون الإسكندرية وأسوارها وأسقط منازلها. وما يؤكد أن كارثة الزلزال قد حدثت إبان العصر الإسلامي. أنه عند التنقيب تحت المياه وجدت عملات وآثار إسلامية وأعمدة وبقايا معابد فرعونية وإغريقية ورومانية وإسلامية. وفي أبو قير تم العثور علي مخلفات أسطول نابليون الذي أغرقه الأسطول الإنجليزي وهو قابع في الخليج عام 1798م.
وقد استمرت مدينة الإسكندرية عاصمة لمصر لأكثر من ألف عام حتى الفتح الإسلامي لمصر، بعدها تحولت العاصمة إلى مدينة الفسطاط (القاهرة حالياً)، حيث لم يرد الخليفة عمر بن الخطاب أن يفصله عن والي مصر بحر، ففقدت الإسكندرية الكثير من أهميتها، إلا أنه رغم ذلك لم يفقد العرب افتتانهم بالمدينة، حيث يتضح ذلك من خلال كتاباتهم العديدة عن وصف الإسكندرية ومنارها وآثارها القديمة.. وبالطبع فقد استمرت حركة التجارة التي كانت الإسكندرية تلعب فيها دوراً مهماً وكذلك تم بناء سور جديد للمدينة.. ووفد إلى الإسكندرية الكثير من العلماء من أمثال الإمام الشاطبي والحافظ السّلَفي وابن خلدون وأبي العباس المرسي وغيرهم الذين أثْروا الحركة العلمية للمدينة.. ومن المعالم التي تركتها المرحلة الأولى للفتح ضريح أبي الدرداء - ذلك الصحابي الجليل - في منطقة العطارين الذي شارك في فتح مصر.. وقد تعرضت المدينة لعدة زلازل قوية (عام 956 ثم 1303 ثم 1323 م.) كلها تسببت في تحطم منارتها الشهيرة حتى إن ابن بطوطة – الرحالة المعروف - عندما زار الإسكندرية في عام 1349 لم يستطع السير عند موقع المنارة من كثرة الحطام! كما تعرضت الإسكندرية لهجمات صليبية كان آخرها في أكتوبر 1365م عانت فيها من أعمال قتل من دون تمييز بين مسلم ومسيحي ونهب وضربت المساجد والكنائس.. إلا أنه في عام 1480 قام السلطان المملوكي قايتباي ببناء حصن للمدينة لحمايتها في نفس موقع المنارة المتهدمة، وهي المعروفة الآن بـاسم «قلعة قايتباي».
حظيت الإسكندرية في عهد السلطان قايتباي بعناية كبيرة.. فقد هيأت دولة المماليك وسائل الراحة لإقامة التجار الأوروبيين في ميناءي الإسكندرية ودمياط، فبنت الفنادق على الطراز الأوروبي ووضعتها تحت تصرف التجار، حتى يعيش التجار الأوروبيون وفق النمط الذي اعتادوه في بلادهم، وكانت الفنادق عبارة عن مبانٍ كبيرة مكونة من عدة طوابق وبها فناء داخلي يجرى به عمليات فك البضائع وربطها.. فأصبحت الإسكندرية الميناء الرسمي الذي كان يرسو عنده أغلب الزائرين الأوروبيين في العصر المملوكي والعثماني، وفي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي حينما سيطر المماليك على مصر في ظل الحكم العثماني، إلا أنه بدأ يظهر الفساد العثماني وزادت الضرائب على المصريين، وذلك في الوقت الذي كانت أوروبا قد بدأت تشهد تغيرات سياسية مهمة بعد قيام الثورة الفرنسية وصعود نابليون بونابرت كزعيم سياسي، وقائد حربي، وجاءت الحملة الفرنسية إلى مصر ودخل جنودها الإسكندرية في الأول من يوليو عام1798م من دون مقاومة تذكر، ورغم أن أفراد الحملة لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في إعادة الحياة إلى الإسكندرية إلا أن تلك الحملة كانت بمثابة إنذار بـ «اليقظة» إلى كل المصريين! وسرعان ما التحمت القوات البريطانية مع الفرنسية في الإسكندرية في عام 1801م في معركة أدت لخروج القوات الفرنسية من مصر..لتدخل الإسكندرية ومصر بصفة عامة مرحلة جديدة مليئة بالنهضة في جميع المجالات..
تقع قلعة قايتباي في نهاية جزيرة فاروس بأقصى غرب الإسكندرية. وشيدت في مكان منار الإسكندرية القديم الذي تهدم سنة1307م - 702هـ. إثر الزلزال المدمر الذي حدث في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون. وأنشأ هذه القلعة السلطان الملك الأشرف أبو النصر سيف الدين قايتباي الذي قدم إلى مصر ولم يتجاوز عمره العشرين عاماً، وتدرج السلطان قايتباي في المناصب حتى تولى حكم مصر سنة 872 هـ /1468م، كان هذا الرجل محباً للعمارة ومغرماً بها حتى إنه كان يتخذ «شاد» للعمائر كوظيفة رسمية في الدولة – تساوي حالياً منصب وزير التعمير – وكانت تلك الوظيفة من أهم وأشهر وظائف الدولة، وكان من تولاها فجماس الإسحاقي الذي باشر أعمال بناء هذه القلعة، وينسب إلى السلطان قايتباي العديد من العمائر في مختلف بقاع مصر وخارجها أيضاً. وقد بدأ السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي بناء هذه القلعة في سنة 882هـ، وانتهى من بنائها سنة 884هـ. وكان سبب اهتمامه بالإسكندرية كثرة التهديدات المباشرة لمصر من قبل الدولة العثمانية التي هددت المنطقة العربية بأسرها.
أقيمت القلعة بأسوارها على مساحة 17550 متراً مربعاً أي ما يزيد على أربعة أفدنة، وهي تأخذ شكل المربع تبلغ مساحته 150*130م يحيط بها البحر من ثلاث جهات. وهي تحتوي على أسوار وبرج رئيسي. وتنقسم الأسوار إلى سور داخلي وآخر خارجي. فالسور الداخلي يشمل ثكنات الجند ومخازن السلاح. أما السور الخارجي للقلعة فيضم في الجهات الأربعة أبراجاً دفاعية ترتفع إلى مستوى السور باستثناء الجدار الشرقي الذي يشتمل على فتحات دفاعية للجنود. أما البرج الرئيسي في الفناء الداخلي فيأخذ شكل قلعة كبيرة مربعة الشكل طول ضلعها 30متراً وارتفاعها 17متراً.
وتتكون القلعة من ثلاثة طوابق وتوجد في أركان البرج الأربعة منها أبراج نصف دائرية تنتهي من أعلى بشرفات بارزة تضم فتحات لرمي السهام على مستويين، ويشغل الطابق الأول مسجد القلعة الذي يتكون من صحن وأربعة إيوانات وممرات دفاعية تسمح للجنود بالمرور بسهولة خلال عمليات الدفاع عن القلعة، كما يوجد بها مسجد كانت له مئذنة ولكنها انهارت مؤخراً، أما الطابق الثاني فيحتوي على ممرات وقاعات وحجرات داخلية، ويضم الطابق الثالث حجرة كبيرة (مقعد السلطان قايتباي) الذي كان يجلس فيه لرؤية السفن وهي على بعد مسيرة يوم من الإسكندرية، ويغطيه قبو متقاطع كما يوجد في هذا الطابق فرن لإعداد الخبز البر المصنوع من القمح، وكذلك طاحونة لطحن الغلال للجنود المقيمين في القلعة. وقد جدد السلطان قنصوه الغوري القلعة وزاد من حاميتها.
وتعتبر قلعة قايتباي من أهم القلاع والحصون على ساحل البحر الأبيض المتوسط وقد أقيمت في مكان منار (فنار) الإسكندرية عند الطرف الشرقي لجزيرة فاروس وراقودة وكان مهدماً، فأمر بترميمه السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ولكنه انهار مرة أخرى، لذا في عام 882هـ/1477م، عندما زار السلطان قايتباي الإسكندرية وتوجه إلى موضع المنار القديم، أمر بأن يبني على أساسه القديم هذه القلعة، وقد استمر البناء لمدة عامين، وقيل إن السلطان قايتباي صرف على بناء هذه القلعة ما يزيد على مائة ألف دينار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس عصر البناء حينذاك.
معقل الآداب والعلوم والفنون
بالرغم من أن الإسكندر الأكبر هو الذي عهد إلى المهندس «دينو قراطيس» بتخطيط المدينة إلا أنه توفي قبل أن يراها، ومن بعده - في سنة 290قبل الميلاد - عهد إلى المهندس «بطليموس الأول» الملقب بـ «سوتير» أي المنقذ، من بعده بمتابعة أعمال البناء.. وأغدق الأموال في سبيل تجميلها وإكمال أعمارها.. وأراد أن يحيي فكرة المدينة الإغريقية الكلاسيكية، وأن يجمع كل تراث الحضارة الإغريقية، فأنشأ (الموسين) وهو اسم يعني معبد الربات، ومفردها (موساي) أي معبد ربات الفنون.. وكان يتوسط هذا الموسين مذبح لهذه الربات، تحيط به القدسية، ولكنه في نفس الوقت كان مقراً للعلماء والأدباء، يقيمون فيه بصفة دائمة، ويتناولون وجباتهم المشتركة معاً، وتصرف لهم أجور عالية، وفي نفس الوقت تتوافر لديهم كل وسائل البحث العلمي المتاحة آنذاك، وفي هذا الموسين، أقيمت المكتبة الكبرى بالإسكندرية، وكانت تقع في الجزء الملكي من المدينة، الذي كان يسمى (البروخيون).. ذلك لأن بطليموس الثاني الذي كان يلقب بـ ( فيلادلفوس) أي المحب لأخيه أقام مكتبة أخرى في الحي المصري من المدينة - راقودة - وكانت المكتبة الكبرى مخصصة للعلماء وصفوة القوم فقط، أما المكتبة الأخرى فكانت لعامة الناس.
العذراء المليحة ومزاراتها النادرة
في العصر الحديث سارعت مصر إلى إنشاء دار الكتب المصرية في القاهرة سنة 1871، وأصبحت تحتوي على المخزون الأكبر من المؤلفات العربية، تلتها بتواضع شديد بلدية الإسكندرية في إنشاء مكتبتها سنة 1890 (ومقرها الحالي قصر منشا الذي أصبح متحف الفنون الجميلة بشارع منشا بحي محرم بك)، ثم توالت المكتبات في كل أنحاء مصر، دلالة على أن شعبنا العربي المصري العريق لا يكاد تستقر به الأحوال حتى يقبل على مصادر المعرفة، وينهل بغير حدود من ينابيع الحكمة، كما قامت الدولة بالتعاون مع اليونسكو لإعادة إحياء وبناء مكتبـــة الإسكندريـــة على طراز حديث وبأسلـــــوب تكنــولوجي متطور.
- لكي تكون منـارة علمية وثقافية وحضاريــــــة تطل على شاطئ البحر المتوسط، وتضـــــاهي ما يوجد في كل عواصم أوروبا من مكتبات ضخمة، لتؤكد من جديد أن الشعب العربي المصري، الذي أضاءت حضاراته القديـــــمة والوسطى أرجاء العالم القديـــــم والحديث، هذا الشعب هو الذي يتقدم مع الألفية الثالثة، ليقيم صرحاً معرفياً، سوف تكون له بدون شك آثاره الواضحة على المستويين المحلي والعالمي.
المراجع:
(1) بحث منشور في مجلة «الهلال» المصرية – للأثري أحمد عبد الفتاح - المدير العام السابق والمستشار الحالي للمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية – القاهرة. (2) د. أحمد عتمان - مكتبة الإسكندرية والحضارة اليونانية - القاهرة - 1987م. (3) د. نبيل سليم - عالمنا البديع.. الإسكندرية، ومكتبتها العالمية - دار المطبوعات العالمية - الإسكندرية - 1992م. (4) د. حامد طاهر - مكتبة الإسكندرية ودلالتها الحضارية - مؤسسة الأهرام - القاهرة - 1999م. (5) د. نبيل سليم - العرب بين الاتهام الكاذب والحريق الغامض - بحث منشور بمجلة كلية العلوم الإنسانية بجامعة الإسكندرية، العدد 212- 1996م. (6) د. محسن زهران - خصوصية مكتبة الإسكندرية - بحث منشور في مجلة كلية العلوم الإنسانية - العدد رقم 213 - 1997م. (7) مجلة دبي الثقافية – أعداد مختلفة.
(8) www.sis.gov.eg/Ar/Tourism/Major/Alexandria 9-www.awrag.com/3j/2.htm-17kar.wikipedia.org/wiki/-92k
تعليقات وشروح الصور المرفقة
(1) تخطيط لمدينة فاروس أو راقودة القديمة. (2) تمثال يوناني للإسكندر الأكبر أهدته اليونان للإسكندرية بمناسبة افتتاح مكتبة الإسكندرية. (3) عمود الصواري بمنطقة كرموز. (4) المسرح اليوناني الروماني بمنطقة كوم الدكة. (5) المتحف اليوناني الروماني بمنطقة المسلة. 6- حي بحري المطل على الميناء الشرقي.
(7) رسم تخطيطي لفنار الإسكندرية القديم. (8) بعض الآثار الغارقة انتشلتها بعثة بولندية للتنقيب عن الآثار الغارقة. (9) قلعة قايتباي تطل على راقودة والميناء الشرقي (صورة جانبية). (10) منظر أمامي للقلعة وحرم الطريق إليها. (11) قصر المنتزه. (12) جامع العارف بالله سيدي أبي العباس المرسي. (13) مكتية الإسكندرية الجديدة وقبتها السماوية. (14) بعض قاعات المكتبة.
|