المقاهي الأدبية في بعض البلدان العربية
تاريخ وحيـوات
حـواس محمود
هناك ارتباط وثيق بين المقهى والمثقف، وهذا الارتباط جاء عبر علاقة حميمة ـ في القرن الماضي بين أهم عمالقة الأدب والفن، والمقاهي، بارتيادهم إياها وإجراء للنقاشات الحلمية فيما بينهم في أجوائها الحميمة والاطلاع على الجديد في عالم الصحافة والأدب...
في هذه المقالة سنتناول المقاهي الأدبية في مصر ـ لبنان ـ الأردن ـ سوريا ـ السعودية.
المقاهـي الأدبيـة فـي مصــر:
كتب جمال الغيطاني مرة أن القاهري حين يحدد موعداً إلى قاهري آخر، يقول له سنلتقي في مقهانا، ثم تحدث عن مقاهي القاهرة وعما تمثله من أمر جوهري في حياة المصريين في المدينة العظيمة... ولكن إلى متى سيدوم ذلك هكذا تساءل الروائي المصري.
لقد كان نجيب محفوظ يرتاد (مقهى الفيشاوي) وهو لا يزال طالباً في الثانوي ثم مقهى عرابي، الفردوس، ثم ركس، ثم لونا بارك، ثم مقهى سي عبده الذي ورد ذكره في الثلاثية ثم علي بابا الذي يفتتح به برنامجه اليومي لسنوات، إن أقدم المقاهي القاهرية هي مقهى «متاتيا» والتي دشنت دوراً مغايراً للمقهى منذ ذلك التاريخ ففي العام1867 أمر الخديوي إسماعيل في إطار مشروعه (القاهرة باريس الشرق) بردم بركة الأزبكية والبرك المحيطة بها (ميدان العتبة الآن) وهناك أنشأ الأوبرا المصرية، وكان من بين المباني الجديدة بناية تقع خلف دار الأوبرا القديمة، أطلقوا عليها عمارة البوسته نظراً لقربها من مبنى البوسته، وكانت ضمن المحال الكثيرة التي تقع أسفل هذه البناية «مقهى البوسته» الذي تغير اسمه إلى مقهى «متاتيا» نسبة لاسم المالك الذي آل إليه المقهى، وقيل إنه كان يوناني الجنسية، وربما لم يشتهر في مصر مقهى مثل «متاتيا» فلقد كان أهم أول مقهى بالمعنى المتعارف عليه بين المثقفين والوطنيين أصحاب الفنون، كان يرتاده جمال الدين الأفغاني ومن حوله يتحلق المريدون، أحمد عرابي، وسعد زغلول، وعبدالله النديم ومحمد عبده، ويعقوب صنوع ومحمود سامي البارودي، وتجدر الإشارة إلى أنه في هذا المقهى بدأت ثورة عرابي، وقد تعاقبت أجيال المثقفين على هذا المقهى مثل أحمد شوقي والعقاد وحافظ إبراهيم، كما كان يلتقي فيه الشاعر خليل مطران والشيخ التفتازاني، وحبيب جاماتي وكثير من الشوام (من أهالي بلاد الشام) والمصريين، وقد تم هدم المبنى الذي يقع فيه هذا المقهى العام 1999 في إطار مشروع نفق الأزهر. ـ ويأتي مقهى «ريش» في المقام الثاني بعد «متاتيا» في الأهمية التاريخية تأسس عام 1908، وفي عام 1972 ومع كثرة تردد عناصر كثيرة من الحركة الطلابية على ندوة نجيب محفوظ في «ريش» ولدت فكرة بيان توفيق الحكيم الشهير إذ نصح نجيب محفوظ الأدباء بالتوجه إلى مكتب توفيق الحكيم في «الأهرام» أما مقهى الفيشاوي فهو من المقاهي الضاربة في القدم أيضاً، ولا يمكن أن نقول عنه إنه مقهى مثقفين فهو مقهى شعبي، طغت عليه أخيراً الصفة السياحية وكان يحتل رقعة أوسع مما هو عليه الآن فكان يطل على المشهد الحسيني مباشرة، وكان من أشهر رواده نجيب محفوظ كما ارتاده زعماء ومفكرون سياسيون عرب وأجانب والإمام محمد عبدو وأنور السادات وجمال عبد الناصر وسارتر وسيمون دي بوافور،... وفي الجيزة يوجد مقهى «عبدالله» في ميدان الجيزة، وكان من أشهر رواده محمد مندور وعبد القادر القط ونعمان عاشور وأنور المعداوي وزكريا الحجاوي وعبد المحسن طه بدر ورجاء النقاش ومحمود السعدني، وكان المعداوي نجم هذا اللقاء ولحق بهم صلاح عبد الصبور وحجازي، والجدير بالإشارة أن نجيب محفوظ لم يكن يحب السفر بل كان يمضي الصيف عادة في الإسكندرية، وعندما يتعثر عليه فهو لا يتزحزح من مدينته الأم، وكان المقهى الذي يجتذبه أكثر من غيره هو مقهى «بترو» وقد هدم فيما بعد، كان محفوظ يلتقي فيه بتوفيق الحكيم الذي كان يفضل في العادة ارتياد مقهى «سيدي بشر» لقد كان مولعاً كذلك بارتياد مقهى «باسترودي» في شارع فؤاد.
المقاهي الأدبية في لبنان
لم تعد مقاهي المثقفين عامرة في بيروت فما اصطلح على تسميته بهذا الاسم بات اليوم أمكنه فقيرة تقبع على زاوية «البيكاديلي» في شارع الحمراء يزورها قليل من الرواد، يبدو جلوسهم على مقاعدهم أشبه بالإقامة منه بذلك الجلوس الخفيف والرشيق في المقاهي، إنها «ألويمبي» و«المودكا» و«الكافيه دي باريس» نفسها ولكنها اليوم مختلفة قليلاً، مقاعدها وطاولاتها قديمة فيما المقاهي الأخرى في المدينة تتبارى في اختيار أثاثها الجديد والمبتكر، الأمر نفسه يصبح بالنسبة إلى الرواد، فزبائن النوع الأول من المقاهي يبدون الحيوية والجدة التي يبديها زبائن المقاهي الجديدة ثيابهم أقل نضارة وهم لم يأتوا إلى المقهى مصطحبين أطفالهم ونساءهم ومازالت طلباتهم من الندل مقصورة على القهوة التركية والقهوة الإكسبريس التي صار اسمها في المقاهي الجديدة «اسبرسو» وفي النوع الأول من المقاهي قليل من النساء ومن الشباب، فيما تطغى هاتان الفئتان على رواد مقاهي النوع الثاني.
المقاهي الأدبية في الأردن
على أثر تهدم مقهى العاصمة كتب مؤنس الرزاز مقالاً رثى الأوقات التي قضاها في المكان وموجهاً إلى صديقه الكاتب محمد خروب الذي كان أنيسه لفترة العصر وأول الليل سؤالاً يقول فيه: هل بدأت المعالم التي تشبهنا تختفي فجأة ؟ وهل علينا أن نشد الرحال إلى مجهول دائماً كلما اعتدنا مكاناً ألفناه ؟ والروائي الراحل مؤنس الرزاز كان من بين أكثر الأدباء الأردنيين مواظبة على وقت المقهى وقت النظر إلى الصحف والمجلات ووقت لقاء الأصدقاء، وانتقل على مضضٍ (بعد هدم مقهى العاصمة وتحوله فندقاً عالياً) إلى مقهى «الأردن» غير أنه لم يعتد الهدوء النسبي في المكان الجديد، ومثلما كان الهدوء أبعد الرزاز ومجموعته عن مقهى الأردن فإن الضجيج الذي لا يحتمل دخان الأراجيل في مقهى «كوكب الشرق» أبعده ولكن هذه المرة إلى مقهى نخبوي هو في الحقيقة ركن من «مكتبة الأردن» في المنطقة (الدوار الثالث) ولكونها مكتبة تهتم عبر شخصية صاحبها مصطفى شعشاعة بالكتب المكتوبة بالإنجليزية، لذا كان وقت الرزاز هذه المرة منسجماً مع قراءات بلغة شكسبير من دون أن يعني هذا انقطاعه عن لقاء الأصدقاء وإن بات مجيئهم أقل.
حنين الرزاز إلى مقهى بات ملحاً مع تقلبات مزاجه فعاد إلى مقهى «عمون» في المسافات الأولى من شارع السلط الصاعد من وسط البلد، وانتظمت حلقة من الكتاب والأدباء في المكان كالقاص والصحفي يحيى القيسي والقاص الروائي هاشم غرايبة والقاص مفلح العدوان والشاعر والأكاديمي محمد عبيد الله والقاص أحمد نعيمي والناقد السينمائي ناجح حسن «خبير المقاهي» وذواقها الأول في عمان، ثلاث ساعات يومياً كانت كفيلة بجعل ناجح حسن جوالاً خبيراً بين مقاهي عمان التي يرتادها ومن مشاهديها كان يرسم ملامح عروض سينمائية مبتكرة تجمع الاجتماعي بالسياسي والواقعي بالمتخيل الذي لا يخلو من إثارة، ولم تتوقف اختيارات حسن عند المقاهي التي يرتادها الأدباء بل امتدت إلى تلك التي تتميز بنكهة خاصة كما مقهى «الشريف الدولي» عند جبل الحسين التي باتت تستقطب أكثر من أديب بينهم الشاعر والكاتب خيري منصور الذي يعتبر جذاباً في الحديث وابتكار موضوعاته، وكان يدانيه في ذلك الكاتب والصحفي معن البياري الذي كان قبل سفره للعمل في قطر ثم الإمارات لاحقاً من أبرز علامات المقاهي الأدبية في عمان، والجلوس إليه كان متعة لا تضاهيها إلا متعة الجلوس إلى الشاعر رسمي أبو علي الذي بإمكانه تحويل أي مشهد أو قضية إلى مادة للحديث الممتع والأنيس والمفيد، وعلاقة أبوعلي بالمقهى وطيدة وإبداعية إن شئت فله مجموعة «ذات مقهى» وتجدر الإشارة إلى أنه لم يجمع مقهى أدباء عمان ومثقفيها مثل مقهى «الفينيق» الذي أسسته الإعلامية سعاد الدباح وعاونها في إدارة المقهى الشاعر العراقي المقيم في عمان (1991 ـ 1997)علي الشلاه وما كان جاذباً في المكان وجوده في منطقة أنيقة من عمان (الجاردنز) وكان يحوي شكل المقهى العادي، وكذلك الجانب الثقافي من الأمسيات الأسبوعية في مختلف أشكال الإبداع والمعارض التشكيلية واللقاء مع كل وجوه الثقافة الأردنية، ولفرط شهرته صار «الفينيق» ينافس المؤسسات الثقافية الأردنية وإليه كان يتوجه كبار المثقفين العرب من زوار عمان قاصدين اللقاء مع كبار تجمع لمثقفي الأردن.
المقاهي الثقافية في سوريا:
مع بداية القرن العشرين والتطورات التي طرأت على المجتمع الدمشقي، راحت المقاهي تنتشر على ضفاف فروع نهر بردى المتغلغلة في الأحياء الدمشقية ففي العشرينات ولغاية الخمسينات من القرن الماضي كان شارع العابد وشارع بغداد وسط مدينة دمشق يغصان بالمقاهي وأشهرها «اللونا بارك» الذي سمي فيما بعد بـ«الرشيد» وظل هذا المقهى حتى الخمسينات، وكان مسرحاً صيفياً يقدم أيضاً الأفلام السينمائية وكثيراً ما تحول مسرحه إلى منبر للحفلات الخطابية السياسية والانتخابية وأيضاً مقهى «الفاروق» و«الزهور» و«الأزبكية» وغيرها، وعادة ما كان رواد تلك المقهى من طلاب المدارس، فبعد أن يدخنوا فيها الأرجيلة ويشربوا الشاي والقهوة يذهبون إلى نادي بردى لكرة القدم الموجود في الشارع نفسه، وهكذا في أواخر الأربعينات مروراً بالخمسينات والستينات شهدت مقاهي دمشق مرحلة ذهبية من حيث تحولها من مجرد أماكن للتسلية والمتعة والترويح عن النفس إلى أماكن تجمع السياسيين والمثقفين والصحفيين ونخبة المجتمع الدمشقي، وكان مقهى «الطاحونة الحمراء» يكتظ صباحاً بلفيف من صحفيي «الأيام» و«القبس» والصحف الأخرى إلى جانب عدد من النواب، وفي المساء كان المشهد السياسي أكثر وضوحاً في مقهى «البرازيل» حيث يجتمع السياسيون العتاة والوزراء السابقون وظرفاء يتندرون على الجميع من دون استثناء، وعلى الرصيف المقابل ينعكس المشهد ذاته في «الهافانا» فيتقاسم الطاولات شباب من أحزاب مختلفة، ولكن في وقتنا الراهن نجد أن المشهد السابق للمقاهي الدمشقية أو السورية عموماً قد تغير فلم يعد السياسيون من الحزبيين والوزراء من روادها، باتت المقاهي تقتصر على المتقاعدين والعاطلين عن العمل إلى جانب المثقفين والصحفيين المهتمين بالشأن الثقافي، ولم نعد نلمح في زوايا «الهافانا» مثقفاً مثل صدقي إسماعيل الذي يكتب صحيفته «الكلب» الساخر بخط اليد، من ثم يستنسخها الأصدقاء ليستمتعوا بالشعر «الحلمنتيشي» وهو يستعرض أحوال البلد والسياسيين، ومقاهي شارع العابد آلت إلى زوال سوى مقهى الروضة الذي صار ملاذاً للمثقفين يجتمعون فيه لثرثرة ولتقرير مكان لقائهم المسائي في أزقة العابد أو قصر البلور في باب توما أو نادي الصحفيين في العفيف أو مطعم الريس في ساحة المحافظة أو مطعم «رابطة المحاربين القدماء» في حال كانت الجلسة «على قد الحال» أما إذا كان الطموح لسهرة أو غداء عامر فيذهب الاختيار نحو الربوة حيث مطعم «الشعار» أو دمر حيث مطعم «السمر» وفي وقت يمتلئ مقهى الروضة بالمثقفين والصحفيين خصوصاً وقت الظهيرة، يكاد مقهى «الهافانا» يخلو لأن أسعار المشروبات في «الهافانا» ساهم في إقصاء المثقفين عنه، ويقتصر على تقديم القهوة التركية والشاي والعصير، بينما يجذب مقهى «الروضة» بأسعاره الشعبية معظم رواد المقاهي، كما هو أيضاً حال مقهى الكمال مع فارق أن الأول يعتبر بؤرة للشلل الثقافية بينما يذهب الميسورون من المثقفين وغالباً من العاملين في مجال التلفزيون والسينما إلى مقهى فندق الشام الخمس نجوم، حيث تجري اللقاءات والحوارات الصحفية وعقد اتفاقات العمل بين الشلل الفنية التي تجمع النساء والرجال معاً.
المقاهي الأدبية في المملكة العربية السعــودية:
وقفت الثقافة الاجتماعية في السعودية موقفين متباينين من المقهى، فهناك فئة تنظر إلى المقهى نظرة ازدراء لرواده وارتباط المرتادين لهذا الموقع بالطبقات الدنيا والمنحرفين سلوكاً، وهذه النظرة تتسع دائرتها حتى تصل إلى معظم المدن والقرى، هذه النظرة ربما كان جذرها الذي تستند إليه تحريم التدخين مع بداية ظهوره، ولكون المقهى يقدم «الشيشة» وغالبية المرتادين من المدخنين اكتسب الموقع تحريماً يوازي تحريم ما يتعاطى داخله، إضافة إلى بقاء إرث سابق من التحريم للشاي والقهوة وظل موقع المقهى مرتبطاً بالمنحرفين والغرباء ومن ليس له أهل، وبقي بعيداً من إقبال الكثير من أفراد المجتمع الذين يبحثون عن سمعة نظيفة تبعدهم عن اللوم أو اتهامهم بما يكرهون. هذا التفكير أخذ يتزحزح مع السنوات لتتسع فئة المدخنين ورواد المقهى بنظرة حاولت من البدء الانفكاك من أسر أحكام المجتمع الجاهزة، وأخذت تتعامل مع المقهى موقفاً لتطبيب المزاج وشرب الشاي وتبادل الأحاديث،
والمجتمع الحجازي يختلف عن بقية المناطق الأخرى في المملكة حيث وجد نمط سلوكي في حياة الناس كان من عاداتهم اليومية تبادل الأحاديث وشؤون الحي، الجلوس بالمركاز ويتبادلون فيها أخبار الأدب، وهذا المكان يسمى المركاز وجمعه مراكيز والمركاز عبارة عن أرائك ترص على شكل مستطيل مفتوح من الجهة التي تقابل صدر المجلس، وفي الصدر يجلس الأكثر تميزاً في المجموعة، وقد لعب المركاز أهمية اجتماعية وثقافية في الفترات المبكرة من حياة المجتمع الحجازي (في مكة وجدة على سبيل المثال) ومع التغيرات السريعة غاب المركاز وظل محصوراً في أماكن معينة ومحدودة، ومع وجود المركاز لم يكن المقهى غالباً بل كان يوجد بسمعة سيئة (عند البعض) وأخذ المقهى يتشكل ويكتسب وجوداً تدريجياً بدأ بالتسامح مع كبار السن في دخول المقهى وانتهى بقبول الجميع في هذا المكان. ومن المقاهي الشهيرة في استقبال المثقفين في مدينة جدة مقهى الأبراج (وهو أرستقراطي يقع على شاطئ الحمراء) وتتوافد إلى هذا المقهى مجموعة كبيرة من الأدباء والإعلاميين والرياضيين والفنانين التشكيليين والشعراء الشعبيين وغدا هذا المقهى ملتقى كثير من الكتاب بالقرب من نادي جدة الأدبي، وهناك مقهى «الحزام» وهو مقهى يقع بين مجموعة ورش صناعية يرتاده كتاب شباب في جلسة أسبوعية لتداول الآراء في الجوانب الثقافية والأدبية، وهناك مقهى «المها» يقع في المدينة الصناعية يرتاده فنانون تشكيليون.
المراجــع:
1 ـ المقاهي الأدبية من القاهرة إلى باريس ـ تأليف جيرار جورج لومير ـ ترجمة مي عبد الكريم محمود ـ دار الأهالي ـ ط1، 2001 م.
2 ـ صحيفة الحياة ـــ 1أيار/ مايو 2002 ـــ ملف آفاق ـــ ص 17.
3 ـ الحياة ـــ 8 آذار/ مارس 2002 ـــ ملف آفاق ـــ ص 18.
|