الفنان التشكيلي السوري عبد المحسن الخانجي
ما بين المعدن واللون يفرش رؤاه الفنية
بيانكا ماضيّة
لعل زائر صالة الخانجي الكائنة في مدينة حلب لصاحبها الفنان التشكيلي عبد المحسن الخانجي تسحره تلك اللمسات الجمالية التي أضفاها على لوحاته مقدماً من خلالها رؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والخيال، إلا أن ركناً من أركان تلك الصالة خصصه الفنان عبد المحسن مرسماً ولمزاولة فن الضغط على النحاس؛ ليقدم جداريات ولوحات لاتعبق برؤيا الفنان وحسب وإنما بتقنية أبدع من خلالها ما يجمع بين الرسم والنحت.
نحاسيات ودقة في الإتقان
تعود علاقة الفنان الخانجي بالنحاسيات إلى فترة السبعينيات حين افتتح في حلب أول مرسم يكاد يكون الأول في الوطن العربي، وهو مرسم خاص بأعمال النحاس، بينما كان الفنان جمال السجيني من مصر من رواد الأعمال النحاسية في الفترة ذاتها، فبين عامي 1974 – 1975 عمل الخانجي في فني الرسم والنحت وسعى إلى إيجاد علاقة تجمع بينهما فلم يجد إلا مادة النحاس المطواعة اللينة ذات القيمة المادية والمعنوية والجمالية ليجسد فيها ما يطمح إليه، فبدأ بتحويل العمل التطبيقي إلى عمل فني, ومن هنا بدأ المشوار.
شارك الخانجي في معارض جماعية عديدة، وقد أقام أول معرض فردي له في صالة (روشان) بجدة، واحتوى ذاك المعرض على الأشكال الزخرفية والحروفية والتجريدية، ليقوم بعد ذلك بتنفيذ جداريات عدة في كل من الكويت، السعودية، سورية؛ ليثبت فيها تصوراته الفنية والتراثية والشعبية، تلك التي زاوجت بين مفردات التراث ومفردات العصر، وتفاعلت مع معطيات الحضارة العربية الإسلامية ومع ما تختزنه من جمال فني وعمق روحي تضفيه تلك الزخرفة التي تشكل عنصراً أساسياً من عناصر الفن الإسلامي.
ومن الأعمال التي قام بها في السعودية مجلس كامل مساحته 200م2 وجداريات كثيرة من فن الضغط على النحاس، وآخر عمل كان لي في طرابلس عام 2005 ومساحته 18م2 ضمنته رؤيتي للتاريخ وللحاضر وللمستقبل، وهو موضوع على جدار الجامعة الوطنية بطرابلس (لوحة ضخمة ذات مستويات ثلاثة).
أما لوحات البورتريه المشغولة من النحاس فيقول الخانجي عنها: لقد جسدت صور بورتريه لرؤساء ولأمراء وملوك من الوطن العربي، منها بورتريه للشيخ جابر الأحمد الصباح، وبورتريه للشيخ زايد آل نهيان، وغيرهما ضمن تشكيلات فنية.
تتميز أعمال الخانجي النحاسية بالدقة والإتقان في الصنع، إذ يقوم برسم الموضوع على صفيحة النحاس ليقوم بعدها بالضغط عليه لتبرز الأشكال التي يريد إظهارها إلى الأمام، ويحتاج هذا العمل إلى قوة عضلية إضافة إلى رؤية فنية يجسدها الفنان فيما يقوم بعمله من لوحات.
تشتمل لوحاته وجدارياته على موضوعات متعددة، منها التراث والحروفيات وأخرى عن المرأة، وغيرها من مواضيع موشحة برؤى الحداثة والمعاصرة، جمعها الفنان واشتغل عليها ما بين أعوام 1974 – 2006 حتى ليكاد يقترب عددها من آلاف اللوحات والجداريات.
ومن اللوحات المهمة التي يعتز بها لوحة قدمها بمناسبة وفاة الفنان لؤي كيالي، فيها ما يشير إلى هذا الفنان وحياته الحافلة بالعطاء الفني، بالإضافة إلى الكثير من الجداريات الموزعة في أنحاء الوطن العربي.
إن النحاس الذي وجد فيه الفنان الخانجي مادة مطواعة، يؤثر فيه أي ضغط على سطحه, ومن هنا أراد تشكيل ما يود إبراز موضوعه إلى السطح عن طريق الضغط اليدوي، فالرسم يكون على سطح النحاس بينما يكون الضغط من الخلف بوساطة أداة معدنية، فهو مثل نحت (الرولييف) لكن بدلاً من العمل عليه من الأمام يكون من الخلف، فتبرز الصورة إلى الأمام، وبعد الضغط يتشكل فراغ يتم ملؤه من الخلف بمعجون الحديد لتحافظ اللوحة على شكلها فلايؤثر فيها أي ضغط آخر.
ويشير الخانجي إلى أن النحاس مادة طيعة إلا أن المهم أن تكون بيد إنسان يستطيع العمل بها بشكل صحيح، ويقولون عن هذا الفن إنه تطبيقي بينما أقول أنا إنه إبداعي.
عبد المحسن الخانجي فنان مبدع يتفنن في أعماله فتظهر من خلال أسلوب جذاب ومتميز ومبتكر في لوحات جميلة عرضها في غير معرض إن في سورية أو في خارجها، وأمام هذه الشخصية الفنية السورية المتألقة المفعمة بثقافة فنية جامعة تكتشف سر حضوره وتميزه، إذ وضع بصماته الفنية في أشكال لاتمحى، ولذلك كان له حضوره الخاص على الساحة التشكيلية العربية والعالمية، وهو من خلال قضية الأصالة والمعاصرة استطاع أن يجسد أعمالاً نحاسية ليؤكد من خلالها رؤيته الفنية وعصريته وفنه القائم على البحث عن كل ما هو جديد ومعاصر.
لا يستطيع الانفصال في أعماله عن التراث الذي يشكل مادة حية لأفكاره، كما لايمكنه الانسلاخ عن العصر الذي يفرض تحدياته على الفنون بشكل عام وعلى الإنسان بشكل خاص، ومن هنا فإن الخانجي يحاول البحث عما وراء الخطوط والزخرفة، عن رؤى جديدة تكون منطلقاً حديثاً للأفكار المعاصرة، وهو لاينسى بالتالي الاستلهام من الحضارة العربية الإسلامية ومفرداتها المختلفة، ليحضر رموزها وشواهدها وصورها، كما لاينسى معطيات التراث والبيئة، ليحضر صورها المتعددة الأشكال من صقور مختلفة وخيول متمردة، أما استلهامه من الحضارة العربية الإسلامية فيتجسد فيما كونه من أعمال تضمنت أبواب المساجد والآيات القرآنية بكل ما تحمله من جمال فني ليضفي عليها شكلاً معاصراً في محاولة جادة لتقديم كل ما لديه من فن وموهبة وإبداع.
النحاسيات حالة تزيينية وفيها فكرة أو موضوع وتتراوح ألوان النحاس ما بين الأصفر والأبيض والأحمر، كما يمكن تغيير هذه الألوان بإضافة ألوان أخرى إليها، وقد يحتاج عمل لوحة أو جدارية إلى مستويات عدة تشكل أبعاداً لها، كما يمكن تطوير العمل بالنحاس ليكون ذا أبعاد فراغية فيتحول العمل إلى نحت فراغي.
يقول الخانجي عن علاقته بالنحاس: هي علاقة غرامية بحتة، هو كالصديق بالنسبة لي، فيه قابلية للتشكيل كيفما أريد، إذ هو مادة سهلة لإنجاز الإبداعات المختلفة، أعتز كثيراً باللوحات التي زاوجت فيها بين موضوعي الأصالة والمعاصرة، ومنها قلعة حلب، والأساطير، وتلك التي ضمنتها ألواناً عديدة ضمن موضوع حداثي يتعلق بالمرأة أو بعلاقة الرجل بالمرأة، إذ هي حالات إنسانية ضمنتها أعمالي النحاسية... لا أستطيع التوقف عن العمل أبداً، فلابد من العمل يومياً ولفترة ساعتين على الأقل، لأجمع ما بين أعمالي الفنية التي أرسمها وبين أعمالي النحاسية التي أشكلها، لقد اكتشفت نفسي من خلال هذا الإبداع، من خلال الجمع بين الفن التشكيلي وبين النحت على أرضية نحاسية.
إن لوحاته النحاسية تعود بالمشاهد إلى أعماق التراث بماضيه العريق أو هي تقوده إلى بانوراما لفكرة معينة أو موضوع خاص.
إن التشكيل الفني على النحاس الذي بدأ يتطور ويأخذ أشكالاً أكثر جمالية بفضل المهارات اليدوية الفنية العالية هو عمل ممتع وفن صعب جداً، وفي لوحات الخانجي يودع نماذجه ومنها نموذج المرأة في إعادة لإنتاج وجودها في هذا الزمن حتى لكأنها وضمن جدارية جميلة، ملحمة قد لاتتكرر.
يعمل الخانجي بطريقة قصدية لنجد في تلك الإشارات التي يضعها كلاً من عوامل الزمن أو عوامل الطبيعة أو الإنسان بحد ذاته، والفنان مع هذا يترك حسه مكان الضغط على الصفيحة النحاسية في مسار جمالي يخلق نوعاً جديداً من الجمال، وبهذا الأسلوب يحاول خلق أشكال لاتستجيب لشروط بعينها إلا لشروط خيال الفنان، إلا أنها تعتمد حركة يقودها الحس والخبرة والتدريب في مدار تقنية إنجاز اللوحة.
في تلك اللوحات يصبح العمل شكلاً ومضموناً في قلب التجريد ويتفرد الخانجي في هذه التقنية التي زاوج فيها بين الرسم والنحت في أنه أظهر براعته في الأشكال التكوينية لذلك المعدن/ النحاس.
الخانجي والفن التشكيلي والمولوية
ولايقتصر عمل الخانجي على النحاسيات وحسب إذ هو فنان تشكيلي في الأصل، وأعماله التشكيلية تفصح عن ثقافة واسعة وعمق فني، ولعل أهم الأعمال التي تميز بها على صعيد الفن التشكيلي أعماله عن المولوية...
والمولوية طريقة صوفية تنسب إلى مؤسسها جلال الدين الرومي، وقد اشتهرت بما يعرف بالرقص الدائري لمدة ساعات طويلة يدور فيها الراقصون حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ فيندمجون في مشاعر روحية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحي فيتخلصون من المشاعر النفسانية الإنسانية.
وقد ظهر في المولوية مدى تأثر جلال الدين الرومي بالعديد من كبار المتصوفين من أمثال : الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، والسهروردي، والبسطامي، والحلاج وغيرهم، ولاتزال هذه الطريقة مستمرة إلى يومنا هذا ويوجد لها مراكز في العالم العربي.
يقول الرومي في مقدمة (المثنوي): اسمع الناي يحكي الحكاية، ومن هجر الأحبة يأخذ في الشكاية، منذ أن كان من الغاب اقتلاعي، ضج الكون من صوت التياعي، ونار العشق هبت في الناي وليس الهواء، وكل من ليست لديه تلك النار فهو هباء.
وقد أقام الخانجي للمولوية معارض عدة بعد بحث وتمحيص في زواياها، ويقول: لقد ذهبت إلى زوايا المولوية وتحاورت مع المولويين وكانت غايتي التعمق بروحانياتهم من خلال حركاتهم ورقصهم ومن ثم تحويل هذه الحركات إلى خط ولون وحركة وسكون، المولوية حالة صوفية يجب أن يتعمق بها الفنان ليستطيع أن ينقل تلك الحالة إلى المتلقي.
في لوحاته عن المولوية أراد إظهار حالة السكون والحركة من خلال (المولوي) وعلاقته بالواقع وبالمفردات الموجودة لديه أثناء عزفه، وعلاقة الشيخ المعلم مع مريديه وعلاقة العازف مع نايه أو عوده أو رقّه، علاقة المولوي الراقص مع جسده وروحه، وأهم ما في هذا الموضوع المطروح هو علاقة المولوية بهذا الكون الفسيح وخالق هذا الكون، ومن ثم تحويلها إلى خط ولون ضمن مساحة بيضاء، تلك المساحة التي يقف أمامها الفنان ليضع كل أفكاره وأحاسيسه ويضع ألوانه وخطوطه بانفعالاته الجسدية والروحية.
حين يرسم الخانجي لايمكن إلا أن يكون منفعلاً داخلياً وخارجياً، فمن لايعرف الحزن – كما يقول – لايمكن أن يعبر عنه، والتواصل الإنساني له الفضل الأكبر في تربية أحاسيس الفنان والمواضيع التي يطرحها، لذلك هو يرسم منفعلاً من الداخل وأحياناً يتفجر في جسده شيء ما فيقوم ببعض الحركات في أثناء الرسم.
الفنان يأخذ جزءاً من كل، بمعنى أنه يأخذ حالة واحدة ويعمل عليها، والصوفية بحر كبير، إلا أن الفنان الخانجي قد أخذ منها الحركة والسكون عند المتصوفين في المولوية.
المولوي
في صورة المولوي التي يرسمها الخانجي نقف أمام حالة من الحركة والسكون، أمام تجليات الصوفية لنراها بواقعية تعبيرية، لنرى الراقص ممارساً عملاً إبداعياً تمتزج فيه الكلمة بالموسيقى باللون، وكما أن المولوي يعبر عن انفعاله من خلال الجسد فكذلك نرى الخانجي معبراً عن انفعاله من خلال اللون والخط لنخرج بعد رؤية أعماله في المولوية مستبصرين أمراً لا مرئياً هو رمز جديد استخدمه الخانجي ليحيل اللون إلى صورة تتماهى حتى الخلود.
في وجوه الراقصين نستطيع تلمس تلك النظرة المتجهة نحو السماء أو نحو الأرض، لتبرز معاني الصوفية في تلك النظرات.
يقول الخانجي : لوحاتي ليست أعمالاً توثيقية، هي تعبيرية واقعية وأعتقد لو تمعن المرء في عمق اللوحة لوجد أعمق من الصورة المشهدية، فيوجد أكثر من خمسين مولوياً يرقصون، لكل منهم تعبيره الخاص، وأركز على أن المولوية ليست حزينة بل مليئة بالفرح والتأمل، وسبب ذلك يعود إلى الغوص الداخلي في عمق الكون والخالق، ومن هنا تخلص المولويون من العلاقات المادية التي تسبب الحزن والقهر بين الناس، وأصبحت لاتعنيهم، وأصبحوا بعيدين عن الحزن والغضب والثورة بالحالة الروحية التي وصلوا إليها.
في تراثنا الكثير من الجوانب والقضايا والفلسفات التي تحتاج إلى البحث فيها واكتشافها، والمولوية إحدى هذه الجوانب، ولعل الخانجي في لوحاته عن المولوية استطاع أن يقدم هذا الجانب من خلال قراءة جديدة برؤية جديدة، فلباس المولوي الأبيض يعني الكفن، والمعاطف السود تعني القبر، فيما يشير الطربوش إلى شاهدة القبر، وجاءت الرقصات الجماعية للمولويين في إشارة إلى الآية القرآنية (وكل في فلك يسبحون) فالمولويون يشبهون برقصاتهم تلك الأفلاك التي تسبح في السماء في أقرب نقطة من خالقها.
وعبر ألوان الأزرق والأحمر والأخضر والأصفر، والتي لكل لون منها وظيفة رمزية يجسد الخانجي لوحاته عن المولوية ويقول عن تلك الألوان: إن الأزرق يشير إلى النقاء والسمو والأخضر إلى الخصب وعند بعض الشعوب يرمز إلى الأمومة، والأحمر إلى هيجان العواطف والثورات، والأصفر (الذهبي) إلى المقدس، إلا أنني عند تلوين لوحة (المولوي) لا أشعر كم هي حاجتي إلى أي لون من هذه الألوان، إذ كلها لاتكفيني للكشف عن انفعالاتي، فطاقة اللون الإشعاعية تحترق قبل أن أفرشها، هكذا أحس أحياناً، الألوان تحمل أفكارنا وبالتالي في لحظات الانفعال تجاور بعضها بعضاً برضا وتعطي اللوحة بنية معمارية.
هذه الإيقاعات البصرية التي نراها في لوحات (المولوية) للخانجي تعكس لنا ثقافة الروح التي تشع في روح الخانجي، فهو بين الخط واللون يجسد لنا طقوس جمالياته وابتكاراته ونصوص حكاياته، لنقف متأملين حالة الزهد والقداسة التي يعكسها لنا المولوي، فنكتشف العلاقة بين ذات الفنان وبين تفاصيل بصرياته وقدرته على التقاط اللحظة العارمة، والعامرة بالتبسيط الشكلي.
هو مشروع ثقافي فني يحاول من خلاله الخانجي تقديم ثقافته وفنه على حد سواء، وأسلوبيته وتقنيته المستعملة في هذه الهندسة الفنية الجميلة والتي مجالها الحيوي (المولوية).
يقول الخانجي: لقد جذبتني المولوية منذ زمن، حاولت خلاله أن أستكشف كنهها، ومن ثم بدأت بتحويل كل ذلك إلى خط ولون وتعبير... أردت التعبير عن ثنائية الحركة والسكون عند المولوية، كيف يبحثون عن السكون أو السلام الروحي من خلال الحركة، وكيف يضج سكونهم بالحركة، أقصد الحركة الداخلية، حركة الأفكار والتأملات.
المرأة وهواجس فنية جديدة!
في معرض أقامه الفنان الخانجي في صالته بحلب دارت موضوعاته حول المرأة، ثمة هاجس جديد بدأ يلوح في آفاق هذا الفنان، هاجس ربما لم يتطرق إليه بهذه الصورة الزاخرة بعوالم المرأة، وهي عوالم استطاع أن يدخل في تفاصيلها الدقيقة ليقدم هذه الرؤية الفنية بمفرداتها التشكيلية، وقد اشتمل المعرض على لوحات يربط بينها عالم المرأة الداخلي، وقد لعبت صورة الوجوه النسائية دوراً في إبراز ذاك العالم الداخلي المائج بالمجهول والمنتظر لما يجعل استمرار الحياة شيئاً لابد منه، مستخدماً في ذلك وسائط وتقنيات متنوعة، إلا أن الرسالة هي واحدة في كل تلك الوجوه، وهي محاولة الانعتاق من كل قيد أكان اجتماعياً أم فكرياً أم داخلياً، حتى كأننا نلمح في تلك الوجوه بعضاً من ملامح صوفية أو لربما قد تقترب من فن الأيقونة، مع التأكيد على التعابير ذات الدلالات التي تشي بالمأساة وبالحزن، فأية مأساة جسدها هذا الفنان في نسائه؟
وثمة رابط آخر يجمع ما بين تلك اللوحات ألا وهو العنصر التراثي ليشكل إشارة تاريخية تكون رمزاً من الرموز التي يود الفنان إضافتها إلى رؤيته الفنية؛ ليؤكد شرقيته المستوحاة من أحقاب التاريخ، وهنا نجد الإيقاع التقني المتداخل مع الأسلوب الفني ليغطي كل مساحات اللوحات التي تبقى وشماً في ذاكرة المتلقي ينشر لونه البني بكل فنية وتقنية.
ولكن لماذا المرأة؟
هل لأن عوالمها تحتاج إلى الكثير من البحث والتعمق والدراسة، وهل لأن هذه العوالم تكاد تكون الشغل الشاغل للفنان؟
في كل خط أو لون أو مسحة جمالية يفرشها الفنان الخانجي على لوحاته قد تكشف عن أعماق دفينة للمرأة في محاولة لسبر أغوار هذه الأعماق وتقديمها كما يراها هذا الفنان، تقديمها ضمن شكل تعبيري ذي ألوان تتدرج بطريقة تلعب دوراً كبيراً في قوة تأثيرها وانطباعها في الذاكرة.
يقدم الخانجي من خلال لوحاته تلك، رؤية انطباعية عن عالم تلك المرأة بكل ما تتضمنه من حالات تظهر جلياً في الوجوه وفي النظرات، كأننا نرى النسوة في اللوحات مفكرات، باكيات، متشائمات، ومتفائلات من دون أي ملمح من ملامح التفاؤل، وكأننا به يرسم تاريخاً من المرارة والعذاب، من الشقاء والتعاسة، في دراما لونية تتوج بفكرة البحث عن المجهول، عن الآتي الذي قد لايكون أجمل، ولكن هناك ما قد يبعث على التفاؤل وهذا متروك لفكر الفنان الذي فرش رؤيته تلك في محاولة لتصوير حالات القهر التي تحيل المرأة إلى عالم من الألغاز؟ فهل استطاع الخانجي فك لغز من تلك الألغاز؟
في لوحاته تلك عَبَر الخانجي محيطات المرأة ليصل إلى الشاطئ محملاً بأفكار وألوان تشكل عالماً حقيقياً للمرأة، واستطاع أن يضيء جوانب عديدة معتمة في عوالمها ليؤكد أنها لاتزال تنوس بين أحلامها وواقعها، بين غربتها وواقعيتها، بين رغباتها وقيودها.
الخانجي يبوح في لوحاته عوضاً عن المرأة بكل ما يصرخ في أعماقها، هو بوح حزين تشوبه نظرة تتجه باتجاهات عديدة، ولون قاتم يمتد ليتواصل مع الأفكار وينسج عالماً تقبع فيه المرأة مشدودة إلى قيود هي عادات وتقاليد واختناقات تكبل أحلامها.
إن تجسيده لهذا الجانب الإنساني في لوحاته يؤكد للمتلقي عمق رؤية الخانجي للواقع، رؤية تخوض غمار الفكر الأنثوي للوصول بهذا الكائن إلى شط مليء بالحرية، مليء بالقيم التي تتوق إليها المرأة والتي لاتزال تبحث عنها أنى اتجهت.
|